عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 07-03-04, 10:23 AM
أبوحاتم أبوحاتم غير متصل حالياً
الأنصاري
 
تاريخ التسجيل: 02-11-02
المشاركات: 448
افتراضي دراسة في أصول الفقه .د.علي أحمد محمد با بكر.

مجلة الجامعة الإسلامية . العدد: ( 46 )

1 - أهميّة علم الأصول وخصوبته..

الحـياة البشرية على الأرض بثقلها ومسؤولية الحفاظ على توازنها ليس هينة العبء ولا سهلة القياد، وذلك لما تتضمنه من عمق وتشعّب ودقة، وما تزدحم به من رغبات تتفق وتختلف، ومصالح تتعارض وتصطلح، ومطامح تلتقي وتفترق، وأمزجة تصفو وتتكدر، وأصناف من السلوك، وأنواع من الظروف، وبما فيها من شعوب تتباين استعداداتها وأهدافها، وقبائل تتنوع مساعيها، وبما يعتريها من أحداث الزمن وتقلبات الأيام وصروف الدهر، وبما يلابسها من لمسات الخير ووخزات الشر، وما ينتظمها من حركة لا تتوقف، وبما تتطلبه من علاقة بمبدع الوجود وعلائق بالمخلوقات عموما وبين البشر على وجه الخصوص.
هذه الحياة لا بد لها من ميزان تنضبط به أمورها وترجع إليه مبهماتها وتوزن به اختلافاتها، وتقاس به جميع حالاتها.
ولقد وهب الخالق سبحانه وتعالى للإنسان العقل ليميز به ويزن به الأمور، ولكنه لم يترك هذا العقل يتخبط وحده في متاهات الحياة، والعقل عرضة للتأثر باضطرابات النفوس واعتلال الأجسام ومؤثرات البيئة الخ، فجاء عونه تعالى للعقل البشري ببيان مرتكزات مصالح البشر التي تشمل مصالحهم في الحياة الدنيا وفي الحياة الآخرة، فبيّن للناس أصول النظم التي يسيِّرون بها الحياة ويبصرون بها الطريق حتى يحقق الإنسان معنى خلافته في الأرض.
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [1].
وحتى يستطيع الاهتداء والسير بلا عثرات، وحتى يطمئن للغايات الصالحة.
كان هذا العون الإلهي للعقل البشري عن طريق وحيه تعالى لرسوله عليه الصلاة والسلام وعصمته له، فتجلت في القرآن الكريم والسنة الشريفة أصول الأحكام الفقهية ومرتكزاتها، فقد فصل لنا هذان المصدران ما فصّلا من الأحكام وتضمّنا من المبادئ والقواعد والتوجيهات العامة ما يقود العقول إلى سواء السبيل.
وبمجهودات الصحابة رضوان الله عليهم وما نقلوه عن الرسول صلى الله عليه وسلم من شرح وتوضيح وتوجيه، وبمجهودات أئمة الأجيال التي أعقبت الصحابة رضوان الله عليهم جاء البيان لهذه المصادر واتضحت المناهج التي يمكن اتباعها لاستمداد الأحكام التي يعتمد عليها الناس في مسارهم، وبذلك تكوّن علمٌ ذو شأن خطير وأهمية بالغة هو علم أصول الفقه الإسلامي.
ومن المعلوم أن الفقه الإسلامي الذي يقوم على هذه الأصول هو ميدان فسيح يشتمل على إجابات لجميع شؤون الناس وحاجتهم، ومن هنا يمكن للناظر إدراك أهمية علم الأصول وخطورته والمكانة الرفيعة التي يحتلها بين العلوم، لأنه الأساس للأحكام التي تحدد مسار الخلق وترسم طريقهم الموصل لبلوغ مصالحهم قبل الممات وبعد الممات.
وكما يتوصل بعلم الأصول لمدارك الأحكام ومسالكها كذلك يتوصل به لمقاصد الأحكام وأهداف الشريعة وروحها مما يطمئن القلوب والعقول.
ولعله مما يفيد في هذا المقام أن ننقل ما أورده الإمام الأسنوي [2] في كتابه التمهيد حيث قال:
"وبعد فإن أصول الفقه علم عظم نفعه وقدره، وعلا شرفه وفخره، إذ هو مثار الأحكام الشرعية ومثار الفتاوى الفرعية التي بها صلاح المكلفين معاشا ومعادا. ثم إنه العمدة في الاجتهاد، وأهم ما يتوقف عليه من المواد كما نص عليه العلماء ووصف به الأئمة الفضلاء، وقد أوضحه الإمام [3] في المحصول فقال: "يشترط فيه - أي علم الأصول – أمور هي: أن يعرف من الكتاب والسنة ما يتعلق بالأحكام، ويعرف المسائل المجمع عليها، والمنسوخ منها، وحال الرواية، لأن الجهل بهذه الأمور قد يوقع المجتهد في الخطأ. وأن يعرف اللغة إفرادا وتركيبا لأن الأدلة من الكتاب والسنة عربية. وأن يعرف شرائط القياس لأن الاجتهاد متوقف عليه، وكيفية النظر وهو ترتيب المقدمات .. .. .. وأما شرائط القياس وهو الكلام في شرائط الأصل والفرع وشرائط العلة وأقسامها ومبطلاتها، وتقديم بعضها على بعض عند التعارض فهو باب واسع يتفاوت فيه العلماء تفاوتا كبيرا، ومنه يحصل الاختلاف غالبا مع كونه بعض أصول الفقه".
فثبت بذلك ما قاله الإمام أن الركن الأعظم والأمر الأهم في الاجتهاد إنما هو علم أصول الفقه" [4].

الخصوبة في علم الأصول:

من أبرز خصائص علم الأصول أنه علم يتمتع بخصوبة ودسامة تميزه عن غيره من العلوم، فهو غزير في مادته بعيد عن الجفاف يشبع نهم المقبلين – بجانب أهميته ومكانته الرفيعة – فإذا أدرك الدارس أبعاد هذا العلم يجده متصلا بجميع العلوم الشرعية ومتصلا بأكثر – إن لم يكن كل – بقية العلوم التي تسمى بالعلوم الإنسانية.
فهو بتركيبته الخاصة يأخذ دارسه إلى ميادين تلك العلوم المختلفة فلا يتمكن منه إلا بولوجه أبوابا مختلفة وفنونا متنوعة يسبر أغوارها ويخوض غمارها.
فعلم الأصول - كما أشرنا من قبل – هو الأساس للنظام المتكامل لحياة الإنسان. فبعلم الأصول تتضح المنابع وتعرف المناهج التي تقود إلى الوصول للأحكام التي تنظم حياة الأفراد والجماعات في جميع صورها وجميع مراتبها. وعلم هذا شأنه لا بد من ترابطه مع علوم كثيرة تعالج حياة البشر من جوانبها المختلفة.
فدراسة منابع الأحكام تتطلب أول ما تتطلب دراسة القرآن الكريم، المنبع الأول للأحكام: حقيقة شموله لأحكام تفصيلية وقواعد عامة تندرج تحتها بقية الأحكام غير المنفصلة نصا، ومعانيه، والناسخ والمنسوخ منه، وألفاظه مما يقود إلى دراسة اللغة العربية، ولا معنى لدراسة القرآن الكريم كأصل من أصول الفقه إلا فهم حقيقته هذا الكتاب وفهم دلالاته والتعمق في دراسته.
وتتطلب دراسة منابع الأحكام الشرعية وأصولها،، ثانيا: دراسة السنة النبوية، بأنواعها وأقسامها ومصطلحاتها لتكون تفسيرا للقرآن الكريم ومفصلة له.
وتتطلب دراسة منابع الفقه ومصادره دراسة مكان العقل البشري الذي حددته الشريعة الإسلامية من هذه الأصول، ومجالات اللجوء إليه، وكيفية استخدامه، وحدود ذلك، وهذا بدوره يسوق لدراسة منطقية وعقلية تدور حول قضية القياس وما يرتبط به من مصادر عقلية للأحكام، وإلى دراسة المقاصد الشرعية في الخلق والأهداف العامة والخاصة.
وهذا بدوره يقود لدراسة النظريات والفلسفات الوضعية وتوضيح أهدافها ومقاصدها لمقارنتها وبيان أوجه النقص فيها.
وتتطلب دراسة علم الأصول دراسة للمجتمع الإنساني، دراسة تكشف عن عادات الناس فيه واختلافات بيئاتهم وتأثير ذلك في تصرفاتهم، ومدى صلاح تلك التصرفات أو فسادها بمقياس الإسلام ومبادئه، وهذه الدراسة الاجتماعية يقدم عليها أصل من الأصول الفقهية التي اعتمدتها بعض المذاهب السنية وهو "العرف".
ولعلنا ندرك أن إدراك علم الأصول كما كان في الماضي ضرورة لكل فقيه يُنَصَّب للفتوى أو القضاء، وكان الفقهاء الملمون بالأصول مقدمين على غيرهم خاصة في منصب القضاء، ويفضل من بين هؤلاء العارفون بحياة الناس الاجتماعية وعاداتهم.
ونورد هنا القصة التي رواها الفقيه ابن عرفة (717- 803 هـ):
في هذا المضمار، قال: "إن ابن عبد السلام [5] كان على وشك أن يعيّن قاضيا ولكن معاصريه من العلماء طعنوا فيه بأنه رجل حاد الطبع، فبلغ النبأ ابن عبد السلام فذهب إلى الوالي وزكّى نفسه بأنه يعرف حياة الناس الاجتماعية وعاداتهم وتقاليدهم أكثر من غيره، "وهو يشير إلى معرفته بالعرف" وعندما تأكد الوالي من صدق دعواه عينه قاضيا ولم يلتفت لطعن الطاعنين" [6].
وتتطلب دراسة منابع الفقه الإسلامي دراسة تاريخ التشريع في الإسلام وهو يشتمل على تاريخ الأصول والفقه، ودراسة الظروف التاريخية التي أحاطت بالفقه وأصوله وهذه دراسة تقود للإلمام بالتاريخ عموما من أوسع أبوابه ولا يقتصر على دراسة تاريخ الأصول والفقه وحده، وبذلك يكون الأصولي على علم بكل الظروف التي مرّ بها العلم.
ودراسة منابع الفقه تتطلب دراسة دقيقة وافية مستوعبة لتفاصيل علم الفقه الإسلامي ومذاهبه واختلافات الأئمة والمنصوص عليه وغير المنصوص عليه وأماكن الإجماع الخ، حتى يمكنه معرفة الأصول معرفة نظرية وتطبيقية عملية ولا يقتصر على المعرفة النظرية المجردة.
ولعله من الأكمل لدارس الأصول الإلمام بأصول ومنابع القوانين الوضعية وذلك لإدراك مصادر تلك القوانين وكيفية استخراجها حتى ينجلي عنده سمو الشريعة الإسلامية ويستطيع - كما أشرنا من قبل - بيان نقائص القوانين الوضعية.
بجانب ما تقدم من علوم تتطلبها دراسـة علم الأصول فهنالك علوم أخرى لها أهمية بالنسبة لدارس الأصول مثل علم الكلام أو العقيدة التي هي من مقدمات علم الأصول، ليتوصل بذلك إلى ثبوت الكتاب والسنة ووجوب صدقهما ليتوصل بذلك إلى الفقه [7] وكذلك فإن قضايا متعددة خلال أبواب الأصول تحتاج إلى زاد من العقيدة مثل قضايا التعليل، وصفات الأفعال العقلية واتفاق أو عدم اتفاق الشرع معها، وغير ذلك من القضايا التي تتطلب التسلح بسلاح العقيدة ليكون بحثها على بينة من الأمر.
من هنا يتبين لنا كيف أن علم أصول الفقه هو من أكثر العلوم خصوبة ودسامة، وأن دراسته وتعمقه غاية في الإمتاع وإشباع النهم العلمي هذا بجانب أهميته وخطورته التي أوضحناها سالفا وهي أنه تحقيق لمصادر وقواعد استخراج الأحكام التي تضمنتها شريعة الله للخلق.
ولا غرابة أن تتطلب دراسة علم أصول الفقه الإسلامي ولوج أبواب هذه العلوم المختلفة، وكيف تكون هنالك غرابة بينما تتطلب دراسة القوانين الوضعية - وهي محصورة الفائدة في هذه الدنيا - دراسة العديد من العلوم، ولنستمع إلى أحد كتاب الفقه القانوني الوضعي وهو اللورد "راد كليف" يقول في كتابه (القانون ومحيطه) يقول ما ترجمته:
"أرجو أن لا تخطئ فهمي أو تظن أنني أقلل من أهمية واحد من أعظم الدراسات الإنسانية إذا قلت: إننا لا نستطيع أن نفهم القانون بتعلمنا للقانون، فالقانون أكـبر من هذه المصطلحات التي ندرسها بمقدار عظيم، فهو جزء من التاريخ، وجزء من الاقتصاد، وجزء من الاجتماع، وجزء من علم الأخلاق وفلسفة الحياة" [8].
فإذا كـان هذا هو حال القانون الوضعي ومصادره - وهو محدود الدائرة - وإذا احتاج القانون الوضعي لدراسـة كل هذه العلوم وسبر أغوارها، فكيف بالشريعة الإسلامية وأصولها وهي غير منحصرة في هذه الحياة الحاضرة بل تتعداها لتضمن مصلحة الحياة الآخرة أيضا، لا شك أنها أوسع نطاقا وأشمل بحيث تشمل النظرة إلى مصادرها العلوم الأساسية التي تستمد منها صيانة المصلحة في هذه الحياة ثم تنفرد بالعلوم الأخرى وعلى رأسها القرآن الكريم والسنة النبوية واللغة العربية التي هي أساس فهم القرآن الكريم.
فعلم أصول الفقه ليس كما يتصوره البعض، علما محصورا في تعريفات ومناقشات لفظية، وعلما جافا غير أخاذ بحيث لا يتسع ليشبع نهم النفوس، فهو عكس ذلك تماما كما حاولنا توضيح ذلك في الفقرات الفائتة، وكما يدرك ذلك علماء الأصول الذين عاشوا تجربة دراسته وتدريسه.

أسباب عدم وضوح الرؤية:

كثير من الدارسين لعلم الأصول تتعسر عليهم الرؤية الواضحة لحقيقة هذا العلم ولخصوبته، وعليه فهم يعتبرونه - كما أشرنا أعلاه - علما يتسم بالجفاف والتعقيد والانحصار في مناقشات لفظية أو منطقية ثم ردود على المناقشات وردود على الردود وهلم جرا، ثم بعد ذلك تكون الحصيلة ضئيلة، وهذا المفهوم يبعث في نفوسهم مللا من دراسة الأصول ونفورا منه، وربما مر بنا هذا الإحساس في عهد الطلب، وبذلك ينصرف الدارسون عن هذا العلم العظيم الغزير المليء بالفوائد والتي تتجلى فيه مناهج بحث وضعها علماؤنا السابقون لم يسبق لها مثيل، ونادرا ما تجد أحدا يقبل على هذا العلم إلا مضطرا لأداء امتحان مثلا، ثم لا تجده بعد ذلك يتناول مرجعا من مراجع الأصول ليطلع فيه طائعا مختارا مستسيغا له متعمقا في معانيه.
هذا الشعور الذي ينتاب المبتدئ في دراسة هذا العلم، وغالبا ما يظل معه خلال حياته العلمية، له أسباب نذكر منها بعضا في الفقرات التالية:
لعلنا نستطيع القول بأن الأسباب التي تؤدي إلى مثل هذا الإحساس وهذا المفهوم تنقسم إلى مجموعتين:
(1) المجموعة الأولى ترجع إلى الاضطراب في التكوين الثقافي والفكري والبيئي للنشء في المجتمع الإسلامي.
(2) والمجوعة الثانية ترجع إلى كتب الأصول نفسها.
أما فيما يختص بالمجموعة الأولى من الأسباب، وهي التي ترجع إلى التكوين البيئي للنشء فهي تتمثل في تأثير أساليب الثقافات الأجنبية ومصطلحاتها وعباراتها في التكوين الثقافي لأبناء المسلمين، حدث ذلك منذ أن هجمت تلك الثقافات مع موجة الاستعمار لبلاد المسلمين وطفقت تنشئ أجيالا هي أقرب إلى ثقافات الأجنبية منها إلى الثقافة الإسلامية الأصيلة والعلوم الإسلامية في مصادرها الأولية، فأصبح بذلك الناشئون بعيدين عن المصطلحات العلمية العربية والإسلامية وعن الألفاظ والعبارات التي تزخر بها كتب العلوم الإسلامية، ومن بينها كتب الأصول.
كذلك فإن الأجيال الإسلامية في العصور الحديثة تأثرت إلى حد كبير بالحملة المغرضة التي واجهتها كتب التراث في كثير من البلدان الإسلامية، تلك الحملة التي وصمت هذه الكتب بالجمود والتحجر، فعزف شباب المسلمين عن جهل عن تناول تلك الكتب وعن الاجتهاد في إدراك مضامينها، يضاف إلى ذلك ضعف اللغة العربية في جميع البلاد العربية والإسلامية، وعلم الأصول يتطلب في مقدمة ما يتطلب إدراك اللغة العربية إدراكا تاما ومعرفة أسرارها، كما أوضحنا من قبل.
كل ذلك ساعد على خمول كثير من الشباب وإحجامهم عن اقتحام هذه العلوم وسبر أغوارها، وتركوا ذلك إلى قلة متخصصة في فروع هذه العلوم، فأصبح من العسير عليهم -إن هم أرادوا العودة إلى كتب التراث - أن يتبينوا أساليب تلك الكتب.
أما المجموعة الثانية من أسباب النفور من علم الأصول، والتي ترجع إلى كتب الأصول نفسها، فهي تتلخص في أن كتب الأصول القديمة غالبا ما تركز على المصطلحات اللغوية واللفظية والمنطقية، وعلى مناقشة القول ورد المناقشة الخ - كما أشرنا - مما يبعد بالطالب عن المعنى المقصود أو يجعل من الصعب الخروج بنتيجة واضحة بينة.
كذلك فإن كتب الأصول كثيرا ما تقلل من إيراد الأمثلة التطبيقية للقواعد التي تناقشها، فمثلا تورد أحيانا مثالا واحدا لقضية أو قاعدة يكون الكتاب قد ناقشها طويلا، وربما لا تورد في بعض الأوقات أي مثال عقب مناقشة طويلة لبعض القواعد، وبذلك يفقد الدارس الجانب التطبيقي للعلم ويصعب عليه الربط بين القواعد الأصولية التي يقرؤها وبين الفقه التفصيلي فيفقد الهدف الرئيسي من علم الأصول.
فلو أن كتب الأصول زخرت بالأمثلة لكل قاعدة وبالتطبيق على المسائل الفقهية باستفاضة لساعد ذلك على جعل هذه المادة أكثر تشويقا، ولو أن الأستاذ الذي يقوم بتدريس علم الأصول في الجامعات والمعاهد يقوم بتوسيع الجانب التطبيقي وعرضه ومناقشته مع الدارسين لساعد ذلك أيضا على إيضاح خصوبة هذا العلم ودسامته.
إن أمنيتنا هي أن تميل الكتابات المعاصرة في علم الأصول إلى استجلاء عمق هذه المادة وغزارتها وأن يكثّف العمل في هذا الطريق حتى يدرك طلاب العلوم والمعرفة حقيقة علم الأصول ويكون الإقبال عليه كبيرا كما يكون طوعا واختيارا، وبذلك يعطى هذا العلم حقه من الاهتمام ، وكما هو معلوم فإنه لا سبيل إلى الاجتهاد إلا بإدراك تام لهذا العلم.

إقبال العلماء في الماضي بمختلف تخصصاتهم على علم أصول الفقه:
ظل علم أصول الفقه وكذلك علم الفقه محط اهتمام المسلمين في الماضي على مر العصور، وظلا في مقدمة العلوم التي يندفع الدارسون لتلقيها وتدريسها، ولأن مجموع العلمين هو الذي يسترشد به الفرد والمجتمع في التصرفات والمسار وبه تبين أحكام أفعال البشر في دنياهم.
وكان عالم الأصول والفقه مقدما على غيره من العلماء لخطورة وأهمية ما يحمله، وهو الذي يولّى أخطر مناصب الدولة وهو القضاء وهو الذي يهرع إليه الناس في الفتوى لحل مشكلاتهم الفقهية التي تتعلق بدنياهم وأخراهم فهو في الحقيقة الموجه للمجتمع المسلم. ومن هنا كان الحادبون على صلاح المجتمع المسلم يحرصون على دخول ميدان الفقه وأصوله حتى يتمكنوا من القيام بدور في توجيه، المجتمع، خاصة قد كان الذي لا يعرف الفقه وأصوله لا يعتبر من ذوي العلم مهما بلغ من المعرفة في كثير من العلوم الأخرى.
ولنستمع إلى الإمام الجليل ابن الجوزي (سنة 597هـ) وهو يتحدث عمّن يشتغلون بعلوم غير علوم الشريعة ثم يقتصرون عليها وهم يفخرون بتلك المعرفة، ونحن لا ننقل كلام ابن الجوزي للتقليل من العلوم الأخرى، ولكن لنوضح وجهة نظر الماضين، خاصة علماؤهم، فيمن يفرط في إدراك الشريعة وأصولها التي على رأسها القرآن الكريم والسنة النبوية، يقول ابن الجوزي:
"قد لبَّس (يعني إبليس) على جمهورهم (يعني أهل اللغة والأدب المقتصرين عليهما) فشغلهم بعلوم النحو واللغة من غير المهمات اللازمة التي هي فرض عين عن معرفة ما يلزمهم عرفانه من العبادات وما هو أولى بهم من آداب النفس وصلاح القلوب وما هو أفضل من علوم التفسير والحديث والفقه. فأذهبوا الزمان كله في علوم لا تراد لنفسها بل لغيرها، فإن الإنسان إذا فهم الكلمة فينبغي أن يترقى إلى العمل بها إذ هي مرادة لغيرها، فترى الإنسان منهم لا يكاد يعرف من آداب الشريعة إلا القليل، ولا من الفقه ومع هذا ففيهم كبر عظيم وقد خيل لهم إبليس أنهم من علماء الإسلام، لأن النحو واللغة من علوم الإسلام وبها يعرف معنى القرآن العزيز.
ولعمري إن هذا لا ينكر، ولكن معرفة ما يلزم من النحو لإصلاح اللسان، وما يحتاج إليه من اللغة في تفسير القرآن والحديث أمر قريب وهو أمر لا زم، وما عدا ذلك فضل لا يحتاج إليه، وإنفاق الزمان مع تحصيل هذا الفاضل، وليس بمهم، مع ترك المهم غلط، وإيثاره على ما هو أنفع وأعلى رتبة كالفقه والحديث غبن، ولو اتسع العمر لمعرفة الكل كان حسنا، ولكن العمر قصير فينبغي إيثار الأهم والأفضل" [9].
من حديث هذا الإمام الجليل نلاحظ كيف أن المسلمين بما فيهم العلماء، كانوا في العصور السالفة لا يعتدون كثيرا بمن لا يحمل علم الشريعة من العلماء إلا إذا كان ما يحمله من علم في خدمة علوم الشريعة - وهذا حق - وجماع علوم الشرعية وخلاصتها هو الفقه وأصوله.
فالعالم الجليل في اللغة مثلا، في الماضي، كان لا بد له من التزود بالعلوم الشرعية وإلا فإن الاعتداد بعلمه سيكون ضعيفا، وكذلك عالم التاريخ، والكلام، والمنطق الخ الخ.
وبناء على هذه الروح السائدة، وبناء على اهتمام المسلمين عموما بعلوم الشريعة، أراد العلماء المتخصصون في غير الشريعة أن يدخلوا ميدان الشريعة ويدلوا بدلوهم.
ونحن لا نريد أن يفهم من هذا أن هؤلاء الذين أرادوا أن يلجوا ميدان الشريعة كانت دوافعهم دنيوية، فقد كانت دوافعهم كما هو واضح من أحاديثهم وسيرهم دينية، فهم يريدون خدمة العلم وتقديم ما يحملون من علم للناس، وهم لا يستطيعون تقديم شيء للناس إذا كان الناس لا يعتدون ببضاعتهم.
وقد دخل بناء على ذلك كثير من علماء اللغة وعلماء الكلام ميدان الشريعة، ووجدوا أن أوسع أبواب دخولهم هو علم الأصول، لأن علم الأصول يوضح كيف تفهم ألفاظ القرآن والحديث وعباراتهما، وعمومهما وخصوصهما، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، ودلالات الألفاظ، وإشارات النصوص، والناسخ والمنسوخ، إلى غير ذلك من القضايا التي ترتبط بفهم اللغة ارتباطا تاما.
وكذلك فإن علم الأصول هو الذي يبين فلسفة التشريع، وأهداف الشريعة وأغراضها وعللها ومبادئها، ومكان العقل البشري من الشريعة إجمالا ما يوجب الثواب والعقاب عن أفعال العباد.
ويبين الدليل والبرهان والحد والرسم والقياس، ويبين أساس تشريع الأحكام ومدخل حسن الأفعال وقبحها العقليين في ذلك، وغير ذلك من القضايا المتعددة التي ترتبط بعلم الكلام والمنطق والعقيدة.
لهذا فقد وجدنا كثيرا من علماء اللغة والكلام والمنطق قد ولجوا علم الأصول وألفوا فيه كتبا وأبرزوا فيه قدراتهم اللغوية والمنطقية والعقلية.
ومن هنا برزت قضايا الكلام واللغة بصورة واضحة في بعض المؤلفات مما دعا بعض كتاب الأصول المعاصرين إلى القول: إن بعض القضايا الكلامية وردت في كتب الأصول من غير حاجة إلى إيرادها غير رغبة علماء الكلام في إبرازها ليمارسوا قدراتهم الكلامية.
ومن غير علماء اللغة والكلام فقد كان هنالك علماء في ميادين أخرى دخلوا ميدان علوم الشريعة وكان مدخلهم هو علم أصول الفقه لأنهم وجدوه يتصل بعلومهم التي أتقنوها ووجدوه علما خصبا.

يتبع >>>

====================

[1]البقرة 30.
[2] جمال الدين عبد الرحمن الأسنوي (704- 777 هـ).
[3] يقصد الإمام الرازي الشافعي- صاحب المحصول في علم الأصول.
[4] التمهيد ص3 الطبعة الثانية سنة 1387 هـ.
[5]عاش في القرن الثامن الهجري.
[6]انظر المرير، الأبحاث السامية في المحاكم الإسلامية، ج1 ص62- 63.
[7]انظر التفتازاني ـ التلويح ج1 ص20.
[8]انظر اللورد كيف القانون ومحيطه (بالإنجليزية) ص92- 93 الخ.
وانظر اللورد لويد (مقدمة لفقه القانون) ص1- 2 إلخ.
[9]ابن الجوزي تلبيس إبليس ص126.
__________________
قال ابن فارس: "وليس كل من خالف قائلاً في مقالته فقد نَسَبه إلى الجهل".
[الصاحبي في فقه اللغة (ص:46)]
رد مع اقتباس