عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 31-08-19, 04:59 PM
فؤاد سليم فؤاد سليم غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 31-01-17
المشاركات: 134
Arrow رد: الإنباء بمذهب الآباء من آل تيميّة النّجباء

الإنباء بمذهب الآباء من آل تيميّة النّجباء (11) :

قال ابن تيميّة عن السّالميّة : وقال طائفة : بل كلامه قديم العين ، وهو حروفٌ ، أو حروفٌ وأصواتٌ قديمةٌ أزليّةٌ ، مع أنّها مترتّبة في نفسها ، وأنّ تلك الحروف والأصوات باقيةٌ أزلاً وأبداً . وجمهور العقلاء يقولون إنّ فساد هذا معلومٌ بالضرورة . وهاتان الطائفتان [تقولان] إنّه لا يتكلم بمشيئته وقدرته . انظر النبوات ج1 ص589 . والطّائفتان هما الكُلّابيّة الذين يُنكرون أن يكون حرفاً وصوتاً ، والسّالمية التي تزعم أنّ كلام الله حروف وأصوات باقية أزلاً وأبداً ، وهاتان الطائفتان [تقولان] إنّه لا يتكلم بمشيئته وقدرته ، وهذا تماما مذهب الآباء عندما نفوا قيام الأفعال الإختياريّة فوافقوا ابن كُلّاب من هذه الحيثيّة ، وخالفوه في اثبات الحرف والصّوت ظانّين أنّه مذهب السّلف باطلاقه ، لكنّ السّلف لم يقولوا بقدم العين وانّما اثبتوا قدم النّوع .
وقال ابن تيميّة عن مسلك جهم : والكُلّابِيَّة - ومن وافقهم من السّالمية ، ومن سلك مسلكهم من الفقهاء وأهل الحديث والصّوفية - وافقوه على نفي الصّفات الاختيارية دون نفي أصل الصّفات . انظر الحسنة والسّيئة ص104 وانظر مجموع الفتاوى ج14 ص348 ، وهذا ما كان عليه مذهب الآباء فقد نفوا الصّفات الاختيارية دون نفي أصل الصّفات ، سلكوا مسلك جهم الخبيث.
وقال ابن تيميّة : وأحمد قد صرّح هو وغيره من الأئمّة أنّ الله لم يزل متكلّما إذا شاء وصرّح أنّ الله يتكلّم بمشيئته ، ولكن أتباع ابن كُلّاب كالقاضي وغيره تأوّلوا كلامه على أنّه أراد بذلك إذا شاء الإسماع ؛ لأنّه عندهم لم يتكلّم بمشيئته وقدرته . وصرّح أحمد وغيره من السّلف أنّ القرآن كلام الله غير مخلوق ، ولم يقل أحد من السّلف إنّ الله تكلّم بغير مشيئته وقدرته ولا قال أحد منهم إنّ نفس الكلام المعيّن كالقرآن أو ندائه لموسى أو غير ذلك من كلامه المعيّن أنّه قديم أزلي لم يزل ولا يزال ، وإنّ الله قامت به حروف معيّنة أو حروف وأصوات معيّنة قديمة أزليّة لم تزل ولا تزال ، فإنّ هذا لم يقله ولا دلّ عليه قول أحمد ولا غيره من أئمّة المسلمين ، بل كلام أحمد وغيره من الأئمّة صريح في نقيض هذا . انظر مجموع الفتاوى ج12 ص85-86 .
فتدبّر بقلبك ان كان يعقل كم جنى التّأويل الفاسد على الدين وأهله فلم يكتفوا بتأويل النّصوص حتّى زادوا توسعة فأوّلوا نصوص العلماء كذلك ، ومن هان عنده كلام اللّه ورسوله حتّى رجموا نصوص الشّريعة بالتّأويل ، فكلام غير اللّه ورسوله عنده أهون ولا شكّ. ولله درّ ابن قيّم الجوزية حين وصف خطر التأويل الفاسد وضرره العظيم ، فقال :
هــــذا وأصل بليّة الإسلام من *** تأويل ذي التّحريف والبطلان
وهو الذي قد فرّق السبعين بل *** زادت ثلاثا قول ذي البرهان
انظر الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية : (فصل في جناية التأويل على ما جاء به الرسول والفرق بين المردود منه والمقبول) ص111 .
وقال ابن تيميّة : والمقصود هنا أنّ كثيرا من النّاس المتأخّرين لم يعرفوا حقيقة كلام السّلف والأئمّة ، فمنهم من يعظّمهم ويقول إنّه متّبع لهم مع أنّه مخالف لهم من حيث لا يشعر. انظر مجموع الفتاوى ج12 ص87 . وهذا ما ينطبق تماما على ابن تيميّة حين كان على مذهب الآباء ، وعلى أكثر السّلفيّة حديثا وهم يتمذهبون بمذهب شيوخهم المعاصرين ، دع عنك فراخ العاذرة من بعد هؤلاء ، وكلّ من نام في التّوحيد من غير وسادة ، ثمّ ولّد الشّروط والموانع في أصل الدّين ولادة بعد ولادة .
وللدّنوّ من مذهب الآباء أكثر، ومزيدٍ من التّعرّف أوفر، قال ابن تيميّة : وحدّثنا أبي عن جدّنا أبي البركات وصاحبه أبي عبد الله بن عبد الوهّاب أنّهما نظرا فيما ذكره بعض المفسّرين من الأقوال في قوله : { نأت بخير منها أو مثلها } [البقرة: 106] وأظنّه كان نظرهم في تفسير أبي عبد الله محمّد بن تيميّة ، فلمّا رأيا تلك الأقوال قالا : هذا إنّما يجيء على قول المعتزلة . انظر مجموع الفتاوى ج17 ص54 .
فتدبّر ما في قول جدّ ابن تيميّة وصاحبه من خلط في مسألة الكلام عموما والقرآن خصوصا ، "فإنّ القائلين بأنّه مخلوق يرون فضل بعضه على بعض فضل مخلوق على مخلوق" وهؤلاء هم المعتزلة ، بينما مذهب الآباء يرى "بأنّ القرآن وغيره من الكلام لازم لذات الله تعالى لم يزل ولا يزال يتكلّم بكلّ كلام" وهو "حروف أو حروف وأصوات مقترن بعضها ببعض أزلا وأبدا" و"هو قديم لازم لذاته والقديم لا يتفاضل" فآية البقرة مشكلة عندهم في اثبات التّفاضل ولا يجيء هذا إلّا على قول المعتزلة . هذا هو حقيقة مذهب الآباء ، ومتى ترك الرّجل قول السّلف انحرف عن الصّراط المستقيم ، وكلّما كان لهم اترك كان عن منهجهم أبعد .
قال ابن تيميّة قبل النّقل السّابق : وظنّت طائفة كثيرة - مثل أبي محمّد بن كُلّاب ومن وافقه - أنّ هذا القول لا يمكن ردّه إلّا إذا قيل إنّ الله لم يتكلّم بمشيئته وقدرته ولا كلّم موسى حين أتاه ولا قال للملائكة اسجدوا لآدم بعد أن خلقه ولا يغضب على أحد بعد أن يكفر به ولا يرضى عنه بعد أن يطيعه ولا يحبّه بعد أن يتقرّب إليه بالنوافل ولا يتكلّم بكلام بعد كلام فتكون كلماته لا نهاية لها إلى غير ذلك ممّا ظنّوا انتفاءه عن الله . وقالوا إنّما يمكن مخالفة هؤلاء إذا قيل بأنّ القرآن وغيره من الكلام لازم لذات الله تعالى لم يزل ولا يزال يتكلّم بكلّ كلام له كقوله : { يَاآدَمُ } [البقرة: 33 و 35 و طه: 117 و 120]، { يَانُوحُ } [هود: 46 و 48]. وصاروا طائفتين : طائفة تقول إنّه معنى واحد قائم بذاته ، وطائفة تقول إنّه حروف أو حروف وأصوات مقترن بعضها ببعض أزلا وأبدا وإن كانت مترتّبة في ذاتها ترتّبا ذاتيا لا ترتّبا وجوديا كما قد بُيِّن مقالات النّاس في كلام الله في غير هذا الموضع . والأوّلون عندهم كلام الله شيء واحد لا بعض له فضلا عن أن يقال بعضه أفضل من بعض . والآخرون يقولون : هو قديم لازم لذاته والقديم لا يتفاضل . وربّما نقل عن بعض السّلف في قوله تعالى : { نأت بخير منها } [البقرة: 106] أنّه قال : خيرا لكم منها أو أنفع لكم . فيظنّ الظان أنّ ذلك القائل موافق لهؤلاء . وليس كذلك بل مقصوده بيان وجه كونه خيرا وهو أن يكون أنفع للعباد ، فإنّ ما كان أكثر من الكلام نفعا للعباد كان في نفسه أفضل كما بين في موضعه . وصار من سلك مسلك الكُلّابية من متأخّري أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم يظنون أنّ القول بتفاضل كلام الله بعضه على بعض إنّما يمكن على قول المعتزلة ونحوهم الذين يقولون إنّه مخلوق فإنّ القائلين بأنّه مخلوق يرون فضل بعضه على بعض فضل مخلوق على مخلوق وتفضيل بعض المخلوقات على بعض لا ينكره أحد . فإذا ظنّ أولئك أنّ القول بتفضيل بعض كلام الله على بعض مستلزم لكون القرآن مخلوقا فرّوا من ذلك وأنكروا القول به لأجل ما ظنّوه من التلازم ، وليس الأمر كما ظنّوه بل سلف الأمّة وجمهورها يقولون : إنّ القرآن كلام الله غير مخلوق وكذلك سائر كلام الله غير مخلوق . ويقولون مع ذلك : إنّ كلام الله بعضه أفضل من بعض كما نطق بذلك الكتاب والسنّة وآثار الصّحابة والتابعين من غير خلاف يعرف في ذلك عنهم . انظر مجموع الفتاوى ج17 ص53-54 .
وقال ابن تيميّة : وزار مرّة أبو عبد الله بن عبد الوهّاب هذا شيخنا أبي زكريا بن الصّيرفي وكان مريضا فدعا أبو زكريا بدعاء مأثور عن الإمام أحمد يقول فيه : "أسألك - بقدرتك التي قدرت بها أن تقول للسّموات والأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين - أن تفعل بنا كذا وكذا" ، فلمّا خرج النّاس من عنده قال له : ما هذا الدعاء الذي دعوت به ؟ هذا إنّما يجيء على قول المعتزلة الذين يقولون القرآن مخلوق فأمّا أهل السّنة فلا يقال عندهم قدر أن يتكلّم أو يقول ، فإنّ كلامه قديم لازم لذاته لا يتعلّق بمشيئته وقدرته . وكان أبو عبد الله بن عبد الوهّاب رحمه الله قد تلقّى هذا عن البحوث التي يذكرها أبو الحسن بن الزّاغوني وأمثاله وقبله أبو الوفاء ابن عقيل وأمثاله وقبلهما القاضي أبو يعلى ونحوه فإنّ هؤلاء وأمثالهم من أصحاب مالك والشافعي - كأبي الوليد الباجي وأبي المعالي الجويني - وطائفة من أصحاب أبي حنيفة يوافقون ابن كلّاب على قوله : إنّ الله لا يتكلّم بمشيئته وقدرته ، وعلى قوله : إنّ القرآن لازم لذات الله ، بل يظنّون أنّ هذا قول السّلف - قول أحمد بن حنبل ومالك والشافعي وسائر السّلف - الذين يقولون : القرآن غير مخلوق ، حتّى إنّ من سلك مسلك السّالمية من هؤلاء - كالقاضي وابن عقيل وابن الزّاغوني - يصرّحون بأنّ مذهب أحمد أنّ القرآن قديم وأنّه حروف وأصوات ، وأحمد بن حنبل وغيره من الأئمّة الأربعة لم يقولوا هذا قطّ، ولا ناظروا عليه ، ولكنّهم وغيرهم من أتباع الأئمّة الأربعة لم يعرفوا أقوالهم في بعض المسائل . ولكن الذين ظنّوا أنّ قول ابن كُلّاب وأتباعه هو مذهب السلف ومن أنّ القرآن غير مخلوق هم الذين صاروا يقولون : إنّ كلام الله بعضه أفضل إنّما يجيء على قول أهل البدع الجهمية والمعتزلة كما صار يقول ذلك طوائف من أتباع الأئمّة كما سنذكره من أقوال بعض أصحاب مالك والشّافعي ، ولم يعلموا أنّ السّلف لم يقل أحد منهم بهذا ، بل أنكروا على ابن كلّاب هذا الأصل ، وأمر أحمد بن حنبل وغيره بهجر الكُلّابية على هذا الأصل حتّى هجر الحارث المحاسبي لأنّه كان صاحب ابن كُلّاب ، وكان قد وافقه على هذا الأصل ثمّ روي عنه أنّه رجع عن ذلك ، وكان أحمد يحذّر من الكُلّابية . وكان قد وقع بين أبي بكر بن خزيمة الملقّب بإمام الأئمّة وبين بعض أصحابه مشاجرة على هذا الأصل ، لأنّهم كانوا يقولون بقول ابن كُلّاب وقد ذكر قصّتهم الحاكم أبو عبد الله النّيسابوري في (تاريخ نيسابور) وبسط الكلام على هذا الأصل له موضع آخر وإنّما نبّهنا على المآخذ التي تعرف بها حقائق الأقوال. انظر مجموع الفتاوى ج17 ص54-56 .
فظهر بهذا أنّ مذهب الآباء مسلكه مسلك الكُلّابية في مسألة القرآن خاصّة و مسلكه مسلك السّالمية في الأمر العام ، فإنّهم ان لم يكونوا من السّالميّة فهم بنو عمّهم أو إخوتهم من الرّضاعة وذلك لأنّ السّالميّة لم يخالفوا الحنابلة إلّا في أمور لا تخرجهم عن حدّ الحنابلة .
قال ابن تيميّة : وأمّا "السّالمية" فهم والحنبلية كالشّيء الواحد إلّا في مواضع مخصوصة تجري مجرى اختلاف الحنابلة فيما بينهم وفيهم تصوّف ، ومن بدّع من أصحابنا هؤلاء يبدّع أيضا التسمّي في الأصول بالحنبلية وغير ذلك ، ولا يرى أن يتسمّى أحد في الأصول إلّا بالكتاب والسنة ، وهذه "طريقة جيّدة" لكن هذا ممّا يسوغ فيه الاجتهاد ؛ فإنّ مسائل الدقّ في الأصول لا يكاد يتّفق عليها طائفة ؛ إذ لو كان كذلك لما تنازع في بعضها السّلف من الصّحابة والتابعين وقد ينكر الشّيء في حال دون حال ، وعلى شخص دون شخص . انظر مجموع الفتاوى ج6 ص56 . فتأمّل ما في هذا الكلام من الشّفقة وفكّ الخصام ، فكأنّي به يدافع عن مذهب الآباء ويهوّن من خطئهم ، ولم يعلم أنّ ذلك الاحتيال طريقٌ إلى الإغراء بمعرفة الحال ، وصدق من قال : "يكاد المريب أن يقول خذوني"، فإنّ من اثبت حرفا وصوتا للكلام ثمّ زعم أنّهما لا يتجدّدان ولا يُسمعان فهو ومن عطّل يشتركان ويتّفقان ، وليس من أصول أحمد ولا غيره من السّلف المحاماة على التّعطيل في مثل هذه الأمور.
وكأنّي بابن تيميّة يتكلّم عن آبائه ومن هم مثلهم حين قال : ثمّ هؤلاء لا يثبتون لله كلاما اتّصف به في الحقيقة ولا يثبتون أنّه قصد إفهام أحد بعينه ؛ بل قد يقولون لا يعلم أحدا بعينه ؛ إذ علمه وقصده عندهم إذا أثبتوه لم يثبتوه إلّا كليا لا يعيّن أحدا بناء على أنّه يعلم الكلّيات ولا يعلم الجزئيات إلّا على وجه كلّي . وقد يقرب أو يقرب من مذهبهم من قال باسترسال علمه على أعيان الأعراض وهذا الكلام - مع أنّه كفر باتفاق المسلمين - فقد وقع في كثير منه من له فضل في الكلام والتصوف ونحو ذلك ، ولولا أنّي أكره التعيين في هذا الجواب لعيّنت أكابر من المتأخّرين . انظر مجموع الفتاوى ج12 ص400 ، فتأمّل ما في كلامه من تصريح بوجود كثير من أكابر المتأخّرين لا يثبتون لله كلاما اتصف به في الحقيقة ولا يثبتون أنّه قصد إفهام أحد بعينه ، فوقعوا في ضلال كبير وهم ينتسبون إلى الكلام والتّصوّف ، وهل من أثبت حرفا وصوتا ثمّ زعم أنّ اللّه لا يجدّد كلاما منه مسموعا يكون مثبتا للكلام أو إفهام أحد بعينه ؟! وهل السّالميّة ومعهم مذهب الآباء إلّا من هؤلاء ؟! انصف ثمّ احكم !!

يُتبع ... ابن تيميّة ومرضعته العلميّة .
رد مع اقتباس