الموضوع: الإجماع
عرض مشاركة واحدة
  #10  
قديم 05-12-07, 10:31 PM
أبو حازم الكاتب أبو حازم الكاتب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 22-08-06
المشاركات: 1,235
افتراضي

( مسائل الإجماع )

المسألة الأولى : هل يعتدُّ بالعوام في الإجماع ؟
اختلف في الاعتداد بالعوام في الإجماع على قولين :
القول الأول : أن العوام يعتدُّ بهم في الإجماع وهو قول الآمدي ونقله الجويني وغيره عن أبي بكر الباقلاني .
القول الثاني : أنه لا يعتدُّ بالعوام في الإجماع وهو قول الجمهور .
أدلة الأقوال :
أدلة القول الأول : استدل أصحاب القول الأول بعموم النصوص التي جاءت بإثبات حجية الإجماع فالعوام داخلون في لفظ المؤمنين في قوله تعالى : ويتبع غير سبيل المؤمنين وداخلون في لفظ ( الأمة ) في قوله : " لا تجتمع الأمة على ضلالة "
وأجيب عن هذا بأن لفظ المؤمنين ولفظ ( الأمة ) من العام المخصوص والمراد به المجتهدون من الأمة ولذا فهذه الألفاظ لا تشمل الصبيان والمجانين باتفاق فكذلك العوام لعدم أهلية الكل .

أدلة القول الثاني : استدل أصحاب القول الثاني بأدلة منها :
1 – أن العوام ليس لديهم الآلة التي يعرفون بها الحق من الباطل والصواب من الخطأ والراجح من المرجوح فهم كالصبيان والمجانين في نقصان الآلة ، وإذا لم توجد الآلة فكيف يتصور منهم الإصابة إذ سيكون حكمهم مبنياً على الرأي المجرد والهوى والتشهي .
2 – أن القول بالاعتداد بالعوام في الإجماع يجعل الإجماع مستحيلاً ؛ إذ يستحيل جمع أقوال جميع المسلمين والوقوف على قول كل واحد منهم كما يستحيل اتفاقهم جميعا مع اختلاف عقولهم وأهوائهم ومشاربهم وبالتالي فهذا القول يؤدي إلى بطلان الإجماع وهو باطل .
3 – نقل بعضهم _ كالغزالي في المستصفى _ إجماع الصحابة على عدم الاعتداد بالعوام في الإجماع .
4 – أن العوام يلزمهم المصير إلى أقوال العلماء بالإجماع وتحرم عليهم مخالفتهم كما تحرم عليهم الفتيا فكيف يعتد بقولهم عندئذٍ .
الترجيح : الراجح في هذه المسألة هو قول الجمهور علماً أن الآمدي في نهاية المسألة مال إلى تقسيم الإجماع قسمين : قطعي وهو ما اتفق عليه المجتهدون والعوام ، وظني وهو ما اتفق عليه المجتهدون فقط ، وهناك من يرى أن المسائل التي يشترك في دركها وفهمها العوام والخواص يشترط فيها موافقة العوام دون ما لا يشتركون في فهمها وهو ما اختاره البزدوي من الحنفية وذكر أنه غير واقع واختاره كذلك شارح أصوله البخاري من الحنفية .


المسألة الثانية : هل الإجماع خاص بعصر الصحابة أو هو حجة في كل عصر ؟
اختلف في هذه المسألة على قولين :
القول الأول : أن الإجماع خاص بعصر الصحابة وهو قول الظاهرية واختاره ابن حبان في ظاهر كلامه في الصحيح حيث يقول : ( والإجماع عندنا إجماع الصحابة الذين شهدوا هبوط الوحي والتنزيل وأعيذوا من التحريف والتبديل حتى حفظ الله بهم الدين على المسلمين وصانه عن ثلم القادحين )
وهو رواية عن الإمام أحمد أومأ إليه في رواية أبي داود حيث قال : ( الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي وعن أصحابه وهو بعد في التابعين مخير ) فأخذ من هذا بعض الحنابلة أنه يخير بين أخذ إجماع التابعين وبين تركه وهذا يدل على أنه ليس ملزماً ، وقد حملها القاضي أبو يعلى على آحاد التابعين لما يأتي في الرواية الثانية .

القول الثاني : أن الإجماع حجة في كل عصر ولا يختص بعصر الصحابة وهو قول الجمهور وهو ظاهر كلام الإمام أحمد أيضاً حيث يقول في رواية المروذي : ( ينظر ما كان عن رسول الله فإن لم يكن فعن أصحابه فإن لم يكن فعن التابعين ) وهذه الرواية تفسر ما ورد في الرواية السابقة كما يفسرها قوله في رواية المروذي : ( إذا جاء الشيء عن الرجل من التابعين لا يوجد فيه شيء عن النبي لا يلزم الأخذ به )

أدلة الأقوال :

أدلة القول الأول : استدل الظاهرية لتخصيص الإجماع بالصحابة فقط بأدلة منها :
1 – قوله تعالى : فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر
وجه الاستدلال : أن الله أمرنا بالرد إلى الكتاب والسنة ولم يذكر الإجماع فالأصل هو الرجوع للكتاب والسنة فقط وخرجنا عن هذا الأصل في حق الصحابة للأدلة الثابتة في فضل الصحابة_ رضي الله عنهم _ وما ورد في حقهم .
ويجاب عنه بأجوبة :
الأول : أن الآية نصت على حال التنازع ويفهم منه أنه في حال الاتفاق يكتفى به .
الثاني : أن غاية ما في الآية السكوت عن حجية الإجماع ولم تنف حجيته ويمكن اعتماد حجيته من أدلة أخرى .
الثالث : أن الله أمرنا بالرد إلى الكتاب والسنة وقد دلا على حجية إجماع الأمة في كل عصر بأدلة كثيرة سبق ذكرها وهي أدلة عامة لا تخص الصحابة دون غيرهم .

2 – قوله تعالى : كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله وقوله تعالى : وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شهداء على الناس
وجه الاستدلال : أن المراد بهذا الصحابة _ رضي الله عنهم _ فقط فهم الموجودون حال الخطاب به .
ويجاب عنه بجوابين :
الأول : أن هذا تخصيص بدون دليل ، والأصل أن الخطاب يعمُّ جميع الأمة فهو كقوله تعالى : وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وقوله : وجاهدوا في الله وقوله : " قد فرض الله عليكم الحج فحجوا " رواه مسلم من حديث أبي هريرة ونحوها من النصوص .
الثاني : أنه يلزم على قولكم هذا أن لا ينعقد إجماع الصحابة بعد موت من كان موجوداً عند الخطاب ؛ لأن إجماع البقية ليس إجماع جميع المخاطبين حال ورودها ، ويلزم أن لا يعتدَّ بقول من أسلم بعد نزولها وهذا كلُّه خلاف الإجماع .

3 – قوله تعالى : ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً وقوله : " لا تجتمع أمتي على ضلالة " .
وجه الاستدلال : أن هذا خاص بالصحابة _ رضي الله عنهم _ إذ هم كل المؤمنين وهم كل الأمة في عصرهم وهذا لا ينطبق على غيرهم فكل من جاء بعدهم فهم بعض المؤمنين .
ويجاب عنه : بأن أتباع النبي في كل عصر مؤمنون وهم أمته في عصرهم فهم كل الأمة وكل المؤمنين في عصرهم كما أن الصحابة هم كل الأمة وكل المؤمنين في عصرهم فالماضي غير معتبر والآتي غير منتظر ، ثم إنه يلزم على قولكم هذا أن الصحابة ليسوا كل المؤمنين بالنظر إلى من مات قبل الإجماع فيكون من بقي هم بعض المؤمنين .

4 - أن الصحابة شهدوا التوقيف ( النص ) من رسول الله وقد صح أنه لا إجماع إلا عن توقيف .
ويجاب عنه بجوابين :
الأول : لا نسلِّم أنه يشترط أن يكون مستند الإجماع التوقيف فقط بل قد يكون مستنده القياس وقد حصل الإجماع في كثير من المسائل مستنداً إلى القياس كما سيأتي إن شاء الله .
الثاني : لو سُلِّم باشتراط التوقيف فإنه لا يلزم من التوقيف المشافهة فيه من النبي ، وعليه فالتوقيف يصل إلى التابعين ومن بعدهم ولا يختص بالصحابة .

5 – أن الصحابة كان عددهم محصوراً يمكن أن يحاط بهم وتعرف أقوالهم وليس من بعدهم كذلك .
ويجاب عنه بجوابين :
الأول : أنه لا يمتنع عقلاً أن تُجمع أقوال المجتهدين حتى وإن كثروا لا سيما إذا كانوا تحت حكمٍ واحد فيمكن للحاكم أن يجمعهم ويأخذ أقوالهم كما قال الباقلاني والغزالي .
الثاني : لو سُلِّم بتعذر حصول ذلك فيمن جاء بعد الصحابة فإن هذا لا يلزم منه نفي الحجية فالقول بالتعذر شيء ونفي الحجية شيءٌ آخر .

أدلة القول الثاني : استدلَّ الجمهور لقولهم بعدم تخصيص الإجماع بالصحابة بما يلي :
1 – عموم أدلة حجية الإجماع من القرآن والسنة حيث لم تخصِّص الإجماع بعصر الصحابة _ رضي الله عنهم _ كقوله تعالى : ومن يشاقق الرسول من بعد ماتبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين وقوله : " لا تجتمع أمتي على ضلالة " ونحوها فهي عامة تشمل الصحابة وغيرهم .

2 – أن غير الصحابة أكثر عدداً من الصحابة ، وفيهم مجتهدون أكثر عدداً ، فإذا وجب الرجوع لقول الصحابة مع قلتهم فالرجوع إلى قول الأكثر من باب أولى .
الترجيح : قول الجمهور في هذه المسألة هو الراجح لما ذكروه من أدلة ولأن ما استدل به الظاهرية قد أجيب عنه لكن ليعلم أنه وإن قيل بحجية الإجماع في كل عصر إلا أنه يتعذر حصوله بعد عصر الصحابة _ رضي الله عنهم _ وهذا هو مراد الشافعي وأحمد _ فيما يظهر _ فيما روي عنهما من الإنكار على من ادعى الإجماع وهو اختيار ابن تيمية وقد سبق بيان ذلك .

المسألة الثالثة : هل يشترط في المجمعين أن يبلغوا عدد التواتر أو لا؟
بمعنى هل يشترط حدّ أدنى لعدد المجمعين ؟ فلو لم يوجد في الأمة في عصر من العصور إلا عدد لا يبلغون عدد التواتر فهل يكفي هذا العدد لانعقاد الإجماع أم لابد أن يصل المجمعون عدد التواتر ليصح إجماعهم ؟
وقبل ذكر هذه المسألة ينبغي أن يعلم أنه إذا لم يوجد في عصر من العصور إلا مجتهد واحد فإنه لا ينعقد الإجماع به ؛ لأن الإجماع المعصوم هو قول المجموع وقول الواحد لا يحصل فيه اتفاق فالاتفاق لا يكون إلا من اثنين فصاعداً واختار بعض الأصوليين كصاحب فواتح الرحموت أن قوله يكون حجة لكن ولا يكون إجماعاً وعزاه الصفي الهندي للأكثرين .
وأما إذا وجد مجتهدان فقط فالجمهور على أنه ينعقد بهم الإجماع ؛ لأنه يحصل بهم الاتفاق ، ولأنهم جماعة .
وأما إذا كانوا أكثر من اثنين لكنهم لم يبلغوا عدد التواتر فهنا اختلف على قولين :
القول الأول : أنه يشترط بلوغ المجمعين عدد التواتر وإلا فلا إجماع وهو قول من استدل لحجية الإجماع بالعقل كإمام الحرمين الجويني وحكاه القاضي عبد الوهاب عن الباقلاني .

القول الثاني : أنه لا يشترط بلوغ المجمعين عدد التواتر وهو قول الجمهور .

أدلة القولين :
أدلة القول الأول : استدل من يشترط بلوغ المجمعين عدد التواتر بأن الجمع الكثير لا يتصور تواطئهم على الخطأ بخلاف من كان دون عدد التواتر فيتصور منهم الخطأ فتنتفي العصمة عنهم .

أدلة القول الثاني : استدلَّ الجمهور لعدم اشتراط بلوغ المجمعين عدد التواتر بما يلي :
1 - عموم أدلة الإجماع حيث لم تشترط عدداً معيَّناً ينعقد به الإجماع ، والمجمعون الذين لم يبلغوا عدد التواتر يصدق عليهم اسم ( المؤمنين ) و ( الأمة ) .
2 – أن الإجماع ثبت بأدلة السمع لا أدلة العقل وعليه فلا مجال لربط العصمة بالعدد عقلاً .
الترجيح : الراجح هو قول الجمهور وهو عدم اشتراط بلوغ المجمعين عدد التواتر ، وينبغي أن يعلم أن عدد التواتر _ عند الأكثر _ لا حدَّ له معيناً ، وإنما المراد به الجمع الكثير الذين لا يتصور تواطؤهم على الخطأ والذين لو أخبروا عن محسوس وقع العلم بخبرهم ، علماً أن جلَّ من نفى انعقاد الإجماع لمن لم يبلغوا عدد التواتر قالوا إن نقصان المجمعين عن عدد التواتر في عصر من العصور غير متصور والجمهور يرون جواز وقوع ذلك .

المسألة الرابعة : هل ينعقد الإجماع بقول الأكثر ؟
بمعنى أنه لو خالف واحد أو اثنان أو عدد قليل من المجتهدين فهل مخالفتهم تضرّ ولا ينعقد الإجماع أو ينعقد الإجماع بقول الأكثر ولا تضرّ مخالفة هؤلاء ؟ اختلف في هذه المسألة على أقوال :
القول الأول : لا ينعقد الإجماع إلا بقول الكلِّ فلو خالف مجتهدٌ واحدٌ لم ينعقد ، ولا يكون قولهم إجماعاً ولا حجةً وهذا هو قول الجمهور .

القول الثاني : ينعقد الإجماع بمخالفة الواحد والاثنين فقط دون ما زاد على ذلك ويكون قول الأكثر إجماعاً وحجةً وهو قول أبي بكر الرازي الحنفي المعروف بالجصاص وأبي الحسين الخياط من المعتزلة وابن حمدان من الحنابلة ، ومال إليه أبو محمد الجويني وحكاه الباجي عن ابن خويز منداد من المالكية ، وحكاه الفخر الرازي عن ابن جرير الطبري ، وذكر ابن قدامة والطوفي وغيرهما أن الإمام أحمد أومأ إليه في رواية ، وهو ظاهر صنيع ابن المنذر في كتابه الإجماع .

القول الثالث : إذا بلغ المخالفون عدد التواتر لم ينعقد الإجماع وإن كانوا دون ذلك لم تضرّ مخالفتهم وينعقد الإجماع عندئذٍ وذكر الباقلاني أن هذا هو قول ابن جرير وحكاه القاضي عبد الوهاب عن أبي الحسين الخياط . ( وذلك لأن ما دون عدد التواتر يعتبر شاذاً لا حكم له وهذا مبني على قول من أثبت الإجماع بالعقل وأنه يشترط في المجمعين بلوغ عدد التواتر كذا خرَّجه الطوفي )

القول الرابع : أن المخالفة تضرَّ إن كان المخالف قد خالف فيما يسوغ فيه الاجتهاد كمخالفة ابن عباس _ رضي الله عنهما _ في العول ، أما إذا كانت مخالفته لا يسوغ فيها الاجتهاد كأن يخالف نصاً فهنا لا عبرة بقوله وينعقد الإجماع وذلك كمخالفة ابن عباس _ رضي الله عنهما _ في ربا الفضل ، وبهذا قال أبو عبد الله الجرجاني والسرخسي وحكي عن الجصاص ( والحجة في ذلك أنه يعتبر شاذاً لا يلتفت لقوله إن كان خلافه لا يسوغ )

القول الخامس : أنه إذا خالف البعض فإن قول الأكثر لا يكون إجماعاً لكنه يكون حجةً وبهذا قال ابن الحاجب المالكي وابن بدران من الحنابلة . ( وذلك لأن إصابة الأكثر أكثر من خطئهم فيكون ظنياً كخبر الواحد والقياس )

القول السادس : أن قول الأكثر إجماع في غير أصول الدين أما في أصول الدين فلا بد من اتفاق الكل نقله القرافي عن ابن الأخشاد من المعتزلة .( وذلك لأن الخلاف في أصول الدين مؤثر بخلاف الفروع )

أدلة الأقوال : ( الذي يهمنا من الأقوال السابقة القول الأول والثاني ولذا سنكتفي بذكر أدلتهما فقط وأما بقية الأقوال فقد سبق ذكر وجه الاحتجاج عندهم ) :

أدلة القول الأول : استدل الجمهور لاشتراط اتفاق الكل في الإجماع بأدلة منها :
1 – عموم أدلة حجيَّة الإجماع كقوله تعالى : ومن يشاقق الرسول من بعد ماتبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين وقوله : " لا تجتمع أمتي على ضلالة " ، و الأكثر ليسوا كل المؤمنين ، وليسوا كل الأمة .
2 – أنه قد حصل مثل ذلك في زمن الصحابة وانفرد بعض الصحابة بأقوال خالفوا فيها الأكثر ولم ينكر أحدٌ ذلك عليهم بل سوَّغوا لهم الاجتهاد ، ولو كان قول الأكثر إجماعاً لأنكروا عليهم المخالفة ومن ذلك :
أ – انفرد ابن عباس _ رضي الله عنهما _ عن أكثر الصحابة في بعض المسائل كالقول بجواز المتعة وجواز ربا الفضل وبعض مسائل الفرائض كقوله بعدم العول ، وفي العمريتين ، وعدم حجب الأم بأقل من ثلاثة إخوة وغيرها .
ب – انفرد أبو موسى الأشعري بقوله بعدم نقض الوضوء بالنوم ذكره ابن عبد البر وغيره .
ج – انفرد ابن مسعود ببعض المسائل في الفرائض مثل : حجب الزوجين والأم بالولد والإخوة وإن كانوا عبيداً أو كفاراً أو قاتلين ، وجعل الباقي بعد فرض البنات لبني الابن دون بنات الابن وغيرها .

3 – أن الحق ربما يكون مع الواحد بخلاف قول الأكثر وقد خالف أبو بكر رضي الله عنه الصحابة في قتال مانعي الزكاة وكان قوله هو الحق وقد رجعوا إلى قوله ، وكذا خالف عمر في أسرى بدر وكان الحق معه .

4 – أن يقال إنه قد اعتد بخلاف الثلاثة عندكم فما الفارق بين الاثنين والثلاثة وعدد المجتهدين قد يقل وقد يكثر فربما تكون نسبة الاثنين في بعض العصور للمجتهدين أكثر من نسبة الثلاثة والأربعة إليهم في عصر آخر .

أدلة القول الثاني : استدلوا بأدلة منها :
1 – أن الكل يطلق في اللغة ويراد به الأكثر فـ( المؤمنون ) و ( الأمة ) يصحُّ اطلاقهما على الأكثر كما يقال : بنو تميم يحمون الجار ويكرمون الضيف والمراد الأكثر ويقال : هذا ثور أسود وإن كان فيه شعرات بيض .
ويجاب عنه : بأن هذا الاطلاق هو من باب المجاز ، والأصل في الاطلاق الحقيقة فيجب حمل لفظ ( المؤمنين ) و ( الأمة ) عليها ، ولذلك لو شذ واحد عن الجماعة صح أن يقال عن البقية : ليس هم كل الأمة ولا كل المؤمنين .

2 – استدلوا بالنصوص التي تذم الشذوذ وتثني على الكثرة والجماعة نحو :
- قوله : " إن يد الله مع الجماعة فاتبعوا السواد الأعظم فإن من شذَّ شذَّ في النار " أخرجه الحاكم في المستدرك عن ابن عمر رضي الله عنهما .
- وقوله : " الشيطان مع الواحد و هو عن الاثنين أبعد " أخرجه الترمذي والحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما وأخرجه عبد الرزاق والبغوي في تفسيره عن عمر رضي الله عنه.
وأجيب عنه بجوابين :
الأول : أن المراد بالسواد الأعظم جميع أهل العصر وإلا لقال أعظم السواد أو سواد الأعظم ، والجماعة الإمام ومن معه فالمراد بالشذوذ هو الخروج على الإمام كفعل الخوارج ، والشذوذ _ علماً أن زيادة " من شذ " ضعيفة _ هو المخالفة بعد الموافقة ولذلك يقال شذ البعير وندَّ إذا توحش بعد ما كان أهلياً .
الثاني : أنه قد ورد نصوص أخرى تذم الكثرة أيضاً كقوله تعالى : وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله وقوله : وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين ووردت نصوص تمدح القلة كقوله تعالى : وقليل من عبادي الشكور وقوله تعالى : إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم .

3 - أن الأمة اعتمدت في خلافة أبي بكر _ رضي الله عنه _ على انعقاد الإجماع عليه لما اتفق عليه الأكثرون ، وإن خالف في ذلك جماعة كعلي وسعد بن عبادة رضي الله عنهما ، ولولا أن إجماع الأكثر حجة مع مخالفة الأقل لما كانت إمامة أبي بكر ثابتة بالإجماع .
وأجيب عنه بجوابين :
الأول : عدم التسليم بأنه لم يحصل إجماع من الصحابة على خلافة أبي بكر بل حصل الإجماع عليها ، ومن تأخر من الصحابة فهو لعذر مع إظهار الموافقة بعد ذلك وقد نقل الإجماع غير واحد منهم أبو الحسن الأشعري والبيهقي والصابوني والجويني وابن قدامة والقرطبي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن كثير وغيرهم .
الثاني : لا يشترط في انعقاد البيعة بالإمامة اتفاق الكل بل يكفي قول أهل الحل والعقد ويكون عامة الناس بعد ذلك تبع لهم كما فعل الصحابة رضي الله عنهم وقد نص على هذا العلماء في كتب الإمامة والأحكام السلطانية .

4 - أن خبر الواحد بأمر لا يفيد العلم وخبر الجماعة إذا بلغ عددهم عدد التواتر يفيد العلم فليكن مثله في باب الاجتهاد والإجماع .
وأجيب عنه بجوابين :
الأول : أنه إن كان صدق الأكثر فيما يخبرون به عن أمر محسوس مفيد للعلم فلا يلزم مثله في الإجماع الصادر عن الاجتهاد فالقياس مع الفارق والعلم الحاصل بالإجماع إنما هو باتفاق الكل لا الأكثر .
الثاني : لو كان كل من أفاد خبره العلم يكون قوله إجماعاً محتجا به _ كما تقولون _ لوجب أن يكون إجماع كل أهل بلد محتجاً به مع مخالفة أهل البلد الآخر لهم ؛ لأن خبر أهل كل بلد يفيد العلم .

5 - أن الكثرة يحصل بها الترجيح في رواية الخبر فليكن مثله في الاجتهاد .
وأجيب عنه : بأن هذا قياس مع الفارق إذ يلزم على قولكم أن يكون قول الواحد وحده إجماعاً كما أن روايته وحده مقبولة .

6 - أنه لو اعتبرت مخالفة الواحد والاثنين لما انعقد الإجماع أصلا ؛ لأنه ما من إجماع إلا ويمكن مخالفة الواحد والاثنين فيه إما سراً وإما علانية .
وأجيب عنه بجوابين :
الأول : بأن الاحتجاج بالإجماع إنما يكون حيث علم الاتفاق من الكل إما بصريح المقال أو قرائن الأحوال ، وذلك ممكن كما يمكنكم العلم باتفاق الأكثر ، وإلا لزم أن لا يقع اتفاق مطلقاً لا اتفاق الكل ولا الأكثر لعدم إمكان العلم بهما .
الثاني : يقال : لو اعتبرتم مخالفة الثلاثة والأربعة والخمسة لما انعقد إجماع وهكذا فيلزمكم في هذا ما يلزمكم في عدم الاعتداد بالواحد والاثنين .

7 – أن الصحابة أنكروا على من انفرد عن قول الأكثر كما حصل من إنكار عائشة رضي الله عنها لزيد بن أرقم في مسألة بيع العينة فيما رواه البيهقي في السنن الكبرى وأنكروا على ابن عباس رضي الله عنهما قوله في المتعة وقوله بجواز ربا الفضل .
وأجيب عنه : أن هذا الإنكار حصل بسبب مخالفة النص الصحيح الصريح في الحكم لا بسبب مخالفة قول الأكثر .

الترجيح : ما ذهب إليه الجمهور هو الراجح في هذه المسألة لقوة ما استدلوا به والله أعلم .

يتبع بقية المسائل ..
رد مع اقتباس