ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الفقهية
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 06-02-04, 10:29 AM
عبد الرحمن السديس
 
المشاركات: n/a
افتراضي الفتاوي السريعة في هدم الشريعة !

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة، والسلام، على قائد الغر المحجلين، نبينا محمد، وآله، وصحبه، ومن تبعه إلى يوم الدين، أما بعد:
ففي موسم الحج كل عام يكثر الكلام في العلم ، ومسائله والنقاش ، والأخذ والرد ،وطرح مسائل الخلاف .... ويقتحم في ذلك من يحسن ومن لا يحسن !

ولا يحس بخطر ذلك إلا من وفقه الله لاتباع الهدى، وابتغى نجاة نفسه بتخليصها لا بتخليص السائل .

قال البيهقي في المدخل ص 437 :
أخبرنا أبو الحسين بن بشران أبنا أبو عمرو بن السماك ثنا حنبل بن إسحاق حدثني أبو عبدالله ثنا عبدالرزاق أبنا معمر قال: سأل رجل عمرو بن دينار عن شيء فلم يجبه ، فقال: إن في نفسي منها شيئا فأجبني ،
فقال عمرو: والله لأن يكون في نفسك مثل أبي قبيس أحب إلي من أن يكون في نفسي منها مثل الشعرة!. وانظر الطبقات الكبرى 5/480 .

دعاني لكتابة هذا أني جلست في مجلس فقال لي أحد القادمين من الحج: حج معنا رجل فلما لبس ملابس الإحرام ـ وقبل أن يحرم ـ طيب إحرامه ! فقلنا له لا يجوز ...والطيب في البدن .. إلخ
قال : فلما قدمنا إلى مخيمنا سأل من أفتاه هناك ؟ فقال له : الأمر واسع !!

وقال لي أيضا : أنه واجه على جسر الجمرات بعض من يعرفه من أبناء بلده يوم الحادي عشر وقد رموا الجمرة الصغرى والوسطى ، ولم ولن يرموا جمرة العقبة لأنهم رموها يوم العيد!
قال: من علمكم هذا ؟ قالوا : مفتينا !

وأخبرني عن أخيه أنه قال في تلبيته: لبيك حجا وعمرة فطاف للقدوم وسعى ثم وقف بعرفة ثم مزدلفة .... وترك المبيت بمنى ليلة الحادي عشر فسألهم ؟
فقالوا: عليك دم بترك المبيت ، فقال : أدفع قيمة هدي ..فقالوا : ادفع هدي لترك المبيت ، أما دم القران فقالوا له : ماذا نويت؟ قال : الحج فقالوا :إذن لاهدي عليك إلا هذا لترك المبيت !

وأخبرني أن أخاه بعد هذا رمى يوم الثاني عشر وطاف للوداع وسافر ! فقلت له : هل طاف طواف الحج ؟ فقال : لا ، فقلت هل نواه للحج والوداع أو للحج ؟ قال : لا نواه وداع ولا يدري أنه بقي طواف للحج !
فتكلم مباشرة أحد الحاضرين وقال: أبدا لا شيء عليه على رأي الشافعية يقع الوداع بنية الحج ! .....

إلى غير هذا من الفتاوي السريعة التي تهدم الشريعة ، وتدل على جهل المقدمين عليها والمتسارعين فيها وقد جاء في الخبر" أجرأكم على الفتيا أجرأكم على النار ". رواه الدارمي مرفوعا 1/69 .
وعند عبد الرزاق 10/262 : عن معمر عن أيوب عن نافع قال: قال ابن عمر:" أجرأكم على جراثيم جهنم أجرأكم على الجد".

ولا يخفى على الكثير تحذير السلف وخوفهم من الفتيا ويكفي في ذلك مارواه ابن المبارك في الزهد ص19:
قال أخبرنا سفيان عن عطاء بن السائب عن عبدالرحمن بن أبي ليلى قال" أدركت عشرين ومائة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ـ أراه قال في هذا المسجد ـ فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث ، ولا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا.
ورواه ابن سعد في الطبقات 6/110 وأبو خيثمة في العلم ص 10 والفسوي في المعرفة 3/114وغيرهم .

لذا أذكر نفسي وإخواني بهذا الأمر الخطير الذي كثر التساهل فيه وأنصح بقراءة :

ما كتبه العلامة حمود التويجري رحمه الله في كتابه تغليظ الملام على المتسرعين إلى الفتيا وتغيير الأحكام .
وما سطره الشيخ عبد العزيز السلمان رحمه الله في كتابه موارد الظمآن 1/132-139
و زجر السفهاء عن تتبع رخص الفقهاء للشيخ جاسم الفهيد الدوسري.

والله أعلم.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 07-02-04, 12:19 AM
عبد الرحمن السديس
 
المشاركات: n/a
افتراضي

ينظر :

التعالم للشيخ بكر أبو زيد ص 31 و89
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 07-02-04, 12:41 AM
المنيف
 
المشاركات: n/a
افتراضي

جزاك الله كل خير على هذه اللفته
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 07-02-04, 09:59 AM
السدوسي
 
المشاركات: n/a
افتراضي

جزاك الله خيرا أخي على هذا التنبيه.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 17-02-04, 04:34 AM
ابن عبد البر ابن عبد البر غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-01-03
المشاركات: 399
افتراضي

* رابط جيد :

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showth...E1%DD%CA%ED%C7

وقد عقد الخطيب البغدادي رحمه الله فصلاً رائعا في كتابه الماتع الفقيه والمتفقه (( باب الزجر عن التسرع في الفتوى مخافة الزلل ))
قال تعالى:
((( قال الله تبارك تعالى ( ستكتب شهادتهم ويسألون )
وقال تعالى (ليسأل الصادقين عن صدقهم )
وقوله سبحانه ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد )

وكانت الصحابة رضوان الله عليهم لا تكاد تفتي إلا فيما نزل ثقة منهم بأن الله تعالى يوفق عند نزول الحادثة للجواب عنها وكان كل واحد منهم يود أن صاحبه قد كفاه الفتوى ...

ثم ذكر رحمه الله آثاراً في ذلك وكثير منها صحيح ..
ثم عقب بقوله :


قلت:
وقل من حرص على الفتوى , وسابق إليها , وثابر عليها إلا

قلّ توفيقه , واضطرب في أمره


ومن كان عنده فسحة من الوقت أو كان عنده كتاب الفقيه والمتفقه في جهازه فلينقل لنا ما قاله في الفصل كاملاً غير مأمور .. فهو كلام رائع وجميل .. (( 2/394))

فاللهم وفق العلماء العاملين ,, لما تحب وترضى ,, ووفقهم لسداد القول العمل .. وألحقنا بركبهم .. يارب العالمين ..
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 18-02-04, 04:33 AM
عبد الرحمن السديس
 
المشاركات: n/a
افتراضي

جزاك الله خيرا

على هذه الإضافة القيمة ......ولعل أحد الأخوة ينشط لنقلها...
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 10-01-05, 02:45 PM
المسيطير
 
المشاركات: n/a
افتراضي

ذكر أحد الإخوة أن تاجرا سأل أحد الإخوة ممن ظاهره إمكانية الإفتاء فقال : له في اليوم العاشر لو انصرفت الآن ماذا يلزمني فقال له : يبقى عليك المبيت ليلتين ، والرمي ليومين ، وطواف الوداع ، وإذا لم تقم بها فيلزمك دم عن كل واجب لم تعمله .
فقال التاجر : كم يعني المبلغ ؟ هذه خمسة الآف ريال عن الدماء الخمسة ، والسلام عليكم ، ثم غادر المكان .
قال بعض السلف (وانقلها من الذاكرة الكليلة ):
" إذا ابتليت بمن يسألك ، فأبحث لنفسك مخرجا عند الله تعالى ، قبل أن تبحث لصاحبك مخرجا " .أ.هـ
وقول : " الله أعلم " نصف العلم .
والله المستعان .
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 10-01-05, 11:19 PM
علي الأسمري علي الأسمري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 17-09-02
المشاركات: 135
افتراضي فتاة ملقاة تنتظر الفتوى

مقال مفيد جدا مع تحفظي على شدة الشيخ على من يسميهم بالشوكانيين!!


من قضايا العلم والتعلم
بقية الحديث عن البديل -الحلقة (3)

في غياب العلماء الربانيين، وفي ظل علماء الحاشية (1) تولد في نفوس كثير من طلاب علوم الشريعة روح التمرد ، فأعلنوا العصيان على العلماء .
ظاهرة واحدة لها جانبان متشابهان هما وجهان لشيء واحد:في غياب الفقهاء المجتهدين، وفي ظل المقلدين الجامدين (المتعصبين لمذاهبهم لقلة علمهم) نشأ روح التـمـرد على مـدارس الفقه ومذاهبه كلها من أساسها ، فوقعت أو تكاد تقع مهزلة فقهية .
وفي غياب العلماء الربانيين في ظل علماء الحاشية نشأ روح الـتـمـرد والـعـصـيان فـي نفوس المتفقهين وطلاب علوم الشريعة ، ليس على العلماء فحسب، بل على كل شيء، تمرد على جميع الضوابط ، فإذا بأبرهة وجيشه ، يعكر صفوهم ، ويبدد اطمئنانهم هذا التمرد الذي أتاهم من حيث لا يحتسبون .
لاشك أنهم في حيرة دائمة: إن كان هناك علماء ربانيون فالخوف من الطيور الأبابيل، وإن لم يكن فالخوف من انفلات روح التمرد من عقالها ، ولعل هذه مخوفة أكثر من تلك، لأن هذه بلا ضوابط ، ((ويَأْبَى اللَّهُ إلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ)) .
وراح المتفقهون يعلمون أنفسهم بأنفسهم ، ويربون أنفسهم بأنفسهم ، وهذا أمر غير ممكن، لا يستطيع أي صغير أن يرضع نفسه بنفسه ، لا ينبت ريشه إلا في المحاضن الصـحـيـحة التي خلقها الله لذلك .
كل مـجـمـوعة ائتلفت من هؤلاء المتفقهين تجمعت حول نفسها تحاول التعلم، ولـكـن أيـن المعلم ، أين الرأس ؟.
رأى الإمام أبو حنيفة حلقة في المسجد فقال : من هؤلاء ؟ قالوا : جماعة يتفقهون . قال: هل لهم رأس؟ قالوا : لا. قال: لا يفقهون أبداً (2) .
في مجال علوم الشريعة عملية التعلم والتعليم أهم عنصر فيها هو (الرأس)،أي العالم المعلم، لأنه منوط به أمران مترابطان لا انفصام بينهما: التعليم والتربية: أي (التدبير والسياسة) ((كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ)) [آل عمران / 79] .
قـال ابـن جرير : الربانيون هم عماد الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا، ولـذلـك قال مجاهـد : وهـم فـوق الأحبار. لأن الأحبار هم العلماء ، والرباني : الجامع إلى العلم والفقه البصر والسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية وما يصلحهم في دنياهم ودينهم (2).
هذا هو معنى (الرأس): أي عالم رباني يسوس أمور المتعلمين ويدير شئونهم ، ويربيهم ويعلمهم .
بدون هذا الرأس لا يفقهون أبداً ، لأن الفقه في الإسلام ليس نظريات مجردة ، ولا قوانين جامدة ، ولا معلومات منفصلة عن الحياة ، إنه علم وعمل، علم أنزل للتطبيق، وللحياة ، ولذلك كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتلقون العلم والعمل معاً .
ولكن أمام ضغوط المجتمع الفاسد ، وقصور البديل المتاح سواء كان تعليم علماء الحاشية ، أو التعلم بلا رأس: كثرت الآفات التي يصاب بها المتفقهون اليوم .
مـن أخطرها فساد المقصد: ومن أعجب مظاهر فساد المقصد هذا الحرص العـجـيـب عـلـى (الإمامة) ، والرئاسة العلمية ، هل يلهث جميع هؤلاء لنيل الإمامة ؟.
تـجـد مـتـفـقـهـيـن يفـتـرض أنهم في أول الطريق ، حدثاء الأسنان ، وإن لم يكونوا حدثاء الأسنان فهم (حدثاء العـقـول) تجدهم يـتـعلـمـون أدوات الاجتهاد (أصول الـفـقـه، أصول الحديث ، تخريج الحديث ، علم الرجال ، أدلة الأحكام ، التفسير ، أصول التفسير...) قبل أن يتعلموا الفقهين : فقه التوحيد ، وفقه الأحكام ، مع أنهما واجبان ليس على كل متفقه فحسب، بل على كل قادر على التعلم، بينما (الاجتهاد) لا يجب على كل متفقه ، بل لا يجوز أن يتصدى له أي متفقه حتى يكون أهلاً له ، ولا يكون أهلاً له حتى يجتاز مراحل علمية، ويستوفي شرائط معينة لا يسقطها ضجر هؤلاء المتفقهين بها ، لابد من ذلك وإن ضجر منه (حدثاء العقول) .
بعض العلماء المعاصرين ممن لم تتحقق فيهم صفة (الكفاية)، أي الخبرة والحنكة ، لا أقول بعالم السياسة فحسب، بل حتى بأصول التربية (الربانية)، الحنكة والخبرة بتدبير شئون المتـفـقـهيـن، بعض هؤلاء العلماء يشجعون ظاهرة طلب الإمامة العلمية والجري وراءها من حدثاء الأسنان وحدثاء العقول تحت وهم أن ذلك يشجع على حرية التفكير .
منذ عام 1381 هـ رأيت ماذا صنع هذا المسلك ، وعشت في داخله متأثراً حيناً ، ومتفرجاً في أكثر الأحيان ، وشاهدت بعيني ماذا فرخ لنا هذا الأسلوب في تعليم المتفقهين ، فرخ لنا جيلاً جدلياً من الأئمة الصغار - صغار الأسنان أو صغار العقول - أتقنوا (الجدل) بدلاً من العلم ، حتى إنهم كانوا يجتمعون حول (شيخ الحديث) في بعض الرحلات البرية يجادلونه طوال الليل حتى مطلع الفجر في مسائل معدودة لا يتجاوزونها ، وأكثرها بينها الشيخ المذكور في كتبه التي صنفها ، لكنهم لا يقرأون ، لأن القضية عندهم لم تصبح قضية التعلم ، وإنما هي شهوة الجدل . حضرت يـومـاً درساً فـقـهياً لأحد أفاضل العلماء ، وكان من عادة ذلك الـشـيـخ أن يخصص الوقـت بـعـد صلاة العشاء للأسئلة ، وتقدم فتى في سن (المراهقة) لم يخضرَّ شاربه بـعـد، وبـيـن الأذان والإقـامـة لم يـطـق صـبراً حتى يأتي وقت الأسئلة بعد صلاة العشاء ، وحشر الفتى نفسه بين الصف حتى لاصق مـنكبي الشيخ ، ثم سأل :
الفتى : هل تُشترط الطهارة لمس المصحف ؟.
الشيخ: نعم .
الفتى: ما الدليل ؟.
الشيخ: قوله تعالى: ((لا يمسه إلاَّ المُطَهَّرُونَ))، وحديث: »ألا يمس المصحف إلا طاهر«.
الفتى :أما الآية فلا دليل فيها لأن المراد بها اللوح المحفوظ ، وأما الحديث فالمراد به ألا يمسه إلا مسلم بدليل نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن حمل المصحف إلى أرض العدو .
والتفت إليه الشيخ فإذا هو فتى حدث السن ، فتبسم وقال له: ما الذي ترجح أنت ؟.
الفتى : أنه لا تشترط الطهارة لمس المصحف .
الشيخ: أعمل بما ترجح لديك .
هذا الأسلوب في تربية الشباب المبتدئين كان يمكن أن يخرج علماء مـتـحـرري الفكر ، لو كان أسلوباً صحيحاً سليماً ، لكن التجربة التي شاهدتها بنفسي وعشت داخلها متفرجاً في أغلب الأحيان أثبتت أنه إنما يُفرَّخ (جدلِـيـيـن) بـلا عـلـم، وأحياناً يفرخ أدعياء مغرورين يملئون الدنيا ضجيجاً وجدالاً، وربما كتباً، كل ذلك بلا علم ذلك لأنه فتح باب الاجتهاد على مصراعيه فدخله كل من هب ودب ، كأنما هي دعوة (الجَفَلَى) إلى الاجتهاد .
فكان من ظواهر هذا المسلك العجيب أمران عجيبان :
أولهما: أصبحت الساحة العلمية مباحة لكل من هب ودب ، يصول فيها ويجول كل مـن اشتهى ولو لم يحمل سلاحاً ولا عدة، فإذا بنا نشاهد أطباء يـفـسـرون القرآن، ومهندسيـن يصنفون في الحديث، بل وعمالاً ومهنـيـيـن عـوام يقـصـدون للفـتوى والتصنيف في الحلال والحرام، نعم إن تدبر القرآن والـتـفـقـه في الدين ليس محـتـكراً لـطـبـقـة من الـنـاس، فلا (كهنوت) في الإسلام ، تدبر القرآن والتفقه في الدين مطلوبان من كل مسلم ، لكن هذا شيء والتصدر للفتوى والاجتهاد والتصنيف شيء آخر .
الفتوى والاجتهاد والتصنيف في عـلـوم الشريعة كل ذلك (حكر) على أهله ، وأهله هم كل من تحقـقـت فـيهـم الأهلـيـة (العلمـيـة) حسبما يقرره أهل الاختصاص ، وحسب الضوابط والقواعد التي اصطلحوا عليها ، واستمر العمل بها إلى اليوم .
ثانيهما: أنه نتيجة لهذا المسلك العجـيـب في الـتـعـلـيـم الـذي جعل الدعوة إلى الاجتهاد (الجفلى)، أصيب طلبة العلم أنفسهم بداء العجلة وسقـوط الـهـمـم، ونفاد الصـبـر، أو قـل عدمه بالكلية، أصبحت صدور طلبة العلم ضيقة، وهممهم ساقطة هزيـلـة، لـم يـعـد هـناك صبر ومصابرة ، ولا جلد على طلب العلم والجلوس عند رُِكب المشايخ ، وملازمتهم لأخذ العلم والعمل عنهم ، أصبح طلاب العلم اليوم لا يقدرون على إكمال متن -أي متن -في أي علم من العلوم .
وهكذا مع ضعف الهمم ، بل سقوطها ، ومع عموم البلوى بداء العجلة أصبحت هـيـاكـل التعليم الديني (الرسمية) يمكن أن تخرج متخصصين بالسنة النـبـوية لا يحفـظـون حـتـى خمسمائة حديث ، ولم يقرأوا أمهات الحديث ، ويمكن أن تخرج متخصصين بعلوم القرآن والتفسير لا يحفظون الـقـرآن ، وقد يخطر في بال أحد من (دهاقنة) هذه الهياكل أن يخرج قراءً لا يحفظون القرآن، ومعظم (كليات الشريعة) اليوم تخرج متخصصين بالفقه لم يكملوا دراسة الفقه ، ولو على مذهب واحد من المذاهب المعتبرة .
نصف محدث، ثلث قارئ، ربع فقيه ، بعض نحوي أو أديب . أدباء لا يحفظون المعلقات ولا اللاميتين ولا المقصورة ، نحويون لا يحفظون الألفية ولا الكافية الشافية بل ولا المُلْحَة أو الاجْرُومية ، قراء لا يحفظون الشاطبية ولا الدرة ولا المقدمة ، بل ولا حتى القرآن .
محدثون لا يحفظون عمدة الأحكام ولا بلوغ المرام، بل ولم يقرأوا من السنة شيئاً ولو نظراً. فقهاء لم يكملوا شيئاً من المتون على أي مذهب من المذاهب المعتبرة : العـمـدة أو الـزاد أو منار السبيل ، الهداية أو القدوري ، المنهاج أو المهذب ، المختصر الخليلي أو الرسالة .
الناس جميعاً في عجلة من أمرهم ، ولذلك لجأوا إلى الاختصار ، اختصار كل شيء ، العلم اليوم مختصر ، والدين مختصر ، والعلماء مختصرون ، وما لا يمكن اختصاره ، يلغى .
نحن المسلمون اليوم نمارس بعضاً أو جزءاً من الحياة الإسلامية الكاملة ، وهذا القصور أو النقص يسري في كل شيء ، ومن مظاهره قصور عملية التعليم ، وهذا النقص الفادح الذي أصابها .
والعجيب أنه صاحب كل ما ذكرنا من ظواهر : ظاهرة أخرى أعجب وأشد نكاية بكل من يحلم مثلي بالتعلم على طريقة السلف :
بعض الحمقى من المتفـقتهين الذين اشـتـهـوا التصدر للفتوى والاجتهاد وأرادوا الـتـصـدي للتصنيف والتأليف بلغ من هوس العجلة في العلم عندهم أن أرادوا تحت تأثير تلك الشهوة إلغاء سلم التعلم الذي صنعه السلف ، اختصاراً للطريق ، لأن هممهم ساقطة مثل غيرهم ، لكنهم يطلبون الإمامة، شهوة الإمامة ركبتهم وتسلـطت على عـقـولـهـم، وهذا السلم الذي صنعه ونظمه السلف طويل ، يحتاج إلى همم عالية، وإلى صبر ومصابرة، وهم لا يستطيعون صبراً ، فأرادوا القفز من فوق الجدران :
- من كتب الحديث اختاروا : نيل الأوطار ، وربما سبل السلام .
-ومن كتب الرجال : تقريب التهذيب .
- ومن كتب أصول الفقه : إرشاد الفحول .
وكل هذه المصنفات - إن كنت تعرفها - من أدوات الاجتهاد ، أعني أنها مصنفات تصلح للمجتهدين لا للمبتدئين ، أو المتفقهين الذين كل همهم الامتثال وإبراء الذمة .
أدلة الأحكام، وكتب الرجال ، وأصول الفقه ، هذه أدوات للمجتهد الذي انتهى من تعلم الأحكام - أي الفقه - ، ومن تعلم العقيدة ، ومن تعلم علوم الوسائل .
وهل تظن أن هـؤلاء المتعجـلـيـن يقرأون هذه الكتب ، ومعظمها للشوكاني -رحمه الله- أو يفهمونها ؟ إنهم مجرد صيادين ، يتصيدون المسائل تصيداً بلا فقه وبلا قريحة صحيحة ، أو ملكة علمية سليمة .
وليتهم سكتوا ، أو أن الأمر كـان ضـرره مقتصراً عليهم ، لكنهم تصدروا للفتوى والترجيح والاجتهاد ، وشرعوا يناقشون الآراء والمذاهب ، ودخلوا في علم الخلاف ، وهو من العلوم التي لا يقوى عليها إلا فحول الـفـقـهـاء، ولما كانت الـقـرائح فجة نيئة لم تـسـتو بعد فقد عجزوا عن إدراك مغازي الكلام ومراميه، فراحوا يخطئون العـلـمـاء، ويـردون على فحول الأئمة وكبار الفقهاء دون وجل أو أدب .
إن العجلة في العلم، مع سقوط الهمم ، وقلة الجلد ، وعدم الصبر على التلقي ، مع تحكم شهوة طلـب الإمـامـة وحب الرئاسة العلمية الذي تحكم في القلوب ، وما في ذلك من فساد المقصد ، كل ذلك وفي ظل أصحاب ذلك المسلك العجيب من المعلمين الذي وصفناه بالدعوة إلى الاجتـهـاد (الجفـلى) والذي لا يتاح للمتعلم في ظله تعلم العلم ولا تعلم الأدب كل ذلك أدى إلى هذه الفوضى العلمية وهذا الهزال العلمي الذي عمت البلوى به اليوم .
كنا مع أحد شيوخنا جـلـوسـاً فـي الصحراء قريباً من طريق المسافر إلى الرياض ، وحضرت صلاة المغرب فقمنا نصلي بعد أن أذن أحـدنا ، ومرت (سيارة) بها مسافرون ، فلما أبصروا جماعة الصلاة أوقفوا ركبهم وانضموا إلى الصلاة، وبـعـد فـراغـنـا مـن الـصـلاة قال أحدهم موجهاً كلامه إلى شيخنا المذكور :
ــ أفتني يا مُطوع أنا سائق السيارة (التاكسي) وأنا مستوطن بالمدينة وأهلي بها ، وأنا دائماً مسافر بينها وبين الرياض لا أستقر بحكم عملي ومهنتي يوماً كاملاً في بلد ، ورمضان على الأبواب ، فهل أصوم وأنا مسافر؟.
وقبل أن يتنفس الشيخ ، تعجل واحد منا - وهو مثلنا من تلاميذه - فأفتى السائل بما يأتى :
الأفضل أن تفطر أخذاً بالرخصة، فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : »ليس من البر الصيام في السفر« ، فتفطر وتقضي بعد رمضان .
- قال السائل: لكنني مسافر دائماً ، ويثقل على حبس نفسي شهراً كاملاً للقضاء .
-المفتى المتعجل: هذا هو حكم الشرع، الأفضل أن تفطر ثم تحبس نفسك بعد رمضان شهراً للقضاء . والتفت السائل إلى شـيخـنا الـذي كان يتفرج على تلميذه حانقاً ، وقال: أنت يا شيخ ماذا تقول أفتني ؟
قال له الشيخ : تصوم رمضان في وقته لابأس بذلك ، لأنك في حكم المقيم .
وفرح السائل بعد أن سمع هذه الفتوى ، وظهر الارتياح على وجهه وقام منصرفاً وهو يدعو للشيخ كأنما وهبه الشيخ مالاً .
وجادل التلميذ المتعجل شيخه بعد انصراف الركب، فـقـال الـشـيـخ : مـادمـت سـتـلـزمه بالإقامة شـهـراً للـقـضـاء فلم لا يكون هذا الشهر هو رمضان ويصومه أداء لا قـضـاء، ثم ما الداعي لإلزامه بالإقامة وحبسه عن طلب الرزق ، وليس في صيام المسافـر لو صـام حـرج ، فكيف وهذا حاله أشبه حال المقيم من جهة أن هذا دأبه دائماً وعادته ، هـو لـيـس شيـئـاً طارئاً عليه .
بل شاهدت مثلاً آخر أعجب من هذا ، كان ممن فرخهم هذا المسلك الذي وصفت آنفاً : رجل من العوام ، كان يعمل بواباً على باب (كلية الشريعة) بالمدينة النبوية ، التي درسنا بها أيام الصبا والشباب ، وكان هذا البواب رجلاً صالحاً محباً لحلقات العلم مداوماً على مجالسة المشايخ ، ولكن دون أن يتفقه ، وإنما هو مستمع فقط .
وكان مما سمعه من بعض المشايخ أهل ذلك المسلك العجيب أن على كل مسلم أن يـجـتـهـد على قدر طاقته في تبليغ العلم ، وأن الشروط التي اشترطها الفقهاء مـا أنـزل الله بـهـا مـن سلطان، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قال : »بلغوا عني ولو آية«، وفهم صاحبنا من هذا الكلام أن هناك تفويضاً شرعياً لمثله أن يفتي حسب علمه وطاقته ، فجلس بين العوام يُذكِّر ويفتي .
إذا وعظهم ربما أفادهم ، لكنه حين يفتي كان يأتي بالعظائم ، وسمـعـت بذلك فأنكرته في نفـسـي ، فـكـنـت إذا رأيـته على باب (كليتنا) أداعبه ببعض غوامض المـسـائـل، ثم أقول له:يا أبا فلان إياك أن تفتي فتهلك الناس ، فالعلم كما ترى يحتاج إلى التعلم أولاً.
وحضرت يوماً مع صديق لي من طلاب العلم عشاءً في بيت من بيوت البدو القاطنين في شرق المدينة النبوية، وكانت جلسة بدوية، في فناء واسع مكشوف ، وفي ظلمة الليل البهيم ، لا يهتك ستر ذلك الظلام إلا خيوط من ضوء الحطب الذي كان يشتعل وسط حلقة الضيوف ، وعلى جوانبه أدوات (القهوة) ، لكن تلك الأشعة الضئيلة المنبعثة على استحياء من شعلة النار المتصاعدة من حول (دلال الـقـهـوة) لم تكن كافـيـة لأن نتبـين الجالسين ونحن نأخذ مجلسنا بينهم ، إلا أن صوت المتكلم الذي كانوا جميعاً يصـغـون إليه وهو يفتيهم ويجيب على أسئلتهم كان يشبه صوت بواب (كلية الشريعة)... عجباً أبو فلان لا يزال يفتي الناس ؟!.
قال له سائل بدوي :
-أنا يا مطوع إذا كنت ماشياً في أرض منقطة موحشة لا أنيس بها ولا أحـد ولا أثـر لحـياة ولا لأحياء ، ثم وجدت فتاة كلها فتنة جالسة في ذلك الـقـفـر المـوحـش ، واستنجدت بي وطلبت مني أن آخذها معي لأوصلها إلى أهلها فهي ضائعة، وأنا شاب أخشى الفتنة ، ولو أمنت على نفسي الفتنة لم آمن من كلام الناس وتهمتهم لي إن أنا أقبلت بها عليهم . فماذا أفعل ؟ أأتركها فتهلك ، أم آخذها مع خوفي من نفسي وخوفي على نفسـي وطـربـت لـهـذا السؤال، وعجبت من فصاحة هذا البدوي في صياغته وإلقائه مع أن موضوع السؤال يعد من الواقعات التي يصادفها البدو أحياناً ، فهي ليست صورة خيالية ، وقلت في نفسي . الآن نسمع العجائب من فقه بواب (كلية الشريعة) . قال البواب المفتي :
- تتركها ولا تأخذها لأن العلماء قالوا: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح .
وضحكـنـا أنا وصديقي من هـذا الـجـواب ، وبـيـنما كان السائل البدوي يناقش هذا المفتي العجيب ، ويراوده عله يغير فتواه كأنما الفتاة التي تصورها في السؤال ملقاة فعلاً في الفلاة تنتظر الفتوى ، قال لي صديقي : لا يحل لنا السكوت .
قلت: يا أبا فلان ، هذه الواقعة فيها دليل من السنة .
فلما سمع صوتي قال: ها.. هنا بعض المشايخ إذن هم أولى بالفتوى مني اسمعوا منهم .
وأكملت تعليقي على فتواه :
لما مر صفوان بن المعطل السلـمي ووجد أم المؤمنـيـن عـائـشـة -رضي الله عنها- في الفلاة، وكان الركب قد مضوا إلى المدينة النبـوية وحملوا هودجها ولم ينتبهوا إلى خلوه منها لخفة وزنها، فجلست أم المؤمنين مـتـلـفعة بجلـبابها حتى مـر بـهـا صـفـوان، فلما رآها وعرفها استرجع، ولكنه لم يتركها، بل أناخ جـمـلـه ثـم تـنحى عنها حتى ركـبـت، وأخذها إلى المدينة دون أن يلقي بالاً لما يمكن أن يقوله المنافقون ، وفعلاً هذه الواقعة هي التي استغلها المنافقون فرموا أم المؤمنين عائشة بالإفك ، ثم أنزل الله براءتها من فوق سبع سموات قرآناً يتلى إلى يوم الدين...
فلا يحل إذن للسائل أن يترك تلك الفتاة مـعـرضـة لـلهلاك أو حتى للفساد إذ قد يمر بها فاسق، وذلك من أجل مفسدة متوهمة، بل يتوكل على الله ويأخذها معه ويوصلها إلى أهلها وأجره على الله .

د. عبد العزيز القارئ
مجلة البيان العدد 19-ص27
الهوامش :
1- أي حاشية السلطان ، كما بيناه في الحلقة السابقة .
2- تفسير ابن جرير : 3/327.
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 14-01-05, 12:53 PM
محمد الأمين
 
المشاركات: n/a
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عبد الرحمن السديس
دعاني لكتابة هذا أني جلست في مجلس فقال لي أحد القادمين من الحج: حج معنا رجل فلما لبس ملابس الإحرام ـ وقبل أن يحرم ـ طيب إحرامه ! فقلنا له لا يجوز ...والطيب في البدن .. إلخ
قال : فلما قدمنا إلى مخيمنا سأل من أفتاه هناك ؟ فقال له : الأمر واسع !!
أخي الفاضل السديس

إن كان الأمر واسعاً كما علمت، فلم تضيق على الناس؟!
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 14-01-05, 01:20 PM
عبدالله المزروع
 
المشاركات: n/a
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد الأمين
أخي الفاضل السديس

إن كان الأمر واسعاً كما علمت، فلم تضيق على الناس؟!
أقول للأمين :
وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيمِ
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:15 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.