عرض مشاركة واحدة
  #27  
قديم 01-12-13, 09:45 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

المهلب بن أبي صفرة [ت 435 هـ]
الأحاديث المقطوعة عند المهلب بن أبي صفرة هي المنقطعة على وفق اصطلاح القدماء، وهي التي لم تتصل أسانيدها. وقد أَطلَقَ المهلَّبُ ذلك الوصف على تعاليق البخاري لأنه لَمْ يُسندها ولَمْ يَذكر مِمَّن سمعها، ولَم نجده فَرَّقَ بين ما علَّقه البخاري عن شيوخه وبين ما علَّقه عمَّن فوقَهم لأنه في كُلٍّ لَمْ يَذكر سماعًا. ولذلك حَكَمَ المهلبُ بانقطاع حديث المعازف الذي علَّقه البخاري عن شيخه هشام بن عمار لأنَّ البخاري لَمْ يُسنده.

يقول المهلب في مختصره لصحيح البخاري([1]): «وأحاديث مقطوعة لَمْ يُسْنِدْها كحديث: "إنْ لقيتم فلانًا وفلانًا فأحرقوهما بالنار" وحديث ابن عباس: "ليس السعي بين الوادي بين الصفا والمروة بسُنَّة". قال فيهما البخاري: "وقال ابن وهب"، ولَمْ يَذكر مَن حَدَّثه عنه». اهـ وقال أيضاً([2]): «ولمَّا خَرَّجْتُ مِن الأحاديثِ الأكملَ، ورَكَّبْتُ مِنها المُشَتَّتَ فاتَّصَلَ، أَلْفَيْتُ الذي صدَّر به مِن الحديث في أوائل الأبواب مقطوعًا، وأكثرها في الكتاب مسندًا في غير تلك الأبواب المصدَّر بها فيها». اهـ وقال في حديث المعازف الذي علَّقه البخاري عن شيخه هشام بن عمار([3]): «هذا الحديث لم يُسنده البخاري». اهـ قلتُ: فيتبيَّن مِن هذا أنَّ مذهب المهلب في مسألتنا هو بخلاف مذهب ابن الصلاح أيضًا.

ابن حزم الظاهري [ت 456 هـ]
موقف ابن حزم مِن حديث المعازف الذي علَّقه البخاري عن شيخه هشام بن عمار مشهورٌ، حتى إنَّ المتأخرين مِن العلماء ينسبون القول بالانقطاع إليه لكونه أَوَّلَ مَن أَعَلَّ الحديث صريحًا، مع أنه مسبوقٌ كما رأيتَ. يقول ابن حزم في رسالته في الغناء([4]): «وأمَّا حديث البخاري فَلَمْ يُورده البخاري مسندًا، وإنما قال فيه: (قال هشام بن عمار)». اهـ وقال في المحلَّى([5]): «وهذا منقطعٌ لَمْ يَتَّصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد». اهـ قلتُ: قوله «صدقة بن خالد» سهوٌ مِنه والمقصود هو هشام بن عمار شيخ البخاري، ولذلك أصلحه ابنُ الصلاح في نَقْلِه عنه([6]).

وقد رأى الزركشيُّ أنَّ موقف ابن حزم مِن حديث المعازف مناقضٌ لِمَا قَرَّره هو نفسه مِن أنَّ الراوي إذا رَوَى عن شيخه بصيغة «قال» فهو محمولٌ على الاتصال. فقال الزركشي([7]): «أطلقه ابنُ حزم فقال في كتاب الإحكام: "وإذا عُلم أنَّ العدل قد أَدرك مَن رَوَى عنه مِن العدول، فهو على اللقاء والسماع، سواء قال: (أخبرنا) أو (حدثنا) أو (عن فلان) أو (قال فلان)، كل ذلك محمولٌ على السماع منه". انتهى. وهذا قد يشكل على تعليله حديث المعازف الآتي». اهـ ثم قال بعد ذلك([8]): «وقد قال ابن حزم في كتابه الإحكام في أصول الفقه إنَّ (قال) محمولةٌ على السماع إذا عُلم إدراك الراوي للقائل، فكيف يجعله هنا منقطعًا!». اهـ

ووافقه في هذا الاعتراض ابنُ حجر، فقال([9]):«قال ابن حزم في كتاب الإحكام: "اعلم أنَّ العدل إذا رَوَى عَمَّن أدركه مِن العدول، فهو على اللقاء والسماع، سواء قال: (أخبرنا) أو (حدثنا) أو (عن فلان) أو (قال فلان)، فكل ذلك محمولٌ على السماع منه". انتهى. فيُتعجَّب مِنه مع هذا في رَدِّه حديث المعازف ودعواه عدم الاتصال فيه!». اهـ

ولا وجه هنا لاعتراض الزركشي ومِن بَعده ابن حجر، فقد قَيَّدَ ابنُ حزم قولَه هذا بقيدٍ أسقطاه مِن نَقْلِه اختصارًا وزَعَما أنَّ ابن حزم أطلقه. يقول ابن حزم في الإحكام([10]): «وإذا عَلِمنا أنَّ الراوي العدل قد أَدرك مَن رَوَى عنه مِن العدول، فهو على اللقاء والسماع. لأنَّ شرطَ العدلِ القبولُ، والقبول يضاد تكذيبه في أن يُسند إلى غيره ما لم يسمعه مِنه، إلاَّ أن يقوم دليلٌ على ذلك. وسواء قال: (حدثنا) أو (أنبأنا)، أو قال: (عن فلان)، أو قال: (قال فلان)، كل ذلك محمولٌ على السماع منه». اهـ فقوله: «إلاَّ أن يقوم دليلٌ على ذلك» أي على أنه رَوَى عن هذا الشيخ ما لَمْ يسمعه مِنه. فعُلم أنَّ ابن حزم في حُكمه بالانقطاع على تعليق البخاري عن شيخه قد أَخْرَجَ هذه التعاليق مِن ذلك الحُكم، لِمَا عُلِم مِن طريقة البخاري في إيراده للأحاديث المسندة في صحيحه كما مَرَّ عليك. وقد يؤخذ مِن ذلك أنَّ قولَ ابنِ حزم هذا متجهٌ إلى الرواة القدماء دون أصحاب التصانيف اللاحقة.

أبو الوليد الباجي [ت 474 هـ]
لَمَّا ذَكَرَ الباجي ترجمة عمران القطان في كتابه عن رجال البخاري، نبَّه على أنَّ البخاري إنما علَّق حديثه عن شيخه عبد الله بن رجاء وليس هو مِمَّا سمع. فقال الباجي في هذا الحديث([11]): «لم يسمعه البخاري، وإنما يقول في غزوة ذات الرقاع: (قال عبد الله بن رجاء)». اهـ وعبد الله بن رجاء هو مِن شيوخ البخاري الذين سمع مِنهم وحدَّث عنهم في الصحيح. وقول الباجي: «لم يسمعه» أصرح في الانقطاع مِن قولهم: «لم يسنده»، لأنه قد يكون مسموعًا عنده ولكنه تعمَّد عدم إسناده. فهذا يدلُّ على أنَّ مذهب أبي الوليد في هذه التعاليق أنها ليست مِن مسموعات البخاري، وهذا صريحٌ في الانقطاع.

أبو عبد الله الحميدي [ت 488 هـ]
كان الحميدي في الجمع بين الصحيحين إذا علَّق البخاريُّ حديثًا ولَمْ يُسنده، يُنبِّه عليه بقوله: «أخرجه البخاري تعليقًا»، لا فرق بين ما علَّقه عن شيوخه وعَمَّن فوقهم. فقال في حديثٍ علَّقه البخاري([12]) عن شيخه حجاج بن منهال([13]): «وأخرجه البخاري تعليقًا بلا إسناد فقال: "وقال حجاج بن منهال"». اهـ قلتُ: فقوله «بلا إسناد» هو كقولِ الإسماعيلي «بلا خبر» وقولِ أبي نعيم «بلا رواية»، وهو صريحٌ في كونه منقطعًا.

قال ابن الصلاح([14]): «التعليق الذي يذكره أبو عبد الله الحميدي صاحب الجمع بين الصحيحين وغيرُه مِن المغاربة في أحاديثَ مِن صحيح البخاري قُطِعَ إسنادُها - وقد استعمله الدارقطنيُّ مِن قبلُ - صورته صورة الانقطاع، وليس حُكْمُه حُكْمَه». اهـ قلتُ: هذا التفريق المصطنع بين صورة التعليق وحُكمه لا أعلم أحدًا مِن العلماء قال به قَبْل ابن الصلاح، بل جاء كلامهم على تلك التعاليق مِن باب التنبيه على عدم اتصالها لكون أسانيدها قُطعت. فكيف يكون التعليقُ عندهم انقطاعًا واتصالاً في آن!

قال ابن حجر([15]): «وقد جَزَمَ العلامة ابن دقيق العيد بتصويب الحميدي في تسميته ما يذكره البخاري عن شيوخه تعليقًا، إلا أنه وافق ابنَ الصلاح في الحكم بالصحة لِمَا جَزَمَ به، وهو موافقٌ لِمَا قرَّرناه. على أنَّ الحميدي لم يخترع([16]) ذلك، فقد سبقه إلى نحوه أبو نعيم شيخ شيخه». اهـ قلتُ: فهذا صريحٌ مِن ابن حجر في أنَّ مذهب الحميدي هو نفس مذهب أبي نعيم بانقطاع السند، خلافًا لمذهب ابن الصلاح.

أبو بكر بن العربي [ت 543 هـ]
لابن العربي شرحٌ على البخاري مفقود([17])، وقد ذَكَرَ فيه أن تعليق البخاري عن أحد شيوخه هو انقطاعٌ في السند. قال الزركشي([18]): «واعلم أنَّ اعتراض ابن حزم بذلك ساعده عليه صاحبه الحميدي في الجمع بين الصحيحين، فإن البخاري قال: (وقال عثمان بن الهيثم: حدثنا عوف، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: وكَّلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ فجعل يحثو مِن الطعام) وذكر الحديث. فقال الحميدي: "أخرجه البخاري تعليقًا". بل قال ابن العربي: "أخرجه البخاري مقطوعًا"». اهـ وقال ابن حجر في شرح ذلك الحديث([19]): «هكذا أَوْرَدَ البخاريُّ هذا الحديثَ هنا، ولم يصرِّح فيه بالتحديث. وزَعَمَ ابنُ العربي أنه منقطع». اهـ وقال السخاوي([20]): «وعلى الحُكم بكونه تعليقًا مشى المزيُّ في أطرافه، ولم يقل إنَّ حكمه الانقطاع. ولكن قد حَكَمَ عبدُ الحق وابن العربي السني بعدم اتصاله». اهـ قلتُ: وعبد الحق هو الإشبيلي الآتي ذِكرُه.


عبد الحق الإشبيلي [ت 582 هـ]
لَمَّا ذَكَرَ عبدُ الحق في الجمع بين الصحيحين حديث المعازف الذي علَّقه البخاري عن شيخه هشام بن عمار، قال([21]): «ولَم يصل سنده بهذا الحديث». اهـ فهذا حُكمٌ مِنه على السند بالانقطاع كما نبَّه السخاوي، ولَمْ يَحمله على الاتصال مع أنَّ هشام بن عمار مِن شيوخ البخاري الذين سمع منهم.

ابن القطان [ت 628 هـ]
تعاليق البخاري عند ابن القطان ليست على شرط الصحيح لكونها منقطعة الأسانيد، وإنما يُعتدُّ بما أسنده البخاري لا ما علَّقه. وهو نفس ما قَرَّره الإسماعيلي مِن قبلُ كما ذكرنا، وهو الأصل في هذه المسألة. يقول ابن القطان في أحد الأحاديث([22]): «وهذا إنما هو شيءٌ علَّقه البخاريُّ ولَمْ يُوصل إسنادَه. وهو دائبًا يُعَلِّق في الأبواب مِن الأحاديث ما ليس مِن شرطه، ويَكتب توصيلَ بعضِ ذلك الرواةُ عنه في حاشيةِ الموضع، ولا يُعَدُّ ذلك مِمَّا أَخرجَ». اهـ وقال أيضاً([23]): «والبخاري رحمه الله فيما يُعَلِّق مِن الأحاديث في الأبواب غير مبالٍ بضعف رواتها، فإنها غير معدودةٍ فيما انتخب وإنما يُعَدُّ مِن ذلك ما وَصَلَ الأسانيدَ به». اهـ ولَمْ يفرِّق ابنُ القطان بين ما علَّقه البخاري عن شيوخه أو عمَّن فوقَهم، بل كلامه جارٍ على حُكم الأصل.
----------------------------------------
[1]- المختصر النصيح في تهذيب الكتاب الجامع الصحيح للمهلب بن أبي صفرة 1/150.
[2]- السابق 1/149.
[3]- شرح البخاري لابن بطال 6/50.
[4]- رسائل ابن حزم 1/434.
[5]- المحلى بالآثار لابن حزم 7/565.
[6]- قال ابن الصلاح في مقدمته ص68: «فزعم ابن حزم أنه منقطعٌ فيما بين البخاري وهشام». اهـ
[7]- نكت الزركشي 2/38.
[8]- السابق 2/47.
[9]- نكت ابن حجر 2/603.
[10]- الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم 2/21.
[11]- التعديل والتجريح لأبي الوليد الباجي 1159، 3/1138.
[12]- صحيح البخاري 7440.
[13]- الجمع بين الصحيحين للحميدي 1902.
[14]- مقدمة ابن الصلاح ص67.
[15]- نكت ابن حجر 2/602.
[16]- في المطبوع: «لم يخرج»، ونبَّه المحقق إلى أنها هكذا وقعت في النسخ الخطية ثم قال: «ولعلَّه: لم ينفرد». اهـ قلتُ: وهي بالفعل «لم يخرج» في النسخ الخطية الأربعة التي وقفتُ عليها، فالأشبه أنها محرفة. ولعلَّ ما أَثبتُّه هو الأقرب لرسم الكلمة ومقتضى السياق.
[17]- أشار إليه ابن العربي في تفسيره المسمَّى أحكام القرآن ط العلمية 1/98 وفي مواضع عدة. وقال ابن حجر في نزهة النظر ص48: «وصرَّح القاضي أبو بكر بن العربي في شرح البخاري .. إلخ». اهـ
[18]- نكت الزركشي 2/42-43.
[19]- فتح الباري 4/487.
[20]- فتح المغيث 1/79.
[21]- الجمع بين الصحيحين للإشبيلي، دار المحقق، الرياض 1419هـ 1999م، حديث 3508.
[22]- بيان الوهم والإيهام لابن القطان 4/178.
[23]- السابق 2/479.
رد مع اقتباس