عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 19-06-05, 03:18 AM
رشيد القرطبي رشيد القرطبي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-06-05
الدولة: المملكة المغربية
المشاركات: 86
Post القواعد الفقهية عند المالكية

بسم الله الرحمان الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وبعد،
كتب العبد الفقير إلى ربه رشيد المدور

الدار البيضاء / المغرب

كنت قد كتبت بحثا في مصادر ومصنفات القواعد والفروق والكليات والضوابط الفقهية عند المالكية وذلك في سنة 1991م ونشرته بعد ذلك مقالا في سنة 1996، وها أنا اليوم أعمل على تطويره وتحديثة وتحيين معلوماته، وذلك لنشره في كتاب مستقل.
وقد كانت لي هذه مناسبة اكتشفت من خلال البحث في الشبكة الالكترونية(الإنترنيت) أن منتديات للحوار مفتوحة للحوار بشأن علم القواعد الفقهية، فأردت أن أعرض على المهتمين بالقواعد الفقهية عامة وعند السادة المالكية خاصة أن أعرض عليهم ما أنا بصدد استكماله لأشركهم في أمري طالبا منهم التفضل بمطالعة ما كتبت والتكرم بإبداء الرأي والملاحظات والتصويبات والإضافات حتى يخرج هذا العمل في أفضل صورة ممكنة، والله تعالى أسأل أن يوفقنا جميعا للعمل الصالح.
وإليكم المسودة في مرحلتها اليوم:


[B
]المبحث الأول

تعريف القواعد
وبيان مميزاتها وأهميتها
ولمحة تاريخية بشأنها

المطلب الأول
تعريف القاعدة
في اللغة والاصطلاح[/B]1-

القاعدة لغة :
القواعد: جمع قاعدة، وهي أصل الشيء وأساسه، فقواعد البيت أسسه وأصوله التي بني عليها، وهي صفة مأخوذة من القعود، بمعنى الثبات.
قال ابن منظور: « والقاعدة : أصل الأس ، والقواعد : الأساس ، وقواعد البيت أساسه . وفي التنزيل : (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) ، وفيه : (فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ) .
قال الزجاج : القواعد أساطين البناء التي تعمده ، وقواعد الهَوْدَج : خشبات أربع معترضة في أسفله تركّب عيدان الهودج فيها، قال أبو عبيد: قواعد السحاب أصولها» .
ثم استعملت مجازا في القاعدة المعنوية، فيقال بنى أمره على قاعدة وقواعد.
2- القاعدة في الاصطلاح :
وفي الاصطلاح، عرفها العلامة التفتازاني بأنها "حكم كلي ينطبق على جزئياته لتعرف أحكامها منه" .
وقال التهانوي : «هي تطلق على معان : مرادف الأصل ، والقانون ، والمسألة ، والضابطة ، والمقصد . وعرّفت بأنّها أمر كلّي منطبق على جميع جزئيّاته عند تعرّف أحكامها منه».
وقد عرفها ابن خطيب الدهشة فقال : القاعدة "حكم كلي ينطبق على جميع جزئياته لتتعرف أحكامها منه" .
و أبي سعيد الخادمي عرفها بقوله : "حكم ينطبق على جميع جزئياته لتعرف به أحكام الجزئيات".
و الإمام السبكي اختار تعريفها "بالأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزئيات كثيرة يفهم أحكامها منها" .
وهذه التعريفات تعطي صورة واضحة لتعريف القاعدة بمدلولها العام، فقد جرى هذا الاصطلاح في جميع العلوم، حيث إن لكل علم قواعد.

3- القاعدة في الاصطلاح الخاص بالفقهاء.
أما في الاصطلاح الخاص بالفقهاء، فقد عرفت القاعدة الفقهية بالعديد من التعريفات المتقاربة، نختار منها ما يلي:
 عرف الحموي، القاعدة بقوله : "إن القاعدة هي عند الفقهاء غيرها عند النحاة والأصوليين : إذ هي عند الفقهاء حكم أكثري لا كلي ، ينطبق على أكثر جزئياته لتعرف أحكامها" .
 وعرفها المقري في قواعده بقوله: "ونعني بالقاعدة كل كلي هو أخص من الأصول وسائر المعاني العقلية العامة، وأعم من العقود وجملة الضوابط الفقهية الخاصة".
 ومن المعاصرين، عرفها مصطفى الزرقاء بأنها: " أصول فقهية كلية في نصوص موجزة دستورية تتضمن أحكاما تشريعية عامة في الحوادث التي تدخل تحث موضوعها".
 وعرفها أيضا، الدكتور محمد الروكي بأنها: "حكم كلي مستند إلى دليل شرعي، مصوغ صياغة تجريدية محكمة، منطبق على جزئياته على سبيل الاطراد أو الأغلبية".

المطلب الثاني
مميزات القاعدة الفقهية


ومن خلال التعاريف السابقة، نسجل الميزتين الأساسيتين التاليتين:
1. إيجاز العبارة، وإحكام الصياغة، وسهولة التركيب،كقاعدة "العادة محكمة"، و"الضرر يزال"، وهذا ما أشار إليه الشيخ مصطفى الزرقاء بقوله:"فهي تمتاز بمزيد من الإيجاز في صياغتها على عموم معناها وسعة استيعابه للفروع الجزئية، فتصاغ القاعدة بكلمتين أو ببضع كلمات محكمة من ألفاظ العموم" .
2. الأغلبية، وهذا ما أكد عليه تعريف الحموي السابق، حيث اعتبر أن القاعدة الفقهية حكم أكثري وأغلبي لا كلي ، وذلك لوجود المستثنيات والشواذ في القاعدة الفقهية أكثر مما توجد في غيرها من القواعد والعلوم الأخرى. ثم إن الشيخ مصطفى الزرقاء أيضا، أكد هذا المعنى بقوله إن القواعد الفقهية: "أحكام أغلبية غير مطردة، لأنها إنما تصور الفكرة الفقهية المبدئية التي تعبر عن المنهاج القياسي العام في حلول القضايا وترتيب أحكامها... ولذلك كانت تلك القواعد الفقهية قلما تخلو إحداها من مستثنيات في فروع الأحكام التطبيقية خارجة عنها، إذ يرى الفقهاء أن تلك الفروع المستثناة هي أليق بالتخريج على قاعدة أخرى، أو أنها تستدعي أحكاما استحسانية خاصة، وإلى هذا المعنى أشار بعض المالكية بقوله: "من المعلوم أن أكثر قواعد الفقه أغلبية".

المطلب الثالث
أهمية القواعد في الفقه


وفي بيان أهمية المعرفة بالقواعد الفقهية يقول الإمام القرافي :"فإن الشريعة المعظمة المحمدية زاد الله تعالى منارها شرفا وعلوا اشتملت على أصول وفروع، وأصولها قسمان:
أحدهما المسمى بأصول الفقه، وهو ي غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية خاصة، وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح، ونحو الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، والصيغة الخاصة للعموم، ونحو ذلك، وما خرج عن هذا النمط إلا كون القيا حجة، وخبر الواحد، وصفات المجتهدين.
والقسم الثاني قواعد كلية فقهية جليلة، كثيرة العدد، عظيمة المدد، مشتملة على أسرار الشرع وحكمه ، لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى، ولم يذكر منها شيء في أصول الفقه، وإن اتفقت الإشارة إليه هنالك على سبيل الإجمال، فبقي تفصيله لم يتحصل.
وهذه القواعد مهمة في الفقه، عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه ويشرف، ويظهر رونق الفقه ويعرف، وتتضح مناهج الفتاوى وتكشف، فيها تنافس العلماء، وتفاضل الفضلاء ، وبرز القارح على الجذع، وحاز قصب السبق من فيها برع، ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية، دون القواعد الكلية، تناقضت عليه الفروع واختلفت، وتزلزلت خواطره فيها واضطربت ، وضاقت نفسه لذلك وقنطت ، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى، وانتهى العمر ولم تقض نفسه من طلب مناها. ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات ، واتحد عنده ما تناقض عند غيره وتناسب، وأجاب الشاسع البعيد وتقارب، وحصل طلبته في أقرب الأزمان، وانشرح صدره لما أشرق فيه من البيان، فبين المقامين شأو بعيد، وبين المنزلتين تفاوت شديد".
وفي بيان فوائد القواعد الفقهية وأهميتها أيضا، يقول ابن رجب الحنبلي بأنها:" تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه من مآخذ الفقه على ما كان عنه قد تغيب، وتنظم له منثور المسائل في سلك واحد، وتقيد له الشوارد، وتقرب عليه كل متباعد".
وقال السيوطي أيضا:" اعلم أن فن الأشباه والنظائر فن عظي به يطلع على حقائق الفقه ومداركه ومأخذه وأسراره، ويتميز في فهمه واستحضاره، ويقتدر عل الإلحاق والتخريج ومعرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة، والحوادث والوقائع التي لا تنقضي على مر الزمان. ولهذا قال بعض أصحابنا: الفقه معرفة النظائر".
وقال الإمام الزركشي:" وهذه قواعد تضبط للفقيه أصول المذهب، وتطلعه من مآخذ الفقه على نهاية المطلب، وتنظم عقده المنثور في سلك، وتستخرج له ما يدخل تحت ملك..."
ومن خلال ما سبق، تتبين أهمية القواعد الفقهية وفوائدها كما يلي:
1- أنها أحد قسمي أصول الشريعة الإسلامية.
2- أنها تشتمل على أسرار الشرع وحكمه و مقاصد ه.
3- أن درجة الإحاطة بها مقياس لتقدير الفقهاء.
4- أنها توضح مناهج الفتوى، وتعين على فهم الفقه، وحقائقه ودقائقه، ومداركه ومآخذه.
5- أنها تغني عن حفظ الجزئيات، و أحكام الفروع والمسائل.
6- أنها تنظم منثور المسائل، وتجمع الشتات، وتقيد الشوارد.
7- أنها تعين على معرفة الأحكام، وتخريج المسائل وإلحاقها بأصولها.

المطلب الرابع
نشأة القواعد الفقهية
لمحة تاريخية مختصرة


إن القواعد الفقهية لم توضع كلها جملة واحدة، في وقت معين، بل تكونت مفاهيمها، ووضعت نصوصها، وتطورت صياغتها بالتدرج في عصور ازدهار الفقه على يد كبار فقهاء المذاهب جيلا بعد جيل ، ولهذا لا يعرف لكل قاعدة واضع أو صائغ، وما عرف من ذلك محدود ومعدود، مثل قاعدة : "لا ضرر ولا ضرار" التي هي نص حديث نبوي، ومثل قاعدة "لا ينسب إلى ساكت قول"، وقاعدة" إذا ضاق الأمر اتسع"، فقد ذكر السيوطي أن الشافعي هو الذي وضع القاعدة الأولى، وذكر الزركشي أن القاعدة الثانية من عبارات الشافعي الرشيقة.
أما حصر القواعد الفقهية، فإن أقدم خبر يروي عن جمعها، ما رواه الإمامين السيوطي وابن نجيم في أشباههما، من أن أبا طاهر الدباس - وهو ممن عاش في القرنين الثالث والرابع للهجرة - قد جمع أهم قواعد مذهب أبي حنيفة في سبع عشرة قاعدة كلية، ومن جملتها القواعد الأساسية المشهورة وهي :
1- الأمور بمقاصدها
2- اليقين لا يزول بالشك
3- المشقة تجلب التيسير
4- الضرر يزال
5- العامة محكمة .
أما أول من دون القواعد الفقهية ، فهو أبو الحسن الكرخي (340 هـ) في " أصول الكرخي"، وهي رسالة موجزة ضمت سبعا وثلاثين قاعدة ، وقد قام بشرحها الإمام نجم الدين النسفي ، ويأتي بعده محمد بن حارث الخشني المالكي (361 هـ) في كتابه " أصول الفتيا في الفقه على مذهب مالك ".
ثم توالى التأليف في القواعد والكليات والفروق والضوابط بعد ذلك جيلا بعد جيل.
وفي إطار هذه اللمحة السريعة، نسجل التحقيب التاريخي التالي:
1. في القرن الثاني الهجري بدأ العلماء يتداولون عددا من القواعد الفقهية.
2. أواخر القرن الثالث الهجري بدأت حركة تقعيد القواعد وتدوينها.
3. القرن الرابع الهجري شهد ظهور أول مؤلف خاص في القواعد الفقهية على يد الإمام أبو زيد الدبوسي (430 هـ) في كتابه" تأسيس النظر".
4. القرن السابع الهجري برز فيه علم القواعد الفقهية، من خلال أعلام، مثل الإمام عز الدين بن عبد السلام الذي ألف كتاب" قواعد الأحكام في مصالح الأنام"، والعلامة محمد بن عبد الله راشد البكري القفصي من فقهاء المالكية الذي ألف كتاب" المذهب في ضبط قواعد المذهب".
5. القرن الثامن الهجري يعتبر العصر الذهبي لتدوين القواعد الفقهية، ومن أشهر من ألف من المالكية فيه الإمام المقري، حيث ألف كتاب "القواعد".
6. القرن العاشر الهجري يعتبر العصر الذي رقى فيه وتطور تأليف كتب القواعد الفقهية على يد علماء كبار، أمثال العلامة السيوطي في كتابه"الأشباه والنظائر"، ومن المالكية أبو الحسن الزقاق التجيني بمنظومته الشهيرة" المنهج المنتخب".
7. القرن الثالث عشر الهجري شهد ظهور أول عمل من نوعه في مجال التأليف في القواعد الفقهية، وقد تمثل ذلك في وضع "مجلة الأحكام العدلية" على أيدي نخبة من فحول الفقهاء في عهد السلطان الغازي عبد العزيز خان العثماني، ليعمل بها في المحاكم التي أنشئت فيذلك العهد، فصدرت المجلة وهي "تحمل في صدرها مجموعة كبيرة من هذه القواعد، مختارة من أهم ما جمعه ابن نجيم والخادمي مضافا إليه بعض قواعد أخرى، فبلغت تسعا وتسعين قاعدة في 99 مادة."
وكتبه رشيد المدور
medouar@parlementaire.ma
رد مع اقتباس