عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 30-09-18, 01:09 PM
أبو عبد الله سفيان أبو عبد الله سفيان غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-10-10
المشاركات: 26
افتراضي رد: أسباب الخلاف في مسائل أصول الفقه

الفصل الثاني: أسباب الخلاف في المسائل المتعلقة بالحكم الشرعي.
تمهيد: الحكم الشرعي: حقيقته، أركانه وأقسامه:
يعتبر الحكم الشرعي الكلي من أهم المباحث الأصولية التي يتناولها علم أصول الفقه، إما باعتباره الغاية والثمرة من الأدلة الشرعية الإجمالية والقواعد الكلية التي يتناولها علم الأصول، وإما باعتباره موضوعا لهذا العلم أو جزءا منه.
وللحكم الشرعي حقيقة وأقسام وأركان، اعتنى العلماء ببيانها وتجلية حقائقها، وقد وقع بينهم خلاف في بعض تلك المباحث، وله أسباب ومقتضيات، وهذا ما سنحاول تناوله في هذا الفصل.
ونبدأ في مقدمة ذلك بتعريف الحكم الشرعي، وذكر الخلاف الواقع بين العلماء في حده وتعريفه؛ إذ به تتضح حقيقته، وتتجلى لنا أقسامه وأركانه.

المبحث الأول: تعريف الحكم الشرعي، وسبب اختلاف العلماء فيه:
تمهيد: قد تعددت أراء العلماء في تعريف الحكم الشرعي، وتنوعت عباراتهم في ذلك بناء على اختلاف نظرتهم إلى بعض أركان الحكم وشروطه ومتعلقاته، وبجمع جملة من تعاريف العلماء له والنظر فيها، مع ما قيل وأورد عليها من اعتراضات ومناقشات ظهر -والله أعلم- أن سبب الخلاف بينهم يرجع إجمالا إلى ثلاث مسائل، هي:
1- هل يصح أن يسمى الكلام في الأزل خطابا؟
2- الحكم هل هو نفس الخطاب، أم هو أثره ومدلوله؟
3- في تقسيم الحكم الشرعي.
وسنتناول هذه الأسباب على شكل مسائل نحاول تقريرها وبيان أسباب الخلاف فيها؛ لكونها في ذاتها مباحث أصولية –في الجملة-.


المسألة الأولى:
هل يصح أن يسمى الكلام في الأزل خطابا أم لا؟
صورة المسألة وتحرير محل النزاع فيها:
تعتبر هذه المسألة من مسائل أصول الدين المبحوثة في أصول الفقه، والذي أدى بعلماء الأصول لبحثها هو: أنهم لما جعلوا لفظ «الخطاب» مأخوذا في حد الحكم الشرعي الفرعي، وكان هذا اللفظ من صيغ المفاعلة التي تقتضي وجود مخاطِب ومخاطَب، وخطاب الله المقصود في الحكم الشرعي هو كلامه، مع ما علم من اختلاف في حقيقة كلامه سبحانه وتعالى هل هو قديم أم لا؟ -ولما كان الأمر كذلك- فالقائلون بقدمه اختلفوا في تسميته «خطابا»؛ لأزلية المخاطِب وهو الله تعالى، وذلك ينافي قدمه، ولذلك فإنه إذا تتبعنا أصل حدوث المسألة، ونشأة الكلام فيها عند الأصوليين، نجد بأنه عبارة عن اعتراض من المعتزلة القائلين بأن كلام الله مخلوقٌ وحادثٌ أوردوه على الأشاعرة القائلين بقدم الكلام وأزليته، ومفاد ذلك الاعتراض راجع إلى لزوم حدوث الخطاب المنافي لقدم الله تعالى من جعله قيدا في تعريف الحكم مع تعلقه بأفعال المخلوق الحادث.
ويبين لنا الطوفي –رحمه الله- أسئلة هذا الاعتراض من المعتزلة فيقول: «الْمُعْتَزِلَةَ أَوْرَدُوا عَلَى تَعْرِيفِ الْحُكْمِ بِالْخِطَابِ أَسْئِلَةً:
مِنْهَا: أَنَّ الْخِطَابَ: هُوَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ قَدِيمٌ عِنْدَكُمْ، وَالْحُكْمُ يُعَلَّلُ بِالْعِلَلِ الْحَادِثَةِ، نَحْوَ قَوْلِنَا: حَلَّتِ الْمَرْأَةُ بِالنِّكَاحِ، وَحَرُمَتْ بِالطَّلَاقِ، وَالْمُعَلَّلُ بِالْحَوَادِثِ حَادِثٌ، فَيَلْزَمُ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ الْحُكْمُ عِنْدَكُمْ حَادِثٌ.
السُّؤَالُ الثَّانِي: أَنَّ الْحُكْمَ صِفَةُ فِعْلِ الْمُكَلَّفِ، لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا فِعْلٌ حَرَامٌ، وَهَذَا فِعْلٌ وَاجِبٌ، وَصِفَةُ الْحَادِثِ تَكُونُ حَادِثَةً، فَإِذَا قُلْتُمْ: إِنَّ الْحُكْمَ هُوَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ وَصْفٌ لِلْفِعْلِ الْحَادِثِ، لَزِمَ أَنْ يَكُونَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى حَادِثًا.
السُّؤَالُ الثَّالِثُ: إِنَّ الْأَحْكَامَ مَسْبُوقَةٌ بِالْعَدَمِ، إِذْ يُقَالُ: حَلَّتِ الْمَرْأَةُ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ حَلَالًا، وَحَرُمَتْ بِالطَّلَاقِ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ حَرَامًا، وَحَرُمَ الْعَصِيرُ بِالتَّخْمِيرِ، وَحَلَّ بِالِانْقِلَابِ، بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَالْمَسْبُوقُ بِالْعَدَمِ حَادِثٌ، فَاحْتَاجَ الَّذِينَ عَرَّفُوا الْحُكْمَ بِالْخِطَابِ إِلَى الْجَوَابِ عَنْ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ»(«شرح مختصر الروضة» (1/255) )، فالأشاعرة «قائلون بقدم الكلام وجعلوا الحكم هو الخطاب، فيلزم إما نفي قدم الكلام، وإما إثبات قدم المكلف»( «مسائل أصول الدين المبحوثة في أصول الفقه» (1/379)).
وإذا اتضح هذا علمنا بأن الخلاف إنما هو بين القائلين بقدم الكلام وأزليته: هل يصح أن يسمى ذلك الكلام خطابا أم لا؟ كما أن محل النزاع هو: هل يسمى بذلك حقيقة، أما جواز تسميته خطابا مجازا فهو متفق عليه( «تحرير محل النزاع في مسائل الحكم الشرعي» (1/246))، قال العطار معلقا على قول جلال الدين المحلي في المسألة في قوله: «(وَالْكَلَامُ) النَّفْسِيُّ (فِي الْأَزَلِ قِيلَ لَا يُسَمَّى خِطَابًا) حَقِيقَةً لِعَدَمِ مَنْ يُخَاطِبُ بِهِ إذْ ذَاكَ وَإِنَّمَا يُسَمَّاهُ حَقِيقَةً فِيمَا لَا يَزَالُ عِنْدَ وُجُودِ مَنْ يَفْهَمُ وَإِسْمَاعِهِ إيَّاهُ بِاللَّفْظِ كَالْقُرْآنِ أَوْ بِلَا لَفْظٍ كَمَا وَقَعَ لِمُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَمَا اخْتَارَهُ الْغَزَالِي»، قال العطار: «قَوْلُهُ: (حَقِيقَةً) مُتَعَلِّقٌ بِـ:(يُسَمَّى)، وَهُوَ تَحْرِيرٌ لِمَحَلِّ الْخِلَافِ، وَأَنَّهُ فِي الْإِطْلَاقِ حَقِيقَةٌ، لَا فِي مُطْلَقِ الْإِطْلَاقِ الشَّامِلِ لِلْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ، فَإِنَّ التَّسْمِيَةَ الْمَجَازِيَّةَ اعْتِبَارُ مَا تُؤَوَّلُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا»( «حاشية العطار» (1/179)).


الخلاف في المسألة وأقوال العلماء فيها:
لقد اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:( انظر الخلاف في المسألة وأقوال العلماء فيها في ما يلي: «ميزان الأصول» للسمرقندي (161), «المحصول» للرازي (1/108), «نفائس الأصول» للقرافي (1/218), «شرح مختصر الروضة» للطوفي (1/255)، «الكاشف عن المحصول» لللأصفهاني (1/194)، «التحبير» للمرداوي (803)، «البحر المحيط» للزركشي (1/126), «تشنيف المسامع» له (1/174), «سلم الوصول» للمطيعي (1/50), «المسائل المشتركة» للعروسي (225), «الحكم الشرعي» للباحسين (30)، «تحرير محل النزاع في مسائل الحكم الشرعي» لفاديغا موسى (1/234), «مسائل أصول الدين المبحوثة في أصول الفقه» لخالد عبد اللطيف (1/378))
القول الأول: هو القول بمنع تسمية الكلام في الأزل خطابا، وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني، ونسبه الزركشي إلى الآمدي(«سلاسل الذهب»(93) )، وهو مشكل لأن الآمدي جعل "الخطاب" من جملة قيود حد الحكم لما عرفه بقوله: «[هو]خطاب الشارع المفيد فائدة شرعية»( «الإحكام» (1/85))، ولذلك قال الدكتور محمد المختار بن محمد الأمين الشنقيطي: «[فـ]لعل هذا القول ذكره في بعض كتبه في العقائد»( في تحقيقه على «سلاسل الذهب» (93))، كذا قال؛ ثم إني وجدت الإسنوي ينسب هذا القول للآمدي مبينا موضعه من كتابه الأصولي «الإحكام»، فقال: «قال الآمدي في مسألة أمر المعدوم: "الحق أنه لا يسمى بذلك"»( «نهاية السول» (1/50))، وهو نقل لكلامه بالمعنى، وعبارة الآمدي في المبحث المذكور هي قوله: «وهل يسمى التكليف بهذا التفسير في الأزل خطابا للمعدوم وأمرا له عرفا؟ الحق أنه يسمى أمرا، ولا يسمى خطابا»(«الإحكام» (1/132) )، وهذا القول اختاره الغزالي فقال:«ولا يسمى هذا المعنى في الأزل خطابا، وإنما يصير خطابا إذا وجد المخاطب وأسمع»( «المستصفى» (1/234)), وحجة هؤلاء أن الخطاب اسم للمشافهة، فلا بد من حضور المأمور فيكون حادثا، قال الشيخ العروسي: «وهذا الإنكار لتسمية الخطاب(كذا قال، ولو قال: «الكلام» لكان أحسن، والله أعلم ) من الله سبحانه خطابا هو قول الأشاعرة، واستدلوا بأن صيغة المخاطبة تقتضي مفاعلة بين اثنين؛ فلا يجوز أن يستعمل إلا إذا كان هناك من يشاركه في المخاطبة، فهذا الإطلاق يقتضي أنه تعالى مخاطب للمعدوم»(«المسائل المشتركة» (226) ).
القول الثاني: هو القول بجواز تسمية الكلام في الأزل خطابا، وهو قول منسوب إلى الجمهور، وقد نسبه علاء الدين السمرقندي إلى عامة المشايخ( «ميزان الأصول» (161))، ونسبه الإسنوي إلى البيضاوي ورجحه، وصححه المطيعي(«سلم الوصول» (2/55) )، قال ابن حلولو المالكي: «اختلف أئمتنا في تسمية الكلام في الأزل خطابا: فظاهر إطلاق الأكثر الجواز، وصرح الغزالي ونحوه للقرافي بعدم تسميته بذلك أزلا؛ لأن الخطاب لغة يقتضي مخاطَبا موجودا»( «الضياء اللامع» (1/268)).



سبب الخلاف بين العلماء في المسألة:
يرجع الخلاف بين العلماء في هذه المسألة –والله أعلم- إلى ما يلي:
1- في المراد بـ: «الكلام» وحقيقته: وهي مسألة عقدية وقع فيها الخلاف بين المذاهب الكلامية، وسيأتي –بإذن الله- في «مباحث الأمر» الكلامُ عن حقيقة «الكلام» وما جرى فيه من خلاف، غير أنا سنحاول ها هنا تفسير المسألة وتوضيحها على وجه يعين على فهم الأصل الذي تخرج عليه؛ فنقول وبالله التوفيق: لقد وقع اختلاف في كلام الله عز وجل: هل هو صفة من صفاته، أم هو فعل من أفعاله المخلوقة؟ وهل يكون بصوت وحرف، أم هو اسم للمعنى القائم بالنفس؟ فالمعتزلة يرون بأن الكلام صفة فعل يخلقه الله عز وجل بائنا منفصلا عنه، وأما الأشاعرة فيرون أنه صفة ذات، وهو معنى واحد قائم بالنفس لا يتعدد ولا يتجدد، وأنه ليس بحرف ولا صوت، وذهب سلف الأمة وأهل السنة والجماعة إلى إثبات صفة الكلام على الوجه اللائق به سبحانه، وأنه صفة ذات وفعل؛ فلم يزل الله عز وجل متكلما ولا يزال، وهو سبحانه يتكلم متى شاء بما شاء، وأن كلامه بصوت وحرف، وأنه مفرق مفصل يتبعض ويتعدد، ولسنا بهذا الصدد في مقام تقرير أحقية قول أهل السنة والجماعة والتدليل عليه من الكتاب والسنة، بل هو إجماع سلف الأمة، فهذا له موضعه في الكتب التي عنيت بتقرير المسألة على وفق معتقد أهل السنة والجماعة والرد على المخالفين، وإنما المقصود هنا تخريج هذه المسألة على الأقوال المذكورة، وبناء على المذاهب في مسألة الكلام: قال المعتزلة بأن الحكم حادث، ولا يمتنع أن يسمى في الأزل خطابا؛ لأن الكلام عندهم مخلوق، والإشكال إنما يرد على الأشاعرة الذين قالوا بقدم الحكم وأزلية الكلام، ولذلك اضطروا للكلام عن لفظ «الخطاب» وتأويله –كما سيأتي بيانه-، وأما أهل السنة والجماعة فالكلام عندهم قديم النوع حادث الأفراد فلا يرد عليهم ما يرد على الأشاعرة.
وفي تخريج الخلاف في هذه المسألة على هذا الأصل يقول الدكتور خالد عبد اللطيف: «والذي جرَّ الإشكال على هؤلاء المتكلمين هو قولهم بأن كلام الله نفسي وأنه قديم أزلي، مع منعهم تعلق كلامه بمشيئته، فأوقعهم ذلك في الإرتباك»(«مسائل أصول الدين المبحوثة في أصول الفقه» (1/381) )، وقال الزركشي: «ولها التفات أيضا إلى أن الكلام النفسي: هل يسمع»( «سلاسل الذهب» (94))، وقال السمرقندي في تعليل القول بأزلية الخطاب: «ولكن الصحيح قول العامة؛ لأن الأمر وصف ذاتي للكلام لكونه قولا مخصوصا، والوصف الذاتي لا يجوز عليه التغير؛ فتكلم المشايخ في أنه خطاب في الأزل أم لا؟»( «ميزان الأصول» (161).)، وقال الشيخ الشنقيطي: «واعلم أن عبارات الأصوليين اضطربت في تعريف الحكم، وسبب اضطرابها ... زعمهم أن الخطاب هو نفس المعنى الأزلي القائم بالذات المجرد عن الصيغة»( «المذكرة» (17))، بمعنى: أن الأشاعرة لما جعلوا كلام الله تعالى قديما أزليا، وذكروا «الخطاب» جنسا في تعريف الحكم، والخطاب مفاعلة بين اثنين: مخاطِب ومخاطَب، أُورد عليهم بسبب ذلك كما مضى ذكره عن المعتزلة، فاعتراض المعتزلة مركب من أمرين: الأول: قول الأشاعرة بقدم الكلام، والثاني: تعريف الحكم بأنه خطاب، والخطاب يقتضي الحدوث على وفق ما سبق تفسيره، ولو أن الأشاعرة قالوا بمذهب أهل السنة والجماعة لنجوا من هذا الاعتراض، ولما تكلفوا عنه، قال الدكتور فاديغا موسى: «والنزاع في هذه المسالة مبني على أن كلام الله نفسي فقط، ليس بحرف ولا صوت، وهو خلاف الصواب، فالله يتكلم إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء بحرف وصوت يسمع، وإنه تكلم مع من شاء من رسله وملائكته وسمعوا كلامه حقيقة ... ومما سبق يتبين لنا أن الاختلاف في المسألة هذه كله راجع إلى القول بأزلية الحكم أو عدم أزليته»(«تحرير محل النزاع في مسائل الحكم الشرعي» (1/248) ).
2- في المراد بـ:«الخطاب»: وهو من متممات المسألة السابقة؛ لأن الأشاعرة مجمعون على أزلية كلام الله تعالى وقدمه، ولذلك ورد عليهم الإشكال في جعل «الخطاب» جنسا في تعريف الحكم الشرعي، فاضطروا إلى تفسير «الخطاب» وبيان المراد به.
و«الخطاب» في اللغة: مصدر خاطبه بالكلام يخاطبه مخاطبة وخطابا، فهو من أبنية المفاعلة( «شرح مختصر الروضة» للطوفي (1/250).)، ويُعنى به: توجيه الكلام للغير بقصد الإفهام، ويراد به أيضا الكلام الذي وقع به التخاطب، وهو معنى مجازي.
وأما في اصطلاح الأشاعرة فقد اختلفوا فيه على قولين: على وفقهما وقع الخلاف في جواز تسمية الكلام في الأزل خطابا، وفي ذلك يقول الزركشي : «في تسمية كلام الله في الأزل خطابا، فيه خلاف ينبني على تفسير "الخطاب" ما هو؟ فإن قلنا: ما يقصد به إفهام من هو متهيء للفهم؛ فلا يسمى خطابا، وإن قلنا: ما يقصد به الإفهام في الجملة؛ يسمى خطابا»( «سلاسل الذهب» (96))، وقال الشوشاوي: «وسبب هذا الخلاف: اختلافهم في معنى"الخطاب"، قيل: معناه الكلام الذي قصد به إفهام الغير في الحال، وقيل: معناه الكلام الذي قصد به إفهام الغير في الحال والاستقبال؛ فعلى الأول لا يسمى خطابا، وعلى الثاني يسمى خطابا»( «رفع النقاب» (1/646)).
فمن قال إن الخطاب هو الكلام الموجه نحو المتهيء للإفهام، أو هو اللفظ المتواضع عليه المقصود به إفهام من هو متهيء للإفهام في الحال؛ منع أن يسمى الكلام خطابا، لأنه على هذا التفسير لا بد من وجود المخاطَب وهو المكلف، ووجوده يستلزم قدمه، وهو محال( انظر: «تحرير محل النزاع في مسائل الحكم الشرعي» لفاديغا موسى (1/245).
وأما من رأى بأن «الخطاب» هو قول يفهم منه من سمعه شيئا مفيدا ولو فيما بعد؛ فأجاز أن يسمى الكلام في الأزل خطابا، ويكون معنى «الخطاب» عندهم: «قيام طلب فعل أو ترك بذات الرب تعالى ممن سيوجد ويتهيأ لفهمه، وقالوا: أنه لا استحالة في الطلب من المعدوم إذا لم يطلب منه فعله حال عدمه، بل طلب منه أن يفعله بعد وجوده، وحين يوجد ويتهيأ لفهمه يتعلق به تعلقا آخر، والباقلاني والآمدي يوافقان على صحة هذا المعنى لكن لا يسميان ذلك خطابا، بل أمرا ونهيا»( «تحرير محل النزاع في مسائل الحكم الشرعي» (1(244- 245))، وهناك من حمل لفظ «الخطاب» على المعنى المجازي له في اللغة من باب إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول، فيكون المقصود به الكلام المخاطب به ، لا توجيه الكلام، وقد جعل هذا المعنى الطوفي حقيقة عرفية في «الخطاب»، فقال في جوابه عن اعتراض القرافي على جعل «الخطاب» جنسا في تعريف الحكم ومنعه ذلك؛ بناء على أنه سبحانه قديم فلا يصح أن يكون معه في الأزل من يخاطبه، فقال الطوفي -في جوابه-: «لا يلزم من مخاطبة الله سبحانه وتعالى، وخطابه لخلقه أن يكونوا معه أزلا ... وقد بينا أن الخطاب صار في الاصطلاح بمعنى الكلام»( «شرح مختصر الروضة» (1/251- 252))، وقال المطيعي معلقا على قول الإسنوي: «فأطلق المصدر وأريد به ما خوطب به على سبيل المجاز» قال: «أقول إن ذلك بحسب الأصل صار بعد اصطلاح الأصوليين عليه حقيقة عرفية»(«سلم الوصول» (1/47) )، وتفسير الخطاب بالمعنى المصدري لا خلاف فيه( انظر: «تحرير محل النزاع في مسائل الحكم الشرعي» (1/246))، ويكون الخلاف حينئذ بين الأشاعرة خلافا في اللفظ ومنازعةً في الاصطلاح؛ لاتفاق الجميع على أزلية كلام الله تعالى وحكمه، إلا أن بعضهم أجاز تسمية كلامه خطابا حقيقة، وبعضهم منعها حقيقة وأجازها مجازا: إما لأن المراد بها اسم المفعول الذي هو الكلام المخاطب به، وإما لكون الخطاب عندهم له معنى آخر لا يستقيم على مذهب الجميع في كلام الله تعالى وأزليته( انظر: «تحرير محل النزاع في مسائل الحكم الشرعي» (1/236)، «مسائل أصول الدين المبحوثة في أصول الفقه» (1/380))، والذي أجاز تسميته خطابا حقيقة: إنما أجازه عن طريق تنزيل المعدوم الذي سيوجد فيما بعد بشرائط التكليف منزلة الموجود، فوقع الخطاب بعد التنزيل حقيقة، ومن منع تسميته خطابا حقيقة: إنما منعه لاستلزام الخطاب عنده وجود المخاطب، فلم يتوارد النزاع على محل واحد، وكان لفظيا اصطلاحيا.
ويجدر بالتنبيه إلى أن بعض الأشاعرة لم يسلموا أن إطلاق «الخطاب» على سبيل تنزيل المعدوم منزلة الموجود يكون حقيقة، بل هو مجاز، قال العطار: «وأنت خبير أن التنزيل المذكور ينافي كون التسمية حقيقية؛ لأنه يقتضي أنها مجاز لعلاقة الأول، أو إطلاق ما بالفعل على ما بالقوة»( «حاشية العطار» (1/180))، وقال الكوراني معلقا على جلال الدين المحلي: «وما ذكره بعض الشارحين من أن الأصح أنه خطاب حقيقة بتنزيل المعدوم منزلة الموجود؛ فشيء لا يعقل، ولا يلتفت إليه»( «الدرر اللوامع» (1/301)).
وعلى كل حال فقد ثبت أن الأشاعرة الذين أجازوا تسمية الكلام في الأزل خطابا، وجعلوه جنسا في تعريف الحكم الشرعي، لا يرد عليهم قول المعتزلة واعتراضهم المبني على حقيقة الخطاب اللغوية؛ لأن لهم -أي: للأشاعرة- اصطلاحا خاصا لـ:«الخطاب»، يتوافق مع معتقدهم في أزلية الكلام وقدمه، ولهذا قال الكوراني: «اختلف في الكلام في الأزل، أي: المعنى القديم القائم بذاته تعالى، هل يسمى خطابا أم لا؟ وهذا بحث لفظي، إذ هو مبني على تفسير "الخطاب"»(«الدرر اللوامع» (1/300) )، وقال الأصفهاني في شرحه لكلام الرازي في «المحصول» قال: «وأما قوله: "المخاطبة إنما تتصور بين المخاطِب والمخاطَب"، قلت: والمعني بالخطاب المعنى القائم بالذات، واستعمال هذا اللفظ في هذا المعنى من باب الاصطلاح، ولا مناقشة في الاصطلاحات ولا حجر»( «الكاشف عن المحصول» (1/211).).
هذا في تفسير «الخطاب»، ولكن بقي إشكال آخر يرد على الأشاعرة، وهو في جعلهم «الخطاب» -وهو قديم عندهم- متعلقا بفعل المكلف وهو حادث، فكيف يتعلق القديم بالحادث؟ وقد أورد هذا الإشكال الإسنوي فقال: «فإن قيل: اشتراط التعلق في حد الحكم يقتضي أنه لا حكم عند عدم التعلق، والتعلق حادث على رأيه؛ فيلزم أن لا يكون الحكم ثابتا قبل ذلك، وهو باطل، فإن الحكم قديم»( «نهاية السول» (1/32))، والإسنوي في قوله: «والتعلق حادث على رأيه» أشار إلى الخلاف في التعلق هل هو قديم أم حادث؟ فمذهب الرازي والبيضاوي وغيرهما هو أنه حادث، في حين يذهب تقي الدين السبكي وغيره إلى أنه قديم، والإشكال يرد على من قال بحدوثه، قال السبكي: «وهذا اختيار من المصنف أن التعلق حادث، وهو المذكور في المحصول هنا [أي: في جواب الاعتراضات عن المعتزلة]، وفي موضع آخر خلافه وهو المختار، ولو كان التعلق حادثا لكان الخطاب المتعلق حادثا ضرورة أخذ التعلق قيدا فيه، ويلزم على هذا أن يكون الحكم حادثا وهو قد فر منه، وأن الكلام في الأزل لا يسمى حكما، ومن ضرورته ألا يكون أمرا ولا نهيا، ونحن لا نقول به»( «الإبهاج» (1/117))، كما أنه يلزم على ذلك تعدد الكلام وتنوعه؛ لتعلقه بأفعال المكلفين وتصرفاتهم، وهي متعددة، وهذا ينافي عقيدة الأشاعرة في كون الكلام الأزلي شيئا واحدا لا تعدد فيه ولا تنوع( انظر: «الدرر اللوامع» للكوراني (1/302))، وقد تنوعت أجوبة الأشاعرة على هذا الإشكال: فبعضهم منع حدوث التعلق، وقال: هو قديم، وبعضهم قال: لا يوصف بحدوث ولا قدم، وبعضهم رأي التعلق من الأمور النسبية الاعتبارية، وهو ما اختاره السبكي والزركشي، قال تقي الدين السبكي: «فالمختار أن الإحلال مثلا قديم، وكذلك تعلقه، وأن التعلق نسبة، فهو يستدعي حصول متعلقه في العلم لا في الخارج، وإنما الذي يحدث بعد ذلك الحل، وهو غير الإحلال، وإنما ينشأ عنه بشروط كلما وجدت وجد؛ كما لو قلت: "أذنت لك أن تبيع عبدي هذا يوم الخميس"، فالإذن قبل الخميس موجود متعلق به وأثره يظهر يوم الخميس، وعلى هذا يجب أن يحمل قولهم بحدوث التعلق، فلا يكون بين الكلامين مخالفة في المعنى، وكأن للتعلق طرفين: من جهة المتكلم يتقدم، ومن جهة المخاطب قد يتأخر»( «الإبهاج» (1/117- 118))، وقال الزركشي: «والتحقيق أن للتعلق اعتبارين:
أحدهما: قيام الطلب النفسي بالذات، وهو قديم.
والثاني: تعلق تنجيزي، وهو حادث، وحينئد فلا يبقى خلاف»(«البحر المحيط» (1/118- 119) )، وهو الذي اختاره العلوي الشنقيطي فقال: «قولهم: "المتعلق" يعني تعلقا معنويا قبل وجود المكلف متصفا بشروط التكليف من البلوغ والعقل ومن العلم بالبعثة وبلوغ الأحكام وغير ذلك، وتنجيزيا بعد ذلك»( «نشر البنود» (1/23)).
«وهذا الإشكال أورده الأشاعرة ومن وافقهم من غيرهم من أتباع الأئمة ممن يقول بقدم كلام الله سبحانه، وأنه سبحانه لا يتكلم متى شاء.
ولا يرد على المعتزلة؛ لأنهم يعتقدون أن كلام الله مخلوق، فلا إشكال عندهم.
وهذا الإشكال لا يرد على أهل السنة والجماعة الذين يقولون: إن الله سبحانه يتكلم متى شاء، وأن كلامه سبحانه صفة ذات وصفة فعل، كصفة الإرادة والخلق، ثم إن قلنا: إن المراد بـ:"التعلق" هو موجبه، وهو طلب الفعل، فطلب الفعل قد يكون منعا كالتحريم والكراهة، لوجود الحرمة القائمة بالفعل، سواء قلنا: إنها صفة عينية وهو الحق، وقد يكون إثباتا كالإيجاب والندب والاستحباب، لوجود الوصف المقصود القائم بالفعل، فالأول كتحريم الخمر والسرقة، والثاني كالصدقة والصدق والأمانة.
والله سبحانه لما حكم بتحريم هذا الفعل حكم بذلك لعلمه سبحانه بما فيه من المفسدة، لا أن نفس الفعل هو الذي أثّر بالحكم حتى يوصف تعلق القديم الحادث كما ظهر ذلك من أجوبة الأصوليين، وكذلك لما حكم سبحانه بإيجاب الصدق وبر الوالدين طلب ذلك سبحانه لعلمه ما في هذه الأفعال من المصالح، لا أن هذه المصالح هي الباعثة على الإيجاب أو الندب فيرد إشكال التعلق.
فخطاب الله الموجب للعقوبة أو الموجب للثواب والمدح، هو حكمه، وعلمه المتعلق بفعل المكلف ثابت بكل حال، قبل فعل المكلف وبعده، لكن لا يحصل موجب هذا الحكم والعلم، وهو الثواب والعقاب، إلا بعد ظهور الفعل في الخارج، فلا يؤاخذ العبد إلا بعد الفعل، وبهذا يتبين أن إشكال التعلق يختص بمن يعتقد أن كلام الله سبحانه قديم، والله أعلم»(«المسائل المشتركة» للعروسي (100- 101) ).
3- هل يصح تعلق الأمر بالمعدوم أم لا؟ وهذا السبب ذكره الزركشي فقال: «وكنت أحسب أن الخلاف لفظي، ثم ظهر لي أن لهذه المسألة أصلا وفرعا، فأصلها أن الأمر يشترط فيه وجود المأمور أم لا؟»(«سلاسل الذهب» (96) )، وقال الشيخ العروسي: «هذه المسألة مبنية على مسألة أن المأمور: هل يصح تعلق الأمر به؟»( «المسائل المشتركة» (225))، ثم قال موضحا: «وهؤلاء أشكل عليهم أن يخاطب الله سبحانه في الأزل من ليسوا موجودين، وقد بينا في كتابنا هذا وجه الحق في مسألة خطاب المعدوم، وملخص ما قيل، إنه إذا قصد أن يخاطب المعدوم في الخطاب بخطاب يفهمه ويمتثله فهذا محال، إذ من شرط المخاطَب أن يتمكن من الفهم والفعل، والمعدوم لا يتصور أن يفهم ويفعل؛ فيمتنع خطاب التكليف له حال عدمه، بمعنى: أنه يطلب منه حين عدمه أن يفهم ويفعل، وهذ الجانب من الخطاب هو الذي جعل الأشعري والباقلاني ينكران خطاب المعدوم»( «المسائل المشتركة» (226))، وستأتي مسألة «خطاب المعدوم» بالتفصيل بإذن الله تعالى.

وجه تأثير مسألة: «هل يصح تسمية الكلام في الأزل خطابا؟» على تعريف الحكم الشرعي:
قد اختلف العلماء في جواز إطلاق لفظ «الخطاب» على الحكم الشرعي، وجعله قيدا من قيوده؛ بناء على اختلافهم في مسألة «صحة تسمية الكلام في الأزل خطابا»: فمن منع صحته خطَّأ من جعل «الخطاب» جنسا في تعريف الحكم الشرعي، ولذلك اعترض القرافي على الرازي لما عرَّف الحكم بأنه: «خطاب الله»، فقال -أي: القرافي-: «"المخاطبة" مفاعلة لا تكون إلا من اثنين، فتكون مختصة بالحادث، فمخاطبة الله تعالى حادثة، وكلامه قديم، والحكم عندنا قديم، فتفسيره بالحادث لا يصح؛ فيجب على هذا أن نقول في الحد: "هو كلام الله تعالى القديم..." إلى آخره، فـ:"الكلام" احتراز عن الخطاب الحادث»(«نفائس الأصول» (1/218- 219) )، وقال أيضا: «إني اتبعت في هذا الحد الإمام فخر الدين رحمه الله تعالى مع أني غيرت بالزيادة في قولي: "القديم"، ومع ذلك فلفظ: "الخطاب"، والمخاطبة إنما يكون لغة بين اثنين، وحكم الله تعالى قديم، فلا يصح فيه "الخطاب"، وإنما يكون ذلك في الحادث، والصحيح أن يقال: "كلام الله القديم"»( «شرح تنقيح الفصول» (159)).
وفي تخريج الخلاف في جواز جعل «الخطاب» جنسا في تعريف الحكم قيدا من قيوده على هذه المسألة يقول الزركشي: «هل الحكم الشرعي: خطاب الله تعالى أو كلامه القديم؟ طريقتان، والجمهور على الأولى، وصحح القرافي الثانية، وهما مبنيان على أن الكلام في الأزل هل يسمى خطابا؟ فيه قولان حكاهما ابن الحاجب من غير تخريج؛ فإن قلنا بالمنع –وهو الصحيح- كما قاله الآمدي وجزم به القاضي أبو بكر وغيره –لأن المخاطبة مفاعلة تستدعي وجود اثنين، ولا أحد في الأزل مع الله تعالى- لم يصح جعله جنسا، ووجب التجريد بـ: "الكلام"»( «سلاسل الذهب» (93- 94))، وقال الطوفي: «وَقَدْ عَدَلَ الْقَرَافِيُّ فِي «شَرْحِ التَّنْقِيحِ» عَنْ لَفْظِ: "خِطَابِ اللَّهِ" إِلَى لَفْظِ: "كَلَامِ اللَّهِ"، قَالَ: "لِأَنَّ الْخِطَابَ وَالْمُخَاطَبَةَ لُغَةً، إِنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَحُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى قَدِيمٌ، فَلَا يَصِحُّ فِيهِ الْخِطَابُ، وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي الْحَادِثِ"، وَكَانَ هَذَا مِنْهُ بِنَاءً عَلَى أَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ مَعْنًى قَائِمٌ بِالنَّفْسِ عِنْدَهُ، فَلَا يَظْهَرُ مِنْهُ لِغَيْرِهِ حَتَّى يَكُونَ خِطَابًا.
وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدِيمٌ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ فِي الْأَزَلِ مَنْ يُخَاطِبُهُ.
وَالْأَوَّلُ - وَهُوَ الْبِنَاءُ عَلَى الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ - هُوَ مُنَازَعٌ فِيهِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي اللُّغَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى،وَأَمَّا الثَّانِي: فَالْخَطْبُ فِيهِ يَسِيرٌ، إِذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ مُخَاطَبَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَخِطَابِهِ لِخَلْقِهِ، أَنْ يَكُونُوا مَعَهُ أَزَلا، إِذْ قَدِ اتَّفَقْنَا وَالْأَشَاعِرَةُ عَلَى جَوَازِ تَكْلِيفِ الْمَعْدُومِ، بِمَعْنَى تَوَجُّهِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إِلَيْهِ إِذَا وُجِدَ، فَكَذَا يَتَوَجَّهُ الْخِطَابُ إِلَيْهِ إِذَا وُجِدَ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْخِطَابَ صَارَ فِي الِاصْطِلَاحِ بِمَعْنَى الْكَلَامِ، نَعَمِ؛ الْعُدُولُ عَنْ لَفْظِ "الْخِطَابِ" إِلَى لَفْظِ "الْكَلَامِ" يَكُونُ مِنْ بَابِ أَوْلَى»( «شرح مختصر الروضة» (1/251- 252))، وقال السبكي: «وفي تسمية كلام الله تعالى في الأزل خطابا خلاف، قال القاضي أبو بكر: الكلام يوصف بأنه خطاب دون وجود مخاطب، ولذلك أجزنا أن يكون كلام الله في أزله، وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم في وقته مخاطبة على الحقيقة، وأجزنا كونه أمرا أو نهيا، وعلى هذا لا يقال للموصي: إنه مخاطِب بما يودعه وصيته: ويقال: أمر من تفضي إليه الوصية انتهى، فعلى هذا لا يصح أن يؤخذ "الخطاب" في حد الحكم لأن الحكم عندنا قديم، ويجب أن يقال "الكلام"»( «الإبهاج» (1/112))، كما أن بعضهم عدل عن لفظتي: «الخطاب» و«التعلق» المقصودِ به حال كونه متعلقا بفعل المكلف، حتى لا يرد عليه الاعتراض من الجهتين، كما فعل الشنقيطي العلوي في «مراقي السعود» إذ عرَّف الحكم بقوله:
كلام ربي إن تعلق بما
يصح فعلا للمكلف اعلما

من حيث إنه مكلف
فذاك بالحكم لديهم يعرف

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: «وإنما عدل المؤلف عن عبارة الأصوليين بقولهم: "المتعلق بفعل المكلف" إلى قوله: "بما يصح أن يكون فعلا للمكلف" ليدخل المعدوم وقت كلام الله بذلك الحكم»(«نثر الورود» (1/38) ).
وعلى تفسير «الخطاب» بـ«الكلام» يبقى على الأشاعرة إشكال آخر راجع إلى إطلاق لفظ «الخطاب» أو «الكلام» من غير تقييد له، لما علم من أن الأشاعرة يقسمون الكلام إلى قسمين: قديم وحادث، فالأول: أزلي غير مخلوق، وهو المعنى القائم بذات الله تعالى، والثاني: حادث مخلوق، وهو العبارات والأقوال الدالة على ذلك المعنى القائم بالنفس؛ ولذلك قيد القرافي الحكم بأنه: «خطاب الله القديم» أو «كلام الله القديم»، قال الشوشاوي: «فقوله [أي: القرافي]: "خطاب الله تعالى القديم" احترازا من خطاب الله تعالى الحادث، وذلك أن: "كلام الله تعالى" يقال للمعنى القائم بذات الله تعالى، ويقال أيضا للفظ الدال على المعنى القائم بذات الله تعالى، وذلك اللفظ الدال على المعنى المذكور هو حادث، ومنه احترز المؤلف بقوله: "القديم" لأن ذلك اللفظ الذي يدل على المعنى القائم بالذات حادث؛ لأنه حادث بعد أن لم يكن، وأما المعنى القائم بذات الله تعالى فهو قديم، لأنه صفة ذات الله تعالى، وصفاته قديمة لا تفاوت ذاته جل وعلا»( «رفع النقاب» (1/634))، وقال القرافي: «و "الكلام القديم" احترازا من الكلام الحادث الذي هو آيات القرآن، فإنها أصوات حادثة، وهي الأدلة، وأما الحكم فمدلول قديم قائم بذات الله تعالى»( «نفائس الأصول» (1/219))، كما أن من لم يقيد «الكلام» أو «الخطاب» بكونه قديما من الأشاعرة في تعريف الحكم الشرعي بل وفي غيره؛ فإنه إذا فسرهما يفسرهما بكلام النفس القديم الأزلي، قال الدكتور الباحسين: «إن جمهور الأصوليين من الأشاعرة يفسرون خطاب الله الوارد في التعريف بكلام النفس القديم الأزلي، وأن الكلام اللفظي ليس حكما، بل هو دال على الحكم»(«الحكم الشرعي» (30) ).
ولا يخفى أن هذا من الأشاعرة مبني على معتقدهم في كلام الله تعالى، وهو معتقد مخالف لما عليه سلف الأمة وأهل السنة والجماعة؛ فإن القرآن كلام الله حقيقة، ألفاظه ومعانيه، تكلم الله عز وجل به وسمعه جبريل منه، وسمعه من جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم، ومنه سمعه صحابته رضوان الله عليهم( انظر في هذا ما كتبه الشيخ الدكتور محمد عبد القادر العروسي تحت عنوان: «هل يقال عن القرآن الكريم أو الحكم الشرعي بأنه قديم؟» في كتابه النفيس: «المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين» (217)، وأيضا انظر: «مسائل أصول الدين المبحوثة في أصول الفقه» (1/325).).
رد مع اقتباس