عرض مشاركة واحدة
  #53  
قديم 09-04-07, 05:41 PM
إبراهيم المديهش إبراهيم المديهش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 02-02-07
المشاركات: 115
افتراضي

الفصل الثالث:/

ترتيب الكتاب, وصياغة التراجم, وأهم خصائص الترجمة([i])

حاول البخاري في تاريخه, استيعاب رواة الحديث، من الصحابة إلى طبقة شيوخه, سواءً كانوا ثقات أم ضعفاء([ii]),ولم يخص رواة بلدٍ دون بلد.
وقد رتّب تراجمه على حروف المعجم, إلا أنه قدَّم مَنْ اسمه "محمد" على سائر الأسماء؛ لشرف هذا الاسم([iii]),وقد حاول فيه الاستيعاب([iv]),وقد تعقبه ابن عدي([v]) بهذا التكثر,حتى فيمن لم يُرو عنه إلا حرفاً واحداً.
وأبان المعلمي([vi]) بأن "عادة أهل الحديث أن يقولوا: روى عن فلان, وروى عنه فلان, ولو لم يكن المروي إلا حكاية" ا. هـ.
وقد ابتدأ بذكر ترجمة لرسول r, وما يتعلق بها.
وفي أثناء سرده للأسماء من كل حرف, يُبوب لكل اسمٍ ببابٍ مستقل داخل الحرف, فيقول: باب: فلان, ثم يقدم في كل حرف أسماء الصحابة، مرتباً على حروف المعجم, ثم مَنْ بعدهم إلى طبقة شيوخه, إلا أنه لم يستوعب صغارهم, كما قاله الذهبي([vii]).
فإذا كثرت الأسماء في الباب الواحد, رتبهم حسب أسماء آبائهم على الحرف الأول, ثم يذكر الأسماء التي لم يُسم بها إلا واحد ،فيجمعها في باب واحد، وسمَّاه: باب الواحد.
ويذكر في آخر الحرف غالباً: باب من أفناء الناس؛ وهم مَنْ لا يعرف بأبيه([viii]),وفي آخر الكتاب ذكر باباً لمن لم يعرف لــه اسم، وإنما يُعرف بأبيه, ورتبهم على المعجم.
وحينما رتب الأسماء الكثيرة بحسب أوائل أسماء آبائهم, توسع فعدّ كل لفظ يقع بعد الاسم الأول, فاعتبره بمنزلة اسم الأب, ويزيد على ذلك فيمن لم يُذكر أبوه، فيُعد اللفظ الواقع بعد الاسم الأول كاسم الأب.
من ذلك: عيسى الزرقي, ذكره فيمن اسمه عيسى وأول اسم أبيه (زاي) ([ix]).
ومثله مسلم الخياط.
وإذا عرف اسم الرجل على وجهين, وضعه بحسب أحدهما في موضع, وبحسب الآخر في موضع آخر, فيترجم له في الموضعين، مثاله:شيخه
" محمد بن إسحاق الكرماني", يُعرف أيضاً بــ محمد بن أبي يعقوب, فقد ذكره في موضعين من المحمدين([x]).
وإذا وجد مَنْ وصف بوصفين, وكان محتملاً أن يكون واحداً أو اثنين, فإنه يعقد ترجمتين, فإن لم يمنعه مقتضى الترتيب الذي التزمه من قَرنِهما, قَرَنَهُما([xi]).
أما إذا لم يسمح مقتضى الترتيب بالقران بينهما, فإنه يضع كلاً من الترجمتين موضعهما, ويشير إشارة أخرى, وقد يكتفي بظهور الحال([xii]).

أما عن صياغة التراجم:
فإن الإمام ــ رحمه الله ــ يذكر في الترجمة اسم الراوي, واسم أبيه, وجده, وكنيته, ونسبته إلى القبيلة, أو البلدة, أو كِلَيهما, وتاريخ الوفاة في كثير من التراجم, وبخاصة شيوخه, وقَلَّما يطيل في الأنساب, ويذكر بعض شيوخ وتلاميذ صاحب الترجمة([xiii]),وقد يذكر جميع الشيوخ والتلاميذ، إذا كان الراوي من المقلين, وغير المعروفين بطلب العلم؛ ليتميز حاله, كما يذكر أنموذجاً من رواياته، أو أكثر, ويُبَيّن ما تحتاجه الرواية من سماع أو عدمه, فيبين أن الرواية مرسلة, أو ينص على عدم السماع([xiv]),أو أنه غير معروف، أو نحو ذلك, وقد يجمع ذلك كله في الترجمة, أو يذكر بعضه, بحسب ما تقتضيه كل ترجمة.
وتراجمه مختلفة بين الطول والقصر, حسب حال صاحب الترجمة، والأعم الأغلب أنها في حدود ثلاثة إلى سبعة أسطر, وقد تزيد إلى العشرة, وقليلاً ما تزيد على صفحة, وقد يُترجم بسطر واحد([xv]) وقد اعتمد الإمام ــ رحمه الله ــ على الروايات في إثبات الأسماء والأنساب والكنى, كما اشتمل على الكثير من الجرح والتعديل, نصٌ منه أو نقلٌ عن غيره.
وغالباً ما يقتصر على الاسم والوفاة في المشاهير.
والسمة البارزة في التراجم: السكوت عن أحوال المترجمين([xvi]), ولا يُفهم منه توثيق أو غيره, فقد سكت عن أئمة ثقات، حيث ترجم للشافعي في سطرين, وسكت عنه ؛وترجم للإمام أحمد([xvii]),وأحمد بن منيع([xviii]) وغيرهم ؛وسكت عنهم، وقد سكت عن أناس مشهورين بالضعف أو النكارة ،كسكوته عن محمد بن أشعث الكندي([xix]),ومحمد بن إبراهيم اليشكري([xx]) وغيرهما.
وقد يسكت عن أناس مجاهيل, كسكوته عن محمد بن إبراهيم الباهلي([xxi]),ومحمد بن إبراهيم الهاشمي([xxii]) وغيرهما.
وقد يسكت عن أناس لم يعرفهم([xxiii]).
ومن مذهبه: التشدد في السماع, حيث يكثر من قول: لا يُعرف له سماع من فلان([xxiv]).


([i]) يُنظر: مقدمة المعلمي ل "موضح أوهام الجمع والتفريق للخطيب" (1/11), وتعليقه على التاريخ (4/87), الأحاديث التي أعلها البخاري في التاريخ الكبير (القسم الثاني) للشيخ: عبدالرحمن العواجي (صــ 47) وما بعدها, ومنه نقلت أغلب هذا الفصل, والأحاديث التي أعلها البخاري في التاريخ الكبير (القسم الأول) للشيخ: عادل الزرقي (صــ 77), تاريخ البخاري للزرقي (صــ 62), تخريج الأحاديث المرفوعة المسندة في التاريخ الكبير د. محمد بن عبيد (1/235, 245), رواة الحديث الذين سكت عنهم أئمة الجرح والتعديل بين التوثيق والتجهيل د. عداب الحمش (صــ 29 ــ 38), بحوث في تاريخ السنة د. العمري (صــ 136), علم الرجال للزهراني (صــ 146).

([ii]) يُنظر الكامل لابن عدي (2/378 ــ 4/ 306, 317 ــ 2/ 394) فقد ذكر في نحو ثلاثين موضعاً من الكامل أن مراد البخاري ذكر كل راوٍ, وليس مراده ضعيف أو غير ضعيف. أفاده الجديع في تحرير علوم الحديث (1/ 506).

([iii]) كما رسمه في المقدمة لتاريخه (1/10).

([iv]) حتى أورد (871) ترجمة.

([v]) الكامل (6/238).

([vi]) الأنوار الكاشفة (صــ 126).

([vii]) سير أعلام النبلاء (11/ 118), فقد رتب هذه الأبواب على الطبقات, ولهذا سمي ابن أبي حاتم الكتاب "الطبقات والتاريخ".

([viii]) التاريخ (1/ 337).

([ix]) التاريخ (6/ 389).

([x]) التاريخ (1/ 41 ــ 1/ 267).

([xi]) التاريخ (4/ 350 ــ 5/ 77).

([xii]) انظر: الموضح للخطيب مع مقدمة المعلمي (6, 12, 14, 15, 38, 55).

([xiii]) انظر مثلاً: (1/ 310 ــ 2/ 132 ــ 3/ 171 ــ 4/ 168 ــ 5/ 233 ــ 6/ 333 ــ 7/ 216 ــ 8/ 122).

([xiv]) انظر مثلاً: (1/ 203 ــ 4/ 28 ــ 5/ 233 ــ 6/ 98).

([xv]) انظر مثلاً: (1/ 160 ــ 4/ 259 ــ 5/ 32 ــ 6/ 478).

([xvi]) فائدة: للدكتور عداب الحمش كتاب بعنوان (رواة الحديث الذين سكت عليهم أئمة الجرح والتعديل بين التوثيق والتجهيل) مطبوع، وله بحث بعنوان (حكم رواة الحديث الذين سكت عنهم أئمة الجرح والتعديل) نشر في مجلة الجامعة الإسلامية عدد (53) محرم, صفر, ربيع الأول 1402 هـ.

([xvii]) (2/5).

([xviii]) (2/6).

([xix]) (1/22).

([xx]) (1/26).

([xxi]) (1/23).

([xxii]) (1/25).

([xxiii]) (1/213, 283).

([xxiv]) تهذيب التهذيب (1/136).
رد مع اقتباس