عرض مشاركة واحدة
  #23  
قديم 01-12-13, 02:21 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

التعليق وشرط البخاري في الرواة

هل هناك فرقٌ بين مَن أخرج لهم البخاري احتجاجًا ومَن أخرج لهم استشهادًا؟ هل الرواة الذين ساق البخاري أحاديثَهم مسندةً حُكمُهم عنده حُكمُ الذين ساق أحاديثهم معلَّقةً؟ هذه مسألةٌ هامَّة، لأنها تبيِّن دقَّة البخاري في إيرادِه الرواةَ في كتابه وتفريقِه بين مَن هم على شرطه ومَن ليسوا كذلك.

تنبيه الكلاباذي على رواة التعاليق
أول مَن وقفتُ عليه مَيَّزَ الرجالَ الذين أوردهم البخاري في صحيحه هو الكلاباذي، فقد قسَّمهم إلى أصناف: فمِنهم مَن احتجَّ البخاري به مفردًا، ومِنهم مَن أخرج له مقرونًا بغيره، ومِنهم مَن أخرج له بصيغة «قال لنا» وأضرابها، ومِنهم مَن علَّق حديثَه بصيغة «قال» وأضرابها. يقول الكلاباذي في مقدمة كتابه في رجال البخاري([1]): «عدَّة مَن أخرج أبو عبد الله ... حديثَهم في كتابه ... واحتجَّ بهم فيه ... بمن فيهم مِمَّن هو مقرونٌ بغيره ... وهُم سوى مَن أخرج حديثَه فلَمْ يَذكر الخبر في أوَّل الإسناد، ولكنه قال مكان (حدثني) و (نا فلان): (وقال لي) (وقال لنا) (وزادني) (وزادنا فلان)، وعدَّتهم. سوى مَن قال في أول إسناده: (وقال فلان) وأرسل ذلك عن مَن رآه وسمع مِنه وحدَّث عنه في الجامع وغيره ولَمْ يُضِفْهُ إلى نفسه، وعدَّتهم على ما أخرج». اهـ

وقد عَقَدَ الكلاباذي فصلاً لهؤلاء المذكورين في التعاليق، فقال([2]): «ومِنهم مَن أورد حديثهم فيه فقال في أول الأسانيد: (وقال فلان) (وزاد فلان)، ولَمْ يُضِفْ ذلك القول ولا تلك الزيادة إلى نفسه». اهـ ثم ذَكَرَ مِن هؤلاء الرواة: عبد الرحمن بن غنم([3]) وعطية بن قيس([4]) وأبا مالك أو أبا عامر الأشعري(
[5]) الذين وردوا في إسناد حديث المعازف الذي علَّقه البخاري عن شيخه هشام بن عمار. فهذا صريحٌ مِن الكلاباذي في التفريق بين مَن أسند البخاري حديثهم ومَن علَّقه، وقد سَمَّى الكلاباذي تعليقَ البخاري عن شيوخه إرسالاً كما رأيتَ.

تفريق الدارقطني بين الاستشهاد والاعتماد
جاء تصنيف الدارقطني في رجال البخاري أقلَّ تنسيقًا مِن الكلاباذي، فقال في أوَّله([6]): «ذِكْر أسماء مَن اشتمل عليه كتاب محمد بن إسماعيل البخاري الجامع للسنن الصحاح عن رسول الله r مِن التابعين فَمَن بَعدهم إلى شيوخه على حروف المعجم». اهـ ولَمْ يقسِّمهم كما فعل الكلاباذي. على أنه بعد أن فرغ مِن ذِكر أسماء هؤلاء الرواة، إذا به يعقد فصلاً لِمَن استشهد بهم البخاري في كتابه فقال([7]): «ومِمَّن ذكره البخاري اعتبارًا بحديثه وروايته أو مقرونًا مع غيره». وسرد عدَّةً مِنهم.

ومع أنَّ الدارقطني لَمْ يَشرط في كتابه هذا أن يميِّز بين الرواة الذين احتجَّ بهم البخاري وبين الذين استشهد بهم، إلاَّ أنه بهذا الفصل الذي ختم به الكتاب كان يلزمه أن يفعل حتى لا ينحصر رواة الاستشهاد في هؤلاء الرواة المذكورين دون غيرهم. مع أنه في أثناء ذِكره أسماءَ الرواة الأُوَل نَبَّه على بعضِ مَن ذَكَرَهم البخاري استشهادًا، فقال([8]): «إسحاق بن يحيى الكلبي، عن الزهري، اعتبارًا وشاهدًا». اهـ وهو أول اسمٍ ذكره في ذلك الفصل اللاحق. وقال أيضاً في الرواة الأُوَل([9]): «حماد بن سلمة في الشواهد». اهـ ولَمْ يَذكره في الفصل اللاحق. وهذا يؤكِّد أن أسماء الرواة الذين أوردهم الدارقطني أولاً فيهم مَن هم على شرط البخاري وفيهم مَن ليسوا كذلك، وكان الأليق تقسيمهم على مقتضى تبويبه الأخير هذا. لأنَّ فيهم كثيرًا مِن الرواة يَلزم الدارقطنيَّ ذِكرُهم فيمَن استشهد بهم البخاري، كعمران القطان وداود بن أبي هند وبشر بن ثابت وبكر بن سوادة وموسى بن خلف وأبان بن صالح وغيرهم.

فهؤلاء الرواة الذين أخرج لهم البخاري استشهادًا ليسوا حُجَّةً عنده، ولذلك قال الدارقطني لَمَّا سأله الحاكمُ عن إسحاق بن يحيى الكلبي([10]): «والبخاري يستشهده ولا يعتمده في الأصول». اهـ فتبيَّن بهذا أنَّ مَن لَمْ يُسند البخاريُّ حديثَه محتجًّا به فليس هو مِمَّن يُعتمد عليه عنده.

تنبيه الحاكم على الرواة غير المعتمدين
خَصَّ أبو عبد الله الحاكمُ في مَدْخَلِه رواةَ التعاليق والشواهد ببابٍ منفصلٍ عن غيرهم مِن الرواة قال فيه([11]): «فذكرتُ في هذا الموضع أسامي جماعةٍ مِمَّن لَمْ يعتمدهم أبو عبد الله رحمه الله منفردين بل ضمَّهم إلى غيرهم واستشهد بهم». اهـ فذكرهم على حروف المعجم، ثم قال([12]): «وفي الشواهد أيضاً .. عبد الرحمن بن غنم الأشعري في الأشربة، عطية بن قيس في الأشربة». اهـ وهما المذكوران في حديث المعازف المعلَّق. فتبيَّن بهذا أنَّ الحاكم لَمْ يَجعل تعاليق البخاري عن شيوخه مِمَّا أخرج احتجاجًا بل استشهادًا، ولذلك لَمْ يَجعل هؤلاء الرواةَ مِن الرواة المعتمدين في صحيح البخاري. وقوله هذا صريحٌ في مسألتنا.

تفريق المزي ومِن بَعدِه ابن حجر
أمَّا المزيُّ فقد فرَّق بين ما أخرجه البخاري مسندًا وما أخرجه تعليقًا، فجَعَلَ لكل نوعٍ مِنهما علامةً خاصةً به للتمييز بينهما. فقال في مقدمة تهذيبه([13]): «وعلامة ما أخرجه البخاري في الصحيح (خ)، وعلامة ما استشهد به في الصحيح تعليقًا (خت)». اهـ فحُكْمُ تعاليق البخاري عند المزي ليس هو كحُكم مسنداته، لأنَّ ما عَلَّقه البخاري في صحيحه ولَمْ يصل إسناده فهو عنده استشهادٌ وليس روايةً، لا فرق في ذلك بين ما عَلَّقه عن شيوخه وما عَلَّقه عَمَّن فوقَهم. يؤكِّد ذلك ما ذَكَرَه المزي في ترجمة أبي صالح كاتب الليث حيث قال([14]): «استشهَدَ به البخاري في الصحيح .. ورَوَى عنه في كتاب القراءة خلف الإمام وغيره». اهـ وأبو صالح مِن شيوخ البخاري الذين سَمِعَ مِنهم، فعُلم مِن تفريقِ المزيِّ بين الاستشهاد والرواية أنَّ هذا يَشمل ما علَّقه البخاري عن شيوخه أيضًا.

ولذلك تجد المزي قد رَمَزَ في تهذيبه لعطية بن قيس([15]) بعلامة تعليق البخاري (خت)، ثم قال: «استشهَدَ له البخاري بحديثٍ واحد». اهـ وكذا فَعَلَ مع عبد الرحمن بن غنم([16]) فرمز له بعلامة التعليق (خت) وقال: «استشهَدَ به البخاري». اهـ فهذا صريحٌ في أنَّ هؤلاء الرواة ليسوا مِمَّن أخرج لهم البخاري محتجًّا بهم في الصحيح، وإنما هم مِمَّن استشهد بهم ولَمْ يعتمدهم.

ولذلك قال ابن حجر في مقدمة شرحه([17]): «تخريج صاحب الصحيح لأيِّ راوٍ كان مقتضٍ لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته ... هذا إذا خرَّج له في الأصول. فأمَّا إن خرَّج له في المتابعات والشواهد والتعاليق، فهذا تتفاوت درجاتُ مَن أخرج له مِنهم في الضبط وغيره، مع حصول اسم الصدق لهم». اهـ ولهذا فَصَلَ ابنُ حجر بين هؤلاء وهؤلاء في الفصل التاسع الذي عقده لرجال البخاري الذين طُعن فيهم، فبعد أن فرغ مِن الأوَّلين أفرد فصلاً للآخرين([18]).

وما قرَّره الكلاباذي في هذه المسألة هو الأشبه بالصواب، لضرورة التفريق بين هؤلاء الرواة وتمييز رواياتهم في الصحيح. ويتبيَّن مِن هذا أنَّ الرواة الذين يذكرهم البخاري في التعاليق ليسوا على شرطه ولا هم مِمَّن يَعتمد عليهم، وإنما ذكرهم استشهادًا واستئناسًا لا اعتمادًا واحتجاجًا.

----------------------------------------
[1]- رجال صحيح البخاري للكلاباذي، دار المعرفة، بيروت 1407هـ 1987م، ص23-24. ومقدمة المصنِّف على أهميتها محذوفة مِن نسخة الشاملة!
[2]- رجال صحيح البخاري ص876.
[3]- السابق، ترجمة رقم 1501.
[4]- السابق، ترجمة رقم 1502.
[5]- السابق، ترجمة رقم 1503.
[6]- ذكر أسماء التابعين ومَن بعدهم 1/47.
[7]- السابق 1/435.
[8]- السابق 1/61.
[9]- السابق 1/110.
[10]- سؤالات الحاكم للدارقطني 280.
[11]- المدخل إلى الصحيح للحاكم 4/21.
[12]- السابق 4/43.
[13]- تهذيب الكمال للمزي 1/149 وهو في مقدمة تحفة الأشراف أيضًا 1/6.
[14]- تهذيب الكمال 15/99.
[15]- السابق 20/153.
[16]- السابق 17/339.
[17]- هدى الساري ص385.
[18]- السابق ص456.
رد مع اقتباس