عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 15-09-19, 06:54 PM
فؤاد سليم فؤاد سليم غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 31-01-17
المشاركات: 135
Arrow رد: الإنباء بمذهب الآباء من آل تيميّة النّجباء

الإنباء بمذهب الآباء من آل تيميّة النّجباء (12) :

ولمعرفة هذه المرضعة العلميّة من "الدّاية" السّالميّة فهي طائفة من أتباع أبي عبد الله محمّد بن سالم (المتوفّى سنة 297 هـ) وابنه أبي الحسن أحمد بن سالم (المتوفّى سنة 350 هـ) وقد تتلمذ محمّد بن سالم على سهل بن عبد الله التّستري . ويجمع السّالمية في مذهبهم بين كلام أهل السنّة وكلام المعتزلة مع ميل إلى التّشبيه ونزعة صوفيّة اتّحاديّة . وأبو طالب المكّي وأبو الحكم بن برجان من أشهر رجال السّالمية . انظر عن هذه الفرقة الكتب التّالية : المعتمد في أصول الدّين ص390 ، اللّمع للطّوسي ص472-477 ، طبقات الصّوفية للسّلمي ص 414-416 ، نشأة الفكر الفلسفي للنّشار ج1 ص294 ، دائرة المعارف الإسلامية ج11 ص69 ، موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام ج8 ص436 .
قال الذّهبي عن ابن شيخ السّالميّة : وأبو الحسن بن سالم الزّاهد ، أحمد بن محمّد بن سالم البصري ، شيخ السالميّة ، وكان له أحوال ومجاهدات وعنه أخذ الأستاذ أبو طالب صاحب القوت [أي كتاب قوت القلوب] ، وهو آخر أصحاب سهل التّستري وفاة ، وقد خالف أصول السنَّة في مواضع ، وبالغ في الإثبات في مواضع ، وعمّر دهراً ، وبقي إلى سنة بضع وخمسين . انظر العبر ج2 ص109 .
وهذه المبالغة في الإثبات هي التي جعلت أعداؤهم يتّهمونهم بالتّشبيه حتّى ادّعى ابن عساكر أنّهم من المشبّهة ومن الطّوائف المبتدعة وَأَصْحَاب المقَالات الْفَاسِدَة المخترعة ، كما في تبيين كذب المفتري ص362 . وإنّما جاء غلوّهم وتشبيههم من الآثار الضّعيفة والباطلة التي احتجّوا بها فلم يفرّقوا بين الغثّ والسّمين ، قال ابن حجر عن الأهوازي : وكان مذهبه مذهب السّالمية يقول بالظاهر ويتمسّك بالأحاديث الضّعيفة لتقوية مذهبه . لسان الميزان ج3 ص93 .
وقال ابن عساكر عن الأهوازي : فإنّه كان في اعتقاده سالميّا مشبّها مجسّما حشويا ، ومن وقف على كتابه الذي سمّاه كتاب "البيان في شرح عقود أهل الإيمان" الذي صنّفه في أحاديث الصّفات واطّلع على ما فيه من الآفات ورأى ما فيه من الأحاديث الموضوعة والرّوايات المستنكرة المدفوعة والأخبار الواهية الضّعيفة والمعاني المتنافية السّخيفة كحديث ركوب الجمل وعرق الخيل قضى عليه في إعتقاده بالويل . انظر تبيين كذب المفتري ص369 .
قال ابن تيميّة : فالواجب أن يفرّق بين الحديث الصّحيح والحديث الكذب فإنّ السنّة هي الحق دون الباطل ؛ وهي الأحاديث الصّحيحة دون الموضوعة : فهذا "أصل عظيم" لأهل الإسلام عموما ولمن يدّعي السنّة خصوصا . انظر مجموع الفتاوى ج3 ص380 .
وقد زعم الأسفراييني أنّ السّالميّة : جماعة من متكلّمي البصرة ، وهم من جملة الحشويّة يتكلّمون ببدع متناقضة . انظر التّبصير في الدّين ص133 .
ولعلّ من هذه البدع المتناقضة ما قاله الدّواني فِي شَرحه "العقائد العضدية" : فالحنابلة ذهبوا إلى أنّ كلام الله تعالى حُرُوف وأصوات وهي قديمة ومنعُوا أنّ كلّ ما هُوَ مؤلف من حُروف وأصوات مترتّبة فهُوَ حادث ، بل قال بعضهم بقدم الجلد والغلاف . قال : قلتُ ما بالهم لم يقولوا بقدم الكاتب والمجلّد ؟! انظر شرح نونيّة ابن القيّم لأحمد بن إبراهيم بن عيسى ج1 ص279 . والدّواني يقصد بالحنابلة السّالميّة لأنّهم منهم لكنّه أجمل ولم يفصّل وما ذاك إلّا من غلظ فهمه وسعة جهله .
لكن قال ابن عيسى بعد نقله لكلام الدّواني : أَقول : انظُر إلى هذا الكذب المجرّد فبالله قل لي من قال هذا القول منهم وفي أيّ كتاب يوجد من كتبهم ؟! شرح نونيّة ابن القيّم ج1 ص282.
وقال ابن القيّم في بيان مذاهب النّاس في كلام اللّه : المذهب السّابع : مذهب السّالمية ومن وافقهم من أتباع الأئمّة الأربعة وأهل الحديث أنّه صفة قائمة بذات الربّ تعالى لم يزل ولا يزال ، لا يتعلّق بقدرته ومشيئته ، ومع ذلك هو حروف وأصوات ، وسور وآيات سمعه جبرائيل منه ، وسمعه موسى بلا واسطة ، ويسمعه سبحانه من يشاء ، وإسماعه نوعان : بواسطة وبغير واسطة ومع ذلك فحروفه وكلماته لا يسبق بعضها بعضا ، بل هي مقترنة الباء مع السين مع الميم في آن واحد ، لم تكن معدومة في وقت من الأوقات ولا تعدم ، بل لم تزل قائمة بذاته سبحانه قيام صفة الحياة والسّمع والبصر، وجمهور العقلاء قالوا : تصوّر هذا المذهب كاف في الجزم ببطلانه . والبراهين العقلية والأدلّة القطعية شاهدة ببطلان هذه المذاهب كلّها ، وأنّها مخالفة لصريح العقل والنقل ، والعجب أنّها هي الدائرة بين فضلاء العالم لا يكادون يعرفون غيرها . انظر مختصر الصواعق المرسلة ص498-499 .
فتأمّل ما نقله ابن القيّم عن "جمهور العقلاء" في "مذهب السّالمية ومن وافقهم" لتدرك أنّهم "يتكلّمون ببدع متناقضة" كما زعم "الأسفراييني" فصار زعمه راجحا .
وقد عقد ابن القيّم للسّالميّة فصلا في النّونيّة بعنوان : "في مذهب الاقترانية" فقال :
والفرقة الأخرى فقالت إنّه *** لفظا ومعنى ليس ينفصلان
واللّفظ كالمعنى قديم قائم *** بالنّفس ليس بقابل الحدثان
فالسّين عند الباء لا مسبوقة *** لكن هما حرفان مقترنان
والقائلون بذا يقولون إنّما *** ترتيبها بالسّمع والآذان
ولها اقتران ثابت لذواتها *** فاعجب لذا التّخليط والهذيان
لكنّ "زاغونيهم" قد قال إنّ *** ذواتها ووجودها غيران
فترتبت بوجودها لا ذاتها *** يا للعقول وزيغة الأذهان
انظر متن القصيدة النّونية ص41 وانظر شرح نونيّة ابن القيّم لأحمد بن إبراهيم بن عيسى ج1 ص287 فما بعدها ، وقف على تعجّب ابن القيّم من "التّخليط والهذيان" وقوله : "يا للعقول وزيغة الأذهان" .
وقال من فصل : "في ذكر مذهب أهل الحديث" :
والله ربّ العرش قال حقيقة *** (حم) مع (طه) بغير قِران
بل أحرف مترتّبات مثل ما *** قد رُتّبت في مسمع الإنسان
وقتان في وقت محال هكذا *** حرفان أيضا يوجدا في آن
من واحد متكلّم بل يوجدا *** بالرّسم أو يتكلّم الرّجلان
هذا هو المعقول أمّا الاقترا *** ن فليس معقولا لذي الأذهان
انظر متن القصيدة النونية ص44 وانظر شرح نونيّة ابن القيّم لأحمد بن إبراهيم بن عيسى ج1 ص302 فما بعدها . وتأمّل ما تميّز به السّالميّة من القول باقتران الحروف والتصاقها ببعضها في الكلام القديم لا في سمع السّامع حتّى سمّوهم : "السّالميّة الإقترانيّة" ، وحتّى قال ابن القيّم في هذا الإقتران : " فليس معقولا لذي الأذهان" ، والمقصود من هذا المنقول بيان التّناقض في مذهب السّالميّة الإقترانيّة .
وقال الذّهبي : قال السّلمي في (تاريخ الصّوفية) : محمّد بن أحمد بن سالم ، أبو عبد الله البصري ، وَلَدُ أبي الحسن بن سالم ، روى كلام سهل وهو من كبار أصحابه وله أصحاب يُسمّون السّالمية ، هجرهم النّاس لألفاظ هجنة أطلقوها وذكروها . انظر سير أعلام النبلاء ج16 ص272-273 .
ومن هذه الألفاظ الهجنة قولهم : إنّ الله بذاته فوق العالم ، وهو بذاته في كلّ مكان ، وهذا موجود ما يشير إلى نحو منه في كلام أبي طالب المكي وأتباعه كأبي الحكم بن برجان وأمثاله ، كما يوجد في كلامهم ما يناقض هذا واللّه أعلم . لكن القول بالحلول وقع فيه كثير من متأخّري الصّوفية ، فاللّهمّ سلّم ! وانظر مجموع الفتاوى لابن تيميّة ج2 ص299 .
وفي ترجمة محمّد بن يحيى بن علي بن المسلم الزبيدي الواعظ نزيل بغداد ، قال ابن حجر: قال أبو سعد بن السمعاني : كان عجيب الفنّ سمعت جماعة يحكون عنه أنّه يذهب مذهب السّالمية ويقول : إنّ الأموات يأكلون ويشربون وينكحون ، وإنّ السّارق والشّارب لا يُلام على فعله لأنّه يفعله بقضاء الله وقدره . انظر لسان الميزان ج7 ص585 .
قال الذّهبي : يحتجّ بقصّة آدم وموسى عليهما السّلام ، وبقول آدم : وأنّه حجّ موسى [كما في الصّحيحين] ، ولو سلّمنا أنّ الزّاني لا يُلام ، فعلينا أن نحدّه ونغرّبه ونذمّ فعله ونردّ شهادته ونكرهه ، فإن تاب واتّقى أحببناه واحترمناه ، فالنّزاع لفظي . قال [أي السّمعاني] : وسمعت علي بن عبد الملك يقول : زاد الزّبيدي في أسماء الله أسامي : الزّارع والمتمّم والمبهم والمظهر. انظر سير أعلام النبلاء ج20 ص318 .
قال الكوثري في تعليقه على "تبيين كذب المفتري" : السّالمية فرقة من المشبّهة ، يقولون : إنّ الله تعالى يُرى في صورة آدمي ، وإنّه تعالى يقرأ على لسان كلّ قارئ ، وإنّهم إذا سمعوا القرآن من قارئ يرون أنّهم إنّما يسمعونه من الله تعالى ، ويعتقدون أنّ الميّت يأكل في القبر ويشرب وينكح إلى غير ذلك . وهذه النِّحلة معروفة بالبصرة وسوادها بالسّالمية نسبة إلى مقالة الحسن بن محمّد بن أحمد بن سالم السّالمي البصري وابنه أبي عبد الله المتصوّف . انظر حاشية "تبيين كذب المفتري" ص369 . وقد صدق الكوثري فيما قاله عن السّالميّة وهو المسرف الكذّاب .
ولشيخ الحنابلة القاضي أبي يعلى محمّد بن الحسين بن الفرّاء كتاب "الردّ على السّالمية والمجسّمة" ، لكن هو أيضا ممّن لم تكن له يد طولى في معرفة الحديث ، فربّما احتجّ بالواهي . كما في سير أعلام النبلاء ج18 ص91 .
واعلم أنّ هناك فرقا بين الإعتقاد والموافقة ، فالإعتقاد هو تمام الموافقة في الأصول ومطابقة القول بالقول في الأصل العام والمنهج ، ولا يشترط التّطابق في كلّ جزئيّة صغيرة فلربّما وقع شيء من التّباين فيها ، بينما الموافقة هي القول ببعض الأصول أو بعض المواضع والجزئيّات مع المضادّة في المنهج والأصول الكلّيّة .
فما وقع فيه مذهب الآباء خصوصا والسّالميّة معهم خطأ وضلال ، ولا داعي لتغطية هذا الإنحراف بالتّهوين من شأنه أو الإعتذار بكونهم حنابلة ، قال ابن تيميّة : ولا ريب أنّ المؤمن يعلم من حيث الجملة أنّ ما خالف الكتاب والسنّة فهو باطل . لكنْ كثيرٌ من الناس لا يعلم ذلك في المسائل المفصّلة ؛ لا يعرف ما الذي يوافق الكتاب والسنّة ، وما الذي يخالفه ؛ كما قد أصاب [كثيراً] من النّاس في الكتب المصنّفة في الكلام ؛ في أصول الدّين ، وفي الرّأي والتّصوّف ، وغير ذلك ؛ فكثيرٌ منهم قد اتّبع طائفة يظنّ أنّ ما يقولونه هو الحقّ ، وكلّهم على خطأ وضلال . انظر النبوات ج1 ص561 .
قال ابن تيميّة في أهل البدع والضّلالات والأهواء وقد ذكر منهم السّالميّة : ولهذا قلّ أن سمعت أو رأيت معرضاً عن الكتاب والسنّة ، مقبلاً على مقالاتهم إلّا وتزندق ، أو صار على غير يقين في دينه واعتقاده . انظر النّبوات ج1 ص71 . فتأمّل قوله : "أو صار على غير يقين في دينه واعتقاده" ، لتدرك ما كان فيه ابن تيميّة أوّل عهده .
وللنّووي "جزء فيه ذكر اعتقاد السّلف في الحروف والأصوات" ، قيل أنّه صنّف هذا الجزء قبل وفاته بما يقرب من شهرين أعرب فيه عن معتقده في كتاب الله عموماً والحرف والصّوت خصوصاً ، واللّه أعلم بمدى صحّة هذا الجزء إليه ، قال فيه : كلام الله تعالى منزّل ، والمنزّل ليس إلّا الحرف والصّوت ، ينتج أنّ كلام الله هو الحرف والصّوت ، فإذا أثبتنا أنّ كلام الله هو الحرف والصّوت ، وذكرنا الدليل على المقدّمات ، ثبت كونه قديماً بالإجماع . انظر ص28-29 من هذا الجزء للنّووي ، فنحى منحى قدم الحروف والأصوات ولم يفصّل وهذا مذهب الصّوفيّة ومنهم السّالميّة ، والغريب أنّ المحقّق انخدع بهذا الكلام ولم ينتبه إلى حقيقة الخلاف والخصام وظنّ أنّ هذا مذهب السّلف الكرام !!
وهذه القضية : أعني الخلط بين مذهب السّلف ومذهب الكُلّابيّة في مسائل الإعتقاد ، أو الخلط بين مذهب السّلف ومذهب السّالمية في القرآن ، أو الخلط بين مذهب السّلف ومذهب المبتدعة في التّوحيد عموما ، تبيّن المأساة العلميّة التي يعيشها كثير من المتصدّرين للعلم قديما وحديثا ، حتّى وصل الأمر إلى هدم أصل الدين ، ممّا يجعلنا في حاجة إلى كثير من النّصائح السّلفيّة والرّجوع إلى كتب المتقدّمين ، وإذا كان حال بعض مشاهير العلماء والمتصدّرين وحذّاقهم قد وصل إلى ما نسمع عنهم ونرى ، فما عسى أن نقول في غيرهم من العامّة أو طلبة العلم.
قال الشّيخ إسحاق بن عبد الرّحمن بن حسن رحمه الله : ومن تغذّى بكلام المتأخّرين من غير إشراف على كتب أهل السنّة المشتهرين ، ككتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ، وكتاب السنة للخلّال ، وكتاب السنّة للّالكائي ، والدّارمي ، وغيرهم ، بقي في حيرة وضلال . انظر الدّرر السنيّة في الأجوبة النجدية ج3 ص338 .

هل كتب ابن تيميّة في طور مذهب الآباء ؟
رد مع اقتباس