عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 25-09-18, 11:15 AM
أبو عبد الله سفيان أبو عبد الله سفيان غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-10-10
المشاركات: 26
افتراضي رد: أسباب الخلاف في مسائل أصول الفقه

القسم التطبيقي: ويتضمن تمهيدا وثلاثة فصول:
التمهيد: في بيان العلاقة بين مبحثي: الحكم الشرعي، والأمر والنهي.
الفصل الأول: في سبب اختلاف العلماء في تعريف علم أصول الفقه.
الفصل الثاني: في سبب اختلاف العلماء في المسائل المتعلقة بالحكم الشرعي.
الفصل الثالث: في سبب اختلاف العلماء في المسائل المتعلقة بالأمر والنهي.



التمهيد: في بيان العلاقة بين مبحثي: الحكم الشرعي، والأمر والنهي:
قد يسأل سائل: لم كان هذا القسم من «أسباب اختلاف العلماء في مسائل أصول الفقه» متضمنا لمبحثين قد عهدنا انفصالهما في الدراسات الأصولية المعاصرة؟ أليس من حق مبحث الأمر والنهي أن يكون ضمن الدلالات اللفظية اللغوية؟ وما هو السبب المقتضي للجمع بين المبحثين تحت قسم واحد؟
وإن الجواب على هذا السؤال والطرحِ الإشكالي يفتقر إلى إيضاح العلاقة بين الأمر الإلهي والحكم الشرعي، ويستوجب النظر في طبيعة تناول الموسوعة الأصولية لهذين المبحثين من عهد النشأة والتدوين إلى العصر الحاضر الذي عُني فيه بالتبويب والتقسيم والتمييز.
ويمكن تجلية هذه العلاقة، والجواب عن إشكالية هذا التمهيد ضمن النقاط التالية:
• الأمر والنهي يمثلان الجانب الذاتي للنصوص الشرعية: وذلك أن النص الشرعي اللفظي، لا يخرج عن أصل الوضع اللغوي ومدلوله، والكلام في لغة العرب من حيث مدلوله إما خبر وإما إنشاء، والقصد من وضع النصوص الشرعية هو إرشاد العباد إلى ما فيه مصالحهم؛ بأمرهم بما فيه الخير والصلاح، ونهيهم عما فيه الشر والفساد، ومقاصد التشريع الإسلامي وأنماط الوحي الإلهي راجعة إلى هذا المعنى؛ فكل ما في القرآن من وعد ووعيد وقصص وأمثال وأخبار إنما تؤول إلى معنى الأمر أو النهي؛ فالوعد والوعيد يتضمنان أمر العباد بسلوك الطرق المؤدية إلى تحصيل ما وعد الله به، ونهيَهم عن ولوج السبل التي توردهم ما أوعدهم الله به، والقصص إنما يراد منها أخذ العبرة المفضية إلى الأمر بسلوك سبيل الأنبياء والمرسلين والصالحين وأتباعهم، والنهيِ عن سلوك طريق المخالفين للرسل والمعاندين للشرع، المكذبين لدين الله تعالى، وهكذا الأمثال والأخبار إنما مآلها إما أمر وإما نهي، وذلك واضح لمن تعقله وعلم مقاصد تلك الأنواع من الوحي الإلهي؛ فعلم بذلك أن مآل الشرع إلى تحقيق الأمر والنهي، الذين هما شرع الله ودينه، والطريقُ إلى تحقيق الغاية التي خلق الخلق من أجلها من عبودية الله تعالى، والعبادة امتثال الأمر والاجتناب النهي؛ ولذلك كان الأمر والنهي يمثلان الجانب الذاتي للنصوص الشرعية في استنباط الأحكام والدلالة عليها، ومن هذه الناحية يتميَّز مبحث الأمر والنهي عن سائر دلالات الألفاظ؛ إذ هو سابق على الحكم، متقدم على باقي الدلالات، بخلافها فإنها متأخرة عن الأمر ومدلوله الذي هو الحكم، فالحقيقة والمجاز والمنطوق والمفهوم والعام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والنص والظاهر والنسخ وغير ذلك؛ كلها إنما ترد على الحكم بعد ثبوته بأمر أو نهي؛ فإنه إذا ثبت الحكم نظرنا في دلالة النص عليه وكيفيتها: هل هو نص فيها أم ظاهر؟ وهل هو منطوق به أم مفهوم؟ وهل هو عام أم خاص؟ وهل هو مطلق أم مقيد؟ وهل هو محكم أم منسوخ؟ فالأمر والنهي من الذاتيات بالنسبة للحكم، وأما باقي الدلالات فهي من عوارضه وصفاته، وقد أشار إلى هذا المعنى الإمام الرازي، فقال: «الدلالة القولية إما أن يكون النظر في ذاتها، وهي الأوامر والنواهي، وإما في عوارضها؛ إما بحسب متعلقاتها، وهي العموم والخصوص، أو بحسب كيفية دلالتها، وهي المجمل والمبين؛ والنظر في الذات مقدم على النظر في العوارض»( «المحصول» (1/167- 168))؛ فاتضح لنا بما ذكر أن «الأمر والنهي» و«الحكم الشرعي» أمران متلازمان في غاية التداخل، لكون الحكم مدلولا وأثرا للأمر والنهي دون باقي الدلالات اللفظية، ويوضح ذلك النقطة التالية:
الأحكام الشرعية هي مدلولات الأمر والنهي: إذ المقصود من الأمر والنهي إنما هو إثبات حكم يتعلق بأفعال المكلفين إيجادا أو إعداما؛ فثبت أن الأحكام هي آثار ومدلولات النص المقتضي للإيجاد أو الترك، وذلك يعني أن كلام الأصوليين عن الأحكام إنما هو في الحقيقة كلام عن مدلول صيغة الأمر وأثرها؛ ولذلك نجد أن جمهور الأصوليين من المتقدمين والمتأخرين إنما ذكروا جمل مسائل مبحث الحكم الشرعي ضمن المسائل المندرجة تحت مبحث الأمر والنهي، إشعارا منهم بما ذكر، بل إن حتى المتأخرين وبعض من تقدم ممن حاول الفصل بين المبحثين لم يستطع الانفصال عمليا عن الترابط والتداخل الوثيق بين مسائل المبحثين، ولم يجد بدا من تناول مسائل من المبحثين ضمن أحدهما، وغاية ما في الأمر أن يجعل الضابط في إدراج مسألة ما في أحدهما هو تغاير الاصطلاح واختلاف الاعتبار، ومن أمثلة ذلك: مسألة «القضاء هل يجب بأمر الأداء أم لا بد فيه من أمر جديد؟»؛ فمن راعى لفظ: «القضاء» -وهو حكم وضعي- أوردها ضمن المسائل المتعلقة بالحكم الشرعي، ومن راعى جهة الثبوت، وهي هل في أمر الأداء دلالة على وجوب قضاء الفوائت أم لا بد من أمر جديد؟ أثبت المسألة ضمن مسائل الأمر، وهكذا في العديد من المسائل؛ ولذلك لم يجد المتقدمون من الأصوليين أي إشكال في تناول جملة من المسائل المتعارف عليها بأنها من الحكم الشرعي في الوضع والاصطلاح المعاصر ضمن المسائل المتعلقة بالأمر والنهي؛ لأنهم يرونها من مسائله الأصلية، ومدلولاته التي يجري فيها البحث؛ باعتبار الأمر والنهي أنواعا للدليل الشرعي اللفظي.
• أركان الحكم الشرعي هي أركان الأمر الإلهي: وهذا تأكيد للنقطة السابقة من كون الحكم أثرا للأمر ومدلولًا له، بل كما تقدم إنما يراد من الأمر إثبات حكم طلبا للفعل أو الترك، ولا مدلول له إلّا هذا من حيث تعلقه بفعل المكلف، وإن وجدت له مدلولات أخرى ليس لها تعلق مباشر بفعل المكلف من حيث الطلب والترك، كدلالته على الفور والتكرار ونحو ذلك مما وقع فيه الخلاف هل هو من مدلولات الأمر أم لا؟
وإذا كان الأمر كذلك فإنا سنجد أن أركان الحكم هي أركان الأمر؛ فكل أمر لا بد فيه من آمر ومأمور ومأمور به وصفة للأمر، والآمر هو الحاكم، والمأمور هو المحكوم عليه، والمأمور به هو المحكوم فيه، وصفة الأمر هي مضمنة في أقسام الحكم الشرعي وأنواعه، ويؤكد ذلك أن جمهور الأصوليين يرون أن الحكم هو نفس الخطاب الذي تعلق بفعل المكلف؛ ونفس الخطاب إما أن يكون أمرا وإما أن يكون نهيا؛ فكان الأمر والنهي هما الحكم.
وقد جرى على هذا التعبير جملة من الأصوليين فقرَّروه نظريا بذكر تقسيماته، -وإن كان جمهور الأصوليين قد قرّروا ذلك عمليا؛ بالكلام عن جملة من مسائل الحكم ضمن المسائل المتعلقة بالأمر والنهي-، ومن المصنفين الذين تكلموا عن أركان الحكم تحت مسمى الأمر وأركانه تصريحا الإمام علاء الدين السمرقندي في كتابه: «ميزان الأصول» فقد جعل مبحث الأمر ضمن أقسام فقال: «الأمر خمس أقسام: فإنها ترجع إلى نفس الأمر، والآمر، والمأمور، والمأمور به وهو الفعل، والمأمور فيه وهو الزمان»( «ميزان الأصول» (1/120))، ومثله صفي الدين الهندي في كتابه: «نهاية الوصول إلى دراية الأصول»، فقد جعل مبحث الأمر في أربعة فصول: الأول في الأمر ومقتضاه، والثاني في الآمر، والثالث في المأمور به، والرابع في المأمور( انظر: «نهاية الوصول» (801 إلى 1161))، ولا يخفى علاقة هذه الأقسام بأركان الحكم الشرعي.
فإن قال قائل: لكن يبقى النظر في أقسام الحكم الشرعي وأنواع تلك الأقسام؛ هل ضمنها الأصوليون باب الأمر والنهي أم لا؟ فالجواب: أنه قد يبدوا لأول وهلة أن الأصوليين لم يتكلموا في ذلك، ولم يفصلوا فيه القول، وهو أمر له جانبه من الاعتبار خصوصا فيما يتعلق بالتقسيم والترتيب، وفيما يتعلق بالحكم الوضعي باعتبار أن البحث فيه يغلب عليه النظر الفقهي والبحث الفرعي لمن تأمل ذلك ونظر في مسائله، ولكن إذا نظرنا في مسائل أقسام الحكم الشرعي أيقنَّا أن جمل تلك المسائل مما تناولها الأصوليون في مبحث الأمر والنهي، ورأوا أنها راجعة إليه، ومن تلك المسائل تمثيلا لا حصرا: إذا نسخ الوجوب هل يبقى الجواز؟ ما لا يتم الواجب إلا به هل هو واجب؟ هل وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه؟ فرض الكفاية هل يتعلق بالكل أو بالبعض؟ المندوب هل هو مأمور به؟ المكروه هل هو منهي عنه؟ المباح هل هو مأمور به؟ وغير ذلك؛ فإن هذه المسائل جلها مبحوث في كتب المتقدمين من الأصوليين ضمن المسائل المتعلقة بالأمر، مما يؤكد ترابط مسائل المبحثين وصعوبة الفصل بينهما، وأنهما متلازمان متداخلان تداخل الأصل وفرعه والشيء وأثره.
وكان من نتيجة هذا –مما هو في الحقيقة من دلائل ما ذكرنا- أنه كثيرا ما «يُعبَّر عن الحكم الشرعي بالأمر والنهي؛ ذلك لأن الأحكام الشرعية لا تخرج عن الأمر والنهي»( «معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة» للجيزاني (362))، ومن ذلك قول شيخ اللإسلام ابن تيمية: «حكم الله الشرعي: أمره ونهيه»(«مجموع الفتاوى» (17/134) )، وهو أغلب تعبير السلف؛ فإنهم لم يكونوا يطلقون لفظ الإيجاب أو الندب أو التحريم أو الكراهة أو غيرها من الأوصاف إلا نادرا، وإنما كانوا يعبرون بلفظ الأمر والنهي، كما هو معلوم لمن استقرأ نصوص الأحكام التي حكاها الصحابة رضي الله عنهم.
• التداخل بين المبحثين، وموضوع علم أصول الفقه: إذ الجمهور يرون أن موضوع علم الأصول هو الأدلة الشرعية ومراتبها وأحوالها؛ وذلك يقتضي النظر في أنواع الأدلة وأجناسها وعوارضها، والأمر والنهي أحد أنواع الدليل الشرعي اللفظي، وتناوله كدليل يستوجب البحث في مدلولاته؛ ومن مدلولاتِه آثارُه من جهة دلالته على الحكم الشرعي طلبا للفعل أو الترك، فهذا هو الداعي لأكثر الأصوليين لبحث تلك المسائل ضمن مبحث الأمر والنهي؛ ولذلك نجد أن من تناول بعض هذه المسائل خارج مبحث الأمر إنما جعلها من قبيل المقدمات، وقرَّرها كمدخل واصطلاحات، ولم يجعلها من موضوع علم الأصول، ونظرة في كتب الأصول تنبئ القارئ الفطن على هذا؛ ومنه يتبين أن طريقة الأصوليين من جهة الموضوعية أحكم وأتقن؛ لأنها تبيِّن علاقة الحكم بالدليل الشرعي، وأنه من مدلولاته، كما أنها تعطي تبريرا واضحا في تناول مسائل الحكم ضمن مسائل علم الأصول، والله تعالى أعلم.
رد مع اقتباس