عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 05-10-19, 11:26 AM
فؤاد سليم فؤاد سليم غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 31-01-17
المشاركات: 135
Arrow رد: الإنباء بمذهب الآباء من آل تيميّة النّجباء

الإنباء بمذهب الآباء من آل تيميّة النّجباء (13) :

قد ذكرتُ لك فيما سبق من السّطور أنّ الشّيخ تقيّ الدّين ابن تيميّة تتلمذ على شيوخ كثيرين ، ذكر من ترجم له أنّهم يزيدون على مئتي شيخ وقد وثق في علومهم وربّما قلّدهم في أوّل عهده قبل أن يستقلّ عنهم لتوافق ما عندهم بما عنده ، ومن هؤلاء الشّيوخ الأب الرّوحي والأب الجسماني ، فليس بمستغرب أن يكتب على منوالهم ويستدل بأقوالهم وينسج نفسه على أمثالهم ، فالطّير يتبع بعضه بعضا .
هذا الأمر يعدّ من البديهيات ومع ذلك فإنّي أسوق إليك ما قاله ابن عبد الهادي في شيخه ابن تيميّة عن حكاية التّأليف إذ قال عنه : فَأفْتى وَله تسع عشرَة سنة بل أقل ، وَشرع فِي الْجمع والتأليف من ذَلِك الْوَقْت وأكبّ على الِاشْتِغَال . انظر العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ص21 . فها هو تلميذه يصرّح بأنّ شيخه قد شرع في الجمع والتأليف في سنٍّ مبكّرة ، بل إنّ الشّيخ يصرّح بذلك أيضا ويعترف أنّه كتب منتصرا للبدعة ثمّ تاب من ذلك .
قال ابن تيميّة في مقدّمة منسكه يذكر الدّافع إلى كتابة هذا المنسك : فقد تكرّر السّؤال من كثير من المسلمين أن أكتبَ في بيان مناسك الحج ما يحتاج إليه غالب الحجّاج في غالب الأوقات فإنّي كنتُ قد كتبتُ منسكا في أوائل عمري فذكرتُ فيه أدعية كثيرة وقلّدتُ في الأحكام من اتّبعتُه قبلي من العلماء وكتبتُ في هذا ما تبيّن لي من سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مختصرا مبيّنا ولا حول ولا قوّة إلا بالله . انظر مجموع الفتاوى ج26 ص98 .
فها هو يصرّح بالكتابة منه في أوائل عمره ، وها هو يصرّح بالتّقليد في كتابته وهذا صريح بطور مذهب الآباء ، وها هو يصرّح بالوقوع في البدعة ومخالفة السّنّة ، ثمّ هو بعد هذا ينفي الحول والقوّة عن نفسه التي أذنبت بتقصيرها أو باعتمادها على العلماء من دون اللّه ، ثمّ هو يستعين بقوّة اللّه عليها . { لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ } [هود: 43] . ثمّ يأتي من بعد ذلك زمان يزعم النّاس فيه اتّباع السّلف والبحث عن الحقّ والدّليل ، فلا يأبهون لهذا الإعتراف التّيمي ، وإذا ما مرّ عليهم خطأ أو غلط تيمي أبوا إلّا التّمحّل والتكلّف فيه ، فإذا ما أعيتهم الأمور قالوا : هذا مدسوس عليه وشيخ الإسلام لا يقول بهذا . فصرنا نخشى الرّافضة الجديدة والإماميّة المعاصرة المندسّة تحت غطاء السّلفيّة .
قال الإمام مالك رحمه اللّه : " ليس أحد - بعد النّبيّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم - إلّا ويؤخذ من قوله ويترك ؛ إلّا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم " ، وقد قالها كذلك الإمام أحمد رحمه اللّه ، ومن قبلهما الحكم بن عُتَيبة ومجاهد وابن عبّاس رضي اللّه عنهم .
قال ابن تيميّة : ومن ادّعى العصمة لأحد في كلّ ما يقوله بعد الرّسول صلّى الله عليه وسلّم فهو ضال ، وفي تكفيره نزاع وتفصيل . كذا في المستدرك على مجموع فتاوى شيخ الإسلام ج2 ص252 .
وقال : النّبيه الذي سمع اختلاف العلماء وأداءهم في الجملة وعنده ما يعرف به رجحان القول . كذا في الفتاوى الكبرى ج5 ص556 .
وقال ابن تيميّة أيضا عن منسكه : وقد ذكر طائفة من المصنّفين في المناسك استحباب زيارة مساجد مكّة وما حولها ، وكنت قد كتبتُها في منسك كتبتُه قبل أن أحجّ في أوّل عمري ، لبعض الشّيوخ ، جمعتُه من كلام العلماء ، ثم تبيّن لنا أنّ هذا كلّه من البدع المحدثة التي لا أصل لها في الشّريعة ، وأنّ السّابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار، لم يفعلوا شيئا من ذلك ، وأنّ أئمّة العلم والهدى ينهون عن ذلك . انظر اقتضاء الصّراط المستقيم ج2 ص339 .
وهذا النّقل يعزّز ذاك النّقل ويزيد في التّأكيد على أنّه صنّف على مذهب الآباء وكتب وأفتى ، ثمّ وجدتُ لابن تيمية كلاما آخَرا معزّزا لمّا قال : وقد بسطنا الكلام على ما زعمه هؤلاء من أنّ الاستدلال بالأدلة السمعية موقوف على مقدّمات ظنّية ، مثل نقل اللّغة والنّحو والتّصريف ونفي المجاز والإضمار والتّخصيص قديماً من نحو ثلاثين سنة ، وذكرنا طرفاً من بيان فساده في الكلام على المحصّل وفي ذاك كلام في تقرير الأدلة السّمعية ، وبيان أنّها قد تفيد اليقين والقطع ، وفي هذا الكتاب كلام في بيان انتفاء المعارض العقلي ، وإبطال قول من زعم تقديم الأدلة العقلية مطلقاً . انظر درء تعارض العقل والنقل ج1 ص22 .
فقف على تأليفه المشار إليه والذي بسط الكلام فيه " قديماً من نحو ثلاثين سنة " وإذا كان كتاب " درء تعارض العقل والنقل " ألّفه بعد رجوعه إلى الشّام ، وقد رجّح الدّكتور محمّد رشاد سالم أنّه ألّفه بين سنتي 713-717هـ لأسباب ذكرها كما في مقدمة تحقيقه للكتاب المذكور، فإذا ما رجعت إلى نحو ثلاثين سنة خلت كان تأليف ابن تيميّة المشار إليه سابقا ما بين سنتي 683-687هـ ، وتلك هي فترة مذهب الآباء لأنّه لم يناهز الثّلاثين مهما إلتمست من تقديرات فقد وُلِد الشّيخ كما عُلِم سنة 661هـ .
وإذا ثبتت الكتابة على مذهب الآباء ، فمن المعقول وجود بصماتها في آثاره وفتاويه التي جُمِعت ، وقد تختلط مع المذهب الجديد ، وقد تظهر لأوّل وهلة وقد لا تظهر إلّا للمتتبّع واللّه أعلم ، وإذا كان الأمر كذلك فكيف نميّز هذا من ذاك ؟
قال ابن تيمية : فكلّ كتاب ليس من عند الله لا بدّ أن يكون فيه تناقض ، وما كان من عند الله لا يتناقض ، وحينئذ فإن كان متناقضا لم يجز لهم الاحتجاج بشيء منه ، فإنّه ليس من عند الله . انظر الجواب الصّحيح ج1 ص379 .
قال ابن تيمية في مقدّمة شرح العمدة : الحمد لله العليم الحكيم ، الغفور الرّحيم ، العظيم الحليم ، الجواد الكريم ، الذي عمّ بريّتَه فضلُه العميم ، ووسع خليقتَه إحسانُه القديم . انظر مقدّمة كتابه " شرح عمدة الفقه " . وكأنّي بوصفه الإحسان بالقديم يجري فيه على مذهب الآباء الذين ينفون الأفعال الإختياريّة ، فهم لا يثبتون إحسانا حادثا متجدّدا وابن تيميّة الحفيد على ذلك أوّل عهده ، ومعلوم أنّ الإحسان الفعلي الذي يصل الخلق ويتنعّمون به هو الحادث ، أمّا القديم فهو المكتوب في اللّوح المحفوظ وهو الموجود في قدر اللّه عنده تحت العرش لم يصل بعد إلى الخلق إلّا أن يأذن اللّه ، فتفطّن لهذا هداك اللّه !
وقد صدق ابن قُتيبة لمّا قال : وقد كنّا زمانا نعتذر من الجهل فقد صرنا الآن نحتاج إلى الاعتذار من العلم ، وكنّا نؤمّل شكر النّاس بالتّنبيه والدّلالة فصرنا نرضى بالسّلامة ، وليس هذا بعجيب مع انقلاب الأحوال ، ولا يُنكر مع تغيّر الزّمان ، وفي اللّه خَلف وهو المستعان . انظر إصلاح غلَط أبي عبيد ص 46-47 .
وقال ابن تيمية : أنّ الحجّ واجب في الجملة ، وهو أحد مباني الإسلام الخمس ، وهو من العلم المستفيض الذي توارثته الأمّة وتناقلته خلفا عن سلف ، والأصل فيه قوله تعالى : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا } [آل عمران: 97] ، وحرف { عَلَى } للإيجاب لا سيّما إذا ذكر المستحقّ فقيل : لفلان على فلان ، وقد أتبعه بقوله : { وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ } [آل عمران: 97] ليبيّن أنّ من لم يعتقد وجوبه فهو كافر، وأنّه إنّما وضع البيت وأوجب حجّه ليشهدوا منافع لهم لا لحاجة إلى الحجّاج كما يحتاج المخلوق إلى من يقصده ويعظّمه ، لأنّ الله غنيّ عن العالمين . انظر شرح عمدة الفقه ج2 ص76 .
والإكتفاء باشتراط الإعتقاد دون تفصيل لمذهب السّلف - كما جرت به عادة ابن تيميّة من التّفصيل - تحكّم مذهبي صرف وجريان على مذهب الآباء ، فإنّ مَن لم يعتقد أنّ الحجّ أحد أركان الإسلام فهو بذلك قد كفر، حجّ أو لم يحجّ ، لمخالفته ما هو معلوم بالدّين بالضّرورة ، ولكون هذا من المسائل الظّاهرة المتواترة ، اللّهمّ إلّا أن يكون هذا حديث عهد بالإسلام ولم يمكنه العلم بذلك . وأمّا ظاهر الآية فمتوجّهة إلى التّرك فقط دون شرط الإعتقاد . ولذلك لمّا ذكر ابن تيميّة مسألة ترك أحد المباني في كتاب الإيمان تطرّق إلى إختلاف السّلف في تكفير من ترك الحج ، وبيّن مقامه من الإيمان . يُستحسن مراجعة كتاب الإيمان لابن تيميّة ص237.
وبعد ، فإنّ المقصود من هذا النّقل من كتاب " شرح عمدة الفقه " اثبات أنّ هذا الكتاب في غالب الظنّ أنّ الشّيخ ألّفه على مذهب الآباء لأنّ التّقليد فيه ظاهر، والنّفَس ضعيف ، وملامح الشّخصيّة المجتهدة لم تبرز فيه ، بل هو أقرب شبها فيه بفقهاء المذاهب الذين ليس لهم من هدف في تواليفهم إلّا العناية بالمذهب وذكر الرّوايات فيه وتوجيهها ، وكأنّ الإسلام انحصر في مذهب فقهي محدود ، وتكيّف على اجتهاد فكر عقلٍ واحدٍ مدبّر، والنّاس له تبع وحفّاظ إلى يوم القيامة ، فواأسفاه على وأد العقول وموت الفكرة !
ونفس ما قيل في هذا الكتاب يُقال في " المسوّدة " وقد سبق الكلام حولها ، فالذي يغلب الظنّ فيها إن لم يكن هو اليقين أنّ ابن تيميّة الحفيد أضاف تعليقاته بعد أبويه قبل أن يُلقي بعباءة مذهب الآباء واكتمال شخصيّته الإجتهاديّة ، وذلك لعامل التّقليد في طرح المسائل الأصوليّة من جهة ، وعدم استرساله المعهود في تعميق قضاياها وتتبّع جيوبها من جهة أخرى ، وسكوته عن أخطاء الأبوين من جهة ثالثة ، واللّه أعلم .
قال ابن تيمية : ومن كان متّبعا لإمام فخالفه في بعض المسائل لقوّة الدّليل ، أو لكون أحدهما أعلم وأتقى فقد أحسن . كذا في الفتاوى الكبرى ج5 ص556 .
ومن مسألة نجاسة السّمن بوقوع نجاسة فيه من فأرة أو غيرها وعدم التّفريق بين المائع والجامد ، قال ابن تيمية : وهذا هو الذي تبيّن لنا ولغيرنا ونحن جازمون بأنّ هذه الزيادة ليست من كلام النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فلذلك رجعنا عن الإفتاء بها بعد أن كنّا نفتي بها أوّلا فإنّ الرّجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل . كذا في مجموع الفتاوى ج21 ص516 . وهو يُشير إلى الزّيادة التي اعتمد عليها من فرّق بين المائع والجامد وقد رواها أبو داود (ح3842) وغيره . فها هو يتراجع عمّا أفتى به قديما بالزّيادة الضّعيفة وقد كان من مذهب الآباء عدم التّمييز بين الصّحيح والضّعيف . وانظر قول التّرمذي في هذه الزّيادة من سننه (ح1798) ، وكذا عون المعبود ومعه حاشية ابن القيّم ج10 ص226-230 .
وفي هذا التّراجع وأمثاله قال ابن تيميّة : وانتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبيّن من الحق هو محمود فيه ، بخلاف إصراره على قول لا حجّة معه عليه ، وترك القول الذي توضّحت حجّته ، أو الانتقال عن قول إلى قول لمجرّد عادة واتّباع هوى ، فهذا مذموم . كذا في الفتاوى الكبرى ج5 ص125 . وهذا إنصاف منه .
قال ابن القيم : والمصنّفون في السنّة جمعوا بين فساد التقليد وإبطاله وبيان زلّة العالم ليبيّنوا بذلك فساد التقليد ، وأنّ العالم قد يزلّ ولا بدّ إذ ليس بمعصوم ، فلا يجوز قبول كلّ ما يقوله ، ويُنَزَّل قولُه منزلة قول المعصوم ؛ فهذا الذي ذمّه كل عالم على وجه الأرض ، وحرّموه وذمّوا أهله ، وهو أصل بلاء المقلّدين وفتنتهم ، فإنّهم يقلّدون العالم فيما زلّ فيه وفيما لم يزل فيه ، وليس لهم تمييز بين ذلك ، فيأخذون الدّين بالخطأ - ولا بدّ - فيحلّون ما حرّم الله ويحرّمون ما أحلّ الله ويشرّعون ما لم يشرّع ، ولا بدّ لهم من ذلك إذ كانت العصمة منتفية عمّن قلّدوه ، والخطأ واقع منه ولا بدّ . انظر إعلام الموقّعين ج2 ص133 .
وقال أيضا : ومن المعلوم أنّ المخوف في زلّة العالم تقليده فيها ؛ إذ لولا التقليد لم يخف من زلّة العالم على غيره . انظر إعلام الموقعين ج2 ص133 .
قال ابن عبد البرّ: وإذا ثبت وصحّ أنّ العالم يخطئ ويزل لم يجز لأحد أن يفتي ويدين بقول لا يعرف وجهه . انظر جامع بيان العلم وفضله ج2 ص982 .
وإذا علمت ذلك فإنّ الجهل بمسيرة العلماء وأحوالهم يضرّ، والإعتماد عليهم في كلّ نقل باعتبار صحّة أصولهم مسلك خاطئ ، والسّلامة في سلمى وجارتها ، فلا أحد سلم من الخطأ والزّلل حاشا الأنبياء والمرسلين عليهم الصّلاة والسّلام ، والواجب التّحفّظ في النّقل فلا تقبل معلومة صغيرة ولا كبيرة إلّا بشاهدي عدل من الكتاب والسّنّة ، ولا يصحّ مرور كلام أحد من أهل العلم إلّا إذا جاز على الماسح الضّوئي الشّرعي وتبيّن خلوّه من العثار.
قال ابن مفلح : وقال البُوَيْطي : سمعتُ الشّافعيَّ يقول : " قد أَلَّفْتُ هذه الكتبَ ، ولم آلُ فيها ، ولا بُدَّ أنْ يوجدَ فيها الخطأُ ؛ إنَّ الله تعالى يقول : { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا } [النِّسَاء: 82] ، فما وَجَدتُّمْ في كتبي هذه ممّا يخالفُ الكتابَ والسُّنَّة فقد رجَعْتُ عنه " . انظر الآداب الشّرعية والمنح المرعيّة ج2 ص145 .

... يُتبع : ابن تيميّة وأقواله في السّالميّة ...
رد مع اقتباس