عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 28-09-18, 05:06 PM
أبو عبد الله سفيان أبو عبد الله سفيان غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-10-10
المشاركات: 26
افتراضي رد: أسباب الخلاف في مسائل أصول الفقه

الفصل الأول: أصول الفقه: تعريفه، وسبب اختلاف العلماء في حده:
تمهيد: حقٌ على كل من يحاول الخوض في فن من فنون العلم، بغيةَ التدرج في مسالكه، والترقي في منازله، أن يحيط علما بمقدماته ومبادئه، حتى يكون سيرُه في طريق الطلب والتحصيل موصلا إلى الغاية المنشودة، من دقة الفهم وجودة الضبط، وحسنِ الإدراك لموضوعات الفن ومسائله، ومبادئُ العلوم عشرة مشهورة، نظمها الصبان في قوله( ):
إنَّ مبادئ كل فن عشره
الحد والموضوع ثم الثمره

وفضله ونسبة والواضع
والاسم الاستمداد حكم الشارع

مسائل والبعض بالبعض اكتفى
ومن درى الجميع حاز الشرفا

غير أنَّ أعظم ما اعتُني به من تلك المبادئ تفهما وتعقلا ثلاثة مبادئ، هي: الحد والموضوع والثمرة.
وقد جرت عادة الأصوليين في بداية تصانيفهم، وذكرِهم لمسائل فن من الفنون، تقديمُهم لحد الفن وحقيقته، إذ إنَّه بالحد يتميز المحدود عن غيره، لما فيه من بيان حقيقة العلم وتجلية خصائصه ومميزاته، مع احتوائه وتنبيهه على موضوع الفن ومسائله، قال الآمدي: «حق على كل من حاول تحصيل علم من العلوم أن يتصور معناه أولا بالحد أو الرسم؛ ليكون على بصيرة فيما يطلبه»( «الإحكام» (1/7))، وقال الإسنوي: «اعلم أنه لا يمكن الخوض في علم من العلوم إلا بعد تصور ذلك العلم، والتصور مستفاد من التعريفات»( «نهاية السول» (1/7))، وقال تقي الدين السبكي: «ينبغي أن يُذكر في ابتداء كل علم حقيقةُ ذلك العلم؛ ليتصوَّرَها الذي يريد الاشتغال به قبل الخوض فيه، فمن عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل»(«الإبهاج» (1/17) ).
وقد اشتدت عناية الأصوليين ببيان حد علم أصول الفقه، وتجلية حقيقته، وليس غرضنا هنا –بالأصالة- تعريفَ هذا العلم وبيانَ قيود ذلك التعريف ومحترزاتها، وإنما المقصود أنْ نبيّن أنَّ العلماء اختلفوا في تعريف هذا العلم بناءً على اختلاف نظرتهم في بعض مميزاته وخصائصه، ولذا سنحاول ها هنا بيان سبب اختلاف العلماء في تعريف علم أصول الفقه، وأظن أنَّه لا يخفى أنَّ المراد بالاختلاف هنا هو ذلك الاختلاف الذي كان له بناء وسبب مع احتمال أن يكون له أثر، أمَّا اختلاف العبارات وتنوع الاصطلاحات، فلا يكاد يخلو منه حد وتعريف.
وإذا تقرر هذا فإنَّا سنشرع –بإذن الله عزَّ وجلَّ- في ذكر أسباب الخلاف التي ظهر لنا أنَّها أثَّرت في تعريف هذا العلم، مع إيراد ما يؤيد ذلك من تعاريف العلماء، وما ذكروه من محترزات واعتراضات ومناقشات، مستلهمين التوفيق والسداد، والإعانة على الحق والصواب، من الله ربّ العباد.



سبب الخلاف في تعريف علم أصول الفقه:
وبعد جمع جملة من تعاريف العلماء لهذا العلم، والنظرِ فيها وإلى قيودها ومحترزاتها، ظهر –والله أعلم- أنَّ الخلاف بينهم يرجع إلى ما يلي:
1- هل أصول الفقه قطعية أم ظنية؟ وبعبارة أخرى: هل يجوز أن تكون أصول الفقه ظنية؟ فالقول المنسوب إلى الجمهور هو القول بقطعية أصول الفقه( انظر: «نظرية التقعيد الأصولي» (429))، وممن نصر هذا القولَ الجوينيُّ، ودافع عنه بشدة الشاطبيُّ في «الموافقات»، وقال: «إنَّ أصول الفقه في الدين قطعية لا ظنية، والدليل على ذلك أنَّها راجعة إلى كليات الشريعة، وما كان كذلك فهو قطعي»( «الموافقات» (1/17- 18))، ولذلك يُعَرّف أصحابُ هذا القول علمَ أصول الفقه بما يوافق القطع، كما صنع الجويني إذ عرفه بقوله: «فإن قيل: فما أصول الفقه؟ قلنا: هي أدلته، وأدلة الفقه هي: الأدلة السمعية، وأقسامها: نص الكتاب ونص السنة المتواترة والإجماع، ومستندُ جميعِها قولُ الله تعالى»( «البرهان في أصول الفقه» (1/85)، وانظر: «التحقيق والبيان» للأبياري (1/266- 267))، ومثله من عرَّفه بأنَّه: «الأدلة» أو «معرفتها» مع اعتقاده بأنَّ الدليل مخصوص بما سبيله القطع لا الظن، وفي ذلك يقول الإسنوي معلّقا على تعريف البيضاوي لعلم أصول الفقه في قوله [أي: البيضاوي]: «أصول الفقه: معرفة دلائل الفقه إجمالا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد»(«نهاية السول» للإسنوي (1/7) )، قال الإسنوي: «واعلم أن التعبير بـ:"الأدلة" مخرج لكثير من أصول الفقه، كالمقدمات وأخبار الآحاد والقياس والاستصحاب وغير ذلك، فإنَّ الأصوليين وإن سلموا العمل بها، فليست عندهم أدلةً للفقه، بل أماراتٌ له؛ فإنَّ الدليل عندهم لا يطلق إلا على المقطوع به»( «نهاية السول» (1/11)).
في حين يذهب كثير من العلماء إلى أنَّ أصول الفقه هي كلُّ ما صح ابتناء الأحكام عليه، سواء أكان قطعيا أم ظنيا، ولذلك يعرِّفون علم أصول الفقه بما يوافق رأيهم في ذلك، كما يقول ابن عقيل: «وأصوله [أي: أصول الفقه] هي: ما تُبنى عليه الأحكام الفقهية من الأدلة على اختلاف أنواعها ومراتبها، كالكتاب ومراتب أدلته؛ من نص وظاهر وعموم ودليل خطابه وفحوى خطابه، والسنة ومراتبها، والقياس، وقول الصحابي –على خلاف- واستصحاب الحال مع انقسامه، فهذه أصول تُبنى عليها الأحكام»( «الواضح في أصول الفقه» (1/7- 8))، ومنه قول الرازي: «أصول الفقه: عبارة عن مجموع طرق الفقه على سبيل الإجمال، وكيفية الاستدلال بها، وكيفية حال المستدل»، ثم قال في بيان محترزات التعريف: «وقولنا: "طرق الفقه" يتناول الأدلة والأمارات»( «المحصول في أصول الفقه» (1/94))، وهذا التعريف ذكره الجويني في «ورقاته» فقال في تعريف علم الأصول: «وأصول الفقه: طرقه على سبيل الإجمال، وكيفية الاستدلال بها»( «غاية المرام» لابن زكري التلمساني (1/368))، ومثله قول ابن السمعاني: «أصول الفقه: طرق الفقه التي يؤدي الاستدلال بها إلى معرفة الأحكام الشرعية، وهي تنقسم إلى دلالة وأمارة»(«قواطع الأدلة في الأصول» (1/12) )، ومثله أيضا للزركشي(«البحر المحيط في أصول الفقه» (1/24) )، وكون بعض مسائل الأصول قطعية وبعضها ظنيا هو ما ذهب إليه ابن السبكي( انظر: «الخلاف اللفظي» للنملة (1/39)).
هذا، ويجدر بنا التنبيه إلى أنَّه لا يلزم من تعريف أصول الفقه بما هو شامل للأصول القطعية والظنية القول بأنه يجوز أن تكون الأصول ظنية، لجواز أن يكون إدخالها في الحد من باب المسامحة، أو لكون وجوب العمل بالأدلة المظنونة قطعيا مع توقف العمل بها على تصور حقائقها، كما سيأتي من كلام الجويني والأبياري –بإذن الله-.
وقد قرَّر الشيخ الطاهر بن عاشور –رحمه الله- فيما يظهر ظنيةَ القواعد الأصولية، مبينا سبب الخلاف في ذلك، فقال: «وقد وقع لإمام الحرمين رحمه الله في أول كتاب البرهان اعتذارٌ عن إدخال ما ليس بقطعي في مسائل الأصول، فقال: «فإن قيل: تفصيل أخبار الآحاد والأقيسة لا يُلفى إلا في الأصول وليست قواطع، قلنا: حظ الأصولي إبانة القواطع في وجوب العمل بها، ولكن لا بد من ذكرها ليتبين المدلول ويرتبط بالدليل» [«البرهان» (1/86)](قال الأبياري في توضيح عبارة الحرمين هذه: «وجه ورود السؤال: أنَّه لما فسَّر أصول الفقه بأنها القواطع في عرف الأصوليين، قيل له: هذه مذكورة في الأصول وليست قواطع، فإن كانت من الأدلة لم يجمع الحد، فيكون مختلا، وإن لم تكن من الأدلة، فأي حاجة إلى ذكرها؟ فأجاب: بأنها ليست من الأدلة ولكن الأصولي مفتقر إلى إقامة الدليل على وجوب العمل عندها، فإن لم يتصور حقائقها تعذر الاستدلال عليها، فذكرت من هذه الجهة لا لكونها أدلة» [«التحقيق والبيان» (1/273)] )، وهو اعتذار واهٍ، لأنَّا لم نرهم دوَّنوا في أصول الفقه أصولا وقواطع يمكن توقيف المخالف عند جريه على خلاف مقتضاها، كما فعلوا في أصول الدين، بل لم نجد القواطع إلا نادرة، مثل ذكر الكليات الضرورية: حفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال والعرض، وما عدا ذلك فمعظم أصول الفقه مظنونة، وقد استشعر الإمام أبو عبد الله المازري ذلك فقال عند شرحه قول إمام الحرمين في البرهان: "وأقسامها -أي:أدلة الأحكام- نص الكتاب ونص السنة المتواترة والإجماع: اختلفت عبارات الأصوليين في هذا، فمنهم من لا يقيد هذا التقييد -أي: قيد كلمة:"نص"-، ويذكر الكتاب والسنة -أي: يقتصر على هاتين الكلمتين ولا يذكر كلمة "نص"- والإجماع، فإذا قيل لهم: فالظواهر وأخبار الآحاد، يقولون: إنما أردنا بذلك ما تحقق اشتمال الكتاب عليه، ولم نتحقق اشتمال الكتاب على الصورة المعينة من صور العموم، وكذلك يقولون في أخبار الآحاد: لم نتحقق كونها سنة، ومنهم من لا يقيد لإزالة هذا السبب، ومنهم من يقول: ما دل على الحكم ولو على وجه مظنون فهو دليل، فهذا لا يفتقر إلى التقييد"( هذا النص نسبه ابن عاشور للمازري، والذي يظهر أنه ليس له، وإنما هو للأبياري كما هو بلفظه وحروفه في «التحقيق والبيان» (1/269)، وإن كان للمازري اعتراض على إمام الحرمين ذكره الشاطبي، نصه: «وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلتَّحَاشِي عَنْ عَدِّ هَذَا الْفَنِّ مِنَ الْأُصُولِ وَإِنْ كَانَ ظَنِّيًّا، عَلَى طَرِيقَةِ الْقَاضِي فِي أَنَّ الْأُصُولَ هِيَ أُصُولُ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الظَّنِّيَّاتِ قَوَانِينُ كُلِّيَّاتٍ وُضِعَتْ لَا لِأَنْفُسِهَا، لَكِنْ ليُعْرَض عَلَيْهَا أَمْرٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ مِمَّا لَا يَنْحَصِرُ، قَالَ: فَهِيَ فِي هَذَا كَالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، قال: ويحسن مِنْ أَبِي الْمَعَالِي أَنْ لَا يَعُدَّهَا مِنَ الْأُصُولِ؛ لِأَنَّ الْأُصُولَ عِنْدَهُ هِيَ الْأَدِلَّةُ، وَالْأَدِلَّةُ عِنْدَهُ مَا يُفْضِي إِلَى الْقَطْعِ، وَأَمَّا الْقَاضِي؛ فَلَا يَحْسُنُ بِهِ إِخْرَاجُهَا مِنَ الْأُصُولِ، عَلَى أَصْلِهِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنْه» [«الموافقات» (1/21)])»( «مقاصد الشريعة الإسلامية» (120))، ثم قال –رحمه الله-: «وأنا أرى أنَّ سبب اختلاف الأصوليين في تقييد الأدلة بالقواطع هو: الحيرة بين ما ألفوه من أدلة الأحكام، وما راموا أن يصلوا إليه من جعل أصول الفقه قطعية كأصول الدين السمعية، فهم قد أقدموا على جعلها قطعية، فلما دوَّنوها وجمعوها ألفوا القطعي فيها نادرا ندرة تكاد تُذهب باعتباره في عداد مسائل علم الأصول، وكيف وفي معظم أصول الفقه اختلاف بين علمائه؟!»( «مقاصد الشريعة الإسلامية» (122)).
وأما نوع الخلاف بين العلماء في هذه المسألة فقد ذهب بعض العلماء والباحثين إلى أنَّ الخلاف لفظي، لم يتوارد على محل واحد، وهو راجع إلى عدم تحرير محل النزاع في المسألة، وفي ذلك يقول الأستاذ الدكتور عبد الكريم النملة: «[و]عند التحقيق فإنَّ هذا الخلاف لفظي، أي: يعود الخلاف إلى خلاف في اللفظ، وذلك لأنَّ القطعية قد تكون في الدليل نفسه، كآيات القرآن والأحاديث المتواترة والإجماع المنقول تواترا, وقد تكون في الدلالة, وإن كان الدليل نفسه ظنيا، وقد تكون القطعية بالنظر إلى وجوب العمل، مثل: مظنون المجتهد.
فمن قال: إنَّ مسائل أصول الفقه جميعَها قطعيةٌ أراد هذا المدلول الأخير، لأنه لا يوجد أحد ينكر أنَّ الاستصحاب ومفاهيم المخالفة ونحوَها لا تفيد القطع في نفسها.
[و]مما يدل على ما قلته: قول إمام الحرمين في "البرهان": "فإن قيل: تفصيل أخبار الآحاد والأقيسة لا يلفى إلا في الأصول وليست قواطع، قلنا: حظ الأصولي إبانة القواطع في وجوب العمل بها".
أما من قال: إنَّ بعض مسائل أصول الفقه قطعي، وبعضَها ظني، أراد الدليل نفسه، فإنَّ منه ما هو ظني, ومنه ما هو قطعي، كما هو واضح للعارف بأصول الفقه.
إذن لم يتوارد الفريقان على محل واحد؛ فكان الخلاف لفظيا، والله أعلم بالصواب»( «الخلاف اللفظي» (1/40)).
ويوضحه قول الدكتور أحمد الريسوني: «الخلاف في هذه القضية يبدو أنَّه راجع إلى عدم تحرير محل النزاع فقط، فالقائلون بأنَّ أصول الفقه قطعية، لا تحتمل الظنيات -ومنهم الشاطبي- يقصدون أصول الأدلة والقواعد الكلية للشريعة، ويعتبرون ما سوى ذلك من المباحث التفصيلية والاجتهادات التطبيقية، ليس من أصول الفقه، وإن بُحث في علم أصول الفقه وكتبه، وأمَّا القائلون بأنَّ أصول الفقه تشتمل على كثير من الظنّيات، فإنَّما يتكلمون عن علم أصول الفقه، حيث أدرجت فيه كثير من الظنيات، ودليلُ ظنيتِها كثرةُ الخلاف فيها، وهو ما سعى الشاطبي إلى إقصائه من أصول الفقه، وافتتح كتابه بالتأكيد على أنَّ أصول الفقه قطعية لا ظنية »( «نظرية المقاصد» (152)).
ويقول الدكتور نعمان جغيم: «ليس مقصود الشاطبي هنا بأصول الفقه: تفاريع علم أصول الفقه كما استقرت مباحثها في كتب هذا العلم، ولكن مقصوده الأصول والقواعد العامة التي انبنى عليها هذا العلم، مثل: مصدرية القرآن والسنة النبوية، وحجية السنة النبوية بآحادها ومتواترها، وحجية الإجماع والقياس، وكون الشريعة قاصدة إلى تحقيق مصالح العباد في الدراين، وكون الشريعة قاصدة إلى حفظ الكليات الخمس: الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وغيرها من الأصول الكلية والقواعد العامة»(«تيسير الموافقات» (16) ).
وقد نعى شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-على الأصوليين تفريقَهم بين الفقه وأصوله، وجعلَهم الأول من باب الظنون، والآخر من قبيل العلم؛ «فجعلوا الفقه الذي هو ثمرة أدلة الشرع ظنيا، وقواعد الأصول التي استنبطوها ووضعوها علما»(«القواعد الأصولية عند ابن تيمية» (1/72) ), فضلا عن تعظيم «أَمر الْكَلَام الَّذِي يسمونه أصُول الدّين حَتَّى يجْعَلُونَ مسَائِله قَطْعِيَّة، ويوهنون من أَمر الْفِقْه الَّذِي هُوَ معرفَة أَحْكَام الْأَفْعَال حَتَّى يَجْعَلُوهُ من بَاب الظنون لَا الْعُلُوم»( «الاستقامة» (1/48- 49))، وقد بيَّن شيخ الإسلام فسادَ قولهم: «أنَّ الفقه من باب الظنون» مع قولهم: «قد دلت الأدلة القطعية على وجوب العمل بأخبار الآحاد والقياس والظواهر وغيرها» فجعلوا الفقه هو العلم بوجوب العمل بهذه الظنون والاعتقادات الحاصلة عن أمارات الفقه على اصطلاحهم، مبينا أن ذلك إنما هو من أصول الفقه لتعلقه بالكليات لا من الفقه الذي هو متعلق بالجزئيات، وفي ذلك يقول: «وَمَعْلُوم أَن هَذَا الْعلم [أي: العلم بوجوب العمل بهذه الظنون]: هو من أصول الفقه، وهو لا يخص مسألة دون مسألة، ولا فيه كلام في شئ من أحكام الأفعال، كالصلاة والجهاد والحدود وغير ذلك، وهو أمر عام كلي؛ ليس هو الفقه باتفاق الناس كلهم؛ إذ الفقه يتضمن الأمر بهذه الأفعال والنهي عنها إما علما وإما ظنا.
فعلى قولهم الفقه هو ظن وجوب هذه الأعمال وظن التحريم وظن الاباحة؛ وتلك الظنون هي التي دلت عليها هذه الأدلة التي يسمونها الأمارات، كخبر الواحد والقياس، فإذا حصلت هذه الظنون حصل الفقه عندهم، وأما وجوب العلم بهذا الظن فهذاك شئ آخر، وهذا الذي ذكروه إنما يصلح أن يذكر في جواب من يقول: كيف يسوغ لكم العمل بالظن؟ فهذا يورد في أصول الفقه في تقرير هذه الطرق إذا قيل: إنها إنما تفيد الظن، قيل: وكيف يسوغ اتباع الظن مع دلالة الأدلة الشرعية على خلاف ذلك؟
فيقولون في الجواب المتبع: إنما هو الأدلة القطعية الموجبة للعمل بهذا الظن، والعامل بتلك الأدلة متبع للعلم لا للظن، أما أن يجعل نفس الفقه الذي هو علم ظنا؛ فهذا تبديل ظاهر، وأتباعهم الأذكياء تفطنوا لفساد هذا الجواب.
وقد تجيب طائفة أخرى كأبي الخطاب وغيره عن هذا السؤال بأن العلم يتناول اليقين والاعتقاد الراجح، كقوله تعالى: ﴿فَإِنۡ عَلِمۡتُمُوهُنَّ مُؤۡمِنَٰتٖ﴾ [سورة الممتحنة:10]، وأن تخصيص لفظ العلم بالقطعيات اصطلاح المتكلمين، والتعبير هو باللغة لا بالاصطلاح الخاص.

والمقصود هنا ذكر أصلين هما:
[الأول:] بيان فساد قولهم: الفقه من باب الظنون، وبيان أنه أحق باسم العلم من الكلام الذي يدعون أنه علم، وأن طرق الفقه أحق بأن تسمى أدلة من طرق الكلام.
والأصل الثاني: بيان أن غالب ما يتكلمون فيه من الأصول ليس بعلم ولا ظن صحيح؛ بل ظن فاسد وجهل مركب ... فنقول الفقه هو: معرفة أحكام أفعال العباد، سواء كانت تلك المعرفة علما أو ظنا أو نحو ذلك»(«الاستقامة» (1/53- 55)).
وقال أيضا: « وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ الْفِقْهُ مِنْ بَابِ الظُّنُونِ: فَقَدْ أَجَابَ طَائِفَةٌ، مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ بِجَوَابِ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ الْعِلْمَ الْمُرَادُ بِهِ الْعِلْمُ الظَّاهِرُ وَإِنْ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِخِلَافِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنۡ عَلِمۡتُمُوهُنَّ مُؤۡمِنَٰتٖ﴾ [سورة الممتحنة:10]، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ عَنْهُ جَوَابَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَالَ: جُمْهُورُ مَسَائِلِ الْفِقْهِ الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا النَّاسُ وَيُفْتُونَ بِهَا هِيَ ثَابِتَةٌ بِالنَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ, وَإِنَّمَا يَقَعُ الظَّنُّ وَالنِّزَاعُ فِي قَلِيلٍ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ النَّاسُ, وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي سَائِرِ الْعُلُومِ, وَكَثِيرُ مَسَائِلِ الْخِلَافِ هِيَ فِي أُمُورٍ قَلِيلَةِ الْوُقُوعِ وَمُقَدَّرَةٍ, وَأَمَّا مَا لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْهُ مِنْ الْعِلْمِ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَيَحْرُمُ وَيُبَاحُ فَهُوَ مَعْلُومٌ مَقْطُوعٌ بِهِ, وَمَا يُعْلَمُ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً جُزْءٌ مِنْ الْفِقْهِ, وَإِخْرَاجُهُ مِنْ الْفِقْهِ قَوْلٌ لَمْ يُعْلَمْ أَحَدٌ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ قَالَهُ, وَلَا احْتَرَزَ بِهَذَا الْقَيْدِ أَحَدٌ إلَّا الرَّازِي وَنَحْوُهُ, وَجَمِيعُ الْفُقَهَاءِ يَذْكُرُونَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ, وَوُجُوبَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ, وَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَالْفَوَاحِشِ, وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُعْلَمُ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً.
الْجَوَابُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: الْفِقْهُ لَا يَكُونُ فِقْهًا إلَّا مِنْ الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَدِلِّ, وَهُوَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ هَذَا الدَّلِيلَ أَرْجَحُ، وَهَذَا الظَّنَّ أَرْجَحُ، فَالْفِقْهُ هُوَ عِلْمُهُ بِرُجْحَانِ هَذَا الدَّلِيلِ وَهَذَا الظَّنِّ؛ لَيْسَ الْفِقْهُ قَطْعَهُ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ، أَيْ: بِمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ, بَلْ هَذَا الْقَطْعُ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَالْأُصُولِيُّ يَتَكَلَّمُ فِي جِنْسِ الْأَدِلَّةِ, وَيَتَكَلَّمُ كَلَامًا كُلِيًّا، فَيَقُولُ: يَجِبُ إذَا تَعَارَضَ دَلِيلَانِ أَنْ يُحْكَمَ بِأَرْجَحِهِمَا، وَيَقُولُ أَيْضًا: إذَا تَعَارَضَ الْعَامُّ وَالْخَاصُّ فَالْخَاصُّ أَرْجَحُ، وَإِذَا تَعَارَضَ الْمُسْنَدُ وَالْمُرْسَلُ فَالْمُسْنَدُ أَرْجَحُ، وَيَقُولُ أَيْضًا: الْعَامُّ الْمُجَرَّدُ عَنْ قَرَائِنِ التَّخْصِيصِ شُمُولُهُ الْأَفْرَادَ أَرْجَحُ مِنْ عَدَمِ شُمُولِهِ، وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِذَلِكَ, فَأَمَّا الْفَقِيهُ: فَيَتَكَلَّمُ فِي دَلِيلٍ مُعَيَّنٍ فِي حُكْمٍ مُعَيَّنٍ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: قَوْلَهُ: ﴿وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ﴾ [المائدة: 05] خَاصٌّ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، وَمُتَأَخِّرٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكَٰتِ﴾ [البقرة: 221]، وَتِلْكَ الْآيَةُ لَا تَتَنَاوَلُ أَهْلَ الْكِتَابِ, وَإِنْ تَنَاوَلَتْهُمْ فَهَذَا خَاصٌّ مُتَأَخِّرٌ؛ فَيَكُونُ نَاسِخًا وَمُخَصِّصًا, فَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ دَلَالَةَ هَذَا النَّصِّ عَلَى الْحِلِّ أَرْجَحُ مِنْ دَلَالَةِ ذَلِكَ النَّصِّ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَهَذَا الرُّجْحَانُ مَعْلُومٌ عِنْدَهُ قَطْعًا، وَهَذَا الْفِقْهُ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ الْفَقِيهُ هُوَ عِلْمٌ قَطْعِيٌّ لَا ظَنِّيٌّ, وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ كَانَ مُقَلِّدًا لِلْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ،...وَاعْتِقَادُ الْمُقَلِّدِ لَيْسَ بِفِقْهِ ... فَهَذَا النَّظَرُ وَأَمْثَالُهُ هُوَ نَظَرُ الْفَقِيهِ الْعَالِمِ بِرُجْحَانِ دَلِيلٍ وَظَنٍّ عَلَى دَلِيلٍ, وَهَذَا عِلْمٌ لَا ظَنٌّ, فَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الظَّنَّ لَهُ أَدِلَّةٌ تَقْتَضِيهِ، وَأَنَّ الْعَالِمَ إنَّمَا يَعْلَمُ بِمَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِالرُّجْحَانِ، لَا بِنَفْسِ الظَّنِّ إلَّا إذَا عَلِمَ رُجْحَانَهُ, وَأَمَّا الظَّنُّ الَّذِي لَا يُعْلَمُ رُجْحَانُهُ فَلَا يَجُوزُ اتِّبَاعُهُ, وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي ذَمَّ اللَّهُ بِهِ مَنْ قَالَ فِيهِ: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ﴾ [الأنعام:116], فَهُمْ لَا يَتَّبِعُونَ إلَّا الظَّنَّ لَيْسَ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ, وَلَوْ كَانُوا عَالِمِينَ بِأَنَّهُ ظَنٌّ رَاجِحٌ؛ لَكَانُوا قَدْ اتَّبَعُوا عِلْمًا, لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَتَّبِعُ إلَّا الظَّنَّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ»( «مجمٍوع الفتاوى» (13/117), وانظر: «القواعد الأصولية عند ابن تيمية» للتمبكتي (1/73)).
2- هل الأصول هذه الحقائق أنفسُها أو العلم بها؟( «البحر المحيط» للزركشي (1/25))، أي: هل أصول الفقه: أدلته الدالة عليه، أو العلم بتلك الأدلة؟(«الخلاف اللفظي» للنملة (1/33) ): والقول المنسوب إلى أكثر الأصوليين وجمهورِهم هو أنَّ أصول الفقه هو الأدلة نفسها لا العلم بها، وبه قال القاضي أبو يعلى والجويني وابن عقيل والغزالي وابن قدامة والآمدي والرازي وغيرهم، ولذلك يعرفون أصول الفقه بـ: «الأدلة»، قال الجويني: «فإن قيل: فما أصول الفقه؟ قلنا: هي أدلته»( «التحقيق والبيان» للأبياري (1/266))، وقال الغزالي: «أصول الفقه: عبارة عن أدلة هذه الأحكام، وعن معرفة وجوه دلالتها على الأحكام من حيث الجملة، لا من حيث التفصيل، فإنَّ علم الخلاف في الفقه أيضا مشتمل على أدلة الأحكام ووجوه دلالتها، لكن من حيث التفصيل»(«المستصفى» (1/61) )، وقال أبو الوليد الباجي: «أصول الفقه: ما انبنت عليه معرفة الأحكام الشرعية»( «إحكام الفصول» (1/175))، ومثله للقاضي أبي يعلى( «العدة في أصول الفقه» (1/70)).
وذهب كثير من الأصوليين إلى أنَّ أصول الفقه هو العلم بتلك الأدلة لا الأدلة نفسها، وبه قال البيضاوي وابن التلمساني، وجعله الزركشي مقتضى كلام القاضي أبي بكر الباقلاني، قال البيضاوي: «أصول الفقه: معرفة دلائل الفقه إجمالا، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد»( «نهاية السول» للإسنوي (1/7))، وقال ابن التلمساني: «علم أصول الفقه هو: العلم بأدلة الأحكام الشرعية من حيث الإجمال، وكيفية دلالتها على الأحكام، وحال المستدل»( «شرح المعالم» (1/137))، وقال عبد الحميد ابن باديس: «علم الأصول: معرفة القواعد التي يعرف بها كيف تستفاد أحكام الأفعال من أدلة الأحكام»(«الفتح المأمول» لشيخنا أبي عبد المعز (29- 30) ).
وأما سبب الخلاف وحقيقته فيبينه لنا الزركشي بقوله: «والتحقيق أنه لا خلاف في ذلك، ولم يتواردوا على محل واحد، فإنَّ من أراد اللقبي، وهو كونه عَلَما على هذا الفن حدَّه بـ: "العلم"، ومن أراد الإضافي حدَّه بـ: "نفس الأدلة"»( «البحر المحيط» (1/25))، وبيانه: أنه لما كان أصول الفقه مركبا باعتبار الأصل، مفردا باعتبار العلمية، اختلف العلماء في الجهة التي يحد منها هل هي التركيب أم العلمية؟ فذهب بعض العلماء-وهم أصحاب القول الأول- إلى تعريفه باعتبار التركيب والإضافة، فقالوا: «أصول الفقه» مركب من مضاف ومضاف إليه، والمضاف هو: «أصول» جمع «أصل» والأصل: الدليل، فأصول الفقه أدلته، في حين رأى جمع من العلماء أن أصول الفقه قد تركب على وجه العلمية، فصار المضاف والمضاف إليه بمثابة اللفظ الواحد المفرد، فلم يحتج إلى تعريفه باعتبار التركيب، وإنما ينظر فيه إلى العلمية واللقبية لا غير، قال الإسنوي: «والفرق بين اللقبي والإضافي من وجهين:
أحدهما: أن اللقبيَّ هو العلم –كما سيأتي-، والإضافيَّ موصل إلى العلم.
الثاني: أن اللقبيَّ لا بد فيه من ثلاثة أشياء: معرفة الدلائل: وكيفية الاستفادة، وحال المستفيد، وأما الإضافيَّ فهو الدلائل خاصة»( «نهاية السول» (1/7-8)), وقال الشنقيطي العلوي: «واختلف في المركب الإضافي: هل يتوقف حده اللقبيُّ على معرفة جزأيه أو لا؟ إذ التسمية به سلبت كلا من جزئيه عن معناه الإفرادي، وصيَّرت الجميع اسما لمعنى آخر»(«نشر البنود» (1/16) )، ومن ها هنا رأى بعض العلماء أنه لا حاجة داعية إلى تعريف علم أصول الفقه باعتبار التركيب، وإنما ينظر فيه إلى العلمية واللقبية، وهو ظاهر صنيع البيضاوي في «المنهاج» وعبد الحميد ابن باديس في «مبادئ الأصول»؛ فإنهم اقتصروا على تعريف علم أصول الفقه باعتباره علما ولقبا، ولم يتعرضوا لتعريفه باعتبار الإضافة والتركيب، وجعلوا من قيوده: «المعرفة» أو «العلم»، وقد قال الشيخ المطيعي معقبا على قول الإسنوي: «اعلم أن معرفة المركب متوقفة على معرفة مفرداته، فكان ينبغي له [أي: البيضاوي] أن يذكر تعريف الأصل وتعريف الفقه قبل تعريف أصول الفقه»( «نهاية السول» (1/8))، قال المطيعي معقبا: «أقول: إنما ينبغي ذلك لو كان غرضه أن يعرف المركب الإضافي باعتبار معناه التركيبي، فإن بيان هذا المعنى هو الذي يتوقف على بيان معنى جزأيه، وأما بعد أن نقل هذا التركيب، وصار لقبا وعلما على الفن المدون الخاص؛ فلم يبق لواحد منهما بانفراده معنى أصلا، بل صار كل جزء منهما كالزاي في "زيد"، وليس الغرض من التعريف هنا إلا شرح مسمى هذا الاسم، وبيان معناه اللقبي فقط، ليكون الشارع فيه على بصيرة منه، وذلك لا يتوقف على معرفة أجزاء المركب الإضافي، ولا حاجة إليه في بيان المقصود، فالمصنف [أي: البيضاوي] قصد بترك تعريف جزأي اللفظ المركب الإضافي الإعراض عما قال الإمام والايجي وغيرهما، كما رآه من كذلك لا حاجة له، وإنَّ ذِكره قبل تعريف الفن وشرح مسماه المراد من الحد اللقبي، تطويل بلا طائل»(«سلم الوصول» (1/56- 57) )، وهذا هو الذي صوبه الزركشي بقوله: «أَنَّ أُصُولَ الْفِقْهِ يُطْلَقُ مُضَافًا وَمُضَافًا إلَيْهِ، وَيُطْلَقُ عَلَمًا عَلَى هَذَا الْعِلْمِ الْخَاصِّ، وَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيُّونَ: فَمِنْهُمْ مَنْ عَرَّفَ الْإِضَافِيَّ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَرَّفَ اللَّقَبِيَّ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ.
وَالصَّوَابُ: تَعْرِيفُ اللَّقَبِيِّ وَلَيْسَ ثَمَّ غَيْرُهُ، وَأَمَّا جُزْآهُ حَالَةَ التَّرْكِيبِ، فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا مَدْلُولٌ عَلَى حِدَتِهِ؛ إنَّمَا هُوَ كَـ: "غُلَامِ زَيْدٍ" إذَا سَمَّيْت بِهِ، لَمْ يَتَطَلَّبْ مَعْنَى الْغُلَامِ، وَلَا مَعْنَى زَيْدٍ، وَلَيْسَ لَنَا حَدَّانِ إضَافِيٌّ وَلَقَبِيٌّ، وَإِنَّمَا هُوَ اللَّقَبِيُّ فَقَطْ»(«البحر المحيط» (1/27) ).
ولكن دعوى أنه عَلَم بحت لم يُراع فيه التركيب والإضافة، كما أنه لا حاجة للنظر فيها، مما نازع فيه الأستاذ أبو زهرة، فقال: «أصول الفقه: مركب إضافي، وهو في ذاته: اسم لعلم خاص، ولكن تركيبه الإضافي يكون جزءا من حقيقته، فهو ليس اسما خالصا قد انقطع عن أصل الإضافة التي تتكون من المضاف والمضاف إليه؛ ولذا كان لا بد في تعريفه من تعريف جزئيه»(«أصول الفقه» (6) ).
وبناء على ما تقرر من كون الخلاف لم يتوارد على محل واحد، وأن سببه هو اختلاف الاعتبار في الجهة التي يراد منها الحد؛ جمع بين الحدين والاعتبارين جملة من العلماء، خصوصا المتأخرين كابن الحاجب والطوفي وابن السبكي وغيرهم، قال ابن الحاجب: «وأما حده لقبا: فالعلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الفرعية من أدلتها التفصيلية، وأما حده مضافا: فالأصول الأدلة الكلية»( «منتهى الوصول والأمل» (3))، وقال الطوفي: «فأصول الفقه بالاعتبار الأول، أي: باعتبار تعريفه من حيث هو مركب، هو العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية»( «شرح مختصر الروضة» (1/120))، وقال: «وأصول الفقه بالاعتبار الثاني: وهو تعريفه باعتبار كل واحد من مفرداته؛ لأن المادة التي تركب منها لفظ أصول الفقه، وهي الأصول والفقه، فهما مفرد ذلك المركب، فيحتاج في تعريفه التفصيلي إلى تعريف كل واحد منهما على حدته، فالأصول: الأدلة الآتي ذكرها، يعني: الكتاب والسنة والإجماع والقياس وما في خلال ذلك من القواعد الأصولية»( «شرح مختصر الروضة» (1/123))، وهذا هو الذي رجحه الأستاذ عبد الوهاب خلاف عمليا فعرف علم الأصول بقوله: «علم أصول الفقه في الإصطلاح الشرعي هو: العلم بالقواعد والبحوث التي يتوصل بها إلى استفادة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، أو هو: مجموعة القواعد والبحوث...»(«علم أصول الفقه» (15) ).
ويوضح لنا الشيح محمد الأمين الجكني المرابط حقيقة الخلاف بقوله: «[وأصول الفقه] اختلف في حقيقتها بسبب أن أسماء العلوم كالنحو والبيان مثلا، قد يراد بها:
قواعد ذلك الفن، وإلى هذا المعنى نظر الأكثرون؛ فجعلوا أصوله هي القواعد الباحثة عن الأحوال التي تتصف بها دلائل الإجمال، كقولنا: الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، والدليل الإجمالي هو الذي لا يفيد مسألة جزئية، كقاعدة مطلق الأمر والنهي والإجماع والقياس، والقاعدة قضية كلية تعرف منها أحكام جزئياتها.
وقد يراد بأسماء العلوم: إدراك قواعدها، وإليه نظر بعضهم فقال: معرفة أدلة الفقه الإجمالية»( «مراقي السعود إلى مراقي السعود» (58)).
هذا، وقد أثر الخلاف في هذه المسالة على الحد والموضوع من جهة شموله لطرق الاستنباط وكيفية استخراج الأحكام، وما يتبع ذلك من معرفة مراتب الأدلة وطرق دفع التعارض بينها وحال المجتهدين،فمن رأى بأن أصول الفقه هو الأدلة لم يجعل تلك المباحث من أصول الفقه أصالة، كما أنه لم يجعلها من جملة الحد، ومن ذكرها منهم إنما ذكرها باعتبار كونها من عوارض المحدود لا لأنها من تمام الحد، قال ابن زكري التلمساني: «فخرج من كلامه [أي: الجويني] أن حد أصول الفقه هو طرق الفقه الإجمالية فقط، وقوله: "وكيفية..."الخ ليس هو من تمام الحد، بل هو من عوارضه، ويحتمل أن يكون من أجزائه»( «غاية المرام» (1/375)).
وهذا هو الذي ذكره لنا الإسنوي فيما نقلناه عنه سابقا، لما فرق بين الحد اللقبي والإضافي، فقال في الوجه الثاني: «أن اللقبي: لا بد فيه من ثلاثة أشياء: معرفة الدلائل، وكيفية الاستفادة، وحال المستفيد، وأما الإضافي فهو: الدلائل خاصة»(«نهاية السول» (1/8) )، فـ«أصول الفقه باعتبار كونه مركبا تركيبا إضافيا معناه مفرد، هو أدلة الأحكام أو أدلة العلم بالأحكام، أما أصول الفقه باعتبار كونه علما لهذا الفن؛ فمعناه مركب من: أدلة الأحكام، واستنباط الأحكام، وقواعد لكيفية استنباط الأحكام، ومستنبط للأحكام، وقواعد لكيفية استنباطه، أو أنه مركب من المعرفة بهذه الأمور»( «علم أصول الفقه» للربيعة (56- 57).).
3- موضوع علم أصول الفقه: هذه هي المسألة الثالثة من المسائل المؤثرة على حد علم أصول الفقه وحقيقته، وقد اختلف العلماء في موضوع علم أصول الفقه على ثلاثة أقوال:(انظر: «إرشاد الفحول» للشوكاني (1/54)، «الحكم التكليفي» للبيانوني (17)، «المهذب» للنملة (1/38)، «علم أصول الفقه» للربيعة (231)، «أصول الفقه الميسر» لشعبان إسماعيل (1/14)، «علم أصول الفقه معالمه وأعلامه» (70)، «دروس في علم أصول الفقه لغير الحنفية» (22) )
الأول: هو أن موضوع علم أصول الفقه هو الأدلة الشرعية ومراتبها وأحوالها، وهو قول الجمهور، قال الآمدي: «وَأَمَّا مَوْضُوعُ أُصُولِ الْفِقْهِ، فَاعْلَمْ أَنَّ مَوْضُوعَ كُلِّ عِلْمٍ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يَبْحَثُ فِي ذَلِكَ الْعِلْمِ عَنْ أَحْوَالِهِ الْعَارِضَةِ لِذَاتِهِ.
وَلَمَّا كَانَتْ مَبَاحِثُ الْأُصُولِيِّينَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ لَا تَخْرُجُ عَنْ أَحْوَالِ الْأَدِلَّةِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، الْمَبْحُوثِ عَنْهَا فِيهِ، وَأَقْسَامِهَا، وَاخْتِلَافِ مَرَاتِبِهَا، وَكَيْفِيَّةِ اسْتِثْمَارِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ منْهَا عَلَى وَجْهٍ كُلِّيٍّ؛ كَانَتْ هِيَ مَوْضُوعَ عِلْمِ الْأُصُولِ»( «الإحكام» (1/18))، وقال المرداوي: «فموضوع أصُول الْفِقْه: أدلته من الْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وَالْقِيَاس وَنَحْوهَا، لِأَنَّهُ يبْحَث فِيهَا عَن الْعَوَارِض اللاحقة لَهَا، من كَونهَا عَامَّة أَو خَاصَّة، أَو مُطلقَة أَو مُقَيّدَة، أَو مجملة أَو مبينَة، أَو ظَاهِرَة أَو نصا، أَو منطوقة أَو مفهومة، وَكَون اللَّفْظ أمرا أَو نهيا، وَنَحْو ذَلِك، وَهَذِه الْأَشْيَاء هِيَ مسَائِله»( «التحبير» (1/143)).
الثاني: أن موضوع علم الأصول هو مجموع الأدلة والأحكام، وبه قال صدر الشريعة والتفتازاني والشوكاني وغيرهم، قال صدر الشريعة: «فَمَوْضُوعُ هَذَا الْعِلْمِ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ وَالْأَحْكَامُ؛ إذْ يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ الْعَوَارِضِ الذَّاتِيَّةِ لِلْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ إثْبَاتُهَا للْحُكْمَ، وَعَنْ الْعَوَارِضِ الذَّاتِيَّةِ لِلْأَحْكَامِ، وَهِيَ ثُبُوتُهَا بِتِلْكَ الْأَدِلَّةِ»( «شرح التلويح على التوضيح» (1/38))، وقال الشوكاني: «وَجَمِيعُ مَبَاحِثِ أُصُولِ الْفِقْهِ رَاجِعَةٌ إِلَى إِثْبَاتِ أَعْرَاضٍ ذَاتِيَّةٍ لِلْأَدِلَّةِ وَالْأَحْكَامِ، مِنْ حَيْثُ إِثْبَاتِ الْأَدِلَّةِ لِلْأَحْكَامِ، وَثُبُوتِ الْأَحْكَامِ بِالْأَدِلَّةِ، بِمَعْنَى أَنَّ جَمِيعَ مَسَائِلِ هَذَا الْفَنِّ هُوَ الْإِثْبَاتُ وَالثُّبُوت»( «إرشاد الفحول» (1/54))، وهو الذي رجحه الدكتور وهبة الزحيلي( «أصول الفقه الإسلامي» (1/36)).
الثالث: أن موضوع علم أصول الفقه هو الأحكام من حيث ثبوتها بالأدلة، وهو قول بعض الحنفية، وظاهر اختيار ابن جزي المالكي( انظر: «تقريب الوصول» (33)، «تيسير التحرير» (1/19)، «أصول الفقه، معالمه واعلامه» (70) ).
و«أغلب العلماء رجحوا المذهب الأول، وهو أن موضوع علم الأصول هو الأدلة الشرعية الكلية الإجمالية من حيث إثباتها للأحكام الكلية؛ وذلك لأن أصول الفقه إنما يبحث فيه عن العوارض الذاتية للأدلة، وأما الأمور الأخرى من الأحكام وصفات المستدل والمكلف فإن البحث عن عوارضها إنما يأتي بالتبع؛ نظرا لتوقف كثير من المباحث عليها، وأيضا فإن بعض من رجحوا أن موضوعه الأدلة والأحكام كيحيى الرهاوي اعترفوا بأن مباحث الأدلة أهم وأكثر، وإن رأوا أن ذلك لا يقتضي الأصالة والإستقلال»( «علم أصول الفقه» للربيعة (244))، كما أن الأحكام الشرعية ثمرة الأدلة، وثمرة الشيء تابع له.
وللأستاذ عبد الوهاب خلاف -رحمه الله- كلام جميل جدا يشرح فيه موضوع علم الأصول أحببت أن أورده هنا لأهميته في معرفة المقصود من الأدلة والأحكام في موضوع علم أصول الفقه، قال فيه رحمه الله: «وأما موضوع البحث في علم أصول الفقه، فهو الدليل الشرعي الكلي من حيث ما يثبت به من الأحكام الكلية، فالأصولي يبحث في القياس وحجيته، والعام وما يقيده، والأمر وما يدل عليه، وهكذا، وإيضاحا لهذا أضرب المثل الآتي: القرآن هو الدليل الشرعي الأول على الأحكام، ونصوصه التشريعية لم ترد على حال واحدة، بل منها ما ورد بصيغة الأمر، ومنها ما ورد بصيغة النهي، ومنها ما ورد بصيغة العموم أو بصيغة الإطلاق، فصيغة الأمر، وصيغة النهي، وصيغة العموم وصيغة الإطلاق، أنواع كلية من أنواع الدليل الشرعي العام، وهو القرآن، فالأصولي يبحث في كل نوع من هذه الأنواع ليتوصل إلى نوع الحكم الكلي الذي يدل عليه، مستعينا في بحثه باستقراء الأساليب العربية والاستعمالات الشرعية، فإذا وصل ببحثه إلى أن صيغة الأمر تدل على الإيجاب، وصيغة النهي تدل على التحريم، وصيغة العموم تدل على شمول جميع أفراد العام قطعا، وصيغة الإطلاق تدل على ثبوت الحكم مطلقا، وضع القواعد الآتية: الأمر للإيجاب، النهي للتحريم، العام ينتظم جميع أفراده قطعا، المطلق يدل على الفرد الشائع بغير قيد.
وهذه القواعد الكلية وغيرها مما يتوصل الأصولي ببحثه إلى وضعها يأخذها الفقيه قواعد مسلمة، ويطبقها على جزئيات الدليل الكلي، ليتوصل بها إلى الحكم الشرعي العملي التفصيلي، فيطبق قاعدة: الأمر للإيجاب على قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ﴾ [المائدة: 01]، ويحكم على الإيفاء بالعقود بأنه واجب، ويطبق قاعدة: النهي للتحريم على قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ﴾ [الحجرات: 11]، ويحكم بأن سخرية قوم من قوم محرمة، ويطبق قاعدة: العام ينتظم جميع أفراده قطعا على قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمۡ أُمَّهَٰتُكُمۡ﴾ [النساء: 23]، ويحكم بأن كل أم محرمة، ويطبق قاعدة المطلق يدل على أي فرد على قوله تعالى في كفارة الظهار: ﴿فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ﴾ [المجادلة: 03]، ويحكم بأنه يجزئ في التكفير أية رقبة مسلمة أو غير مسلمة.
ومن هذا يتبين الفرق بين الدليل الكلي والدليل الجزئي، وبين الحكم الكلي والحكم الجزئي.
فالدليل الكلي هو النوع العام من الأدلة الذي تندرج فيه عدة جزئيات مثل الأمر والنهي، والعام والمطلق، والإجماع الصريح والإجماع السكوتي، والقياس المنصوص على علته والقياس المستنبطة علته، فالأمر يندرج تحته جميع الصيغ التي وردت بصيغة الأمر، والنهي، فالأمر دليل كلي، والنص الذي ورد على صيغة الأمر دليل جزئي، والنهي دليل كلي، والنص الذي ورد على صيغة النهي دليل جزئي.
وأما الحكم الكلي فهو النوع العام من الأحكام التي تندرج فيه عدة جزئيات، مثل الإيجاب والتحريم والصحة والبطلان، فالإيجاب حكم كلي يندرج فيه إيجاب الوفاء بالعقود، وإيجاب الشهود في الزواج، وإيجاب أي واجب، والتحريم حكم كلي يندرج فيه تحريم الزنا والسرقة وتحريم أي محرم، وهكذا الصحة والبطلان فالإيجاب حكم كلي، وإيجاب فعل معين حكم جزئي، والأصولي لا يبحث في الأدلة الجزئية، ولا فيما تدل عليه من الأحكام الجزئية، وإنما يبحث في الدليل الكلي، وما يدل عليه من حكم كلي ليضع قواعد كلية لدلالة الأدلة كي يطبقها الفقيه على جزئيات الأدلة لاستثمار الحكم التفصيلي منها، والفقيه لا يبحث في الأدلة الكلية، ولا فيما يدل عليه من أحكام كلية، وإنما يبحث في الدليل الجزئي، وما يدل عليه من حكم جزئي»( «علم أصول الفقه» (15- 18)).
وإذا تقرر هذا؛ فإن الخلاف في موضوع علم الأصول كان له أثر في حد علم أصول الفقه وبيان حقيقته، فمن رأى أن موضوع علم الأصول هو الأدلة الشرعية عرفه بما يقتضي ذلك، كقول الآمدي: «أصول الفقه هي: أدلة الفقه، وجهات دلالتها على الأحكام الشرعية»(«الإحكام» (1/8) )، وقول البيضاوي: «معرفة دلائل الفقه إجمالا»( «نهاية السول»(1/7))، وأما من رأى أن موضوع علم أصول الفقه هو مجموع الأدلة والأحكام، فقال: «هو علم يعرف به أحوال الأدلة الشرعية من حيث إثباتها للأحكام، وأحوال الأحكام الشرعية من حيث ثبوتها بالأدلة»، وأما من قال موضوعه هو الأحكام الشرعية الكلية فقد عرف علم الأصول بمثل ما عرفه به ابن جزي في قوله: «وأما أصول الفقه: فهو العلم بالأحكام الشرعية الفرعية على الجملة، وبأدواتها، والاجتهاد فيها وما يتعلق به»( «تقريب الوصول» (33).)، وفي ذلك يقول الشيخ المطيعي: «وأما طريقة الحنفية فموضوع الأصول ما ذكره الشافعية والأحكام، فما ذكر الشافعية من الأدلة الإجمالية وطرق الاستفادة وحال المستفيد من موضوع الأصول من حيث إثبات الأحكام بها، والأحكام من موضوعه أيضا من حيث أنها تثبت بالأدلة الإجمالية ... فتعريف أصول الفقه على طريقة الشافعية هو ما ذكره المصنف [أي: البيضاوي]، وعلى طريقة أكثر الحنفية هو العلم بالأدلة الإجمالية للفقه وطرق استفادتها منها وحال مستفيدها، من حيث تثبت بها الأحكام الشرعية الكلية... الخ، والأحكام من حيث تثبت بتلك الأدلة»(«سلم الوصول» (1/15). ).
كما أنه «يترتب عن الاختلاف المتقدم في موضوع الأصول في ترتيب الفنون والمباحث الأصولية المتفق عليها، وليس للتعليل بالاختيار في تقديم أحد المباحث وتأخيرها كبير فائدة، سوى اعتبار أحد هذه الفنون أصلا والآخر فرعا تبعا له، وأن بعض المباحث تدرس ذاتيا والأخرى عرضا»( من كلام شيخنا فركوس في مقدمة تحقيقه على «تقريب الوصول» (30).).
ولذلك كان الخلاف -في الجملة- لفظيا، كما قال التفتازاني: «وفي ظني أنه لا خلاف بينهما في المعنى؛ لأن من جعل الموضوع الأدلة جعل المباحث المتعلقة بالأحكام راجعة إلى أحوال الأدلة، ومن جعله الأحكام جعل المباحث المتعلقة بالأدلة راجعة إلى أحوال الأحكام، تقليلا لكثرة الموضوع؛ فإنه أليق بالعلوم، ومن جعله كلا الأمرين فقد أراد التوضيح والتفصيل»( ( ) نقله الدكتور شعبان إسماعيل في تحقيقه على«إرشاد الفحول» (1/55).).
رد مع اقتباس