عرض مشاركة واحدة
  #26  
قديم 01-12-13, 08:33 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

أقوال العلماء قبل ابن الصلاح

مَن وقفتُ على أقوالهم مِن العلماء الذين كانوا قَبْلَ ابن الصلاح لَمْ يكونوا يُفَرِّقون بين ما علَّقه البخاري عن شيوخه وبين ما علَّقه عمَّن فوقهم، بل جعلوا حُكْمَ الجميعِ واحدًا وهو أنه منقطع الإسناد لأنَّ البخاري لَمْ يَذكر فيه السماع. وسأستعرض في ذلك المبحث وما يتلوه أقوالَ العلماء في هذه المسألة بحسب ترتيبهم الزمني، فإنه كاشفٌ للفارق بين كلا المذهبين في تقرير الانقطاع.

أبو بكر الإسماعيلي [ت 371 هـ]
مِن عادة الإسماعيلي في مستخرجه أنه إذا عَلَّق البخاريُّ حديثًا عن شيوخه أو مَن فوقَهم يقول: «أخرجه البخاري بلا خبر» يعني لَمْ يُسنده، وهذا مِن الإسماعيلي حُكمٌ بالانقطاع. يظهر ذلك جليًّا في كلامه على حديث إماطة الأذى عن الصبي في العقيقة والذي علَّق البخاري إحدى طرقه عن شيخه أصبغ بن الفرج فقال في صحيحه([1]): وقال أصبغ: أخبرني ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين: حدثنا سلمان بن عامر الضبي قال: سمعت رسول الله r يقول: «مع الغلام عقيقة، فأهريقوا عنه دمًا وأميطوا عنه الأذى».

قال الإسماعيلي([2]): «لَمْ يُخرج البخاريُّ في الباب حديثًا صحيحًا على شرطه: أمَّا حديث حماد بن زيد - يعني الذي أورده موصولا ً- فجاء به موقوفًا، وليس فيه ذِكْرُ إماطة الأذى الذي تَرْجَمَ به. وأمَّا حديث جرير بن حازم، فذكره بلا خبر. وأمَّا حديث حماد بن سلمة، فليس مِن شرطه في الاحتجاج». اهـ قلتُ: وحديث جرير بن حازم الذي يقصده الإسماعيلي هو الذي علَّقه البخاري عن شيخه أصبغ. فانظر كيف جَعَلَ الإسماعيليُّ تعليقَ البخاريِّ للحديث سببًا في كونه ليس على شرطه لعدم اتصال سنده، ولَمْ يَحمله الإسماعيليُّ على الاتصال بزعم أنَّ البخاري إنما علَّقه عن شيخه.

قال ابن حجر تعقيبًا على كلام الإسماعيلي([3]): «وأمَّا حديث جرير بن حازم وقوله إنه ذكره بلا خبر، يعني لَمْ يَقُلْ في أول الإسناد: (أنبأنا أصبغ) بل قال: (قال أصبغ). لكن أصبغ مِن شيوخ البخاري قد أكثر عنه في الصحيح، فَعَلَى قول الأكثر هو موصولٌ كما قَرَّره ابنُ الصلاح في علوم الحديث. وعلى قول ابن حزم هو منقطعٌ، وهذا كلام الإسماعيلي يشير إلى موافقته. وقد زَيَّفَ الناسُ كلامَ ابنِ حزم في ذلك». اهـ قلتُ: فهذا صريحٌ مِن ابن حجر في أنَّ مذهب الإسماعيلي في هذه التعاليق هو الانقطاع، خلافًا للمتأخرين الذين وافقوا ابنَ الصلاح. ومعنى هذا أنَّ أول مَن قال بأنَّ هذه المعلَّقات منقطعةٌ هو أبو بكر الإسماعيلي لا ابن حزم كما هو شائع.

وقد نَصَّ الإسماعيليُّ في المدخل إلى مستخرجه على أنَّ البخاري إذا علَّق حديثًا ولَمْ يُسنده في موضعٍ آخر: فيكون إمَّا أنه وَقَعَ له عن ذلك الراوي بإسنادٍ نازل، فيعلِّقه عن ذلك الراوي اكتفاءً بشهرة الحديث عنه. وهذا يصنعه البخاري مع الطبقات العالية مِن الرواة. وإمَّا أنَّ مَن سَمِعَ مِنه البخاريُّ الحديثَ ليس على شرطه، فيعلِّقه عن الراوي مِن باب التنبيه عليه لا التحديث عنه. وهذا يصنعه البخاري مع شيوخه، وبه يتبيَّن أنه يروي هذه الأحاديث بواسطةٍ ولم يسمعها منهم.

يقول الإسماعيلي في المدخل([4]): «كثيرًا ما يقول البخاري: (قال فلان) و (قال فلان عن فلان). فيحتمل أن يكون إعراضه عن التصريح بالتحديث لوجوه؛ أحدها: ألاَّ يكون قد سمعه مِمَّن يثق به عاليًا، وهو معروفٌ مِن جهة الثقات عن ذلك المَرْوِيِّ عنه. فيقول: (قال فلان) مقتصرًا على صحته وشهرته مِن غير جهته. والثاني: أن يكون قد ذكره في موضعٍ آخر بالتحديث، فاكتفى عن إعادته ثانيًا. والثالث: أن يكون مَن سَمِعَ مِنه ذلك ليس مِن شرط كتابه. فنَبَّهَ على الخبر المقصود بتسمية مَن قاله، لا على وجه التحديث به عنه». قال([5]): «وأمَّا ما كان مِن ذلك، فهو صحيحٌ سائغٌ غير مدفوع». اهـ قلتُ: ويَقصد بعبارته الأخيرة أنَّ صنيع البخاري هذا لا مشاحة فيه ولا وجه للإنكار عليه في استخدامه هذه الصيغة. وقول الإسماعيلي: «لا على وجه التحديث به عنه» يعني أنَّ هذا الراوي هو مِن شيوخ البخاري الذين يُحَدِّث عنهم، ولكنه هنا لَمْ يَذكر تحديثًا فيكون صريحًا في عدم الاتصال. ويُعد الإسماعيليُّ أَقْدَمَ مَن تكلَّم في هذه المسألة.

أبو عبد الله بن منده [ت 395 هـ]
لَمْ يَحمل ابنُ منده روايةَ البخاري عن شيوخه بصيغة «قال فلان» على السماع، بل حَكَمَ بانقطاعها بأنْ جَعَلَها مِن التدليس. فقال في جزءٍ له في اختلاف الأئمة في القراءة والسماع والمناولة والإجازة([6]): «أخرج البخاري في كتبه الصحيحة وغيرها: (قال لنا فلان) وهي إجازة، و (قال فلان) وهو تدليس. قال: وكذلك مسلم أخرجه على هذا». اهـ ويقصد به أنَّ البخاري يروي هذه الأحاديث بواسطةٍ بينه وبين هؤلاء الشيوخ، فحَذَفَ الواسطةَ ولَمْ يُصرِّح بالتحديث. فسَمَّى صنيعَ البخاري هذا تدليسًا على وفق اصطلاح المحدِّثين.

قال ابن حجر([7]): «وأمَّا قول ابن منده: "أخرج البخاري (قال) وهو تدليس"، فإنما يعني به أنَّ حُكم ذلك عنده هو حُكم التدليس، ولا يلزم أن يكون كذلك حُكمه عند البخاري». اهـ ثم قال ابن حجر في مكانٍ آخر([8]): «والذي يَظهر لي أنَّ مراد ابن منده أنَّ صورته صورة التدليس لأنه يورده بالصيغة المحتملة ويوجد بينه وبينه واسطة، وهذا هو التدليس بعينه». اهـ ولَمْ يوافِق ابنَ منده أحدٌ في إطلاق هذه التسمية على تعاليق البخاري، وإن كان في كلام زين الدين العراقي ما يؤيده على ما سيأتي في موضعه.

أبو نصر الكلاباذي [ت 398 هـ]
سَمَّى الكلاباذيُّ ما يعلِّقه البخاري إرسالاً، سواءٌ في ذلك ما علَّقه عن شيوخه أو مَن فوقَهم. فقال في أوَّل كتابه عن رجال البخاري في تعداد أصناف الرواة الذين أخرج لهم([9]): «مَن قال في أول إسناده: (وقال فلان) وأرسل ذلك عن مَن قد رآه وسمع مِنه وحدَّث عنه في الجامع وغيره، ولم يضفه إلى نفسه». اهـ فقوله: «عن مَن قد رآه وسمع مِنه وحدَّث عنه» صريحٌ في كونهم مِن شيوخه، ومع ذلك جعل الكلاباذي روايته عنهم مرسلةً. ولذلك مَيَّزَ بين الرواة الذين أخرج لهم البخاري بصيغة التحديث وبين الرواة الذين أخرج لهم بصيغة التعليق كما رأيتَ. فَوَصْفُ الكلاباذي تعليقَ البخاري هذا بأنه إرسالٌ هو صريحٌ في الانقطاع، وهو في هذا على وفق اصطلاح القدماء. وهذا الوصفُ أَلْيَقُ مِن وَصْف ابن منده، وإن اتحدا في الصورة.

أبو نعيم الأصبهاني [ت 430 هـ]
كان مِن عادة أبي نعيم في مستخرجه هو أيضًا أن يقول في تعاليق البخاري: «ذكره البخاري بلا رواية» يعني لَمْ يصل إسناده. قال ابن حجر في معرض كلامه على تعليق البخاري عن شيوخه إنَّ الحميدي لم يكن أوَّلَ مَن نَبَّه على ذلك([10]): «فقد سبقه إلى نحوه أبو نعيم شيخُ شيخِه، فقال في المستخرج عقب كل حديثٍ أورده البخاري عن شيوخه بصيغة (قال فلان كذا): "ذكره البخاري بلا رواية"». اهـ وقال أيضاً([11]): «عادته إذا وَقَعَ بصيغة (قال) مجرَّدةً، أن يقول: "أخرجه بلا رواية" يعني صيغة صريحة». اهـ وقال أيضاً([12]): «وقال أبو نعيم في المستخرج: "ذكره البخاري بلا رواية" يعني معلَّقًا». اهـ

وهذا عند أبي نعيم حُكمه الانقطاع، لا فرق بين ما علَّقه البخاريُّ عن شيوخه وعمَّن فوقَهم، إذ في كُلٍّ لَمْ يَذكر سماعًا. فقد قال في حديث ابن عمر في بول الكلاب في المسجد الذي علَّقه البخاري عن شيخه أحمد بن شبيب([13]): «رواه البخاري بلا سماع». اهـ وهذا كما ترى خلافًا لمذهب ابن الصلاح ومَن وافَقَه. قال ابن حجر في أحد الأحاديث([14]): «قوله: (وقال عفان) هو ابن مسلم الصفار. وهو مِن شيوخ البخاري، لكن أكثر ما يُخرج عنه بواسطة. وهو مِن المعلَّقات التي لم يصلها في موضعٍ آخر، وقد جزم أبو نعيم أنه أخرجه عنه بلا رواية. وعلى طريقة ابن الصلاح يكون موصولاً». اهـ فهذا صريحٌ مِن ابن حجر في أنَّ مذهب أبي نعيم في مسألتنا هو الانقطاع بخلاف مذهب ابن الصلاح. ولذلك قال السخاوي([15]): «وقال الذهبي: "حُكمه الانقطاع". ونحوه قول أبي نعيم: "أخرجه البخاري بلا رواية"». اهـ

----------------------------------------
[1]- صحيح البخاري 5471.
[2]- فتح الباري 9/590.
[3]- السابق 9/591.
[4]- نكت الزركشي 2/51 واللفظ له ونكت ابن حجر 2/599. وقد سبق إيراده في الفصل الأول.
[5]- ألحقه الزركشي بهذا النقل، وليس عند ابن حجر.
[6]- التقييد والإيضاح ص34 واللفظ له ونكت الزركشي 3/479.
[7]- نكت ابن حجر 2/602.
[8]- فتح الباري 10/53.
[9]- رجال البخاري للكلاباذي ص24.
[10]- نكت ابن حجر 2/602.
[11]- فتح الباري 13/506.
[12]- السابق 2/140.
[13]- التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن 4/250.
[14]- فتح الباري 10/158.
[15]- فتح المغيث للسخاوي 1/79.
رد مع اقتباس