ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > المنتدى الشرعي العام
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 09-07-10, 10:33 PM
عبدالملك السبيعي عبدالملك السبيعي غير متصل حالياً
الله المستعان
 
تاريخ التسجيل: 28-12-05
المشاركات: 1,790
افتراضي أحكام الوضوء - مقالات من مجلة التوحيد



أحكـام الوضــوء
(ربيع الثاني 1431هـ)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد
فسوف نبدأبعون الله تعالىمن أول هذا العدد بالحديث عن الوضوء، وما يتعلق به من أحكام، فهو مقدمة للصلاة، والإسلام يولي عناية كبيرة بطهارة الظاهر والباطن، وقد امتدح الله تعالى المتطهرين فقال جل وعلا " إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ " .

أولاً التعريف
في اللغة الوُضُوء في اللغة بضم الواو هو اسم للفعل، وأما بفتح الواو فيُطلق على الماء الذي يُتوضأ به، وهو مشتق من الوضاءة، أي الحسن والنظافة [لسان العرب]
في الاصطلاح هو طهارة مائية تتعلق بأعضاء مخصوصة على وجه مخصوص [حاشية العدوي على شرح الخرشي]


ثانيًا مشروعيته الوضوء مشروع بالكتاب والسنة والإجماع
فمن الكتاب قوله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ " [المائدة] .
ومن السنة ما ثبت من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله قال : «لا تُقبل صلاة بغير طهور» مسلم .
الإجماع نقل أكثر أهل العلم الإجماع على مشروعية الوضوء [انظر الدر المختار، والتاج والإكليل، وشرح منتهى الإرادات]

مسألة هل الوضوء من الشرائع القديمة؟
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الوضوء من الشرائع القديمة، وأنه كان في تلك الشرائع، وأنه ليس مختصًّا بأمة محمد ، واحتجوا بما ثبت عند البخاري في صحيحه في قصة إبراهيم عليه السلام لما مر على الجبار ومعه سارة، وفيها «أنها لما دخلت على الجبار توضأت وصلَّت ودعت الله عز وجل» البخاري ، ومسلم .
وكذلك ما ورد في قصة جريج الراهب حين اتُّهِمَ بالزنا، وفيها «أنه توضأ وصلى، ثم قال للغلام من أبوك ؟ فقال الراعي» البخاري ، ومسلم
وقالوا : إن الذي اختصت بها الأمة هو الكيفية المخصوصة، أو أثر الوضوء وهو بياض محله يوم القيامة المسمى بالغرة والتحجيل [الموسوعة الفقهية الكويتية] .

ثالثًا فضل الوضوء
للوضوء فضل عظيم، بيَّنه رسول الله في عدة أحاديث نذكر منها :
الوضوء شطر الإيمان
عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال قال رسول الله«الطهور شطر الإيمان»مسلم
الوضوء مكفِّر للذنوب
عن عثمان بن عفان رضي الله عنه في وصفه لوضوء النبي أنه توضأ ثم قال «إني رأيت رسول الله توضأ مثل وضوئي هذا، ثم قال : من توضأ هكذا غُفر له ما تقدم من ذنبه»مسلم
وعنه أيضًا رضي الله عنه قال قال رسول الله«من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه حتى تخرج من تحت أظفاره»مسلم
الوضوء علامة أهل الإيمان يوم القيامة
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت رسول الله يقول «إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًّا محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع أن يطيل غرته فليفعل»البخاري، ومسلم
الوضوء مفتاح الجنة
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي قال «ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ، أو فيسبغ الوضوء، ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء» وفي رواية أخرى «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله»مسلم

رابعًا حكم الوضوء
يختلف حكم الوضوء بحسب الأحوال على ما يلي
الوجوب هناك عبادات يجب لها الوضوء وهي
أ الصلاة فقد اتفق أهل العلم على أن الوضوء واجب على المُحْدِث إذا أراد القيام للصلاة فرضًا كان أو نفلاً؛ لقوله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ " الآية؛ ولأن الوضوء شرط لصحة الصلاة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله«لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» البخاري
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الوضوء فرض لسجدة التلاوة؛ باعتبار أنه يُشترط لسجدة التلاوة ما يُشترط للصلاة
ب الطواف
يجب الوضوء للطواف حول الكعبة فرضًا كان أو نفلاً، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، وكذا الحنفية [الفقه الإسلامي وأدلته د وهبة الزحيلي] إلا أنهم قالوا بأنه واجب وليس بفرض على قاعدتهم في التفريق بين الفرض والواجب ، والجمهور على عدم الفرق، وقد استدلوا على وجوب الوضوء للطواف بحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله قال «الطواف حول البيت مثل الصلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه، فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير»الترمذي، وصححه الألباني
جـ مس المصحف
اختلف الفقهاء في وجوب الوضوء لمس المصحف، فذهب جمهور الفقهاء كالأئمة الأربعة وغيرهم إلى وجوب الوضوء عند مسّ المصحف، وذهب داود الظاهري وبعض أهل العلم إلى أنه لا يحرم على المُحْدِث أن يمس المصحف، وقد استدل الجمهور على صحة مذهبهم بالكتاب والسنة والرأي .
فمن الكتاب قوله تعالى : " إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لاَ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ " الآية
وجه الدلالة أن الضمير في قوله " لاَ يَمَسُّهُ " يعود على القرآن؛ لأن الآيات سبقته للحديث عنه، والمطهر هو الذي أتى بالوضوء والغسل من الجنابة بدليل قوله تعالى " وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ " الآية [الشرح الممتع]
ومن السنة ما جاء في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه النبي إلى أهل اليمن، وفيه «ألا يمس القرآن إلا طاهر» أخرجه مالك في الموطأ ، وعبد الرزاق في مصنفه وصححه الألباني في صحيح الجامع
وقد تكلم في صحة هذا الحديث كثير من أهل الحديث، كما نقل الحافظ في تلخيص الحبير، إلا أن جماعة من الأئمة قد صححوا الحديث من حيث الشهرة، فقال ابن عبد البر في التمهيد «هذا كتاب مشهور عند أهل السير، معروف عند أهل العلم معرفةً يُستغنى بشهرتها عن الإسناد؛ لأنه أشبه المتواتر في مجيئه؛ لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة»التمهيد
وجه الدلالة من الحديث أن الطاهر هو المتطهر طهارة حسية من الحدث؛ لأن المؤمن طهارته المعنوية كاملة، والمصحف لا يقرؤه غالبًا إلا المؤمنون، فلما قال «إلا طاهر»، علمنا أن المراد قدر زائد عن الطهارة المعنوية، وهو الطهارة من الحدث .
ومن النظر الصحيح أنه ليس في الوجود كلام أشرف من كلام الله، فإذا أوجب الطهارة للطواف حول بيته، فالطهارة لتلاوة كتابه الذي تكلم به من باب أولى [الشرح الممتع]
وقد رد من قال بعدم وجوب الوضوء لمس المصحف على أدلة الجمهور بما لا يتسع المجال لذكره، خاصة وأن مذهب الجمهور أقوى وأرجح فنقتصر على أدلتهم .
وقد رخص بعض أهل العلم كالإمام مالك في مس المصحف بدون وضوء للمعلم والمتعلم؛ إذا خشيا النسيان، أو طال البقاء في محل التعليم مع مشقة الوضوء، ويمكن أن يرخص كذلك في مس المصحف بدون وضوء لكل من لا يستطيع المحافظة على وضوئه ويجد لديه مشقة في الوضوء
الاستحباب أو الندب
وضع أهل العلم ضابطًا للوضوء المندوب، فقالوا هو كل وضوء ليس شرطًا في صحة ما يُفعل به، بل من كمالات ما يفعل به [حاشية الصاوي على الشرح الصغير]
أ عند القيام لكل صلاة
يندب تجديد الوضوء لكل صلاة، حتى وإن كان على طهارة وهذا محل اتفاق بين الأئمة ولم يخالف في ذلك إلا ابن حزم الظاهري .
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ " الآية وظاهرها يقتضي الوضوء على كل قائم إلى الصلاة، محدثًا كان أو غيره، وإنما معناه إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون، وإنما أضمر وأنتم محدثون كراهة أن يفتتح آية الطهارة بذكر الحدث .
ولقوله«لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم عند كل صلاة بوضوء، ومع كل وضوء بسواك»أحمد ، وحسنه الألباني في صحيح الجامع
ب عند النوم
استحب جمهور العلماء لمن أراد النوم أن يتوضأ قبل نومه؛ لحديث البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي قال له «إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم أسلمت وجهي إليك ... » متفق عليه
جـ عند ذكر الله
اتفق علماء المذاهب الأربعة على استحباب الوضوء عند ذكر الله تعالى من دعاء، وقراءة قرآن، وتسبيح ودراسة العلم الشرعي، وغير ذلك، وكان الإمام مالك رحمه الله يتوضأ ويتطهر عند إملاء الحديث عن رسول الله ؛ تعظيمًا له
د عند الأذان والإقامة
يستحب لمن أراد أن يؤذن للصلاة أو يقيم الصلاة أن يكون على طهارة كاملة من الحدث الأصغر والأكبر، فقد اتفق علماء المذاهب الأربعة على كراهية الأذان مع وجود الحدث، فإن الوضوء للأذان والإقامة كان هدي مؤذني الرسول صلى الله عليه وسلم .
هـ عند الأكل والشرب والنوم ومعاودة الوطء للجنب
يستحب للجنب أن يتوضأ إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو ينام؛ لقول عائشة رضي الله عنها «كان النبيإذا كان جنبًا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ»مسلم
ولحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبيقال «إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضَّأْ»مسلم
ومعنى أراد أن يعود أي إلى الوطء مرة أخرى وقد قيل إن الحكمة في ذلك هو تخفيف الحدث . وقال البعض لما كانت الجنابة منافية لهيئة الملائكة، كان المرضي في حق المؤمن أن لا يسترسل في حوائجه من النوم والأكل والجماع مع الجنابة، فإذا تعذرت الطهارة الكبرى لا ينبغي أن يدع الطهارة الصغرى
و عند الغضب
يُستحب للمرء إذا أصابه الغضب أن يتوضأ، وهذا محل اتفاق عند الأئمة الأربعة وغيرهم، واستدلوا لذلك بقوله«إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خُلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ»أبو داود ، وضعفه الألباني
ز بعد حمل الميت
يندب لمن حمل الميت أن يتوضأ بعد حمله؛ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي قال : «من غسل ميتًا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ»أحمد ، وصححه الألباني
ح قبل الاغتسال
يستحب لمن أراد الاغتسال، سواء كان الغسل فرضًا أو نفلاً أن يتوضأ في أول الغسل؛ لما ثبت من حديث عائشة رضي الله عنها «كان النبي إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه، ثم يتوضأ، كما يتوضأ لصلاته» متفق عليه
وللحديث بقية في العدد القادم إن شاء الله تعالى
ــــــــــــــــــــ
فائدة يفرق الحنفية بين الفرض والواجب خلافًا للجمهور، فيقولون إن الفرض ما ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه، مثل وجوب الوضوء للصلاة؛ لأنه ثبت بدليل قطعي الثبوت وهو القرآن الكريم، وحكم الفرض اللزوم علمًا أي حصول العلم القطعي بثبوته وتصديقًا بالقلب أي اعتقاد حقيقته ، وعملاً باليد، ويكفر جاحده ويفسق تاركه بلا عذر، فمن أنكر وجوب الوضوء للصلاة فهو كافر عندهم والواجب ما ثبت بدليل ظني فيه شبهة كصدقة الفطر والأضحية؛ لأنهما ثبت حكمهما بدليل ظني وهو أحاديث الآحاد وحكمه اللزوم عملاً كالفرض لا علمًا، ولذلك لا يكفر جاحده عندهم ويفسق تاركه بلا تأويل
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 09-07-10, 10:52 PM
عبدالملك السبيعي عبدالملك السبيعي غير متصل حالياً
الله المستعان
 
تاريخ التسجيل: 28-12-05
المشاركات: 1,790
افتراضي رد: أحكام الوضوء - مقالات من مجلة التوحيد

الحلقة الثانية – جماد الأول 1431هـ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد
فقد بدأنا في العدد السابق الحديث عن الوضوء، فبدأنا بتعريفه ثم مشروعيته، ثم فضله، ثم حكمه، ونواصل اليوم الحديث عن هذه العبادة الجليلة، ونبدأ بالحديث عن شروط الوضوء، وسوف نفصِّل بعض الشيء فيها؛ لأن هذه الشروط سيتكرر أكثرها عند الحديث عن بقية العبادات فلا نحتاج لإعادتها مرة أخرى

أولاً معنى الشرط
في اللغة الشرط بسكون الراء إلزام الشيء والتزامه، ويجمع على شروط
في الاصطلاح ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته حاشية البناني على جمع الجوامع ومعنى ذلك أن الشرط إذا لم يوجد ترتب على ذلك عدم وجود المشروط؛ فمثلاً إذا لم يتوضأ إنسان للصلاة؛ فإنه لا يستطيع أداء الصلاة بدون الوضوء، وإذا صلى على هذه الصفة كانت صلاته كالعدم وإذا وُجد الشرط فإنه لا يلزم من وجوده وجود المشروط أو عدمه، فلو توضأ إنسان فإنه لا يلزمه عند الوضوء أن يصلي فقد يتوضأ ولا يصلي؛ لأن الصلاة ليست من لوازم الوضوء

ثانيًا أقسام الشرط
اعلم أن الشرط منحصر في أربعة أنواع
الأول عقلي كالحياة للعلم
الثاني شرعي كالطهارة للصلاة
الثالث لغوي كعبدي حر، إن قمت
الرابع عادي كالغذاء للحيوان [المدخل لمذهب أحمد، لعبد القادر بن بدران]
وما يهمنا هنا هو الشرط الشرعي باعتبار أثره في العبادة المشترط فيها، فالشرط الشرعي بهذا الاعتبار ينقسم إلى شرط صحة وشرط وجوب
فشرط الصحة هو الذي لا تصح العبادة إلا به، فإذا تخلف هذا الشرط أصبحت العبادة باطلة، وقد أضافوه إلى أثره، فقالوا شرط صحة، مثل الطهارة للصلاة، فإذا تخلفت بطلت الصلاة، وكعدم الموانع الشرعية للصيام، فإن عدمها شرط صحة فلا يصح صيام الحائض والنفساء بالاتفاق
وشرط الوجوب هو الذي لا تجب العبادة في الذمة إلا به أي التكليف ، فهذا الشرط ليس له علاقة بصحة العبادة، وإنما تعلقه بوجوب العبادة في الذمة، فإذا وُجد الشرط وجد الوجوب في الذمة، وإذا انعدم هذا الشرط انعدم الوجوب في الذمة
مثال ذلك البلوغ؛ فإنه شرط وجوب بالنسبة للعبادات، أي لا تجب العبادة إلا على البالغ فقط؛ لقوله «رُفع القلم عن ثلاثة عن الصغير حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» أبو داود وصححه الألباني
لكن لا شأن للبلوغ في صحة العبادة، فلو صلى الصغير أو حج أو صام صحت عبادته، ولكن هي في ذاتها غير مفروضة عليه
واعلم أنه قد يجتمع الوصفان في أمر واحد فيكون شرط صحة وشرط وجوب؛ كالعقل فإنه شرط وجوب؛ أي لا تجب إلا بالعقل وشرط صحة أي لا تصح العبادات إلا بالعقل
واعلم أن أكثر العبادات تشترك في شروط الوجوب، ولكن تختلف في شروط الصحة؛ إذ إن لكل عبادة هيئة وأوصافًا تميزها عن غيرها، وسوف نبدأ في بيان شروط الوجوب وشروط الصحة الخاصة بالوضوء، ولكن سنبدأ بالشروط التي تجمع بين الأمرين


ثالثًا شروط الوجوب والصحة
العقل اتفق الفقهاء على أن العقل شرط لوجوب الوضوء؛ إذ لا خطاب بدون العقل، فالعقل مناط التكليف [الموسوعة الفقهية]
فلا يجب الوضوء ولا يصح على المجنون حال جنونه، ولا من المصروع حال صرعه، ولا النائم حال نومه؛ لعدم النية؛ إذ لا عبادة إلا بنية؛ لقوله «إنما الأعمال بالنيات» البخاري [الفقه الإسلامي وأدلته بتصرف د وهبة الزحيلي]
الإسلام ذهب الحنفية والمالكية في مقابل المشهور إلى أن الإسلام شرط لوجوب الوضوء؛ إذ لا يُخاطَب كافر بفروع الشريعة، وكذلك شرط صحة، وذهب الشافعية والمالكية في المشهور إلى أنه شرط في صحة الوضوء لا شرط وجوب، بناءً على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة [الموسوعة الفقهية]
وهو الأرجح من أقوال أهل العلم؛ لقوله تعالى " مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ " المدثر
والكلام على هذا الشرط لا يختص بالوضوء، بل بسائر العبادات من صلاة وصيام وزكاة وحج، فمن جعل الإسلام شرط وجوب وصحة في الوضوء قال بذلك في سائر العبادات، ومن قال إنه شرط صحة فقط قال بذلك أيضًا في سائر العبادات
انقطاع ما ينافي الوضوء من حيض ونفاس اتفق الفقهاء على أن المرأة إذا كانت حائضًا أو نفساء لا يجب عليها الوضوء، ولا يصح منها أيضًا؛ لأن خلو المرأة من الحيض والنفساء شرط وجوب وشرط صحة للوضوء
وجود الماء المطلق الطهور اتفق الفقهاء على أن الماء الطهور شرط لوجوب الوضوء على المكلف، فإذا عدم الماء فلا يجب عليه الوضوء؛ لقوله تعالى : " فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا " المائدة ، ويعبر عنه الفقهاء بفقد الماء حقيقة، وفي هذه الحالة ينتقل إلى الطهارة البديلة، وهي التيمم بالصعيد الطيب على ما سيأتي بيانه فيما بعد، وقد نص الحنفية والمالكية وكذا الشافعية والحنابلة على اشتراط وجود الماء المطلق الطهور لوجوب الوضوء حاشية ابن عابدين ، حاشية الدسوقي ، مغني المحتاج ، كشاف القناع
وقد نص الفقهاء على أن وجود الماء المطلق شرط أيضًا لصحة الوضوء، فلا يصح الوضوء بغيره .
فائدة
فَقْد الماء حقيقة هو عدم وجود الماء، أما فقد الماء حكمًا فهو عدم القدرة على استعمال الماء مع وجوده؛ كمن مُنع من استعمال الماء، لمرض أصاب عضوًا من أعضاء الوضوء، ولا يمكن إيصال الماء إليه


رابعًا شروط وجوب الوضوء
القدرة على استعمال الماء الطهور الكافي فالقدرة على استعمال الماء الطهور شرط وجوب للوضوء؛ إذ القدرة مناط التكليف، فالعاجز ليس من أهل التكليف؛ لقوله تعالى " لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا " البقرة
وقلنا إن عدم وجود الماء يمنع من وجوب الوضوء على المكلف، وهو ما يسمى بفقد الماء حقيقة، ولكن قد يوجد الماء ولا يستطيع المكلف استعماله لعذر ألمَّ به من مرض أو حرق أو غير ذلك، وهو ما يعبر عنه بفقد الماء حكمًا، ففي هذه الحالة أيضًا لا يجب على المكلف الوضوء إذا كان غير قادر على استعمال الماء، فقد نص الحنفية والمالكية على أن من شروط وجوب الوضوء القدرة على استعمال المطهر البحر الرائق ، مواهب الجليل
إلا أن الفقهاء ذكروا قاعدة قيدت هذا الأمر، وهي «الميسور لا يسقط بالمعسور» [الأشباه والنظائر للسيوطي]
فإذا كان الإنسان لا يستطيع استعمال الماء في غسل عضو معين انتقل إلى البديل، ولا يسقط عنه غسل سائر الأعضاء التي يمكن غسلها، فمن كان أحد ذراعيه مقطوعًا أو محروقًا، ولا يستطيع غسله؛ فهذا لا يسقط الغسل عن الذراع الآخر
وجود الحدث يرى الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة أن وجود الحدث الموجب للوضوء شرط لوجوب الوضوء الموسوعة الفقهية ؛ لقوله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ " المائدة . فالسبب في وجوب الوضوء إرادة الصلاة مع وجود الحدث قال ابن عباس رضي الله عنهما : معناه إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم مُحْدِثُون [الاختيار لتعليل المختار]
البلوغ اتفق الفقهاء على أن البلوغ شرط لوجوب الوضوء، فلا يجب على الصبي لعدم تكليف القاصر [الموسوعة الفقهية] ؛ لقوله «رُفع القلم عن ثلاثة عن الصغير حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» أبو داود وصححه الألباني
دخول وقت الصلاة ذهب المالكية والحنابلة إلى أن من شروط وجوب الوضوء دخول وقت الصلاة الحاضرة، وذهب الحنفية إلى أن شروط وجوب الوضوء ضيق الوقت، وقالوا إن هذا الشرط للوجوب المضيق؛ لتوجيه الخطاب مضيقًا حينئذ وموسعًا في ابتدائه، بمعنى أن وجوب الوضوء موسع لدخول الوقت كالصلاة، فإذا ضاق الوقت صار الوجوب فيهما مضيقًا

خامسًا شروط صحة الوضوء
عموم البشرة بالماء الطهور اشترط الفقهاء لصحة الوضوء أن يعم الماءُ العضوَ المغسول؛ فإذا لم يعم الماء البشرة لم يصح الوضوء [مراقي الفلاح]
زوال ما يمنع وصول الماء إلى البشرة اتفق الفقهاء على أن من شروط صحة الوضوء زوال المانع من وصول الماء إلى الجسد؛ لكونه جرمًا كشمع وشحم وعجين وطين وغير ذلك الموسوعة الفقهية وذلك لأنه لا يتحقق معنى المسح أو الغسل للعضو إلا بذلك، فإن عدم وصول الماء إلى البشرة يمنع من إطلاق اسم المسح أو الغسل على ذلك العضو
انقطاع الحدث حال الوضوء اتفق الفقهاء على أن انقطاع الحدث حال الوضوء شرط لصحة الوضوء؛ لأنه بخروج بول أو ريح أو غير ذلك من نواقض الوضوء لا يصح الوضوء [المصدر السابق بتصرف]
النية وقد اختلف الفقهاء في عدّ النية شرطًا أو ركنًا للعبادات؛ فذهب الحنابلة إلى أن النية شرط لصحة الوضوء؛ لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي قال «إنما الأعمال بالنيات » البخاري أي لا عمل إلا بالنية، ولأن الوضوء عبادة، ومن شروط العبادة النية
وفي النية للعبادات بوجه عام خلاف مشهور سيأتي بيانه في بحث مستقل فيما يتعلق بالنية من أحكام
هذا ما تيسر لي جمعه فيما يتعلق بشروط الوضوء، وقد أعرضت عن ذكر بعضها لضعف مستنده، وأسأل الله العظيم أن ينفع بما ذكرناه فهو نعم المولى ونعيم النصير
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 09-07-10, 11:17 PM
عبدالملك السبيعي عبدالملك السبيعي غير متصل حالياً
الله المستعان
 
تاريخ التسجيل: 28-12-05
المشاركات: 1,790
افتراضي رد: أحكام الوضوء - مقالات من مجلة التوحيد

أحكام الوضوء صفة وضوء النبى صلى الله عليه وسلم

جماد الآخر 1431هـ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد
فقد تكلمنا في العدد السابق عن شروط الوضوء، واليوم نتحدث عن كيفية الوضوء، والأصل في بيانه قوله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ " المائدة ، فقد نصت الآية على أركان الوضوء، ثم جاءت السنة لتبين لنا كيفية أداء هذه الأركان .
ومدار صفة وضوء النبي على عدة أحاديث؛ رواها عنه جمع من الصحابة، وليس هناك مجال لسردها جميعًا، ولكنا نكتفي بحديث من أجمع الأحاديث في وصف وضوء النبي كاملاً، ثم نذكر مواضع الاستشهاد من الأحاديث الأخرى بحسب الحاجة إليها، والمنصف عليه أن يجمع هذه الأحاديث جنبًا إلى جنب حتى يصل إلى الحق .
أخرج مسلم في صحيحه أن حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رضي الله عنه دَعَا بِوَضُوءٍ؛ فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لاَ يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» مسلم ، وأصل الحديث متفق عليه . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَكَانَ عُلَمَاؤُنَا يَقُولُونَ هَذَا الْوُضُوءُ أَسْبَغُ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ أَحَدٌ لِلصَّلاَةِ .

أولاً كيفية الوضوء شاملة الواجبات والسنن
أول ما يبدأ به المرء إذا أراد الوضوء أن ينوي، والنية محلها القلب، ولا يصح الجهر بها، ثم ينطق بالبسملة ثم يغسل كفيه ثلاثًا، ثم يتمضمض ويستنشق ويستنثر ثلاثًا، ثم يغسل وجهه ثلاثًا، ثم يغسل يده اليمنى ثلاثًا، ثم يده اليسرى ثلاثًا، ثم يمسح برأسه، ثم يغسل رجله اليمنى إلى الكعب ثلاثًا، ثم رجله اليسرى إلى الكعبين ثلاثًا

ثانيًا معرفة حكم هذه الأفعال حسب ترتيبها

النية
ذهب أكثر أهل العلم إلى أن النية واجبة في الوضوء، سواء من قال منهم بكونها ركنًا من أركان الوضوء، أو من قال بأنها شرط من شروطه؛ فالجميع متفقون على أن الوضوء بدونها لا يصح؛ لقوله «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّات، وإَنمَا لكل امْرِئٍ مَا نَوَى » الحديث البخاري

التسمية على الوضوء
ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين، وأهل الظاهر، إلى أن البسملة واجبة في الوضوء لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ «لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لاَ وُضُوءَ لَهُ، وَلاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ» أبو داود وصححه الألباني . قالوا والحديث يدل على وجوب التسمية في الوضوء؛ لأن الظاهر أن النفي للصحة لكونها أقرب إلى الذات وأكثر لزومًا للحقيقة [نيل الأوطار للشوكاني بتصرف]
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن التسمية في أول الوضوء مستحبة، واحتجوا لذلك بأن الروايات التي عليها مدار صفة وضوء النبي لم يُذكر فيها التسمية، وأكثر هذه الروايات كانت على جهة التعليم، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة فدل ذلك على أن قوله في حديث أبي هريرة «ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» يتوجه إلى نفي الكمال لا نفي الصحة والإجزاء، وما ذهب إليه جمهور الفقهاء هو الأرجح لقوة دليلهم .

غسل الكفين
اتفق الفقهاء على استحباب غسل اليدين إلى الرسغين في ابتداء الوضوء؛ للأحاديث الواردة في صفة وضوء النبي ، ومنها حديث عثمان بن عفان المتقدم، وفيه «دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرات فغسلهما » متفق عليه

المضمضة والاستنشاق
المضمضة هي أن يجعل الماء في فمه، ثم يديره ثم يمجّه، والاستنشاق هو إدخال الماء إلى الأنف، والاستنثار هو إخراجه من أنفه .
وإذا تقدم لك معنى المضمضة والاستنشاق والاستنثار، فاعلم أن العلماء اختلفوا في الوجوب وعدمه، فذهب جماعة من العلماء إلى الوجوب، واحتجوا لذلك بأدلة منها
أن المضمضة والاستنشاق من تمام غسل الوجه؛ فالأمر بغسله أمرٌ بهما .
ما ثبت في الصحيحين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ ماء ثُمَّ ليستنثر» البخاري
وبحديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه، وفيه «وَبَالِغْ في الاِسْتِنْشَاقِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» أبو داود وصححه الألباني وفي رواية «إِذَا تَوَضَّأْتَ فَمَضْمِضْ» أبو داود وصححه الألباني
قالوا إن هذه الأحاديث دلت على أن النبي أمر بالمضمضة والاستنشاق، وكما هو معلوم في الأصول أن الأمر يفيد الوجوب؛ فدل ذلك على وجوبهما .

وذهب جمهور الفقهاء إلى عدم وجوب المضمضة والاستنشاق في الوضوء، واحتجوا لذلك بما يلي :
قوله تعالى " فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ " قالوا فالوجه عند العرب ما حصلت به المواجهة، وداخل الفم والأنف ليس من الوجه .
حديث رفاعة بن رافع المعروف بحديث المسيء صلاته، وفيه «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فتوضأ كما أمرك الله فاغسل وجهك ويديك وامسح رأسك واغسل رجليك » الحديث اللفظ لأبي داود ، والحديث متفق عليه قال النووي هذا الحديث من أحسن الأدلة؛ لأن هذا الأعرابي صلى ثلاث مرات فلم يحسنها، فعلَّمه النبي فقال «توضأ كما أمرك الله» ولم يذكر المضمضة والاستنشاق [المجموع بتصرف]
قُلْتُ وهذا موضع تعليم، والقاعدة أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فلو كانت المضمضة والاسـ... ، وبهذا يكون ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من عدم وجوب المضمضة والاستنشاق هو الأرجح، والله أعلم

كيفية المضمضة والاستنشاق
يأخذ في كفه اليمنى ماء ثم يجعل بعضه في فمه، ثم يجعل بقيته في أنفه، ثم يخرج الماء من فمه ويخرج الماء من أنفه بيده اليسرى؛ لما ورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه دعا بوضوء، فتمضمض واستنشق ونثر بيده اليسرى، ففعل ذلك ثلاثًا، ثم قال هذا طهور نبي الله . [النسائي وصححه الألباني]

غسل الوجه
الوجه هو ما تحصل به المواجهة، وحدّ الوجه عرضًا ما بين الأذنين، وحده طولاً ما بين منابت شعر الرأس إلى أسفل الذقن [الموسوعة الفقهية الكويتية]
حكمه اتفق الفقهاء على أن غسل ظاهر الوجه بكامله مرة واحدة فرض من فروض الوضوء؛ لقول الله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ " المائدة [المصدر السابق]
ولحديث عثمان بن عفان رضي الله عنه في وصف وضوء النبي ، وفيه « ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثًا » متفق عليه ، وللإجماع على وجوب غسل الوجه .
كيفيته إما أن يغسل الوجه بالكفين جميعًا فيأخذ الماء بكفيه، ثم يغسل وجهه، وهذه الكيفية وردت في أكثر من حديث . وإما أن يأخذ الماء بكف ويضيفه للأخرى ويغسل بالكفين جميعًا لحديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وفيه ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى فغسل بها وجهه الحديث » رواه البخاري .
وأكمله ما ورد في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وفيه، ثم أخذ بيده فصك بها وجهه وألقم إبهامه ما أقبل من أذنيه، قال ثم عاد في مثل ذلك ثلاثًا ثم أخذ كفًا بيده اليمنى فأفرغها على ناصيته، ثم أرسلها تسيل على وجهه الحديث» أحمد ، وصححه الألباني .
وكل هذه الكيفيات واردة وثابتة عن رسول الله وكل واحدة منها تجزئ

مسألة هل يجب تخليل اللحية؟
اتفق الفقهاء على وجوب غسل ظاهر اللحية؛ لأنها من الوجه، أما باطن اللحية فذهب الجمهور إلى وجوب إيصال الماء إلى البشرة إذا كانت اللحية خفيفة، ويظهر منها بشرة الوجه تحت الشعر، أما اللحية الكثة فلا يجب غسل باطنها عند الأئمة الأربعة؛ لعسر إيصال الماء إلى البشرة، ولما ثبت من حديث ابن عباس المتقدم، وفيه «تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ؛ فَغَرَفَ غَرْفَةً فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَرَفَ غَرْفَةً فَغَسَلَ وَجْهَهُ» النسائي وصححه الألباني
ووجه الدلالة أن لحيته صلى الله عليه وسلم كانت كثيفة، وبالغرفة الواحدة لا يصل الماء إلى ذلك غالبًا، وقد اتفق الفقهاء على استحباب تخليل اللحية؛ لحديث عثمان بن عفان رضي الله عنه وفيه «كان النبي صلى الله عليه وسلم يخلل لحيته» [الترمذي وصححه الألباني] وكيفية التخليل وردت في حديث أنس أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ، وَقَالَ «هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ» [أبو داود وصححه الألباني] وكذلك غسل المسترسل من اللحية وهو ما زاد عن حد الوجه لحديث عمرو بن عنبسة وفيه « قَالَ فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَالْوُضُوءُ حَدِّثْنِي عَنْهُ قَالَ «مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ؛ فَيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ إِلاَّ خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ » الحديث . مسلم

غسل اليدين إلى المرفقين
حكمه اتفق الفقهاء على وجوب غسل اليدين إلى المرفقين؛ لقوله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ " المائدة
وذهب جمهور الفقهاء إلى وجوب غسل المرفقين مع اليدين، سواء كانت «إلى» في الآية بمعنى «مع» أو كانت لانتهاء الغاية قال النووي في المجموع «إن كانت لانتهاء الغاية؛ فالحد إذا كان من جنس المحدود كما هو في الآية دخل فيه .
واحتجوا لذلك بما ثبت عند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه «أنه توضأ فغسل يديه حتى أشرع في العضدين ... الحديث» وفعله بيان للوضوء المأمور به في الآية ؛ فيكون غسل المرفقين من المأمور به في غسل اليدين [الموسوعة الفقهية بتصرف]
كيفيته يغسل اليد من أطراف الأصابع إلى المرفقين، ويسن أن يشرع في العضد، كما ثبت في حديث أبي هريرة المتقدم.
ويجب التنبه هنا على خطأ يقع فيه كثير من الناس؛ وهو عدم غسل الكفين عند غسل اليدين اكتفاءً بغسلهما عند بداية الوضوء، وهو مبطل للوضوء باتفاق الفقهاء؛ لعدم استيعاب محل الغسل من الفرض، فنقول لهؤلاء إن غسل الكفين في أول الوضوء سنة مستقلة، أما غسلهما مع غسل اليدين إلى المرفقين فمن واجبات الوضوء
ويسن تخليل أصابع اليدين عند غسلهما؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله قال «إذا توضأت فخلل بين أصابع يديك ورجليك» [الترمذي ،وصححه الألباني]
ويسن للمتوضئ أن يبدأ بغسل اليد اليمنى قبل اليد اليسرى؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما وفيه «ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى، ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى » الحديث . البخاري
ولحديث عائشة رضي الله عنها قالت «كان رسول الله يحب التيامن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله» متفق عليه
ونكمل في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى ما تبقى من صفة وضوء النبي ، ونسأل الله السداد والتوفيق فهو نعم المولى ونعم النصير
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 10-07-10, 12:09 AM
عبدالملك السبيعي عبدالملك السبيعي غير متصل حالياً
الله المستعان
 
تاريخ التسجيل: 28-12-05
المشاركات: 1,790
افتراضي رد: أحكام الوضوء - مقالات من مجلة التوحيد

أحكام الوضوء ..صفة وضوء النبى صلى الله عليه وسلم
رجب 1431هـ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد
فقد بدأنا في الحلقة السابقة الكلام عن صفة وضوء النبي ، وفي هذه الحلقة نكمل ما تبقى من أعمال الوضوء؛ فنقول وبالله تعالى التوفيق

مسح الرأس
هو إمرار اليد المبتلة بالماء على الرأس بلا تسييل [التعريفات للجرجاني]
حكمه اتفق الفقهاء على أن مسح الرأس من فروض الوضوء التي لا يصح الوضوء إلا به؛ لقوله تعالى " وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ " الآية
وللأحاديث الواردة في وصف وضوء النبي ، ومنها حديث عثمان بن عفان، وفيه «ثم مسح برأسه» متفق عليه ولإجماع الفقهاء على ذلك [الموسوعة الفقهية]

القدر المجزئ في مسح الرأس ذهب المالكية في المشهور والحنابلة في إحدى الروايتين عن أحمد إلى وجوب مسح كل الرأس، وذهب الجمهور إلى عدم وجوب مسح كل الرأس، وإن كان يستحب عندهم مسح كل الرأس؛ لأنه فعل النبي صلى الله عليه وسلم .
احتج من قال بوجوب مسح كل الرأس بقوله تعالى " وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ " ، والرأس حقيقة اسم لجميعه، والبعض مجاز، والأصل في الكلام حمله على الحقيقة، وبحديث عبد الله بن زيد، وفيه «ومسح رأسه بيده فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ به» متفق عليه
والحديث وإن كان حكاية فعل إلا أنه جاء لبيان المجمل في الآية، وبيان المجمل الواجب واجب [نيل الأوطار للشوكاني]
قال الشوكاني «والإنصاف أن الآية ليست من قبيل المجمل، والحقيقة لا تتوقف على مباشرة آلة الفعل بجميع أجزاء المفعول، كما لا تتوقف في قولك «ضربت عمرًا» على مباشرة الضرب لجميع أجزائه للكل أو للبعض، وليس النزاع في مسمى الرأس، فيقال هو حقيقة في جميعه، بل النزاع في إيقاع المسح على الرأس، والمعنى الحقيقي للإيقاع يوجد بوجود المباشرة، ولو كانت المباشرة الحقيقية لا توجد إلا بمباشرة الحال لجميع المحل لقل وجود الحقائق في هذا الباب
والحاصل أن الوقوع لا يتوقف وجود معناه الحقيقي على وجود المعنى الحقيقي لما وقع عليه الفعل، وهذا منشأ الاشتباه والاختلاف، فمن نظر إلى جانب ما وقع عليه الفعل جزم بالمجاز، ومن نظر إلى جانب الوقوع جزم بالحقيقة، وبعد هذا فلا شك في أولوية استيعاب المسح لجميع الرأس، وصحة أحاديثه، ولكن دون الجزم بالوجوب مفاوز » [نيل الأوطار]

كيفية مسح الرأس ورد المسح كما ذكرنا دون تفصيل في بعض الأحاديث، ومفصلاً في البعض الآخر، ومنها حديث عبد الله بن زيد المتقدم، وفيه أن رسول الله مسح رأسه بيده، فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه الحديث متفق عليه
فهذه الرواية بيَّنت أن المسح يبدأ من ناصية الرأس باليدين حتى يصل إلى منتهى الرأس من الخلف وهو القفا، ثم يرجع بهما مرة أخرى إلى الناصية، وتعتبر هذه مسحة واحدة، ولا يعتبر الشعر المسترسل الخارج عن حد الرأس من الرأس؛ فلا يجزئ المسح عليه فقط، حتى عند من يقول بأن الواجب مسح بعض الرأس . ومنهما حديث الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ ابْنِ عَفْرَاءَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ تَوَضَّأَ عِنْدَهَا؛ فَمَسَحَ الرَّأْسَ كُلَّهُ مِنْ قَرْنِ الشَّعْرِ، كُلَّ نَاحِيَةٍ لِمُنْصَبِّ الشَّعْرِ، لاَ يُحَرِّكُ الشَّعْرَ عَنْ هَيْئَتِهِ» أبو داود وحسنه الألباني
وهذه الرواية جاءت بكيفية أخرى لمسح الرأس، لا يتغير فيها الشعر عن هيئته التي يكون عليها قبل المسح

هل يسن تكرار مسح الرأس؟ اختُلف في هذه المسألة على قولين
أحدهما أنه يستحب مسح الرأس ثلاثًا كسائر الأعضاء، واحتجوا بما رواه أبو داود من حديث عثمان أن النبي مسح رأسه ثلاثًا رواه أبو داود وصححه الألباني
الثاني أن السنة في مسح الرأس أن تكون مرة واحدة، واحتجوا بالروايات الكثيرة التي ورد فيها ذكر صفة وضوء النبي ، وفيها إطلاق مسح الرأس مع ذكر تثليث غيره من الأعضاء، أو ذكر مسح الرأس مرة واحدة مع تثليث غيره من الأعضاء
قال الإمام الشوكاني «فالإنصاف أن أحاديث الثلاث لم تبلغ درجة الاعتبار حتى يلزم التمسك بها؛ لما فيه من الزيادة، فالوقوف على ما صح من الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما هو المتعين، لاسيما بعد تقييده في تلك الروايات السابقة بالمرة الواحدة، وحديث «من زاد على هذا فقد أساء وظلم» أبو داود وصححه الألباني بالمنع من الزيادة على الوضوء الذي قال بعده النبي هذه المقالة نيل الأوطار
وقد مال الشيخ الألباني إلى تصحيح رواية التثليث بقوله «قد صح من حديث عثمان بن عفان أن النبي مسح رأسه ثلاثًا» أخرجه أبو داود بسندين حسنين، وله إسناد ثالث حسن أيضًا، وقد تكلمت على هذه الأسانيد بشيء من التفصيل في صحيح أبي داود، وقد صحح الحافظ في الفتح هذه الزيادة، وقال والزيادة من الثقة مقبولة، ومال ابن الجوزي في كشف المشكل إلى تصحيح التكرير قلت أي الألباني وهو الحق لأن رواية المرة الواحدة وإن كثرت لا تعارض رواية التثليث؛ إذ الكلام في أنه سنة ومن شأنها أن تُفعل أحيانًا [تمام المنة]
وقال الصنعاني «رواية الترك لا تعارض رواية الفعل، وإن كثرت رواية الترك؛ إذ الكلام في أنه غير واجب بل سنة من شأنها أن تفعل أحيانًا وتترك أحيانًا» [سبل السلام]
مسألة المسح على العمامة وردت عدة روايات في بيان مسحه على العمامة، منها حديث عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه قال رأيت رسول الله يمسح على عمامته وخفيه البخاري
وحديث بلال رضي الله عنه قال مسح رسول الله على الخفين والخمار [مسلم] والخمار : المراد به هنا العمامة، كما ذكر النووي في شرح مسلم قال «لأنها تخمر الرأس وتغطيه»
وحديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة وعلى الخفين [مسلم]
وإذا كان المسح على العمامة ثابتًا باتفاق أهل العلم؛ فالسؤال هل يجوز الاقتصار في مسح الرأس على العمامة فقط؟
احتج من قال بجواز الاقتصار على مسح العمامة بحديثي عمرو بن أمية وبلال رضي الله عنهما، وذهب جمهور العلماء إلى عدم جواز الاقتصار على العمامة فقط، وإنما يجب أن يمسح معهما جزءًا من الرأس قال الترمذي «وقال غير واحد من أصحاب النبي لا يمسح على العمامة إلا أن يمسح برأسه مع العمامة، واحتجوا بأن الله تعالى فرض المسح على الرأس، والحديث في العمامة محتمل التأويل، فلا يُترك المتيقن بالمحتمل، والمسح على العمامة ليس بمسح على الرأس» نقله الحافظ عن الخطابي في الفتح
ورد القائلون بالجواز بأن المسح على الشعر يجزئ ولا يسمى رأسًا، فقال الجمهور يسمى رأسًا مجازًا بعلاقة المجاورة، فرد القائلون بالجواز والعمامة كذلك بتلك العلاقة، فإنه يقال قبلت رأس محمد، والتقبيل يكون على العمامة قال ابن القيم «إن النبي كان يمسح على رأسه تارة، وعلى العمامة تارة، وعلى الناصية»
قال الشوكاني «الكل صحيح ثابت، فقصر الإجزاء على بعض ما ورد لغير موجب ليس من دأب المنصفين» نيل الأوطار
مسألة هل تمسح المرأة على خمارها؟ قال ابن قدامة وفي مسح المرأة على مقنعتها روايتان أي عن الإمام أحمد أحدهما يجوز؛ لأن أم سلمة كانت تمسح على خمارها [ذكره ابن المنذر] وقد صح عن النبي أنه أمر بالمسح على الخفين والخمار [أحمد وضعفه الألباني مرفوعًا وصححه موقوفًا على بلال رضي الله عنه] قال ولأنه ملبوس معتاد يشق نزعه فأشبه العمامة
الثانية لا يجوز المسح عليه، فإن أحمد سُئل كيف تمسح المرأة على رأسها؟ قال من تحت الخمار، ولا تمسح على الخمار المغني
قال ابن تيمية عن رواية الجواز وهي أظهر؛ لعموم قوله «امسحوا على الخفين والخمار» [أحمد وضعفه الألباني مرفوعًا وصححه موقوفًا على بلال رضي الله عنه] والنساء يدخلن في الخطاب المذكور تبعًا للرجال، كما دخلن في المسح على الخفين
ولأن الرأس يجوز للرجل المسح عليه، فجاز للمرأة كالرجل؛ ولأنه لباس يباح المسح على الرأس لمشقة نزعه غالبًا، فأشبه عمامة الرجل ويشق خلعه أكثر، وحاجته أشد من الخفين شرح العمدة

مسح الأذنين
اتفق الأئمة الأربعة أن حكم الأذنين هو المسح كالرأس، ثم اختلفوا بعد ذلك في حكم مسح الأذنين، فذهب الحنفية والمالكية على المشهور والشافعية إلى أن مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما من سنن الوضوء [الموسوعة الفقهية الكويتية]
واحتجوا بحديث المقدام بن معدي كرب، وفيه «ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وأدخل أصابعه في صماخ أذنيه» الحديث أبو داود وصححه الألباني وهو حكاية فعل، وحكاية الأفعال لا يُستفاد منها الوجوب، وذهب الحنابلة وبعض المالكية إلى أنه يجب مسح الأذنين لأنهما من الرأس؛ لقوله «الأذنان من الرأس» [الترمذي وصححه الألباني انظر الموسوعة الفقهية]
فيكون الأمر بمسح الرأس أمرًا بمسحهما؛ فثبت وجوبه بالنص القرآني، وأجيب بعدم انتهاض الأحاديث الواردة لذلك، والمتيقن الاستحباب فلا يُصار إلى الوجوب إلا بدليل ناهض [نيل الأوطار]
قُلت وعلى القول بصحة حديث «الأذنان من الرأس» فلا يلزم إلا القائل بوجوب مسح كل الرأس، أما من قال بإجزاء مسح البعض، وهو الأرجح كما بينا آنفًا، فهذا الحديث ليس بحجة؛ لأن مسح بعض رأسه لا يحتاج لمسح الأذنين، حتى إن قلنا إنهما من الرأس

كيفية مسح الأذنين ورد مسح الأذنين مجملاً ومفصلاً في أحاديث عدة، نذكر منها ما كان على جهة التفصيل؛ لأنه محل الاستدلال
حديث الربيع بنت معوذ رضي الله عنها، وفيه «مسح برأسه مرتين بدأ بمؤخره، ثم بمقدمه وبأذنيه كلتيهما ظهورهما وبطونهما» أبو داود وحسنه الألباني
حديث المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه، وفيه «ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما» أبو داود وصححه الألباني وفي رواية أبي داود «وأدخل أصبعيه في صماخي أذنيه» البيهقي في السنن الكبرى
حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي مسح داخلهما بالسبابتين وخالف إبهاميه إلى ظاهرهما فمسح ظاهرهما وباطنهما ابن ماجه وصححه الألباني
فعلى هذا إذا مسح المتوضئ رأسه أتبعه بمسح الأذنين؛ فيضع إصبعيه في صماخي الأذنين، والصماخ هو الثقب الذي تدخل فيه رأس الأصبع من الأذن، ثم يمسح باطن الأذن، وهو ما يلي الوجه بالسبابة، وظاهر الأذن، وهو ما يلي الرأس، بالإبهام .

غسل الرجلين
اتفق علماء المذاهب الأربعة وغيرهم على وجوب غسل الرجلين؛ لقوله تعالى " فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ " المائدة ، وللأحاديث التي وردت في صفة وضوئه ، وكلها فيها غسل الرجلين
قال الإمام النووي ذهب جميع الفقهاء من أهل الفتوى في الأعصار والأمصار إلى أن الواجب غسل القدمين مع الكعبين، ولا يجزئ مسحهما، ولم يثبت خلاف هذا عن أحد يُعتد به في الإجماع

كيفية غسل الرجلين
الفرض أن تُغسل الرجلان إلى الكعبين، والكعبان داخلان فيهما، والسنة أن يبدأ بالرجل اليمنى لما سبق من حديث عائشة رضي الله عنها، ويبدأ الغسل من الأصابع، وينتهي بغسل الكعبين، ويُسن التخليل بين أصابع القدمين، كما في اليدين، وإن لم يصل الماء إلى بعض الأصابع إلا بتخليلها كان واجبًا؛ لأن الفرض استيعاب القدم؛ لما ثبت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي رأى رجلاً لم يغسل عقبه فقال «ويل للأعقاب من النار» متفق عليه

الترتيب
ذهب الشافعي وأحمد إلى وجوب الترتيب في الوضوء؛ لقوله تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ المائدة قال ابن قدامة فالآية تدل على أنه أُريد بها الترتيب؛ فإنه أدخل ممسوحًا بين مغسولين، والعرب لا تقطع النظير عن نظيره إلا لفائدة، ولا فائدة هنا إلا الترتيب
فإن قيل فائدته استحباب الترتيب قلنا الآية ما سيقت إلا لبيان الواجب، ولهذا لم يذكر فيها شيء من السنن؛ ولأنه متى اقتضى اللفظ الترتيب كان مأمورًا به، والأمر يقتضي الوجوب، ولأن كل من حكى وضوء النبي حكاه مرتبًا، وهو مفسِّر لما في كتاب الله، وذهب أبو حنيفة ومالك إلى عدم وجوب الترتيب بأن الواو في الآية لا تقتضي الترتيب، وبما صح عن المقدام بن معدي كرب قال أتى رسول الله بوضوء فتوضأ فغسل كفيه ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا، ثم مضمض واستنشق ثلاثًا ثلاثًا، ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما أحمد وصححه الألباني
فجاء في الحديث بالمضمضة والاستنشاق بعد غسل اليدين، فدل ذلك على أن الترتيب غير واجب في الوضوء

الموالاة
ذهب أبو حنيفة والشافعي في الجديد ورواية عن أحمد إلى عدم وجوب الموالاة، واحتجوا بآية الوضوء، وأن المأمور به غسل الأعضاء، فكيفما غسل جاز
وهو فعل ابن عمر رضي الله عنهما، فعن نافع أن ابن عمر توضأ في السوق، فغسل يديه ووجهه وذراعيه ثلاثًا ثلاثًا، ثم دخل المسجد فمسح على خُفيه بعد ما جفّ وضوؤه وصلى البيهقي في السنن الكبرى
قال الشافعي «وبينهما تفريق كثير، وقد صح عن ابن عمر التفريق، ولم ينكر عليه أحد مغني المحتاج للشربيني
وذهب أحمد في ظاهر المذهب والمالكية إلى وجوب الموالاة؛ لما روى خالد بن معدان عن بعض أزواج النبي أنه رأى رجلاً في ظهر قدمه لمعة كقدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره رسول الله أن يعيد الوضوء والصلاة أبو داود وصححه الألباني ولو لم تجب الموالاة لأجزأه غسل اللمعة المغني لابن قدامة
وبهذا ينتهي ما تيسر جمعه فيما يتعلق بصفة وضوء النبي ، ونسأل الله عز وجل التوفيق والقبول؛ فهو نعم المولى ونعم النصير، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 10-07-10, 12:12 AM
عبدالملك السبيعي عبدالملك السبيعي غير متصل حالياً
الله المستعان
 
تاريخ التسجيل: 28-12-05
المشاركات: 1,790
افتراضي رد: أحكام الوضوء - مقالات من مجلة التوحيد

في المرفقات :
1- أحكام الوضوء - مجلة التوحيد - منسقا ( وورد ) .
2- كتاب / صفة وضوء النبي - فهد بن عبد الرحمن الدوسري .
الملفات المرفقة
نوع الملف: doc الوضوء.doc‏ (121.5 كيلوبايت, المشاهدات 357)
نوع الملف: pdf sefatuwthuannebi.pdf‏ (744.5 كيلوبايت, المشاهدات 420)
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 16-10-10, 10:13 PM
أبو أنس الأنصاري أبو أنس الأنصاري غير متصل حالياً
كان الله له
 
تاريخ التسجيل: 07-03-07
الدولة: مِصْــــــر
المشاركات: 250
افتراضي رد: أحكام الوضوء - مقالات من مجلة التوحيد

جزاكَ اللهُ خيرًا.
__________________
« يا أهلَ السُّنَّةِ ترفَّقوا - رَحِمَكُمُ اللهُ -؛ فإنَّكُم مِنْ أَقَلِّ النَّاس ! »
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 02-09-14, 03:19 PM
أبو جابر الجزائري أبو جابر الجزائري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 21-06-04
المشاركات: 729
افتراضي رد: أحكام الوضوء - مقالات من مجلة التوحيد

بارك الله فيكم، يرفع للفائدة
__________________
قال الحسن البصري :المؤمن يجمع إحساناً وخوفاً والمنافق يجمع تقصيرًا وأمناً.
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 15-01-19, 01:01 PM
أبوحسين أبوحسين غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 21-12-09
المشاركات: 315
افتراضي رد: أحكام الوضوء - مقالات من مجلة التوحيد

السلام عليكم ورحمه الله وبركاته
بفضل الله
ولأول مرة 190 عدد من #مجلة_التوحيد مجمعة بموقع واحد
رابط الموقع
http://altawhedmag.com/


وبهذا الرابط العدد الأخير جمادى الأولى 1440هـ
https://www.facebook.com/altawhedmag...type=3&theater
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 15-09-19, 03:57 PM
الراجية رضا الرحمن الراجية رضا الرحمن غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 06-06-18
المشاركات: 82
افتراضي رد: أحكام الوضوء - مقالات من مجلة التوحيد

حكم الوضوء الصحيح

الوضوء إما واجب، وإما مستحب:

- يجب الوضوء لثلاثة أشياء:
1- الصلاة:
قال الله جل وعلا: ( يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ) [المائدة: 6].

2- الطواف بالكعبة:
لقوله (ص) للمرأة الحائض: «لا تطُوفِي حتى تَطْهُري» (رواه البخاري).

3- مس المصحف:
لقوله تعالى: ( لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ ٧٩ ) [الواقعة: 79]

المصدر
https://www.al-feqh.com/ar/%D8%A7%D9...B6%D9%88%D8%A1
__________________
حياة الرسول
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:51 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.