ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الرواية
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 10-11-19, 08:21 PM
محمد زياد التكلة محمد زياد التكلة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 26-11-04
المشاركات: 3,061
افتراضي مسألة السماع المتعدد في نفس الوقت

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سألت أخي الشيخ المكرم عن مسألة السماع المتعدد في وقت واحد، وأنك رأيت من يفعلها، ويصرح أنه يستمع إلى ثلاثة مجالس في وقت واحد!

فأقول مستعينًا بالله:

هذا العمل تساهلٌ قبيح، بل لا يصحُّ فيه ادعاء السماع الكامل على الوجه، فقد قال الله تعالى: «ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ»، وفد احتج الحافظ الذهبي بهذه الآية في الإنكار على أحد مشايخ القرّاء المشاهير في القرن السابع لما نُقل عنه أنه أقرأ أكثر من واحد في نفس الوقت، فقال في تاريخه (14/ 462 ت. بشار): «وفي نفسي شيءٌ من صحة الرواية على هذا النَّعْت؛ لأنه لا يُتصور أن يَسمع مجموع الكلمات، فما جعل الله لرجلٍ من قَلبين في جوفه. وأيضا فإن مثل هذا الفعل خلاف السُّنّة، ولا أعلم أحدًا من شيوخ المقرئين كان يترخص في هذا إلا الشيخ عَلَم الدين».

وفصَّل الذهبي أكثر في طبقات القراء، فقال (3/ 1247-1248 ت. قولاج): «ما أعلم أحدًا من المقرئين ترخَّص في إقراء اثنين فصاعدًا إلا الشيخ عَلَم الدين، وفي النفس من صحّة تحمّلِ الرواية على هذا الفعل شيءٌ، فإن الله تعالى ما جعل لرجلٍ من قلبَين في جوفه. ولا ريب في أن ذلك أيضا خلاف السُنَّة، لأن الله تعالى يقول: «وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا». وإذا كان هذا يقرأ في سورة، وهذا في سورة، وهذا في سورة؛ في آنٍ واحد، ففيه جملة مفاسد، أحدُها: زوال بهجة القرآن عند السامعين، وثانيها: أن كلَّ واحد يشوّش على الآخر، مع كونه مأمورًا بالإنصات. وثالثها: أن القارئ منهم لا يجوز له أن يقول قرأتُ القرآن كلَّه على الشيخ وهو يسمع ويعي ما أتلوه عليه، كما لا يسوغ للشيخ أن يقول لكلِّ فرد منهم: قرأ عليّ فلان القرآن جميعه وأنا أسمع قراءته، فما هذا في قوة البشر! قالت عائشة رضي الله عنها: سبحان من وَسِعَ سمعُه الأصوات. وإنما يصحِّحُ التحمُّلَ إجازةُ الشيخ للتلميذ، ولكن تصيرُ الرواية بالقراءة إجازةً، لا سماعًا من كل وجه».

وكلام الذهبي كافٍ في بيان عدم وجود سَلَفٍ صحيح في الأمر، والذهبيُّ هو الذهبي في اطلاعه، والقاعدة في الرواية أنها مبنيّةٌ على الاتباع لا الاختراع، ولا سيما فيما كان ممكنًا فعلُه وقت أئمة الشأن.
وفضلًا عن ذلك ففي أمر الفساد ما ذكره الذهبيُّ من استحالة السماع الكامل لجميع الحروف، مع التشويش التام، ولهذا نقل كلامه مُقِرًّا له خاتمة المحرِّرين السَّخَاوي في فتح المغيث (2/202-203 ت: علي حسين) في مسألة قارئَين في وقت واحد، وقال إن فيها نظرًا، وقال: فيه تساهل وتفريط.

فإذا عُلم حُكْم ذلك، فالأمر كما قال الذهبي: لا يصحُّ فيه ادعاءُ السماع الكامل للمقروء، ويبقى العمدة على الإجازة إن حصلت، فعلامَ يُتعب المرء نفسه في سماع فاسد وغير كامل ؟ (1)

وإذا كان العلماء نصَّوا أن التشاغل بشيء عارضٍ وقت السماع مما لا ينبغي، وهو نقصٌ يحتاج لإجازةٍ جابرة، فالسماع المتعدد هو انشغال محضٌ وتامٌّ بأحد المجلسَين عن الآخر، كاملًا أو مجزًّءًا، إن لم يكن بأكثر من ذلك، أو بغيرهما، وفتح باب التساهل هذا لا ينغلق، فقد يأتي وقت يسأل فيه أحدٌ عن خمسة سماعات وعشرة في وقت، وصُوَر أخرى مما هو ضد المقصود الأصلي من الاستماع للحديث والإفادة منه.

وأمر من المهمّات: إن من يقرأ كتب المصطلح وأدب الطلب والرواية والتراجم: يرى ما كان عند الأئمة من تعظيمٍ للحديث، ومن الحرص على تجويد السماع وحاله ومتعلقاته، والمبالغة في توقيره تحمُّلًا وأداءً، فهل يتفق هذا مع التساهل بالتشويش من قارئَين فأكثر معًا؟ فما الأحبُّ للمتأسي اليوم: أن يكون تبعًا للأئمة سفيان ومالك وأحمد والبخاري وأمثالهم؟ أو أن يكون تابعًا للهوى وفلان وفلان من متساهلي أو نكرات المعاصرين؟ وهل الأحبُّ له أن يكون هدفه من السماع الإفادة والاعتبار؟ أم مجرد الإكثار من تحمُّل الأسفار؟

ومن النُّصح والتذكير: أن يجوّد الإنسان سماعَه ما استطاع، ومن تجويده عدم الإخلاد للفِرَاش وللأرض؛ وترك القراءة المباشرة وثني الركب على الأرض، فمن أراد أن يَنتفع ويُنتَفَع به فليحرص أن يكون رأس ماله في الرواية -وقبلها الدراية- تلقيها المباشر من أهلها الأكابر، وإنما يُصار لوسائل البث المباشر عند تعذر الرحلة وحالات الحاجة والفرص الطيّارة، لا أن تنقلب الحكاية ويصبح مدار السماع عنده عبر الغرف الصوتية ونحوها وهو متكئ على أريكته ومنشغل بشيء أو أكثر، وعلى حالٍ اللهُ أعلم بها، ولو طُبّقت أحكام المروءة وخوارمها لربما تخفف الشأن من نسبةٍ لا بأس بها من السامعين.

فمن بدأ بالتساهل والترخص والكَسَل فيصعب أن يكون من أهل الجِدّ والعمل، أو أن يكون من انتفاعه والانتفاعِ به كبير أمل، وليتذكر الطالب اليوم أنه سيتمايز الناس في الغد، فمن عُرف بالطلب والجودة انتفع منه الناس وقَبِلَه أهل الجودة، ومنْ لا فإنما يسري على أمثاله من الضَّعَفة ومن لا يميّز ويأخذ عمَّن هبَّ ودَرَج.
فهنيئًا لهما ... كلُّ امرئٍ يأكلُ زادَهْ

وعَقَد الخطيب في كتابه الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (1/126 ت. الطحان) بابًا في تخيُّر الشيوخ، وقال إنه إذا تكافأ الشيوخ في العلو فيتخير الطالب المشهور منهم بطلب الحديث، المشار إليه بالإتقان له والمعرفة به، ومما أورد فيه قول شُعبة: «اكتبوا المشهور عن المشهور»، وقول يحيى بن مَعين: «آلةُ الحديث الصدق، والشهرة، والطلب، وترك البدع، واجتناب الكبائر». وغير ذلك.

وأورد في كتابه الكفاية (375 ت. الفحل) بابًا في أحكام الأداء وشرائطه، وقال بأن أول الشروط في الرواية عن الحفظ لمن ثبتت عدالته أن يكون معروفًا عند أهل العلم بطلب الحديث مشهورا بصَرْف العناية إليه.
ومما أورد قول عبد الرحمن بن يزيد بن جابر: «لا تكتبوا العلم إلا ممن يُعرف بطلب الحديث»، وقول عبد الله بن عون: «لا نكتب الحديث إلا ممن كان عندنا معروفًا بالطلب».
ثم قال الخطيب: ويجب أن يكون حفظُه مأخوذًا عن العلماء لا عن الصُّحُف. وأورد فيه أقوالًا وأخبارًا.

قلت: فهكذا يكون الطَّلَب بالمجالسة والمدارَسة والحرص والملازمة والبكور، حتى يُعرف الطالب بذلك. وإياه ثم إياه أن يصبح اسمه معروفًا ومقرونًا بأنه من (المتسمّرين) في الغرف الصوتية، وأن بضاعته إجازات الشابكة (الإنترنت) ومنتدياتها ومواقع التواصل الاجتماعي وحسب، فبئست المعرفة هذه، وبئست البضاعة المزجاة.

ولْيَحْرِصْ الطالب كلَّ الحرص أن يكون مجوِّدًا في شأنه كله، مقتديًا بأهل الإتقان، ويبتعد عن التساهل وأهله وتنظيراتهم، مِنْ أَخْذِ أفراد الأقوال وشواذِّها وعَكَسَها على الأصل، وجَعْلِ الشاذ والنادر العَرَضي أصلًا عامًّا (2)، وجعل عبارة: «يَكفيك من الحديث شمُّه» دليلًا لكل صغيرة وكبيرة (3)، فكم تأتي أشياء مستجدّات يُستغرَبُ من تأصيلاتها المنتقَدَة، وقياساتها دون التدقيق في الفوارق (4)، في مثل السماع في التسجيل وعدِّه مباشرًا، وإسماع الفُضولي -وكتبتُ عنها مقالةً-، والتلفيق بين الكتب والروايات، حتى الاستدلالات للإسماع والسماع في الحمّام! والحياء شُعبةٌ من الإيمان.
وفَّق الله الجميع لحُسْن التأسّي والاقتداء، ورَزَقنا وإياهم الفهم السديد، والعمل الرشيد.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

كتبه محمد زياد بن عمر التُّكْلَة
في داربي 13 ربيع الأول 1441

------------------------
الهوامش:
(1) كتب إليّ أحد المشايخ المفيدين -جزاه الله خيرًا- معلِّقًا: «ومما يتعلق بهذا المقام: أن جلَّ ما ينطلق هؤلاء المتساهلون بل العابثون: هو السماع اللغوي العام (الفيزيائي). أي: إدراك حاسة السمع للصوت المسموع، ولو كان هو والصوت الغُفْل سواء، وهذا السماع بلا عَقْل لا يجوز بحالٍ مضاهاتُه بالسماع مع عقل المسموع.
وهذا أمرٌ مسلَّمٌ طَبْعًا، ومقطوعٌ به شرعًا، وهي قضية قرآنية، كما قال تعالى: «وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ»، وكما قال سبحانه: «أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ». والآيات في هذا المعنى كثيرة، وقد جعل الله تعالى ذلك صَمَمًا مع حصول السمع الفيزيائي؛ بل ما هو أرقى منه: وهو الفهم اللُّغَوي العام للكلام».

(2) ومن ذلك الشاذ الفرد النادر: الاحتجاج بقصة للدارقطني في الرد على اللحن أمامه وهو في الصلاة، أو إيراد حكاية لشيخٍ للرافعي على عقد المجالس على من يصلّي! وهذا من عكس النادر على الأصل العام العظيم، وفي الحديث: (إن في الصلاة لشُغُلاً).
ومنه قصة ابن أبي حاتم من أنه كان يقرأ على أبيه وهو في الخلاء، بإبهام المقروء، فالقصة -على أنها بين أبٍ وابنه- هل فيها عقد أبو حاتم مجلسًا للتحديث في الخلاء؟ وهل عُلم أن قراءة الابن على أبيه هي قبل دخوله الخلاء، مثل ما ورد في ذكر الدخول للخلاء أي قُبيله؟ وهل جاء النص أنه من نصوص الوحيين؟ أم قد تكون في السؤال عن الضعفاء وغير ذلك من الاحتمالات الكثيرة؟ وبكل حال ما نسبة هذا الأفراد التي لم يرد بها تأسٍّ واقتداء أمام ما لا يُحصى من التوقير والإجلال المعاكس نصًّا وعملًا؟ ورحم الله شعبة والقَعْنَبي فلهما قصة في نفس المسألة!

ومنه ما يُنقل عن الأثرم من كَتْبِه مجلسَي إملاءٍ معًا، ومع كونه فَرْدًا من أحد أفراد الحفاظ المميِّزين لا يُقاس عليه الأغمار: فليس دليلًا، فالإملاء يكون على مَهَلٍ، فيُمكن لمثله أن يدرك ويعي الإملائين ويكتبهما مع معرفته بالأسانيد ومخارجها، فلا يقارَن بالمجالس السَّرْدية ذات القراءة السريعة. (مستفادًا من أحد الزملاء الكرام)

ههنا أمر لا بد من التوكيد عليه بدءًا وختمًا: من يُهدر عشرات أو مئات الأخبار في أدب التحمل ويضربها بخبر أو اثنين من الأفراد الشاذة؛ مما له ملابسة أو احتمال أو تأويل أو خصوصية، فكيف يعدُّ نفسه مقتديًا بأهل العلم ومتأسيًا؟
وكذلك فإن قراءة أخبار السَّلف والعلماء يجب أن تكون منضبطة بأصول الشرع، فلا يُفهم طَرَفُها -دون سلَف- وتُطبَّق ويقول صاحبها: فَعَلَه فلان! ويعمِّم ويؤصّل ويقيس ويفرّع.

(3) من تأمل في العبارة فيمَ صدرت، وممن صدرت، ورأى تعامل العلماء معها، فسيجد قول الحافظ حمزة الكناني عنها: «يعني: إذا سُئل عن أول شيء عَرَفه، ليس يعني التسهيل في السماع».
فسّر كلامه ابن حجر -فقال كما في النكت الوفية-: «وهو يرجع إلى الحث على الحفظ والفهم بحيث إنه يصير إذا سئل عن حديث يكفيه في معرفته ذِكْرُ طرفه، فإذا ذُكر له طَرَفٌ منه عَرَف ذلك الحديث المراد بالسؤال عنه، وبادر إلى ما أريد من جوابه». قلت: وعليه يُحمل مثل خبر صنيع الأثرم والدارقطني.
وأورد السخاوي في فتح المغيث رواية ابن منده بسنده إلى بُندار، قال: سمعت ابن مهدي، بلفظ: «أصحاب الحديث يكفيهم الشمّ». وقال السخاوي بعد بيانه: «وما عنوا به تسهلا في التحمُّل ولا الأداء». وأورد أخبارًا في درء التساهل، وقال ابن الصلاح عمن استخدم العبارة في التساهل: «وهذا إما متأوَّل أو متروكٌ على قائله». وكذلك انتقد الذهبي في تاريخه أحد العلماء في وقته ممن ترخَّص في الأداء محتجًا بهذه العبارة، وتأوله قائلا: «فكأنه يرى أن العُمدة على إجازة المُسمِع للجماعة».
وفي الألفية للعراقي:
وكلُّ ذا تساهُلٌ وقولُهمْ ... (يكفي من الحديث شَمُّه) فَهُمْ
عَنَوْا إذا أولُ شيءٍ سُئلا ... عَرَفَهُ وما عَنَوْا تَسَهُّلَا
وبه يُعلم أن من يستخدمها عكس استخدام أهل الشأن فقد أبعد النجعة، وخالف أهل الصَّنعة.

(4) ينبغي على المشتغل في الرواية -مع أخذه عن أهله- إدمانُ النظر في مطولات المصطلح وتراجم الرواة وأصول كتب الرواية؛ ليكون له الذوق والملَكَة الحديثية في هذا الفنّ، وليتذكر بأنه علمٌ قائمٌ بذاته من بين علوم الحديث، كما أن الفرائض والقضاء عِلْمان واختصاصان مستقلّان من بين فنون الفقه، نبّه له السِّراج القَزْويني في مقدمة مشيخته.
ومن المعاصرين من أهل الإتقان الذين يُنصح بالإفادة منهم: الشيخ المفيد عمر النُّشُوقاتي في رسالته العلمية العالية (الدكتوراة): «علم رواية الحديث، تأصيله، ومراحله، وطرائقه، وقضاياه المعاصرة». ورسالته مطبوعة.
الملفات المرفقة
نوع الملف: docx مسألة السماع المتعدد في نفس الوقت.docx‏ (28.5 كيلوبايت, المشاهدات 17)
نوع الملف: pdf مسألة السماع المتعدد في نفس الوقت.pdf‏ (138.0 كيلوبايت, المشاهدات 27)
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:02 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.