ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى أصول الفقه
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #21  
قديم 02-07-05, 11:35 AM
عبد الرحمن بن طلاع المخلف عبد الرحمن بن طلاع المخلف غير متصل حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: 07-09-03
المشاركات: 216
افتراضي

المسألة الأولى : قول الأخ الفاضل بن تميم ( فهناك قاعدة يتفق عليها أهل الإسلام كلهم وهي ..
لا تكليف إلا مع القدرة ..
فكل عامل بحسب قدرته فقد أدى ما عليه من الشرع المطالب به ..
سواء وافق الحق أو خالفه ..
فهنا ترتفع المؤاخذة فقط ولا يثبت الحق كما هو معلوم ..
ودليل هذه القاعدة بعض ما ذكرته من نصوص ..
فالوسع في قبول الشهادة بأن نتحرى عدالتهم فقط ..
فلا يكلفنا الله بعلم البواطن وما ينقض العدالة مما خفي علينا ..
فلم أخالفك ههنا أصلاً ... ) .
قوا الأخ ( فهناك قاعدة يتفق عليها أهل الإسلام كلهم وهي ..
لا تكليف إلا مع القدرة .. ) .
هذا الإتفاق الذي نقله عن أهل الإسلام غير صحيح عند إطلاقه و من المعلوم أنه يدخل في هذا الإتفاق أهل البدع من المسلمين قال شيخ الإسلام رحمه الله ( وهؤلاء أطلقوا القول بتكليف ما لا يطلق، وليس في السلف والأئمة من أطلق القول بتكليف ما لا يطاق، كما أنه ليس فيهم من أطلق القول بالجبر، وإطلاق القول بأنه يجبر العباد، كإطلاق القول بأنه يكلفهم ما لا يطيقون، هذا سلب قدرتهم على ما أمروا به، وذلك سلب كونهم فاعلين قادرين‏.‏
ولهذا كان المقتصدون من هؤلاء، كالقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأكثر أصحاب أبي الحسن، وكالجمهور من أصحاب مالك، والشافعي وأحمد بن حنبل، كالقاضي أبي يعلى، وأمثاله يفصلون في القول بتكليف ما لا يطاق، كما تقدم القول في تفصيل الجبر، فيقولون‏:‏ تكليف ما لا يطاق؛ لعجز العبد عنه لا يجوز، وأما ما يقال أنه لا يطاق؛ للاشتغال بضده، فيجوز تكليفه، وهذا؛ لأن الإنسان لا يمكنه في حال واحدة أن يكون قائمًا قاعدًا، ففي حال القيام لا يقدر أن يفعل معه القعود، ويجوز أن يؤمر حال القعود بالقيام، وهذا متفق علي جوازه بين المسلمين، بل عامة الأمر والنهي هو من هذا النوع، لكن هل يسمى هذا تكليف مالا يطاق‏؟‏ فيه نزاع‏.‏... ) .
و قال رحمه الله ( والناس متنازعون في مسمي الاستطاعة والقدرة، فمنهم من لا يثبت استطاعة إلا هذه، ويقولون‏:‏ الاستطاعة لابد أن تكون قبل الفعل، ومنهم من لا يثبت استطاعة إلا ما قارن الفعل، وتجد كثيرًا من الفقهاء يتناقضون، فإذا خاضوا مع من يقول من المتكلمين ـ المثبتين للقدر ـ‏:‏ إن الاستطاعة لا تكون إلا مع الفعل، وافقوهم على ذلك، وإذا خاضوا في الفقه، أثبتوا الاستطاعة المتقدمة التي هي مناط الأمر والنهي‏.‏
وعلي هذا تتفرع مسألة تكليف ما لا يطاق، فإن الطاقة هي الاستطاعة، وهي لفظ مجمل، فالاستطاعة الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي لم يكلف الله أحدًا شيئًا بدونها، فلا يكلف ما لا يطاق بهذا التفسير، وأما الطاقة التي لا تكون إلا مقارنة للفعل، فجميع الأمر والنهي تكليف ما لا يطاق بهذا الاعتبار، فإن هذه ليست مشروطة في شيء من الأمر والنهي باتفاق المسلمين‏.‏
وكذا تنازعهم في العبد هل هو قادر على خلاف المعلوم‏؟‏ فإذا أريد بالقدرة القدرة الشرعية التي هي مناط الأمر والنهي كالاستطاعة المذكورة في قوله تعالى ‏:‏‏{‏فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‏}‏ ‏[‏التغابن‏:‏16‏]‏، فكل من أمره الله ونهاه، فهو مستطيع بهذا الاعتبار، وإن علم أنه لا يطيعه، وإن أريد بالقدرة القدرية التي لا تكون إلا مقارنة للمفعول، فمن علم أنه لا يفعل الفعل، لم تكن هذه القدرة ثابتة له‏.‏... ) .
أنا لا أخالف بأنه لا تكليف إلا بقدرة كما هو معلوم و متفق عليه عند الفقهاء و لكن لا يطلق هذا ثم ينسب الإتفاق لإهل الإسلام قاطبة قال شيخ الإسلام رحمه الله ( الأمر والنهي، الذي يسميه بعض العلماء التكليف الشرعي هو مشروط بالممكن من العلم والقدرة، فلا تجب الشريعة على من لا يمكنه العلم كالمجنون والطفل، ولا تجب على من يعجز كالأعمى والأعرج والمريض في الجهاد، وكما لا تجب الطهارة بالماء، والصلاة قائمًا والصوم، وغير ذلك على من يعجز عنه‏.‏
سواء قيل‏:‏ يجوز تكليف ما لا يطاق أو لم يجز، فإنه لا خلاف أن تكليف العاجز الذي لا قدرة له على الفعل بحال غير واقع في الشريعة، بل قد تسقط الشريعة التكليف عمن لم تكمل فيه أداة العلم، والقدرة تخفيفًا عنه، وضبطًا لمناط التكليف، وإن كان تكليفه ممكنًا، كما رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم، وإن كان له فهم وتمييز، لكن ذاك لأنه لم يتم فهمه، ولأن العقل يظهر في الناس شيئًا فشيئًا، وهم يختلفون فيه، فلما كانت الحكمة خفية ومنتشرة قيدت بالبلوغ‏.‏
وكما لا يجب الحج إلا على من ملك زادًا وراحلة عند جمهور العلماء، مع إمكان المشي لما فيه من المشقة، وكما لا يجب الصوم على المسافر مع إمكانه منه تخفيفًا عليه، وكما تسقط الواجبات بالمرض الذي يخاف معه زيادة المرض وتأخر البرء، وإن كان فعلها ممكنًا‏.‏
لكن هذه المواضع هي مما تختلف فيها الشرائع، فقد يوجب اللّه في شريعة ما يشق، ويحرم ما يشق تحريمه، كالآصار والأغلال التي كانت على بني إسرائيل، وقد يخفف في شريعة أخرى، كما قال المؤمنون‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا‏}‏‏[‏البقرة‏:‏ 286‏]‏، وكما قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 185‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 6‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 78‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ‏}‏‏[‏النساء‏:‏ 28‏]‏‏.‏... ) .) .
قال الشوكاني رحمه الله في إرشاد الفحول ( المسألة الأولى : إن شرط الفعل الذي وقع التكليف به أن يكون ممكناً فلا يجوز التكليف بالمستحيل عند الجمهور وهو الحق وسواء كان مستحيلاً بالنظر إلى ذاته أو بالنظر إلى امتناع تعلق قدرة المكلف به . وقال جمهور الأشاعرة بالجواز مطلقاً ، وقال جماعة منهم أنه ممتنع في الممتنع لذاته جائز في الممتنع لامتناع تعلق قدرة المكلف به احتج الأولون بأنه لو صح التكليف بالمستحيل لكان مطلوباً حصوله واللازم باطل لأن تصور ذات المستحيل مع عدم تصور ما يلزم ذاته لذاته من عدم الحصول يقتضي أن تكون ذاته غير ذاته فيلزم قلب الحقائق . وبيانه أن المستحيل لا يحصل له صورة في العقل فلا يمكن أن يتصور شيء هو اجتماع النقيضين فتصوره إما على طريق التشبيه بأن يعقل بين السواد والحلاوة أمر هو الاجتماع ثم يقال مثل هذا الأمر لا يمكن حصوله بين السواد والبياض ، وإما على سبيل النفي بأن يعقل أنه لا يمكن أن يوجد مفهوم اجتماع السواد والبياض ، وبالجملة فلا يمكن تعلقه بماهيته بل باعتبار من الاعتبارات . والحاصل أن قبح التكليف بما لا يطاق معلوم بالضرورة فلا يحتاج إلى استدلال والمجوز لذلك لم يأت بما نبغي الاشتغال بتحريره والتعرض لرده ولهذا وافق كثير من القائلين بالجواز على امتناع الوقوع فقالوا يجوز التكليف بما لا يطاق مع كونه ممتنع الوقوع ، ومما يدل على هذه المسألة في الجملة قوله سبحانه : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به وقد ثبت في الصحيح أن الله سبحانه قال عند هذه الدعوات المذكورة في القرآن قد فعلت وهذه الآيات ونحوها إنما تدل على عدم الوقوع لا على عدم الجواز على أن الخلاف في مجرد الجواز لا يترتب عليه فائدة أصلاً ، قال المثبتون للتكليف بما لا يطاق لو لم يصح التكليف به لم يقع وقد وقع لأن العاصي مأمور بالإيمان وممتنع منه الفعل لأن الله قد علم أنه لا يؤمن ووقوع خلاف معلومه سبحانه محال وإلا لزم الجهل واللازم باطل فالملزوم مثله وقالوا أيضاً بأنه لو لم يجز لم يقع وقد وقع فإنه سبحانه كلف أبا جهل بالإيمان وهو تصديق رسوله في جميع ما جاء به ومن جملة ما جاء به أن أبا جهل لا يصدقه فقد كلفه بأن يصدقه في أنه لا يصدقه وهو محال . وأجيب عن الدليل الأول بأن ذلك لا يمنع قصور الوقوع لجواز وقوعه من المكلف في الجملة وإن امتنع لغيره من علم أو غيره فهو في غير محل النزاع ، وعن الثاني بأنه لم يكلف إلا بتصديق وهو ممكن في نفسه متصور وقوعه إلا أنه ممن علم الله أنهم لا يصدقونه كعلمه بالعاصين . هذا الكلام في التكليف بما لا يطاق أو التكليف بما علم الله أنه لا يقع فالإجماع منعقد على صحته ووقوعه . ) .
فيجب التفريق بين وقوعه في الشرع و بين جواز وقوعه في الشرع . ) .
المسألة الثانية : الأخ الفاضل كأنه يخصص هذه القاعدة في العمليات دون العلميات فظاهر كلامه كل من اجتهد و استفرغ وسعه في العلميات فيما بلغه من أدلة سواء أدلة نقلية أو عقلية ثم لم يجزم باعتقاده لا يثبت له الإعتقاد لأنه دخله شك في اعتقاده فقال الأخ الفاضل ( فالاعتقاد هو يقين ثبت في النفس فإن شك فيه ولو لحظة فقط لم يكن معتقداً بالله باليقين ..
وليس كما يصطلح عليه أهل الكلام في هذه المعاني ..
فالاعتقاد بالله وألوهيته وربوبيته وغيرها مما يجب اعتقاده لا يجوز أن يكون بظن أصلاً ..
فمتى ما دخل الشك فيه فقد بطل ذلك الاعتقاد ..
لأننا نطلق كلمة اعتقاد ولا نعني فيها إلا اليقين بما نعتقده ..
سواء سماها البعض ظن راجح أو غالب فلا محارجة في ذلك ..
ولأنه لا مرتبة متوسطة بين الشك واليقين فإما هذه وإما تلك ..
هذا في الاعتقاد التي تصح به الديانة ..
ولاحظ أمراً دقيقاً ..
أن من اعتقد وكان اعتقاده بغير يقين فلا يكون معتقداً ..
فاليقين يوجب التصديق بالشيء إن كان ذلك اليقين مصدقاً له ..
أو يوجب التكذيب بالشيء إن كان ذلك اليقين مكذباً له ..
فمن دخل الشك في تصديق ما أتى الله به تعالى من أمور الاعتقاد وغيرها فليس بمصدق ..
لأن التصديق لا يكون مع وجود شك ولو برهة من زمان ..
فالآية التي ذكرتها تتكلم عن العمل ولا تتكلم عن الاعتقاد ..
وإلا ما الفرق بين اعتقاد أهل الإيمان واعتقاد أهل الكفر .. ؟! ) .
و هذا الكلام عليه عدة ملاحظات :
الأولى : فيجب أن نفرق هنا فروقات دقيقة يجب التنبه لها .
الفرق بين الشك و الظن .
قال تعالى {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً }النساء157
سواء قيل الشك في قتله أو الشك نبوته فهم و إن قالوا بأنهم قتلوه ففي غرارة أنفسهم شاكين في هذا غير مستيقنين و غلبة الظن لا يكون فيها شك فالشك هو التوقف عن ترجيح أحد الأمرين و الظن الباطل هو اتباع أحد الأمرين من غير مرجح لا لا يجوز العمل بالشك لأنه من اتباع الظن و إنما يكون فيها ترجح أمر على أمر بمرجح ظاهر هذا هو غلبة الظن بإجماع أهل العلم المعتبرين كما نقل شيخ الإسلام عن الفقهاء و مع ذلك لم يكن هذا من قبيل الشك و لا من اتباع الظن و لا يقال هذا في العمليات و هذا في العمليات فمن فرق بين الأمرين فعليه الدليل فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب و هذا التفريق هو تفريق أهل البدع في فهمهم لنصوص الكتاب و السنة قال شيخ الإسلام رحمه الله ( وحجة هؤلاء أن الوعيد من الأمور العلمية، فلا تثبت إلا بما يفيد العلم وأيضا فإن الفعل إذا كان مجتهدا في حكمه لم يلحق فاعله الوعيد‏.‏ فعلى قول هؤلاء يحتج بأحاديث الوعيد في تحريم الأفعال مطلقا ولا يثبت بها الوعيد إلا أن تكون الدلالة قطعية ومثله احتجاج أكثر العلماء بالقراءات التي صحت عن بعض الصحابة مع كونها ليست في مصحف عثمان رضي الله عنه فإنها تضمنت عملا وعلما وهي خبر واحد صحيح فاحتجوا بها في إثبات العمل ولم يثبتوها قرآنا لأنها من الأمور العلمية التي لا تثبت إلا بيقين‏.‏ وذهب الأكثرون من الفقهاء وهو قول عامة السلف إلى أن هذه الأحاديث حجة في جميع ما تضمنته من الوعيد، فإن أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والتابعين بعدهم ما زالوا يثبتون بهذه الأحاديث الوعيد كما يثبتون بها العمل ويصرحون بلحوق الوعيد الذي فيها للفاعل في الجملة وهذا منتشر عنهم في أحاديثهم وفتاويهم وذلك لأن الوعيد من جملة الأحكام الشرعية التي ثبتت بالأدلة الظاهرة تارة وبالأدلة القطعية أخرى، فإنه ليس المطلوب اليقين التام بالوعيد بل المطلوب الاعتقاد الذي يدخل في اليقين والظن الغالب كما أن هذا هو المطلوب في الأحكام العملية‏.‏... ) .
فالتفريق بين العمليات و العلميات في الإعتقاد هو قول مبتدع مخالف لم ثبت من اعتقاد السلف .
و الدليل أن الأخ يفرق بينهم قوله ( فالآية التي ذكرتها تتكلم عن العمل ولا تتكلم عن الاعتقاد .. )
و الآية التي احتججت بها هي قوله تعالى {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }التغابن16 و هذه الآية عامة و لا شك و لم يذكر لنا الأخ وجه التخصيص و لا دليله مع أن الأخ ذكر أكثر من مره أنه لا يجوز التقييد أو التخصيص أو النسخ بغير دليل و تدبر كيف احتج شيخ الإسلام رحمه الله بهذه الآية على مسائل الإعتقاد ( وقد تقرر في الشريعة أن الوجوب معلق باستطاعة العبد كقوله‏:‏ ‏{‏فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ‏}‏ ‏[‏التغابن‏:‏16‏]‏ وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم‏)‏ أخرجاه في الصحيحين‏.‏
فإذا كان كثير مما تنازعت فيه الأمة ـ من هذه المسائل الدقيقة ـ قد يكون عند كثير من الناس مشتبها لا يقدر فيه على دليل يفيده اليقين؛ لا شرعي، ولا غيره لم يجب علي مثل هذا في ذلك ما لا يقدر عليه، وليس عليه أن يترك ما يقدر عليه من اعتقاد قوي غالب على ظنه لعجزه عن تمام اليقين؛ بل ذلك هو الذي يقدر عليه، لا سيما إذا كان مطابقا للحق‏.‏ فالاعتقاد المطابق للحق ينفع صاحبه ويثاب عليه ويسقط به الفرض إذا لم يقدر على أكثر منه‏.‏ )
و كلام الشيخ هذا فيه كذلك رد على قول الأخ بأن الإعتقاد يجب فيه التصديق المتيقن و إلا كان شكا و لا يصح الإعتقاد مع الشك و كلام الأخ هذا مبني على مقدمتين باطلتين :
الأولى : أن الإعتقاد لا يصح إلا باليقين و الجزم .
و المقدمة الثانية : أن من غلب على ظنه بمرجح ظاهر دخله الشك و من دخله الشك لا يصح إيمانه
النتيجه صحيحه من دخله الشك لا يصح إيمانه و لكن مبنيه على مقدمات باطله فإن المرء إذا ما اجتهد و استفرغ وسعه و غلب على ظنه أمر و اعتقده فهذا و لا شك ينفعه و هو ما قدر عليه و لا يكلف الله نفسا إلا وسعها .
ثم إن من غلب على ظنه لا يكون شاكا لأن الشك هو استواء الطرفين لا غلبة الظن بأحد الأمرين فإن غلب ظنه بأحد الأمرين فله حالين :
الأول : إذا غلب ظنه بمرجح ظاهر فلا يدخل في اتباع الظن بل هو مأمور باتباع هذا الظاهر لأنه فعل ما يستطيعه .
و الثاني : من اتبع الأمرين بغير مرجح ظاهر و إنما اتباعا للهوى فهو ممن اتبع الظن و دخل في ما نهى الله عنه من اتباع الظن .
و قوله تعالى {فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ }يونس94 فالمتضادان لا يجتمعان و قد يرتفعان فالشك هو استواء الأطراف مع عدم الترجيح فالشك اعتقاد التوقف أو التردد و غلبة الظن أو الظن الراجح هو ترجح أحد الأمرين بمرجح و هما يتضادان و لا شك و قد يخلف غلبة الظن اليقين و هو من أضداد الشك و قد يخلف الشك غلبة الظن من غير مرجح ظاهر و هو كذلك من أضداد غلبة الظن بمرجح ظاهر و اليقين فهل يصح اعتقاد من غلبه الظن بمرجح ظاهر أم يقال بأنه قد دخله الشك في اعتقاده و هو ممن اتبع الظن .
و قال تعالى {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }يونس104
فمن غلب على ظنه صدق النبي صلى الله عليه و سلم ثم اتبع النبي صلى الله عليه و سلم على هذا الإعتقاد و ترك عبادة الأوثان و عبد الرحمن و صدقه و شهد بصدقه بلسانه و تابعه على شرعه هل يقال بأن هذا شاكا و لا يصح إيمانه و هل يستوى هذا بمن شك في نبوة النبي صلى الله عليه و سلم حتى لو تابعه على شرعه و أظهر صدقه كحال المنافقين أو بمن غلب على ظن كذب النبي صلى الله عليه و سلم بغير برهان و لا شك أنه لا يوجد برهان على هذا فلما لم يوجد دل على غلبة الظن بكذب النبي صلى الله عليه و سلم إنما هو محض اتباع الظن المنهي عنه الذي يخالف البرهان و البينة مخالفة ظاهرة و هذا وجه الرد على قوله الأخ ( وإلا ما الفرق بين اعتقاد أهل الإيمان واعتقاد أهل الكفر .. ؟! ) .
فاعتقاد أهل الكفر مبني على اتباع ظن من غير برهان ظاهر و اعتقاد أهل الإيمان مبني على جزم أو ظن راجح بمرجح سواء كان هذا المرجح عقلي أو نقلي فإن اعتقاد ألوهية الله و ربوبيته و اعتقاد نبوة النبي صلى الله عليه و سلم لا يصح لا في عقل و لا نقل وجود دليل يدل على خلافهما فدل على أن كل من قال خلافهما إنما قاله بظنه المخالف للدليل قطعا و من وافقهما و إن كان بظن غالب فإنما قاله بدليل مرجح و كما قلنا سواء كان هذا الدليل نقلي أو عقلي قال تعالى {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ }آل عمران151 و هذا عموم يدخل فيه كل سلطان عقلي و نقلي فإن عبادة غير الله لا تصح لا عقلا و نقلا فاستحقوا العقوبة من الله لأنهم رجحوا عبادة غير الله تعالى من غير مرجح .
و قال تعالى {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ }الأنعام81 فمن غلب على ظنه صدق النبي صلى الله عليه و سلم و اتبعه على هذا هل يدخل فيمن أشرك مع الله غيره بغير برهان أم مع من يستحق الأمن من أهل الإيمان فمن آمن و صدق النبي صلى الله عليه و سلم و اتبعه على ذلك و لم يلبس هذا الإيمان بظلم لا يخالف عالم أنه داخل فيمن آمن لا فيمن أشرك مع الله غيره بل من تدبر أحوال الصحابة علم أنهم لا بد أن يبدؤوا قبل الوصول إلى اليقين و الجزم لا بد أنهم مروا بمرحلة الظن الغالب و مع ذلك لم يقل أحد أنهم إذا بلغوا هذه المرحلة لم يكونوا حينها من أهل الإيمان بل من أهل الكفر مع أنهم أظهروا الإيمان و غلب على ظنهم صدق النبي صلى الله عليه و سلم و اتبعوه و أظهروا موافقته هذلا يصح لا في عقل و لا في نقل .
و قال تعالى {قَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَـذَا أَتقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ }يونس68
فكل من قال بأن لله ولد لا شك و أنه قاله بغير برهان و سلطان سواء ادعى أنه عنده سلطان بذلك أم لك يدع لذا من اتبع هذا الظن هو و لا شك ممن اتبع الظن الباطل المحرم .
و قال تعالى {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى }النجم23
فالله تعالى أرسل إليه السلطان و الحجه و البرهان و بين لهم بطلان ما يدعونه و لكنهم اتبعوا ما يطنونه حقا بلا برهان و لا حجة فكانوا بهذا مذمومين فقال تعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً }النساء174.
أي واضحا لا لبس فيه فهو نور و النور حتى الأعمى قد يحس فيه فكيف لو كان مبينا .
و قال تعالى {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ }الدخان9 فهم لو كانوا عندهم غلبة ظن بصدق النبي صلى الله عليه و سلم ثم أظهروا صدق النبي صلى الله عليه و سلم و اتباعه لا يقال بأنهم في شك يلعبون بل ظاهرهم أنهم من أهل الإيمان و التصديق و أما لو غلب على ظنهم صدقه ثم لم يظهروا اتباعه فكفرهم لا لأنهم شكوا بل لأنهم لم يتبعوه و لو اتبعوه لنفعهم غلبة ظنهم .
و قال تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ }فصلت45
فشكهم هو الذي منعهم من تصديق موسى عليه و اتباعه و لو قيل بأن الشك هنا هو غلبة الظن قيل لو أنهم عملوا بغلبة الظن و اتبعوه و صدقوه و تبرؤوا من الكفر و الشرك هل يصبحوا مؤمنين أم لا ؟
فالشك كفر بإجماع المسلمين سواء أظهر الإسلام أم لا و غلبة الظن مع التصديق و إظهار الإسلام نافعه و لا شك كما أجمع على هذا سلف الأمة و أئمتها فهي نافعه و لا شك في الدنيا و الآخرة و إن كانت أنقص من وجود الجزم و اليقين .
و قال تعالى {أَأُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ }ص8
فهم لم يصدقوا الني صلى الله عليه و سلم و لم يتبعوه لشكهم فيه و هذا الشك مبني على أنهم كانوا يستغربون كيف أرسل الله تعالى محمدا و أنزل عليه الكتاب من بينهم و لو تدبرنا في حجتهم هذه لعلمنا أنها من أسخف الحجج ولا يقبلها عقل الصغار قبل الكبار و إلا لو أنزل الكتاب على غير النبي صلى الله عليه و سلم فمكان قولهم فيه ؟ .
و قال تعالى {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ }سبأ21
فمن غلب ظنه الإيمان بالآخرة و عمل بما غلب على ظنه هل حكمه كحكم من شك في الآخرة و اتبع هذا الظن الباطل .
و لا يقال بأن الأخ يوافق على هذا و إن سماه غيره ظن راجح أو غلبة ظن قلنا كلام الأخ يخالف هذا فهو مثلا في العمليات يوافق على كلام شيخ الإسلام في حكاية للإجماع فقال الأخ ( وهذه القضية والإجماع المحكي والنص الوارد فيه حق لا نبطله وهو قولنا آنفاً ..
ولم نقل بتأثيم أحد عمل هكذا البتة ... )
و انظر قوله ( وإلا ما الفرق بين اعتقاد أهل الإيمان واعتقاد أهل الكفر .. ؟!
فإن لم يكن مطلوباً منا اليقين بما نعتقد لصححنا عقائد باطلة بناء على أنها بذلت وسعها فعلمت أن عيسى عليه السلام هو الرب ..
واليقين لا يبطله يقين ضرورة ... ) .
و قاله ( ولاحظ أمراً دقيقاً ..
أن من اعتقد وكان اعتقاده بغير يقين فلا يكون معتقداً ..
فاليقين يوجب التصديق بالشيء إن كان ذلك اليقين مصدقاً له ... ) .
الثانية : قوله ( لأننا نطلق كلمة اعتقاد ولا نعني فيها إلا اليقين بما نعتقده ..
سواء سماها البعض ظن راجح أو غالب فلا محارجة في ذلك ) أهل العلم فرقوا بين اليقين و الظن الراجح لفظا و معنى فمن قال من أهل العلم بالظن الراجح و وجوده قال بأنه دون القطع و اليقين و ما ذكرته من الإجماع الذي نقله شيخ الإسلام و الإجماع كذلك الذي نقله في العلم بالمقطوع به ثبوتا و دلالة دليل واضح على أنهم يفرقون بين الأمرين فمن قال بالعمل بالظن الراجح قولا و عملا لم يرد قطعا العمل بالمجزوم به و إنما أراد العمل بالراجح و هذا ليس بيقين عندهم فليزم أن من اعتقد بظن راجح لا يصح إيمانه لأنه قد دخله الشك في إيمانه و هذا لا يوافق عليه من قال بالراجح من الظن و لا يجوز إيهام عدم التفريق بين القطع و غلبة الظن عندهم كما هو مذهب الأخ بن تميم بأنه الإيمان لا يصح إلا بيقين فالإيمان عند أهل السنة و الجماعة و إن كان يجب بالقطع و اليقين و لكن يصح بغلبة الظن و اتباعها و هذا ليس من اتباع الظن المذموم .
الثالثة : قوله ( ولاحظ أمراً دقيقاً ..
أن من اعتقد وكان اعتقاده بغير يقين فلا يكون معتقداً ..
فاليقين يوجب التصديق بالشيء إن كان ذلك اليقين مصدقاً له ..
أو يوجب التكذيب بالشيء إن كان ذلك اليقين مكذباً له ... ) .
فعلى هذا القول لا يكون هناك تصديق إلا بيقين فلا يكون مصدقا إلا من كان متيقنا و أما من غلب على ظنه الصدق و صدق فلا يكون مصدقا لأنه غير ميتقن و هذا القول غير صحيح قال شيخ الإسلام رحمه الله ( والذي مضى عليه سلف الأمة وأئمتها‏:‏ أن نفس الإيمان الذي في القلوب يتفاضل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان‏)‏، وأما زيادة العمل الصالح الذي على الجوارح ونقصانه فمتفق عليه، وإن كان في دخوله في مطلق الإيمان نزاع، وبعضه لفظي، مع أن الذي عليه أئمة أهل السنة والحديث ـ وهو مذهب مالك، والشافعي، وغيرهم ـ‏:‏ أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص‏.‏
وأئمة المسلمين أهل المذاهب الأربعة وغيرهم ـ مع جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان ـ متفقون على أن المؤمن لا يكفر بمجرد الذنب كما تقوله الخوارج، ولا يسلب جميع الإيمان كما تقوله المعتزلة، لكن بعض الناس قال‏:‏ إن إيمان الخلق مستوٍ، فلا يتفاضل إيمان أبي بكر وعمر وإيمان الفساق، بناء على أن التصديق بالقلب واللسان، أو بالقلب، وذلك لا يتفاضل‏.‏
وأما عامة السلف والأئمة، فعندهم أن إيمان العباد لا يتساوى، بل يتفاضل، وإيمان السابقين الأولين أكمل من إيمان أهل الكبائر المجرمين، ثم النزاع مبني على الأصلين‏:‏
أحدهما‏:‏ العمل، هل يدخل في مطلق الإيمان‏؟‏ فإن العمل يتفاضل بلا نزاع، فمن أدخله في مطلق الإيمان قال‏:‏ يتفاضل، ومن لم يدخله في مطلق الإيمان احتاج إلى الأصل الثاني وهو‏:‏ أن ما في القلب من الإيمان هل يتفاضل‏؟‏ فظن من نفي التفاضل أن ليس في القلب ـ من محبة الله، وخوفه ورجائه، والتوكل عليه وأمثال ذلك مما قد يخرجه هؤلاء عن محض التصديق ـ ما هو متفاضل بلا ريب، ثم نفس التصديق ـ أيضًا ـ متفاضل من جهات‏:‏
منها‏:‏ أن التصديق بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم قد يكون مجملاً، وقد يكون مفصلاً، والمفصل من المجمل، فليس تصديق من عرف القرآن ومعانيه، والحديث ومعانيه، وصدق بذلك مفصلاً، كمن صدق أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر ما جاء به لا يعرفه أو لا يفهمه‏.‏
ومنها‏:‏أن التصديق المستقر المذكور أتم من العلم الذي يطلب حصوله مع الغفلة عنه‏.‏
ومنها‏:‏ أن التصديق نفسه يتفاضل كنهه، فليس ما أثنى عليه البرهان بل تشهد له الأعيان، وأميط عنه كل أذى وحسبان، حتى بلغ أعلى الدرجات، درجات الإيقان، كتصديق زعزعته الشبهات، وصدفته الشهوات، ولعب به التقليد، ويضعف لشبه المعاند العنيد، وهذا أمر يجده من نفسه كل منصف رشيد‏.‏
ولهذا كان المشائخ ـ أهل المعرفة والتحقيق، السالكون إلى الله أقصد طريق ـ متفقين على الزيادة والنقصان في الإيمان والتصديق، كما هو مذهب أهل السنة والحديث في القديم والحديث ... ) .
فمن غلب على ظنه بمرجح الصدق و عمل بهذا التصديق لا يقال بأنه غير مصدق فالتصديق هو اعتقاد الصدق و اعتقاد الصدق قد يكون بالعلم الجازم و قد يكون بغلبة الظن .
رد مع اقتباس
  #22  
قديم 02-07-05, 03:19 PM
عبد الرحمن بن طلاع المخلف عبد الرحمن بن طلاع المخلف غير متصل حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: 07-09-03
المشاركات: 216
افتراضي

و أما قول الأخ بن تميم ( ولأنه لا مرتبة متوسطة بين الشك واليقين فإما هذه وإما تلك ..
هذا في الاعتقاد التي تصح به الديانة ... ) .
يعني أن من غلب ظنه و لم يجزم لا يصح إيمانه بما غلب ظنه به لأنه لم يجزم علما بأن هذا التفريق كما ذكرنا سابقا لا أصل له لا من كتاب و لا سنة و لا قول صاحب بل هو قول أهل البدع الذين يشترطون أن تكون مسائل الإعتقاد مقطوع بها و إلا لا يصح الإعتقاد و التزموا على هذا الأصل رد خبر الواحد في العقائد لأنه يفيد الظن و ما يفيد الظن لا يعتمد عليه و يلزمهم أنه يجب اعتقاد وجوب الشي أو حرمته أو كراهته أو استحبابه في العمليات و لا يجوز العمل في الأحكام حتى يعتقد هذا فكيف ساغ لهم قبول خبر الواحد في العمليات مع أنه لا بد معه من اعتقاد و إلا لم يصح العمل
و ردوا خبر الواحد بحجة أنه يفيد الظن و لا يفيد الجزم في العقائد .
قال شيخ الإسلام رحمه الله ( وقد تنوعت طرق الناس في جواز هذا؛ فطائفة قالت‏:‏ لا يتبع قط إلا العلم ولا يعمل بالظن أصلا، وقالوا‏:‏ إن خبر الواحد يفيد العلم، وكذلك يقولون في الظواهر، بل يقولون‏:‏ نقطع بخطأ من خالفنا، وننقض حكمه، كما يقوله داود وأصحابه، وهؤلاء عمدتهم إنما هـو مـا يظنونه ظاهرًا‏.‏ وأمـا الاستصحاب، فالاستصحاب ـ في كثير مـن المواضع ـ من أضعف الأدلة وهم في كثير مما يحتجون به قد لا يكون ما احتجوا به ظاهر اللفظ، بل الظاهر خلافه، فطائفة قالت‏:‏ لما قام الدليل على وجوب العمل بالظن الراجح كنا متبعين للعلم، فنحن نعمل بالعلم عند وجود العلم، لا نعمل بالظن‏.‏ وهذه طريقة القاضي أبي بكر وأتباعه‏.‏... ) .
قال شيخ الإسلام رحمه الله ( أما الأول‏:‏ فالجواب الصحيح هو الجواب الثالث، وهو أن كل ما أمر اللّه تعالى به فإنما أمر بالعلم، وذلك أنه في المسائل الخفية عليه أن ينظر في الأدلة، ويعمل بالراجح، وكون هذا هو الراجح أمر معلوم عند أمر مقطوع به، وإن قدر أن ترجيح هذا على هذا فيه شك عنده لم يعمل به، وإذا ظن الرجحان فإنما ظنه لقيام دليل عنده على أن هذا راجح، وفرق بين اعتقاد الرجحان ورجحان الاعتقاد،أما اعتقاد الرجحان فقد يكون علمًا وقدلا يعمل حتى يعلم الرجحان، وإذا ظن الرجحان أيضًا فلابد أن يظنه بدليل يكون عنده أرجح من دليل الجانب الآخر، ورجحان هذا غير معلوم، فلابد أن ينتهي الأمر إلى رجحان معلوم عنده، فيكون متبعًا لما علم أنه أرجح، وهذا اتباع للعلم لا للظن وهو اتباع الأحسن، كما قال‏:‏‏{‏فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا‏}‏ ‏[‏ الأعراف‏:‏ 145‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏18‏]‏،وقال‏:‏‏{‏وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏55‏]‏‏.‏ فإذا كان أحد الدليلين هو الأرجح فاتباعه هو الأحسن،وهذا معلوم‏.‏
فالواجب على المجتهد أن يعمل بما يعلم أنه أرجح من غيره، وهو العمل بأرجح الدليلين المتعارضين‏.‏ وحينئذ، فما عمل إلا بالعلم وهذا جواب الحسن البصري، وأبيّ وغيرهم‏.‏ والقرآن ذم من لا يتبع إلا الظن فلم يستند ظنه إلى علم بأن هذا أرجح من غيره؛ كما قال‏:‏‏{‏مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏157‏]‏، وقال‏:‏ ‏{‏قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ
الظَّنَّ‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏148‏]‏، وهكذا في سائر المواضع يذم الذين إن يتبعون إلا الظن، فعندهم ظن مجرد لا علم معه، وهم يتبعونه، والذي جاءت به الشريعة وعليه عقلاء الناس أنهم لا يعملون إلا بعلم بأن هذا أرجح من هذا، فيعتقدون الرجحان اعتقادًا عمليًا، لكن لا يلزم إذا كان أرجح ألا يكون المرجوح هو الثابت في نفس الأمر‏.‏... ) .
و الأخ قد وافق على أن العمليات يعمل بها بما ظهر لنا و أقر بإجماع شيخ الإسلام و أقر بوجود مرحلة وسط بين اليقين و بين الظن و هي الحكم بالظاهر و من المعلوم أن الحكم بالظاهر لا يكون بيقين فقال ( وهذا كما قلت ولا فرق ..
فقول ابن تيميه أن الظاهر هذا محل اتفاق هو ما أنكره علينا الأخ الفاضل ..
ثم استشهد به لقوله .. !
وقلت سابقاً ..
أن أهل الظاهر وقفوا على هذا الظاهر أو وقفوا على ما نقل عن هذا الظاهر ..
والناقل هذا كان بما نقطع أنه في لغتنا أو نص ثابت صحيح أو إجماع متيقن ... ) .
فالظاهر واقع لا محالة إما في الكليات أو الجزئيات أو في المعينات و كل هذا إقرار بوجود مرحلة وسط بين اليقين و الظن و هو الظن الراجح
و أقر كذلك بمرحلة وسط في التنزيل فالحكم على المعينات قد يكون بيقين أو بظن و معلوم أن الظن هنا غالب و مرجح بمرجح ظاهر فقال ( وفعل النبي صلى الله عليه وسلم يبطل هذا التصرف والحكم ..
فهو حكم بما ظهر له من صلاح الناس وعدالتهم ..
ولم يأته أحد يبطل عدالة الشهود ..
ولا تحرى عن بواطنهم إن كانوا صادقين أو كاذبين ... ) .
فهو حكم و لا شك بما ظهر له من عدالتهم و هو مأمور بالحكم بعدالتهم و إن لم يجزم بعدالتهم و لكن يجب عليه القبول بتعديل غيرهم لهم فالظن واقع و لا شك إما في عدم جزمه بعدالة الشهود أو بعدم جزمه بصدق الموثقين أو أن يأتي أحدهم بحجة هي ألحن من حجة صاحبه فيقضي له بما ظهر له و لم يكن هذا من الظن المحرم .
و يجب أن يعلم هنا أن قولي بالعمل بالظن الراجح ليس معناه الظن المرجد من غير مرجح معتبر و إنما هو العمل أو الإعتقاد بمرجح معتبر مع عدم بلوغ مرحلة الجزم و اليقين لا كما أفهم من إطلاقات الأخ أن مرادي أي ظن و إن لم يكن هناك مرجح معتبر .
رد مع اقتباس
  #23  
قديم 03-07-05, 11:15 AM
عبد الرحمن بن طلاع المخلف عبد الرحمن بن طلاع المخلف غير متصل حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: 07-09-03
المشاركات: 216
افتراضي

أما من استفرغ وسعه لإصابة الحق في العمل فقد أدى ما عليه وهذا ذكرته آنفاً في التعقيب ولم أخالفه ..
لكن لا يعني من فعل ذلك أنه أصاب الحق عند الله ..
فالعمل بشيء ينتج عنه قضيتين ..
الأولى : إصابة الحق عند الله تعالى وفيه الأجر ..
وهذا لا يكون إلا بعمل بيقين لأنه لا يتعارض ولا يتناقض ..
الثانية : العمل بما أمرنا به في تحري الحق وإن أخطأنا بلا نية للخطأ ..
فهذا فيه الأجر أيضاً ولا يعني أنه الحق عند الله ..
ولا يحل لنا ههنا أن ننسبه إلى الله تعالى إن كان بناء عن ظن ورأي ..
لأن هذه المسالك لم يطلبها الله تعالى منا أصلاً ..
وإنما طلب منا العمل بما أمرنا به فقط مما يوصلنا إلى القطع في نسبة شيء من الأحكام والديانة إلى الله تعالى ..
وكل طريق لا يوصل إلى القطع فلم نؤمر به ..
ومن قال بغير هذا فقد أخطأ يقيناً ..
ولوجب على القائل هذا أن ينسب كل الظنون التي قال بها كل مفتي منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا إلى الله تعالى وشرعه ..
وهذا أيضاً لا يقوله أهل الرأي أصلاً ..
وإنما يعملون بالظن تورعاً واحتياطاً مع عدم نسبتهم لشيء من ذلك إلى الله تعالى لعدم ثبوته من جهة القطع واليقين ..
فالصحابة رضي الله عنهم عملوا بما اجهدوا فيه الفكر والرأي حتى وصلوا لحكم ما وكان بالظن ..
ولم ينسبوه إلى الشرع البتة ..
فلما ورد عن غيرهم اليقين تركوا ما قالوه ..
وكذلك من بعدهم من التابعين ..
فلا محارجة في العمل بالاجتهاد وهذا ما قدمته آنفاً في التعقيب ..
وإنما في نسبة هذا العمل بالظن والرأي إلى الله تعالى والشرع والإلزام به ..
وهذا لا يدركه الكثير من طلبة العلم إلا من رحم الله .. ) .
ذكرنا هنا ثلاثة أمور في الإجتهاد و استفراغ الوسع :
الأول : استفراغ الوسع في التنزيل و هذا مجمع عليه بأنه يجب على المجتهد استفراغ الوسع لإصابة الحق في نفس الأمر فإن أصاب الحق فله أجران و إن أخطأه فله أجر واحد و إذا أخطأه فلا شك أنه حكم بما غلب على ظنه أنه الحق و لكنه أخطأ إصابة الحق و قد يصيب الحق كما ثبت في الحديث الصحيح عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ » .
فكما أن الحاكم إذا اجتهد و غلب على ظنه صحة الحكم قد يخطأ فكذلك لو اجتهد و غلب على ظنه صحة الحكم قد يصيب الحكم فإصابة الحكم قد تكون عن غلبة ظن و قد تكون عن يقين و جزم و أما الخطأ في الحكم لا يمكن أن يكون عن يقين و جزم حتى لو ادعى الحاكم اليقين لأن اليقين لا يمكن أن يكون خطأ أبدا و إنما هو غلبة ظن أخطأ في إصابة الحكم فيها فعذر لاجتهاده .
الثاني : الخطأ في الكليات و المراد بالكليات الأحكام العامة التي تلزم كل مسلم و هذا كذلك الخطأ فيها وارد فليس كل مسألة اتفق عليه المسلمون فكثير من المسائل سواء العلميات أو العمليات اختلف فيها المسلمون فمن اجتهد في فهم نصوص الكتاب و السنة و أخطأ في فهمه و لم يكن خطأه فيما لا يصح الإسلام إلا به كان معذورا أما ما لا يصح الإسلام إلا به فلا يعذر فيه إلا المكره فلا يقال بأن من قال بأن عيسى هو بن الله أو هو الله أو عبد مع الله غيره معذور لأنه اجتهد فإن حقيقة الإسلام لا تثبت إلا بإفراد الله بالعبادة و بالشهادة لنبينا صلى الله عليه و سلم بالرسالة و كل ما يناقضهما مناقضة تامة لا يعذر فيه بجهل و لا تأويل والإسلام‏:‏ أن يستسلم العبد لله لا لغيره، كما ينبئ عنه قول‏:‏ ‏(‏لا إله إلا الله‏)‏، فمن استسلم له ولغيره فهو مشرك، ومن لم يستسلم له فهو مستكبر، وكلاهما ضد الإسلام‏ و لا دخل للتأويل و الجهل بهذه المسألة فإن لكل شئ حقيقه فإن لم توجد هذه الحقيقة انتفى الاسم عمن لم تثبت به هذه الحقيقة و لكن يدخل العذر بالجهل في عقوبة من لم تثبت فيه هذه الحقيقة فإن من لم تثبت هذه الحقيقة له كافر و لا شك و لكن من اجتهد و استفرغ و سعه في طلب الحق لا يعذب حتى تقوم عليه الحجه كما قال تعالى {مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً }الإسراء15
و قال تعالى {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى }طه134
و في الحديث الصحيح عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ لَوْ رَأَيْتُ رَجُلاً مَعَ امْرَأَتِى لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ . فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ « تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ ، وَاللَّهِ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّى ، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ، وَلاَ أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ وَلاَ أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ » . وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ « لاَ شَخْصَ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ » .
و لا يعني عدم عقوبته في الدنيا و الآخرة عدم خروجه من الإسلام بل هو غير مسلم لعدم وجود حقيقة الإسلام .
الثالث : الإعتقاد و الأخ يشترط أن يصل فيه المكلف إلى اليقين و أنه لا مرتبه وسط بين اليقين و الشك و بينا خطأ هذا الإطلاق و أن المكلف متى ما غلب على ظنه الحق فصدق به و اعتقده و أظهر الإلتزام به حكم له بالإسلام و نفعه هذه الإعتقاد في الدنيا و الآخرة و أن الجزم و اليقين و إن كان مطلوبا و لكن إن لم يقدر إلا على ما غلب ظنه لا يقال بأنك شاك و لا يصح إيمانك هذا من جهة التنظير قد يخالف فيه بعض المتكلمة و لكن من جهة التنزيل لا يمكن أن يحكم لمن جاء مسلما و قال بأنه يغلب على ظنه صحة الإسلام و أنه حق و يعتقد بكل ما فيه لا يمكن أن يحكم له بأنه لا زال على كفره و أنه ليس بمسلم لأنه لا زال شاكا .
و بينا كذلك أن الإجتهاد في مسائل الإعتقاد كالإجتهاد في مسائل الأحكام يجب فيه الجزم و اليقين و من لم يقدر على اليقين صح إيمانه بما غلب ظنه و ذكرنا أن قوله تعالى {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }التغابن16 يدل على ذلك و هو عام بالعمليات و العلميات .
فقوله ( وهذا لا يكون إلا بعمل بيقين لأنه لا يتعارض ولا يتناقض ... ) .
إن كان مراده لا يكون العمل إلا بيقين فهذا خطأ و لا شك و هو قد أقر بأن العمل بالظاهر و الظاهر قد يصيب به الحق و قد لا يصيب و عندها يكون العمل بغلبة الظن لا الجزم لأنه لو كان جزما لكان أصاب الحق جزما و لا يقال هنا أنه حكم بالظاهر .
و إن كان مراده أنه لا يجوز العمل إلا بما قطع به من الأصول و لا يجوز العمل بما اختلف فيه من الأصول و لعل هذا مراده و هذا كذلك خطأ و قد بينا بأن عموم الشرع سواء كان عمليات أو عمليات يجوز العمل بما هو ظاهر او يغلب على الظن و متى ما اختلف في مسألة من مسائل أصول الفقه و رجح بعضهم العمل بهذه المسألة بمرجح معتبر جاز له ذلك فإصاب الحق فله أجران و إن أخطأ فله أجر على اجتهاده فالتفريق بين مسائل أصول الفقه أو أحكامه أو مسائل أصول الدين في مسألة العذر بالجهل أو التأويل تفريق مبتدع لم يرد عن السلف .
و قول الأخ الفاضل ( الثانية : العمل بما أمرنا به في تحري الحق وإن أخطأنا بلا نية للخطأ ..
فهذا فيه الأجر أيضاً ولا يعني أنه الحق عند الله ..
ولا يحل لنا ههنا أن ننسبه إلى الله تعالى إن كان بناء عن ظن ورأي ..
لأن هذه المسالك لم يطلبها الله تعالى منا أصلاً ..
وإنما طلب منا العمل بما أمرنا به فقط مما يوصلنا إلى القطع في نسبة شيء من الأحكام والديانة إلى الله تعالى ..
وكل طريق لا يوصل إلى القطع فلم نؤمر به .... ) .
يجب أن يعلم أن الظن يدخل في فهم كتاب الله تعالى و انظر فهم الصحابة رضوان الله عليهم في فهم القرء كما قال تعالى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ }البقرة228
فهم لا يختلفون في أن المطلقه تتربص ثلاثة قروء و لكن اختلفوا في معنى القرء هنا قال بن كثير رحمه الله ( وقد اختلف السلف والخلف والأئمة في المراد بالأقراء ما هو على قولين: أحدهما) أن المراد بها الأطهار, وقال مالك في الموطأ عن ابن شهاب, عن عروة, عن عائشة أنها انتقلت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر حين دخلت في الدم من الحيضة الثالثة, فذكرت ذلك لعمرة بنت عبد الرحمن, فقالت: صدق عروة, وقد جادلها في ذلك ناس فقالوا: إن الله تعالى يقول في كتابه {ثلاثة قروء}. فقالت عائشة: صدقتم, وتدرون ما الأقراء ؟ إنما الأقراء الأطهار, وقال مالك, عن ابن شهاب: سمعت أبا بكر بن عبد الرحمن يقول: ما أدركت أحداً من فقهائنا إلا وهو يقول ذلك, يريد قول عائشة, وقال مالك عن نافع, عن عبد الله بن عمر, أنه كان يقول: إذا طلق الرجل امرأته, فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد برئت منه وبرىء منها, وقال مالك: وهو الأمر عندنا وروى مثله عن ابن عباس وزيد بن ثابت وسالم والقاسم وعروة وسليمان بن يسار, وأبي بكر بن عبد الرحمن وأبان بن عثمان وعطاء بن أبي رباح وقتادة والزهري وبقية الفقهاء السبعة وهو مذهب مالك والشافعي وغير واحد وداود وأبي ثور, وهو رواية عن أحمد واستدلوا عليه بقوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} أي في الأطهار ... ) .
و من المعلوم أن كل قول من هذه الأقوال يريد بن صاحبه أنه هو الذي أراده الله تعالى و لم يتوقف في نسبته لله تعالى و إن كان عن غلبة ظن لا يقين
و يقع كذلك الخطأ في فهم حديث النبي صلى الله عليه و سلم أخرج البخاري و غيره عن ابن عمر ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لنا لما رجع من الأحزاب : " لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة " فأدرك بعضهم العصر في الطريق ، فقال بعضهم : لا نصلي حتى نأتيها ، وقال بعضهم : بل نصلي ، لم يرد منا ذلك ، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يعنف واحدا منهم ) و من المعلوم أن أحدهما مخطئ و لا شك و من كان مخطئا لم يكن حكمه بيقين و لا شك لأنه لو كان بيقين لأصاب الحق و لا يمكن أن يكون بظن محض من غير مرجح معتبر فلا يكون إلا بظن غالب بمرجح معتبر لذا لم يعنفه النبي صلى الله عليه و سلم ثم إنه نسب هذا القول للنبي صلى الله عليه و سلم مع أنه قول خطأ و لم ينكر عليه النبي صلى الله عليه و سلم .
و كذلك من اعتمد أصلا كمن قال بالقياس و أنه مما يحبه الله تعالى ثم عمل بهذا القياس و رجح بعض الأحكام و نسبها لله تعالى لا يكون بهذا آثما و قد يصيب الحق بقياسه هذه و قد يخطئ .
نعم كان بعض السلف يتورع عن نسبة مثل هذه الأقوال لله تعالى لأنه تعارض عنده أن هذا هو الحق الذي يحبه الله تعالى و هو ما يترجح عنده و بين أنه لم يرد لفظ ظاهر لا من كتاب و لا سنة يدل على هذه المعنى و إنما هو قياس على دليل من كتاب و سنة فتوقف عن نسبته لله تعالى و إن كان في نفسه و من يتبعه على هذا القول يعمل به و يتقرب به إلى الله تعالى لأنه يغلب على ظنه أن الحق الذي يحبه الله تعالى فحقيقة نسبته لله تعالى متحققه و لكن نسبة هذا القول لله تعالى لفظا يتورع عنها بعض السلف فالإجتهاد في الأحكام الشرعية في القياس هو من باب العمل بغلبة الظن قال بن القيم رحمه الله ( أقسام الرأي وإذا عرف هذا فالرأي ثلاثة أقسام رأي باطل بلا ريب ورأي صحيح ورأي هو موضع الاشتباه والأقسام الثلاثة قد أشار إليها السلف فاستعملوا الرأي الصحيح وعملوا به وأفتوا به وسوغوا القول به وذموا الباطل ومنعوا من العمل والفتيا والقضاء به وأطلقوا ألسنتهم بذمه وذم أهله والقسم الثالث سوغوا العمل والفتيا والقضاء به عند الاضطرار إليه حيث لا يوجد منه بد ولم يلزموا أحد العمل به ولم يحرموا مخالفته ولا جعلوا مخالفه مخالفا للدين بل غايته أنهم خيروا بين قبوله ورده فهو بمنزلة ما أبيح للمضطر من الطعام والشراب الذي يحرم عند عدم الضرورة إليه كما قال الإمام أحمد سألت الشافعي عن القياس فقال لي عند الضرورة وكان استعمالهم لهذا النوع بقدر االضرورة لم يفرطوا فيه ويفرعوه ويولدوه ويوسعوه كما صنع المتأخرون بحيث اعتاضوا به عن النصوص والآثار وكان أسهل عليهم من حفظها كما يوجد كثير من الناس يضبط قواعد الإفتاء لصعوبة النقل عليه وتعسر حفظه فلم يتعدوا فى استعماله قدر الضرورة ولم يبغوا العدول إليه مع تمكنهم من النصوص والآثار كما قال تعالى في المضطر إلى الطعام المحرم فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم فالباغي الذي يبتغي الميتة مع قدرته على التوصل إلى المذكى والعادي الذي يتعدى قدر الحاجة بأكلها ... ) .
قال شيخ الإسلام بن تيميه ( ‏الشرع المنزل‏]‏‏.‏ وهو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا يجب اتباعه، ومن خالفه وجبت عقوبته‏.‏
والثاني ‏[‏الشرع المؤول‏]‏‏.‏ وهو آراء العلماء المجتهدين فيها كمذهب مالك ونحوه فهذا يسوغ اتباعه، ولا يجب ولا يحرم وليس لأحد أن يلزم عموم الناس به، ولا يمنع عموم الناس منه‏.‏
والثالث ‏[‏الشرع المبدل‏]‏‏.‏ وهو الكذب على الله ورسوله أو على الناس بشهادات الزور ونحوها؛ والظلم البين فمن قال إن هذا من شرع الله فقد كفر بلا نزاع، كمن قال إن الدم والميتة حلال ـ ولو قال هذا مذهبي ونحو ذلك‏.‏.. ) .
فمن الخطأ القول ( وكل طريق لا يوصل إلى القطع فلم نؤمر به ..
ومن قال بغير هذا فقد أخطأ يقيناً ... ) فالإجتهاد في فهم الكتاب و السنة قد يصل به صاحبه إلى القطع و قد يصل إلى غلبة الظن بل و قد يخطئ في فهم معاني الكتب و السنة و مع ذلك هذه الطريق مأمور بها بإجماع المسلمين .
و كذلك العمل بالقياس قد يصل به صاحبه إلى القطع و قد يصل إلى غلبة الظن و قد يخطئ و قد يصيب و يجوز العمل به و لا يحرم .
و قوله ( فالصحابة رضي الله عنهم عملوا بما اجهدوا فيه الفكر والرأي حتى وصلوا لحكم ما وكان بالظن ..
ولم ينسبوه إلى الشرع البتة ... ) دليل على جواز العمل بالرأي الراجح و لو كان العمل بالرأي الراجح لا يوصل إلى القطع البته لما عملوا به فالقياس و القول بالرأي قد يوصل إلى القطع كما أن الأدلة النقلية قد توصل إلى القطع و القياس قد يكون خطأ كما أن فهم النصوص قد يكون خطأ فلا فرق بينهما و إن كان ورود الخطأ على القياس أكثر من وروده على النصوص لذا كان السلف لا يستعملون القياس مع وجود النص و يتورعون عن نسبة ما ترجح عندهم بالقياس إلى الله تعالى قال شيخ الإسلام رحمه الله ( والقياس الصحيح نوعان‏:‏
أحدهما‏:‏ أن يعلم أنه لا فارق بين الفرع والأصل إلا فرق غير مؤثر في الشرع، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه سئل عن فَأْرة وقعت في سَمْن فقال‏:‏ ‏[‏ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم‏]‏ ، وقد أجمع المسلمون على أن هذا الحكم ليس مختصًا بتلك الفأرة وذلك السمن؛ فلهذا قال جماهير العلماء‏:‏ إنه أي نجاسة وقعت في دهن من الأَدْهَان، كالفأرة التي تقع في الزيت، وكالهِرِّ الذي يقع في السمن فحكمها حكم تلك الفأرة التي وقعت في السمن‏.‏ ومن قال من أهل الظاهر‏:‏ إن هذا الحكم لا يكون إلا في فأرة وقعت في سمن فقد أخطأ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخص الحكم بتلك الصورة لكن لما استفتي عنها أفتي فيها، والاستفتاء إذا وقع عن قضية معينة أو نوع فأجاب المفتي عن ذلك خصه لكونه سئل عنه، لا لاختصاصه بالحكم‏.‏
ومثل هذا أنه سئل عن رجل أحرم بالعمرة وعليه جُبَّةٌ مُضَمَّخة بخَلُوق فقال‏:‏ ‏[‏انزع عنك الجبة واغسل عنك الخلوق، واصنع في عمرتك ما كنت تصنع في حجك‏]‏ ، فأجابه عن الجبة، ولو كان عليه قميص أو نحوه كان الحكم كذلك بالإجماع‏.‏
والنوع الثاني من القياس‏:‏ أن ينص على حكم لمعني من المعاني، ويكون ذلك المعني موجودًا في غيره، فإذا قام دليل من الأدلة على أن الحكم متعلق بالمعني المشترك بين الأصل والفرع سوي بينهما، وكان هذا قياسًا صحيحًا‏.‏
فهذان النوعان كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان يستعملونهما، وهما من باب فَهْم مراد الشارع؛ فإن الاستدلال بكلام الشارع يتوقف على أن يعرف ثبوت اللفظ عنه وعلى أن يعرف مراده باللفظ، وإذا عرفنا مراده، فإن علمنا أنه حكم للمعني المشترك لا لمعنى يخص الأصل أثبتنا الحكم حيث وجد المعنى المشترك، وإن علمنا أنه قصد تخصيص الحكم بمورد النص منعنا القياس، كما أنا علمنا أن الحج خص به الكعبة، وأن الصيام الفرض خص به شهر رمضان، وأن الاستقبال خص به جهة الكعبة، وأن المفروض من الصلوات خص به الخمس، ونحو ذلك، فإنه يمتنع هنا أن نقيس على المنصوص غيره‏.‏ ) .
و قال رحمه الله ( وأما تخريج المناط وهو‏:‏ القياس المحض، وهو‏:‏ أن ينص على حكم في أمور قد يظن أنه يختص الحكم بها فيستدل على أن غيرها مثلها؛ إما لانتفاء الفارق، أو للاشتراك في الوصف الذي قام الدليل على أن الشارع علق الحكم في الأصل، فهذا هو القياس الذي تقر به جماهير العلماء وينكره نفاة القياس‏.‏ وإنما يكثر الغلط فيه لعدم العلم بالجامع المشترك الذي علق الشارع الحكم به، وهو الذي يسمي سؤال المطالبة، وهو‏:‏ مطالبة المعترض للمستدل بأن الوصف المشترك بين الأصل والفرع هو علة الحكم، أو دليل العلة‏.‏ فأكثر غلط القَائِسِين من ظنهم علة في الأصل ما ليس بعلة؛ ولهذا كثرت شناعاتهم على أهل القياس الفاسد‏.‏ فأما إذا قام دليل على إلغاء الفارق، وأنه ليس بين الأصل والفرع فرق يفرق الشارع لأجله بين الصورتين، أو قام الدليل على أن المعني الفلاني هو الذي لأجله حكم الشارع بهذا الحكم في الأصل وهو موجود في صورة أخري، فهذا القياس لا ينازع فيه إلا من لم يعرف هاتين المقدمتين‏.‏... ) .
فما قطعنا به عن طريق القياس و أنه مراد الله تعالى جاز نسبته لله تعالى سواء كان عن نص أو قياس و ما لم نقطع به و إنما هو غلبة ظن بمرجح معتبر جاز عدم نسبته لله تعالى سواء كان عن نص أو قياس .
رد مع اقتباس
  #24  
قديم 03-07-05, 10:48 PM
ابن تميم الظاهري ابن تميم الظاهري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 09-03-05
الدولة: الكويت
المشاركات: 52
افتراضي التعقيب الأول على ما ذكره الفاضل رغم خروجه عن مسألتنا

بسم الله الرحمن الرحيم ..


التعقيب على الرد الأول ..
بالله تعالى التوفيق ..

قال الفاضل نقلاً عني ..
(( المسألة الأولى : قول الأخ الفاضل بن تميم ( فهناك قاعدة يتفق عليها أهل الإسلام كلهم وهي ..لا تكليف إلا مع القدرة ..فكل عامل بحسب قدرته فقد أدى ما عليه من الشرع المطالب به ..سواء وافق الحق أو خالفه ..فهنا ترتفع المؤاخذة فقط ولا يثبت الحق كما هو معلوم ..ودليل هذه القاعدة بعض ما ذكرته من نصوص ..فالوسع في قبول الشهادة بأن نتحرى عدالتهم فقط ..فلا يكلفنا الله بعلم البواطن وما ينقض العدالة مما خفي علينا ..فلم أخالفك ههنا أصلاً ... )) .

وقال بعد هذا ..
(( قول الأخ ( فهناك قاعدة يتفق عليها أهل الإسلام كلهم وهي ..لا تكليف إلا مع القدرة .. ) .هذا الإتفاق الذي نقله عن أهل الإسلام غير صحيح عند إطلاقه و من المعلوم أنه يدخل في هذا الإتفاق أهل البدع من المسلمين )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
لا وجه للإنكار في هذه القضية لوجوه ..

الوجه الأول ..
هذه المسألة ليست من مسائل الأصول وهي من علم الكلام زجت في مبحث الأصول والفقه ونحن نتكلم عن مسألة أصولية تبنى عليها مسائل فقهية فكان الصحيح عدم ذكرها ..

فالذي قال بإطلاق القول بالتكليف بما لا يطاق أراد إثبات أن الله تعالى سلب قدرتهم وأنهم فاعلين ..

وقال ابن تيميه فيما نقلت عنه ..
(( كإطلاق القول بأنه يكلفهم ما لا يطيقون، هذا سلب قدرتهم على ما أمروا به، وذلك سلب كونهم فاعلين قادرين‏ )) ..

فهذه القضية هي ..
هل العبد قادر فاعل أو ليست له قدرة في الأصل وإنما القدرة من الله تعالى .. ؟!
وهي هل العبد هو الفاعل أم هو الله تعالى .. ؟!

فنفوا أن يكون فاعل الفعل هو العبد والله معاً لئلا يكون للفعل أكثر من فاعل ..

وليست هي ..
هل يمكن أن يكون العبد عاجزاً عن فعل المأمور به أو لا يكون .. ؟!
وهذه القضية لا ينكرها أحد أصلاً ..
فاقتصر عليها ولا تبعد ..

الوجه الثاني ..
مسألة القدرة التي نقلتها عن ابن تيميه مع مخالفه من أهل البدع لا تدخل في كلامي ..

وقد قلت آنفاً ..
(( لا تكليف إلا مع القدرة ..فكل عامل بحسب قدرته فقد أدى ما عليه من الشرع المطالب به )) ..
فنحن نتكلم عن العمل في الأحكام الشرعية ..
فالعامل يعمل بعمل من الأعمال الشرعية لا يجب عليه عند عدم قدرته ..
وهذه لا يقول بخلافها من له مُسكة من عقل ..

وقد أبطلت هذا الاعتراض بنقلك عن ابن تيميه حين نقلت عنه ..
(( قال شيخ الإسلام رحمه الله ( وهؤلاء أطلقوا القول بتكليف ما لا يطلق، وليس في السلف والأئمة من أطلق القول بتكليف ما لا يطاق، كما أنه ليس فيهم من أطلق القول بالجبر، وإطلاق القول بأنه يجبر العباد، كإطلاق القول بأنه يكلفهم ما لا يطيقون، هذا سلب قدرتهم على ما أمروا به، وذلك سلب كونهم فاعلين قادرين‏.‏ ولهذا كان المقتصدون من هؤلاء، كالقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأكثر أصحاب أبي الحسن، وكالجمهور من أصحاب مالك، والشافعي وأحمد بن حنبل، كالقاضي أبي يعلى، وأمثاله يفصلون في القول بتكليف ما لا يطاق، كما تقدم القول في تفصيل الجبر، فيقولون‏:‏ تكليف ما لا يطاق؛ لعجز العبد عنه لا يجوز، وأما ما يقال أنه لا يطاق؛ للاشتغال بضده، فيجوز تكليفه، وهذا؛ لأن الإنسان لا يمكنه في حال واحدة أن يكون قائمًا قاعدًا، ففي حال القيام لا يقدر أن يفعل معه القعود، ويجوز أن يؤمر حال القعود بالقيام، وهذا متفق علي جوازه بين المسلمين، بل عامة الأمر والنهي هو من هذا النوع، لكن هل يسمى هذا تكليف مالا يطاق‏؟‏ فيه نزاع‏.‏... )) .

وما أبطل اعتراضك هو ..
(( وهذا متفق علي جوازه بين المسلمين، بل عامة الأمر والنهي هو من هذا النوع )) ..

فكلامي هنا لا في غيره ..
وقولي باتفاق على هذه وليست على كون العبد هو الفاعل لفعله أو الله تعالى والخلاف فيها ..

فجهم ومن وافقه يريدون بهذه المسألة أن كل ما فعله الإنسان ليس من فعله وقدرتهم بل هو من فعل الله تعالى وقدرته ..
فلكل مقام مقال ..

وقد قلت ..
(( أنا لا أخالف بأنه لا تكليف إلا بقدرة كما هو معلوم و متفق عليه عند الفقهاء و لكن لا يطلق هذا ثم ينسب الإتفاق لإهل الإسلام قاطبة قال شيخ الإسلام رحمه الله ( الأمر والنهي، الذي يسميه بعض العلماء التكليف الشرعي هو مشروط بالممكن من العلم والقدرة، فلا تجب الشريعة على من لا يمكنه العلم كالمجنون والطفل، ولا تجب على من يعجز كالأعمى والأعرج والمريض في الجهاد، وكما لا تجب الطهارة بالماء، والصلاة قائمًا والصوم، وغير ذلك على من يعجز عنه‏.‏ )) ..

نعم إذا وقفت على كلامي واقتصرت عليه في مسألة العمل كما هي مسألتنا التي نتكلم فيها ..

فلا يمكن أن نأتي بلفظة واحدة ثم نخرجها عن المسألة التي نتكلم عليها إلى مسائل أخرى ..

فالقضية هي ..
أن الإنسان إن لم يستطع فعل أمر شرعي فيسقط عنه وهذا باتفاق أهل الإسلام لا ينكر ذلك أحد ..

وحتى من ذكرت خلافهم لم يخالفوا في هذا وإنما خالفوا في كون الفعل هذا والقدرة هذه لهم أو لله ..

وإذا قلت لي ينكر ذلك أحد من الناس قلت لك ..
ألا يمرض هؤلاء الناس .. ؟! ألا يغمى عليهم .. ؟!

فإمكان أن يكلفها الله تعالى بما لا نطيق أو بالمستحيل أمر يجب التسليم به من أكل أحد ..

أما من أدخل في دينه ما ليس بدين وأتى بعلم الكلام يحشو به كتب الأصول وهو باطل فلا يلزم أحد ..
وكيف ونحن نقرأ : { لا يكلف الله نفساً إلا وسعها } أفوق هذا بيان وعظة ..
فاقتصر في مسألتنا على ما نتكلم فيه وهو هل يجوز العمل بالظن ثم نسبته إلى الله تعالى وإلزام الناس به أو لا ..

وقال الفاضل ونقل عني ..
(( المسألة الثانية : الأخ الفاضل كأنه يخصص هذه القاعدة في العمليات دون العلميات فظاهر كلامه كل من اجتهد و استفرغ وسعه في العلميات فيما بلغه من أدلة سواء أدلة نقلية أو عقلية ثم لم يجزم باعتقاده لا يثبت له الإعتقاد لأنه دخله شك في اعتقاده فقال الأخ الفاضل ( فالاعتقاد هو يقين ثبت في النفس فإن شك فيه ولو لحظة فقط لم يكن معتقداً بالله باليقين ..وليس كما يصطلح عليه أهل الكلام في هذه المعاني ..فالاعتقاد بالله وألوهيته وربوبيته وغيرها مما يجب اعتقاده لا يجوز أن يكون بظن أصلاً ..فمتى ما دخل الشك فيه فقد بطل ذلك الاعتقاد ..لأننا نطلق كلمة اعتقاد ولا نعني فيها إلا اليقين بما نعتقده ..سواء سماها البعض ظن راجح أو غالب فلا محارجة في ذلك ..ولأنه لا مرتبة متوسطة بين الشك واليقين فإما هذه وإما تلك ..هذا في الاعتقاد التي تصح به الديانة ..ولاحظ أمراً دقيقاً ..أن من اعتقد وكان اعتقاده بغير يقين فلا يكون معتقداً ..فاليقين يوجب التصديق بالشيء إن كان ذلك اليقين مصدقاً له ..أو يوجب التكذيب بالشيء إن كان ذلك اليقين مكذباً له ..فمن دخل الشك في تصديق ما أتى الله به تعالى من أمور الاعتقاد وغيرها فليس بمصدق ..لأن التصديق لا يكون مع وجود شك ولو برهة من زمان ..فالآية التي ذكرتها تتكلم عن العمل ولا تتكلم عن الاعتقاد ..وإلا ما الفرق بين اعتقاد أهل الإيمان واعتقاد أهل الكفر .. ؟! ) . )) ..

ثم قال ..
(( و هذا الكلام عليه عدة ملاحظات : الأولى : فيجب أن نفرق هنا فروقات دقيقة يجب التنبه لها .الفرق بين الشك و الظن .قال تعالى {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً }النساء157سواء قيل الشك في قتله أو الشك نبوته فهم و إن قالوا بأنهم قتلوه ففي غرارة أنفسهم شاكين في هذا غير مستيقنين و غلبة الظن لا يكون فيها شك فالشك هو التوقف عن ترجيح أحد الأمرين و الظن الباطل هو اتباع أحد الأمرين من غير مرجح لا لا يجوز العمل بالشك لأنه من اتباع الظن و إنما يكون فيها ترجح أمر على أمر بمرجح ظاهر هذا هو غلبة الظن بإجماع أهل العلم المعتبرين كما نقل شيخ الإسلام عن الفقهاء و مع ذلك لم يكن هذا من قبيل الشك و لا من اتباع الظن و لا يقال هذا في العمليات و هذا في العمليات فمن فرق بين الأمرين فعليه الدليل فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب و هذا التفريق هو تفريق أهل البدع في فهمهم لنصوص الكتاب و السنة قال شيخ الإسلام رحمه الله ( وحجة هؤلاء أن الوعيد من الأمور العلمية، فلا تثبت إلا بما يفيد العلم وأيضا فإن الفعل إذا كان مجتهدا في حكمه لم يلحق فاعله الوعيد‏.‏ فعلى قول هؤلاء يحتج بأحاديث الوعيد في تحريم الأفعال مطلقا ولا يثبت بها الوعيد إلا أن تكون الدلالة قطعية ومثله احتجاج أكثر العلماء بالقراءات التي صحت عن بعض الصحابة مع كونها ليست في مصحف عثمان رضي الله عنه فإنها تضمنت عملا وعلما وهي خبر واحد صحيح فاحتجوا بها في إثبات العمل ولم يثبتوها قرآنا لأنها من الأمور العلمية التي لا تثبت إلا بيقين‏.‏ وذهب الأكثرون من الفقهاء وهو قول عامة السلف إلى أن هذه الأحاديث حجة في جميع ما تضمنته من الوعيد، فإن أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ والتابعين بعدهم ما زالوا يثبتون بهذه الأحاديث الوعيد كما يثبتون بها العمل ويصرحون بلحوق الوعيد الذي فيها للفاعل في الجملة وهذا منتشر عنهم في أحاديثهم وفتاويهم وذلك لأن الوعيد من جملة الأحكام الشرعية التي ثبتت بالأدلة الظاهرة تارة وبالأدلة القطعية أخرى، فإنه ليس المطلوب اليقين التام بالوعيد بل المطلوب الاعتقاد الذي يدخل في اليقين والظن الغالب كما أن هذا هو المطلوب في الأحكام العملية‏.‏... ) فالتفريق بين العمليات و العلميات في الإعتقاد هو قول مبتدع مخالف لم ثبت من اعتقاد السلف )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
أخي الفاضل لا تتسرع في القراءة أو الفهم ثم تحكم بناء على ذلك وتخطئ غيرك ..

انظر ما قلت أول كلامي ..
(( فالاعتقاد هو يقين ثبت في النفس فإن شك فيه ولو لحظة فقط لم يكن معتقداً بالله باليقين )) ..

فالاعتقاد هذا كان في نفس المعتقد فلا نتكلم عن إثباته نحن لتأتي بما قلت من كلام زائد ..
فحاول أن تقتصر على ما له متعلق بكلامنا فقط بعد فهم كلامي ..
وقد قلت في نفس المكان ..

(( فالنص الذي أوردته هو طلب الله تعالى بعد أن نوقن أنه الله المستحق للعبادة والربوبية منا أن نتقيه بما استطعنا ..وليس قبل أن نوقن أنه الله ..لأن من لم يوقن ذلك وشك فيه أو تردد فليس مخاطباً بالعمل الوارد في نفس النص لأن التردد شك في تصديق هذه الحقيقة ومن شك في هذه الحقيقة لم يكن معتقداً فالواجب عليه أن يستعيذ بالله إن كان من أهل الإيمان كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم فإن استمر في شكه هذا لم يكن من أهل الإيمان .. )) ..

فالآية هذه لا بد أن تعي أنها ليس المخاطب فيها الكفار وإنما أهل الإيمان ..
لم أخصص الآية كما نسبت لي بشيء وإنما جواباً على ما قلته أنت وفسرت به النص وقلت ..
(( فمن استفرغ وسعه في طلب الحق ثم لم يصل إلى الجزم القاطع فقد اتقى الله ما استطاع و صح اعتقاده .)) ..

فاعترضت على إدخالك في التفسير لمسألة الاعتقاد ..
فالآية لا تتكلم كيف يصح الاعتقاد ومتى ..
وإنما تتكلم عن الذي على المؤمن من عبادة الله وطاعته بقدر طاقته ..
والاعتقاد بالاستدلال لم أذكره أصلاً ..
ولم أذكر اجتهادك في العقائد ..
وإنما قلت وأقول مرة أخرى ..
أن الذي يعتقد باعتقاد في نفسه لا يجوز له ولا يصح أن يشك في ذلك الاعتقاد ولو برهة من الزمان ..

وذلك اعتراضاً على ما ذكرته وبياناً لما خفى منه ..
ولا تفريق عندي بين علميات ولا عمليات وإنما هذا فهمك الخاطئ لكلامي ..
وكان الأولى أن تسأل إن كنت غير قاطع بمرادي لأنك قلت ..
(( المسألة الثانية : الأخ الفاضل كأنه يخصص هذه القاعدة في العمليات دون العلميات فظاهر كلامه )) ..

فلو سألت عن مرادي لما اضطررنا عن جواب ما لم نقله أو قلناه وفهمته خطأ أو فهمته بظنك ..

فالمسألة التي نتكلم عليها ههنا هي في الحكم الشرعي لا في غيره ..

وقلت أيضاً ..
(( و كلام الشيخ هذا فيه كذلك رد على قول الأخ بأن الإعتقاد يجب فيه التصديق المتيقن و إلا كان شكا و لا يصح الإعتقاد مع الشك و كلام الأخ هذا مبني على مقدمتين باطلتين : الأولى : أن الإعتقاد لا يصح إلا باليقين و الجزم .و المقدمة الثانية : أن من غلب على ظنه بمرجح ظاهر دخله الشك و من دخله الشك لا يصح إيمانه ، النتيجه صحيحه من دخله الشك لا يصح إيمانه و لكن مبنيه على مقدمات باطله فإن المرء إذا ما اجتهد و استفرغ وسعه و غلب على ظنه أمر و اعتقده فهذا و لا شك ينفعه و هو ما قدر عليه و لا يكلف الله نفسا إلا وسعها .ثم إن من غلب على ظنه لا يكون شاكا لأن الشك هو استواء الطرفين لا غلبة الظن بأحد الأمرين فإن غلب ظنه بأحد الأمرين فله حالين : الأول : إذا غلب ظنه بمرجح ظاهر فلا يدخل في اتباع الظن بل هو مأمور باتباع هذا الظاهر لأنه فعل ما يستطيعه .و الثاني : من اتبع الأمرين بغير مرجح ظاهر و إنما اتباعا للهوى فهو ممن اتبع الظن و دخل في ما نهى الله عنه من اتباع الظن . )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
الاعتقاد في نفسك هو غير الاعتقاد عن طريق الاجتهاد ففرق بينهما تسلم من كثرة النقول والاعتراض ..

فمن يعتقد بشيء الآن هو غير من يريد الاستدلال ليثبت عقيدة له ..
إذا كنت تقول قبل أكثر من تعقيب أن عنايتك بالمعاني لا بالألفاظ فضع معنى كلامي مع ما يوافقه مما قدمت تخرج لك حقيقة كلامي ..

وأسأل سؤالاً يزول فيه عنك هذا الفهم ..
إذا اعتقد أحد من المسلمين بأن الله تعالى حق وموجود وهو خالق كل شيء وربه الواحد الأحد ..

ولم يكن اعتقاده هذا عن طريق الاجتهاد بل هذا ما فهمه من الناس الذين أخبروه عن الإسلام ..

فاستمر كذلك معتقداً في نفسه أن الله حق موجود خالق كل شيء وربه الواحد الأحد ..
ثم شك هذا المسلم في صحة هذه الاعتقادات التي اعتقدها ..
وشك هنا أي لم يجزم بحقيقة هذه الأمور وكون الله تعالى مستحقاً لها ..
أي تردد ههنا بين قبول هذه الحقيقة وتصديقها وبين ردها وتكذيبها ..

فماذا تقول عنه .. ؟!
ألا تقول كما قلت آنفاً ..
استعذ بالله وإن تكرر وأصر على ذلك خرج من جملة أهل الإسلام ..
فأي وجه اعتراض ههنا .. ؟!

أما قولك في الشك وما فسرته وبينه فلا يصح ..
فالشك ضد اليقين ..
هذا في لغة العرب ولا يعرفون غير هذا ..
وأمرنا أن لا نصدق ولا نكذب ما يأتي به أهل الكتاب في كتابهم ..
بل نقول آمنا بالله وكتبه ورسله ..
أي أننا نؤمن بكل كتب ربنا أما ما في كتبكم هذه فلا نقطع أنها من الله تعالى ..
لذلك نتوقف حتى يؤيد ما جئتم به من أمور برهان يرفعنا إلى اليقين ..
وليس لهم ذلك ..
ولو كان الشك كما قلت هو استواء الأطراف ..
من عدم التصديق وعدم التكذيب والتردد في الشيء لعدم قيام مرجح ..
لكنا شاكين في كتب الله تعالى ..!
وما أراك إلا رجعت إلى كتب أهل الكلام أو كتب الأصول التي أخذوا هذه التعريفات عن أهل الكلام ..

والظن قد قدمت بيانه من أهل اللغة ..
والاعتقاد هو استقرار وثبوت شيء أو حكمه في نفسك ..
فكل حكم يثبت في نفس الإنسان ويستقر فهو معتقد له ..
هذا في اللغة ..
وقد يخلو من من يقين ..
لأن اعتقاد المعتقد لا يكون يقيناً إلا ببرهان ..
وقد يكون حقاً بالتخرص لا عن برهان ..
وقد يكون يقيناً بالاستدلال بالبرهان وقد يكون يكون حقاً ..
ليتك تترفق ولا تستعجل ..

وما تسميه هنا أن هناك من غلب على ظنه صدق النبي صلى الله عليه وسلم لا يصح باللغة التي خوطبنا بها بناء على كلامك في الظن والشك وغيرها ..
وغلبة الظن لا يوجد لها تعريف عندكم واضح المعالم أصلاً ..
فليتك تخبرنا ما هو تعريف الظن الغالب أو غلبة الظن عندكم ..
فالظن عرفناه في اللغة التي خوطبنا بها بغير ما تطلقون عليه من تعريف ظن عندكم ..
والظن هو الشك والشك ضد يقين ..
ويطلق على اليقين إن كان عن معاينة أو برهان كما بينت آنفاً ..
هذه لغتنا التي يعرفها العرب لا غيرها ..
وهي موجودة في معاجم اللغة لا تحتاج تفصيل أكثر ..
فيجب استعمال الأسماء على مسمياتها وإلا خلطنا على الناس وتلبس الاسم باسم غيره وأوقعنا الإشكال ..
فإذا كنت ترى أن القرآن خاطبنا الله تعالى به بلغتنا العربية فهذه معان الظن والشك في لغتنا ..
أما حشو بعض أهل التقليد أو أهل الاجتهاد أو أهل الأصول كتبهم لكلام بناء على علم الكلام الذي تلقفوه من اليونان وغيرهم ولم يبطلوا الباطل منه ويبينوه للناس فلا يصح استعماله في كتاب لم ينزل على علوم القوم ولغتهم ..

وحتى لا تفهمني خطأ أقول ..
تعريف أهل الكلام للظن والشك جاء بناء على خطأ وقعوا فيه لاستقبال كل ما جاء من الكفار في هذه العلوم ..
فلم يجردوها ولم ينقحوها ولم يخرجوا منها ما كان يضاد شرعنا أو لغتنا ..
بل استعملوا كل هذه العلوم وفق دين القوم ونظرتهم ..
فعرفوا الظن بما لا يعرفه العرب ولا جاء في شريعتنا ..
فسار الكثير على هذا فسموا الحكم الذي لم يكن عن يقين ظن راجح أو غالب ..
ولجلجوا في بيان وتعريف ما هو الظن الغالب ..

فإن كان ما يرجحه المرء بناء على أمر ظاهر ولم يكن يقيناً فهو ظن ثان كما الظن الأول ولا فرق ..

فاجتمع ظنان ..
فأي معنى في قولك ..
(( وغلبة الظن أو الظن الراجح هو ترجح أحد الأمرين بمرجح و هما يتضادان و لا شك )) ..
فأي معنى في كون الشيء الأول أو الحكم الأول ظن ..
وأن ما رجحه أيضاً كان ظناً مثله .. ؟!
فنضم الشك مع الشك فيحصل به يقين .. !
لأن الشك كما عرفنا في لغتنا هو ضد اليقين ..
فكلاهما ظن وهو ضد اليقين ولم يلزمنا الله تعالى به أصلاً ..
وهذه قضيتنا لا غيرها ..
وعلى هذا لجاز لأهل الباطل أن يأتوا ما لم يوقنوا به مع ما هو مثله ليقولوا أنه يقين أو أنه لازم لنا وللناس وشرع الله ..
فليتك اقتصرت على بيان دليل جواز العمل بالظن وجواز نسبته إلى شرع الله وجواز إلزام الناس به أو إيجاب ذلك ..

حتى لا نتكلم في أمر خارج عن هذا الأمر ..
فالذي يلزم الناس من الحق ليس تفسيري وتفسيرك وشرحي وشرحك ..
وإنما قولك وتفسيرك الذي يقوم على حجة وبرهان لا شك فيها ..
فإن رأيت خطأ من كلامي فنبه عليه بعد ذلك أصل المسألة ..
بعد أن تقول أن الله تعالى أمرنا وأجاز لنا العمل بالظن في الشريعة ..
ثم أجاز لنا نسبة حكم هذا الشيء بالظن إلى الله تعالى ..
ثم أجاز أو أوجب علينا إلزام الناس بهذه الظنون ..
ثم تستدل لكلامك على هذه القضايا الثلاثة ..
وكل ما عداها فهو خارج عنها ..

وإن وسّع الله عليك بالعلم بعد ذلك فنبه على ما رأيت أنه خطأ من كلامي بعد أن تذكر قولك وحجتك على كل هذه القضايا التي منعتها ..

وقلت حفظك الله ..
(( و قال تعالى {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ }يونس104 فمن غلب على ظنه صدق النبي صلى الله عليه و سلم ثم اتبع النبي صلى الله عليه و سلم على هذا الإعتقاد و ترك عبادة الأوثان و عبد الرحمن و صدقه و شهد بصدقه بلسانه و تابعه على شرعه هل يقال بأن هذا شاكا و لا يصح إيمانه و هل يستوى هذا بمن شك في نبوة النبي صلى الله عليه و سلم حتى لو تابعه على شرعه و أظهر صدقه كحال المنافقين أو بمن غلب على ظن كذب النبي صلى الله عليه و سلم بغير برهان و لا شك أنه لا يوجد برهان على هذا فلما لم يوجد دل على غلبة الظن بكذب النبي صلى الله عليه و سلم إنما هو محض اتباع الظن المنهي عنه الذي يخالف البرهان و البينة مخالفة ظاهرة و هذا وجه الرد على قوله الأخ ( وإلا ما الفرق بين اعتقاد أهل الإيمان واعتقاد أهل الكفر .. ؟! )) ..

فالشك كما قلنا ونعيده أنه ضد اليقين ..
فمن لم يوقن أن الله تعالى مستحق للعبادة والربوبية فلم يكن مؤمناً ..
فالشك إن دخل الإيمان فالواجب الاستعاذة منه كما قدمت ..
وإن أصر إنسان عليه وتعمده فلا يكون من أهل الإيمان ..
فالظن وهو الشك وهو ضد اليقين إن حصل من أحد وقال به في عقيدة أو عمل في كتاب الله أو سنة رسوله وعاند فيه بعد بيان الحق له وعاند أو جحد فلا يكون من أهل الإيمان ..

أما اعتراضك على قولي ..
(( وإلا ما الفرق بين اعتقاد أهل الإيمان واعتقاد أهل الكفر .. ؟! )) ..
فلا أرى كيف فاتك ما قلته .. !
فلا تأتي لجملة وتفسرها دون بقية الكلام حتى تعي ما أتكلم عليه ..
وقد قلت هذه الجملة بعد كلام كثير عند قولك ..
(( من عمل بوسعه ثم اعتقد أمرا بحسب وسعه و طاقته و إن لم يجزم به جزما قاطعا صح اعتقاده سواء قيل أن هذا ظن غالب أو راجح أو سمي علما فهذا ما نريد أن نبينه و لا مشاحة في الإصطلاح )) ..

وقد قلت أنا ..
(( فإن لم يكن مطلوباً منا اليقين بما نعتقد لصححنا عقائد باطلة بناء على أنها بذلت وسعها فعلمت أن عيسى عليه السلام هو الرب ..واليقين لا يبطله يقين ضرورة ..فالنص الذي أوردته هو طلب الله تعالى بعد أن نوقن أنه الله المستحق للعبادة والربوبية منا أن نتقيه بما استطعنا .. )) ..

فليست العقيدة الصحيحة هي بذل الوسع كما تقول بحسب الطاقة وإن لم نجزم ..
ولو كانت كذلك لصححنا عقائد الكفار لأنهم بذلوا وسعهم وطاقتهم ولم يكونوا جازمين أو جازمين في اعتقاد ألوهية عيسى عليه السلام ..
هذا وجه اعتراضي على كلامك هذا ..

وبيان بطلانه ..
فالشك في اعتقاد المسلم في ربه أو دينه هو المخرج عن الملة بعد بيان الوجه الصحيح للشاك وعاند ..
فالمطلوب منا أن نوقن في أنفسنا أن الله حق وما جاء به حق ..
والظن هو شك بلغتنا التي خوطبنا بها ..
ولا تلزم أحد تعريفات من لم يخاطبنا الله تعالى بلغتهم وبيانهم ..
وهم من تبعهم من جاء من علمائنا بهذه التعريفات وحشى بها كتبنا في الأصول والاعتقاد ..
فمن شك فلا يكون موقناً أصلاً ..
فاعتقاد أهل الإيمان بمني على يقين أن الله تعالى حق ومستحق للعبادة والربوبية وليس على ظن أو غالب ظن ..
فالمشكلة أنك تستعمل الظن في غير محله وتقول لا عبرة بالألفاظ وإنما بالمعنى ..
والمعنى في الظن في اللغة العربية هو الشك وأمرنا أن نتبع في تفسير ألفاظ الشرع اللغة أو الشرع نفسه ..

فليتك وقفت هنا ..
والذي يجب أن تحرره عندك وتعلمه ..
أن قول الناس ( يقين ) يريدون به الحكم أو الشيء نفسه ..
وهو الثابت عندهم أو الذي يتكلمون فيه ..
أي ثبت هذا عندي بيقين وهو ضد الشك ..

أما الدليل الذي أوجب هذا فلا يقولون عنه يقين ..
وإنما يقولون ثبت هذا بيقين من برهان أو عن برهان ..
وإذا قالوا ( ظن ) ..
يريدون به الشك وهو عدم اليقين ..
أي هذا الأمر مشكوك به عندهم ..
فإذا أطلقنا كلمة ظن في اعتقادنا بالله ورسله وكتبه بلغتنا التي خوطبنا فيها لم نكن من أهل الإيمان ..
فالواجب تفسير ألفاظ الشريعة بلغتنا إن لم يكن للشرع تفسير لها ..
والذي لا يخالف فيه عالم كما قلت أنت هو الذي يوقن أن الله حق ودينه حق ..
أما من ظن وهو الشاك فليس من أهل الإيمان عند أهل العلم ..

والذي كان من الصحابة رضي الله عنهم أول الأمر كان حق ويقين أن الله حق ورسوله صلى الله عليه وسلم ..
وإن لم يقم برهان عند بعضهم من الخبر لصدق المخبر بهذه الحقائق وعدم كذبه وهذا الذي عهدوه منه ..
فمن يقول أن الصحابة لم يوقنوا بكون الله تعالى ودينه حق فقد أخطأ عليهم بلا شك ..

فتعريفك للظن بغير لغة العرب أوقعك بكل هذا ..
فلو قلت أن الظن هو الشك والذي هو ضد اليقين عند العرب وبلسانهم خوطبنا لاسترحت من شغل فكرك بكل ما قلته ..

أما قولك ..
(( و لا يقال بأن الأخ يوافق على هذا و إن سماه غيره ظن راجح أو غلبة ظن قلنا كلام الأخ يخالف هذا فهو مثلا في العمليات يوافق على كلام شيخ الإسلام في حكاية للإجماع فقال الأخ ( وهذه القضية والإجماع المحكي والنص الوارد فيه حق لا نبطله وهو قولنا آنفاً ..ولم نقل بتأثيم أحد عمل هكذا البتة ... ) )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
لا يصح تعميم الكلام والنقل لما أقله ..
والقضية التي قلت أنها حق هي ما قلته آنفاً ..
وقد نقلت هناك كلامك هذا (( و أما الإثم فقد أجمع الصحابة و التابعين على أن المجتهد إذا استفرغ وسعه لا يأثم بل يؤجر على اجتهاده كما ثبت في الحديث الصحيح . )) ..

فقلت أنا معلقاً عليها ..
(( وهذه قضية قد أيدتها والحمد لله تعالى ..فإن كانت هي حق عندكم أيضاً فلا إنكار على من وقف على القطع عنده ..فإن كنتم ترون القطع بكذا وكذا فلا تنكروا على من وقف على القطع عنده في كذا وكذا ..وهذه القضية والإجماع المحكي والنص الوارد فيه حق لا نبطله وهو قولنا آنفاً ..ولم نقل بتأثيم أحد عمل هكذا البتة .. )) ..

هذا قولي الذي يصح نقله عني لا ما نقلته بارك الله فيك ..
وهو يخالف قولك الذي قلته آنفاً وزدت بيانه في تعريف الظن والشك واليقين ..

وقلت ناقلاً عني ..
(( و انظر قوله ( وإلا ما الفرق بين اعتقاد أهل الإيمان واعتقاد أهل الكفر .. ؟!فإن لم يكن مطلوباً منا اليقين بما نعتقد لصححنا عقائد باطلة بناء على أنها بذلت وسعها فعلمت أن عيسى عليه السلام هو الرب ..واليقين لا يبطله يقين ضرورة ... )) . و قاله ( ولاحظ أمراً دقيقاً ..أن من اعتقد وكان اعتقاده بغير يقين فلا يكون معتقداً ..فاليقين يوجب التصديق بالشيء إن كان ذلك اليقين مصدقاً له ... )) .

فاليقين إذا زال في اعتقاد المؤمن لم يكن مؤمناً ..
فهو يوجب تصديق الشيء المعتقد به ..
فإن ارتفع اليقين ارتفع تصديقه ..
قد تكلمنا عليه وبينا خطأ فهمك فلا حاجة لإعادة ما قلنا ..

وقلت ناقلاً عني ..
(( الثانية : قوله ( لأننا نطلق كلمة اعتقاد ولا نعني فيها إلا اليقين بما نعتقده ..سواء سماها البعض ظن راجح أو غالب فلا محارجة في ذلك ) )) ..

ثم اعترضت بقولك ..
(( أهل العلم فرقوا بين اليقين و الظن الراجح لفظا و معنى فمن قال من أهل العلم بالظن الراجح و وجوده قال بأنه دون القطع و اليقين و ما ذكرته من الإجماع الذي نقله شيخ الإسلام و الإجماع كذلك الذي نقله في العلم بالمقطوع به ثبوتا و دلالة دليل واضح على أنهم يفرقون بين الأمرين فمن قال بالعمل بالظن الراجح قولا و عملا لم يرد قطعا العمل بالمجزوم به و إنما أراد العمل بالراجح و هذا ليس بيقين عندهم فليزم أن من اعتقد بظن راجح لا يصح إيمانه لأنه قد دخله الشك في إيمانه و هذا لا يوافق عليه من قال بالراجح من الظن و لا يجوز إيهام عدم التفريق بين القطع و غلبة الظن عندهم كما هو مذهب الأخ بن تميم بأنه الإيمان لا يصح إلا بيقين فالإيمان عند أهل السنة و الجماعة و إن كان يجب بالقطع و اليقين و لكن يصح بغلبة الظن و اتباعها و هذا ليس من اتباع الظن المذموم .)) ..

أهل العلم إذا فرقوا بين هذه المسميات كما عهدنا في لغتنا وشرعنا فالحمد لله تفريقهم صحيح لا شك فيه ..

وإن كان تفريقهم بناء على علم الكلام فهذا ما لا نصححه البتة ..

فاليقين بينا تفسيره ..
والظن بينا تفسيره ..
والشك بينا تفسيره ..
كل هذا بلغتنا العربية لا لغة يونانية أو غيرها ..
وكل ما قاله الفاضل ههنا يضاد اللغة والقرآن ..
وكل الخطأ في نقوله أو تحريره واقع في تفسير هذه المعاني بغير ما عرفه العرب ..
فإن جاء بتفسير لأهل اللغة العربية لما خالفناه ..

لكنه جاء إلى كلام عام في كتب الأصول وبعض كتب الاعتقاد وحسب أن هذه الألفاظ تفسيرها هكذا كما قال وهو تفسير قطعي صحيح ..

وهذا لا يصح كما قدمنا من أن اللفظ الوارد في الشريعة يجب الرجوع فيه إلى أهل اللغة وكذلك النصوص الشرعية أو لتفسيره ..

فمن فسّر لفظاً بلغة غيرنا أو شرع ليس لنا فقد أخطأ ..
وعلمنا أن الظن هو الشك ، وعلمنا أن الشك هو ضد اليقين ..
هذه في لغتنا لا ينكرها من وقف على كتب اللغة ..

فلما خاطبنا الله تعالى بهذه الألفاظ وجب حملها على ما جاء عن العرب وعرفوه لا غيره ..
هذا إن لم يرد تفسير شريعي يبين أن اللفظ هذا نقل عن معناه إلى معنى شريعي آخر ..

هكذا يحصل التفاهم بين الله تعالى وبين عباده ..
ولا يحصل التفاهم بتفسير أحد دون أحد وبعلم دون علم إلا اللغة والشرع فقط ..

فإن ورد لفظ نرى في تفسيره في اللغة أو الشرع ثم ننظر في معناه وإن كان معارضاً بأصل آخر ..

فما عارضه أصل من أصول الإيمان أبطلناه وصححنا ما أيد الشرع معناه أو لم يأت بما يضاده ..

ونقل الفاضل عني ..
(( الثالثة : قوله ( ولاحظ أمراً دقيقاً ..أن من اعتقد وكان اعتقاده بغير يقين فلا يكون معتقداً ..فاليقين يوجب التصديق بالشيء إن كان ذلك اليقين مصدقاً له ..أو يوجب التكذيب بالشيء إن كان ذلك اليقين مكذباً له ... )) ..

وقال حفظه الله ..
(( فعلى هذا القول لا يكون هناك تصديق إلا بيقين فلا يكون مصدقا إلا من كان متيقنا و أما من غلب على ظنه الصدق و صدق فلا يكون مصدقا لأنه غير ميتقن و هذا القول غير صحيح قال شيخ الإسلام رحمه الله ( والذي مضى عليه سلف الأمة وأئمتها‏:‏ أن نفس الإيمان الذي في القلوب يتفاضل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان‏)‏، وأما زيادة العمل الصالح الذي على الجوارح ونقصانه فمتفق عليه، وإن كان في دخوله في مطلق الإيمان نزاع، وبعضه لفظي، مع أن الذي عليه أئمة أهل السنة والحديث ـ وهو مذهب مالك، والشافعي، وغيرهم ـ‏:‏ أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص‏.‏ )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
اليقين أمر في النفس بإثبات أو نفي شيء ..
فمن كان موقنا بشيء فهو يثبت تصديقه أو تكذيبه ..
ومن كان موقناً بشيء ويستدل بما يثبته فهو مصدق له ..
ومن كان موقناً بشيء ويستدل بما ينفيه فهو مكذب له ..
فهذا معنى التصديق الوارد ..

فاليقين إما أن يكون إثبات وإما أن يكون نفي ..
فاليقين هو العلم وإزاحة الشك ..
هذا في لغتنا العربية ..

فمن علم بشيء وأزاح الشك من قلبه فهو موقن بذلك الشيء ..
فإما أن يكون يقينه هذا إثباتاً لشيء أو نفياً له ..

فإن قلنا هذا عن عقيدة الإسلام الصحيح الذي ثبت عندك مثلاً بأن فلان يوقن بعقيدته ..

فإنه يثبت أشياء بعلم وأزاح الشك عن نفسه وقلبه ..
وينفي كذلك أشياء بعلم وأزاح الشك عن نفسه وقلبه ..
ومن لم يوقن باعتقاد الاسلام الصحيح الذي ثبت مثلاً عندك فلا يكون موقناً ..
بل هو شاك في اعتقاده ..

فمن وقف على هذه المعاني أمن من الخطأ الذي ورد في تعقيب الأخ الفاضل ..
ولا علاقة ههنا بكون الإيمان يزيد وينقص وبين تفسير اليقين في الاعتقاد ..
ولا يلزم مما قلته ما تحاول إلزامي به وهو باطل يقيناً ..
فالإيمان يزيد وينقص ..

فمسألة تصديق وإثبات القلب أن الله تعالى حق ودينه حق لا تدخله مسألة الزيادة والنقص ..

فإما أن يقول هو حق ودينه حق وإما أن يقول ليس كذلك ..
فلا مرتبة متوسطة بين ذلك ..

فبلغتنا نقول ..
أنا أشك في كون الله مستحقاً للعبودية ..
وأنا أوقن أن الله مستحقاً للعبودية ..
ولا نقول أن أشك ويزيد شكي أحياناً أو أوقن ويزيد يقيني أحياناً ..
أو ينقص مرة ويزيد مرة ..

فإما أن تزيل الشك في نفسك في تلك القضية وإما أن تثبت الشك في تلك القضية ..

فلا مرتبة بين ذلك أصلاً لا في عقل ولا نقل ولا لغة عرفناها وخاطبنا الله تعالى بها ..
وهذه قضية أخرى بعيدة عن كل مقالنا هذا ..
فلا أدري لماذا تأت بهذه المسائل .. ؟!
فاقتصر على محل النزاع واذكر دليله فقط بارك الله فيك ..
لنحصل على علم من مسألتنا ..

وأنبه على المشايخ وأهل المعرفة والتحقيق الذين ذكرهم ابن تيميه ونقلت عنه ..
(( ولهذا كان المشائخ ـ أهل المعرفة والتحقيق، السالكون إلى الله أقصد طريق ـ متفقين على الزيادة والنقصان في الإيمان والتصديق، كما هو مذهب أهل السنة والحديث في القديم والحديث ... )) ..

أي الصوفية ومن سلك مسلكهم في المعرفة والتحقيق الذين سلكوا إلى الله أقصد طريق متفقين مع مذهب أصحاب الحديث في زيادة ونقص الإيمان ..
هذا تنبيه فقط وتفصيله ليس هذا مقامه ..

هذا جواب ما مضى من تعقيبك الأول ..

والحمد لله رب العالمين ..
رد مع اقتباس
  #25  
قديم 03-07-05, 11:49 PM
عبد الرحمن بن طلاع المخلف عبد الرحمن بن طلاع المخلف غير متصل حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: 07-09-03
المشاركات: 216
افتراضي

و قال الأخ ( وقلت نفع الله بك ونقلت عني ..
)) الثالث :قوله ( والخلاف واقع بين الجمهور وأهل الظاهر في جزئية قل من يدركها .. هل يجوز العمل بالظن ونسبته إلى الشرع وإلى الله تعالى وإلزام الناس به أو لا يجوز .. ؟ فهنا يحصل الخلاف لذلك يقول أهل الظاهر لا يجوز الحكم بالظن في فتيا أو قضاء أو حكم بين الناس في كل شيء ولا يحل نسبته إلى الشرع ..
ولم يرد نص من الشريعة بجواز العمل بالظن البتة .. ) .
إن كان المراد بالظن الذي يرى الجمهور العمل به هو الظن المتساوي الطرفين فنسبة هذا إليهم غير صحيح فإنه بإجماع العقلاء لا يجوز الترجيح من غير مرجح بل لا يجوز العمل بمثل هذا بإجماع الفقهاء لما دلت عليه نصوص الكتاب من تحريم اتباع الظن قال تعالى {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً }النساء157 )) ..
وأقول عفا الله عنك وعنا ..
ليس ذلك قولي أخي العزيز ..
هذا الظن المتساوي الذي ذكرته يقع في نفس المفتي وكذلك يقع بين أهل الفقه ..
فهنا الكلام عن النص الذي دلالته محتملة لأكثر من معنى ..
وهذا لا يجوز العمل به وهو تحكم باتفاق المسلمين ..
ولا إشكال في هذا ..
وإنما الإشكال إذا اختار الفقيه أو المفتي أحد هذه الأقوال بناء على ظنه أنه الأوفق والأسلم والأصح والموافق لمقاصد الشرع التي عنده وليس له في هذا الترجيح دليل يوجب اليقين ..
فكل ما كان حكماً وقولاً في تفسير نص أو خبر أو صرفه أو تخصيصه أو تقييده بناء على الظن والرأي ..
فهذه الأمور وغيرها يجب أن يكون الكلام فيها بناء عن يقين وإلا فلا يحل نسبته إلى الله تعالى ..
واستدلالك في هذه الآية يؤكد قولي السابق في وجوب قطعية الاعتقاد ..
(( و قال {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ }الأنعام116 و قال {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ }الأنعام148و غيرها من الآيات .)) ..
فقوله تعالى وذمه لهم لأنهم اتبعوا الظن في اعتقادهم ..
بخلافك يا رسولنا لأنك تقطع باعتقادك ..
فإن تبعت ظنهم فيما يعتقدون فهذا ضلال ..
والآية تتكلم عن الاعتقاد ههنا لأن المخالف كافر وليس بمؤمن لنحمل الكلام على العمل ... ) .
ذكرت أكثر من مرة أن الظن يقع في فهم الكتاب و السنة فالنص المحتمل أكثر من معنى قد يكون ترجيح أحد المعاني بمرجح معتبر مع عدم بلوغ اليقين بأن هذا هو مراد الله تعالى و مثل هذا نقلنا كلام شيخ الإسلام رحمه الله إجماع أهل العلم المعتبرين على العمل بالظاهر و إن لم يصل مرحلة اليقين .
و كذلك يقع الظن الغالب في تحقيق المناط و هذا بالنص و الإجماع ففي الحديث الصحيحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ » .
و عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رضى الله عنها - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلاَ يَأْخُذْهَا » .
فلا وجه لقول الأخ ( هنا يحصل الخلاف لذلك يقول أهل الظاهر لا يجوز الحكم بالظن في فتيا أو قضاء أو حكم بين الناس في كل شيء ولا يحل نسبته إلى الشرع ... ) فالحكم بالظن المتساوي الأطراف من غير مرجح لا يختلف العقلاء بأنه لا يجوز فلم يبق إلا الحكم بالظن الراجح و الأدلة التي ذكرناها كلها تدل على جواز الحكم بالظن الراجح عند عدم القدرة على اليقين سواء في فهم النصوص أو في العمل بها و سواء كان هذا العمل حكم بين الناس أو فتيا .
ثم إن أهل العلم المعتبرين عند ترجيحهم لأحد المعاني في نص من النصوص لا يكون ترجيحهم لمجرد الظن لا بد أن يكون معهم مرجح إما نقلي أو عقلي و قد يكونون بلغوا مرتبة اليقين أم لم يبلغوها و اكتفوا بغلبة الظن و هذا أمر يعرفه كل ممارس مطلع على نصوص الكتاب و السنة و أقوال أهل العلم و ترجيحاتهم لمعاني هذه النصوص بعضها على بعض فليس كل ما رجحوه من معاني جزموا بصحته بل قد يكون العالم يرجح معنى من المعاني اليوم ثم تراه رجح معنى آخر لمرجح آخر بدا له و لم يقل أحد منهم بأنه يجب أبلغ مرحلة اليقين في ترجيحي هذا و إلا لا يجوز لي الترجيح و لو لم أبلغ اليقين أكون قد حكمت بالظن هذا لا يقوله صغار طلبة العلم فضلا عن أئمة الفقه و علماء المسلمين .
و الأخ مغرم بتخصيص النصوص من غير دليل مع أنه يستنكر هذا الفعل أشد الإنكار بل يوجب العمل باليقين لا بالظن عن الترجيح سواء كان هذا الظن راجح أو مرجوح فكلاهما عنده سواء فانظر قوله ( واستدلالك في هذه الآية يؤكد قولي السابق في وجوب قطعية الاعتقاد ..
(( و قال {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ }الأنعام116 و قال {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ }الأنعام148و غيرها من الآيات .)) ..
فقوله تعالى وذمه لهم لأنهم اتبعوا الظن في اعتقادهم ..
بخلافك يا رسولنا لأنك تقطع باعتقادك ..
فإن تبعت ظنهم فيما يعتقدون فهذا ضلال ..
والآية تتكلم عن الاعتقاد ههنا لأن المخالف كافر وليس بمؤمن لنحمل الكلام على العمل ... ) .
فالآية و إن كان لفظها ورد على مسائل التوحيد و إن كان ذكر فيها تحريم ما لم يحرمه الله تعالى كما قال تعالى عنهم ( ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آَلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144) قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) الأنعام .
فهي تعم كل اتباع الظن لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فاتباع الظن محرم على كل حال سواء كان في مسائل الإعتقاد أو في مسائل الأحكام و سواء كان في تحقيق المناط أو في تنقيحه .
رد مع اقتباس
  #26  
قديم 04-07-05, 12:14 AM
ابن تميم الظاهري ابن تميم الظاهري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 09-03-05
الدولة: الكويت
المشاركات: 52
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم ..


التعقيب على الرد الثاني ..

وبالله تعالى نتأيد ..
قال ابن تميم الظاهري ..

قال الفاضل ناقلاً لكلامي ..
(( و أما قول الأخ بن تميم ( ولأنه لا مرتبة متوسطة بين الشك واليقين فإما هذه وإما تلك ..هذا في الاعتقاد التي تصح به الديانة ... )) ..

ثم قال ..
(( يعني أن من غلب ظنه و لم يجزم لا يصح إيمانه بما غلب ظنه به لأنه لم يجزم علما بأن هذا التفريق كما ذكرنا سابقا لا أصل له لا من كتاب و لا سنة و لا قول صاحب بل هو قول أهل البدع الذين يشترطون أن تكون مسائل الإعتقاد مقطوع بها و إلا لا يصح الإعتقاد )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
فسّر الظن وغلبة الظن أولاً ثم اعترض بما تريد ..
فإن فسّرته بلغتنا العربية وكان مخالفاً لكلامي فحق لك ولغيرك الاعتراض ..

وقد قلت حفظك الله أن تفريقي لا أصل له لا من كتاب و لا سنة و لا قول صاحب بل هو قول أهل البدع ..

فتفريقي بين الشك واليقين يقول به كل عربي علم لغة العرب وفهم ما تطلق عليه هذه الأسماء ..
وهو في كتاب الله وسنة رسوله ..

فلا أدري كيف يكون التفسير للألفاظ بلغة العرب وبالشرع كلام أهل البدع .. !
فهل تنكر تعريف اللغة لليقين والشك .. ؟!
فاللغة تقول أن الشك ضد اليقين ، وأن اليقين ضد الشك ..
فلا يثبت يقين في شيء مع شك في نفس الأمر ..
ومن قال بهذا فلم يقف على تعريف اللغة وبيان الشرع ..

ويظهر أنك لا تفرق بين بين قولنا يقين وشك ..
وبين قولنا قطع وظن ..

فقولنا أننا نقطع أن حكم كذا التحريم أو الإيجاب أي أننا ثبت عندنا أن حكم هذا الشيء مقطوع به من جهة البرهان والاستدلال ..
فنعني هنا الاستدلال عليه كان بناء عن قطع أو عن ظن ..
وإذا قلنا أننا نوقن أن حكم كذا التحريم ..
أي لا نشك في أن حكم كذا كذا ..
ولا يعنينا هنا من أي جهة حصل اليقين ..
فإن التفتنا إلى الجهة أطلقنا على ثبوت ذلك الحكم أنه قطعي أو ظني ..
بحسب برهاننا أو دليلنا الذي نستدل عليه ..

لأن الموقن بالشيء قد يكون بغير برهان ..
لذلك قلت لك آنفاً أن اليقين في إثبات شيء أو نفيه ..
أو تصديقه أو تكذيبه ..

ولا علاقة لنا في صحة يقينه هذا وعدمه ..
وإنما نحن نريد تمييز كلام المتكلم فنقول له ..
هل توقن بهذا الشيء أنه كذا أو لا توقن ..
أي هل تشك فيه أو لا تشك ..

فإن قال نعم أوقن قيل له ..
فمن أي وجه قررت ذلك الحكم وقلت أنك موقن أنه هو المراد من الشرع مثلاً ..

فيقول أوجب البرهان عليّ أن أقطع بأن حكم كذا هو كذا ..
واستدل بنص صحيح أو إجماع وفسرهما بلغتنا إن لم يكن هنا ناقل بالشرع عن هذا المعنى ..

فالقطعية والظنية التي يستعملها أهل الكلام لا علاقة لنا بها ..
ولا ألتزمها أصلاً في كلامي لأني أبطل الأخذ عنهم إلا ما كان يشهد له النص ..

فالذي نقطع به هو البرهان ..
أي الذي نثبت به حقيقة من الحقائق العلمية أو الشرعية هو البرهان فقط ..

ومثال بسيط ..
يقول المتكلم ..
أنا أوقن أن هذا كتاب ..
فينفي الشك من نفسه في تقرير هذه الحقيقة ..
وقد يقول ..
أنا أشك في كون هذا الشيء كتاب ..

فإن استدل لكل هذا كان مثبتاً بقطع أو بظن ..
ولو تأملت كلامي السابق جيداً لما وقعت في هذا الخطأ ..
ففرق بين هذه بارك الله فيك حتى لا تقع في الخطأ ..
ومن رد خبر الآحاد في الاعتقاد لا علاقة لنا به ههنا ..
ولا هو قولنا ولا يلزم عن قولنا أصلاً ..

فكل هذه التقسيمات جاءت من أهل الكلام ولم يعرفها أئمة الإسلام والصحابة والتابعين ..
وإنما عندنا أن خبر الواحد يوجب القطع ونوقن بصدقه وأن ما فيه حق إذا جاء بشروطه من العدل الضابط الحافظ عن مثله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

فيوجب أن الحكم الوارد فيه بحرمة أو إيجاب القطع بأنه من الله تعالى لا من غيره لأن الله تعالى أمرنا بالأخذ به ..
ونوقن صدقه وأن ما فيه حق ولا نشك بهذا لأن الله تعالى أمرنا أن نقبل خبر العدل الذي حفظ وضبط ما يرويه لنا من الأخبار عن الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم ..

فدليل قطعيته هو أمر الله تعالى لنا بالأخذ به بشروطه ..
ونوقن أيضاً أن ما في هذه الأخبار أنها حق أيضاً ..

فلما استدللنا على كونها ثابتة قطعاً بالدليل والبرهان قلنا أن يقيننا هنا حق مقطوع به ..
فاليقين في إثبات شيء أو نفيه لا يعني بالضرورة القطع به من جهة النص ..
فقد يوقن الكفار بشيء بأن عيسى عليه السلام ربهم وخالقهم ..
وليس لهم برهان في ذلك أو خيّل لهم أن عندهم برهان ..

فلا أدري لماذا تريد الخروج من الموضوع ترك مسألتنا ..
ولا تقل أن هذه من مسألتنا ..

بل مسألتنا ..
هل يجوز أو يجب العمل بالظن ويجوز أن ننسب هذه الأحكام المبنية على الظن إلى دين الله وشرعه ، وأنه يجب أو يجوز إلزام الناس بها .. ؟!

فهذه مسألتنا ..
إذا أثبتناها بالبرهان أو نفيناها فبعدها تكلم بما شئت من جزئياتها أو جزئيات غيرها ..
فلا يليق الخروج عن محل النزاع إلى مسائل فرعية أو جزئية وقد تكون خارجة عن أصل ما تنازعنا فيه ..

فهنا الذي يجب عليك أن تقوله ..
أن تفسير الظن والشك واليقين هو كذا ..
وإما أن توافقني وإما أن تخالفني وتبين من أين أتيت بهذه التعريفات ..
فإما أن نتفق عليها وإما أن نخالفها ونذكر وجه المخالفة ..

أما أن نجعل هذه المسألة لكل كلمة ولكل مسألة وإن لم تكن داخلة في مقالنا هذا فهذا خروج عن المحل لا يليق بك حفظك الله ..

فاذكر برهان ما يلي ..
1- أمر الله تعالى أن يعمل المسلم بالظن ..
وهنا تبين تفسير الظن بما أمرنا للسماع له من لغة ونص وإجماع ..
وإن شئت فسّر اليقين والشك أيضاً ..

2- أمر وأباحة الله تعالى للمسلم أن ينسب ما توصل إليه بناء على الظن في الأحكام الشرعية إلى الشرع وإلى الله تعالى ..
بنص أو إجماع واضح جلي ثابت لا إشكال فيه ..

3- أمر الله تعالى أو إباحته إلزام الناس بالحكم المبني على الظن ..
بنص أو إجماع واضح كذلك ثابت لا إشكال فيه ..

هذه مسائلنا التي لم تثبتها إلى الآن ولم تأت ببراهين كالشمس في إثباتها ..

وعود على تعقيبك ..
وقد قلت حفظك الله نقلاً عن ابن تيميه ..
(( قال شيخ الإسلام رحمه الله ( وقد تنوعت طرق الناس في جواز هذا؛ فطائفة قالت‏:‏ لا يتبع قط إلا العلم ولا يعمل بالظن أصلا، وقالوا‏:‏ إن خبر الواحد يفيد العلم، وكذلك يقولون في الظواهر، بل يقولون‏:‏ نقطع بخطأ من خالفنا، وننقض حكمه، كما يقوله داود وأصحابه، وهؤلاء عمدتهم إنما هـو مـا يظنونه ظاهرًا‏.‏ )) ...
إلى آخر قاله بعدها أيضاً ..

قال ابن تميم الظاهري ..
كلام ابن تيميه ومحاولة إضعاف الاستصحاب لا علاقة له في كلامنا هنا ..
وإنما هو متعلق بما ذكره ابن تيميه في كلامه : (( وكذلك يقولون في الظواهر )) ..
فهو يريد إبطال كون الظاهر يفيد العلم ..
وليس هذا مقامه ..

وقد نقل الفاضل ما يفيد ويؤيد ما قلته ..
(( قال شيخ الإسلام رحمه الله ( أما الأول‏:‏ فالجواب الصحيح هو الجواب الثالث، وهو أن كل ما أمر اللّه تعالى به فإنما أمر بالعلم، )) ..

وهذه القضية نفسها التي أنكرها علينا الفاضل في قولنا قبل ردود أن الحكم بناء على شهادة الشهود إنما هو عن علم وقطع ..

أما بقية ما نقله عن ابن تيميه فكله يرده تفسير الظن والشك واليقين في لغتنا التي خوطبنا بها ..
فإن أثبت الفاضل أن الظن يستعمل في غير ما بيناه من أهل اللغة فقد صحت له هذه الإطلاقات في كون ذلك الشيء ظن راجح أو غالب ..

ولا يكون كلام أحد حجة على أحد إلا حيث استدل أحدهما بدليل وبرهان يوجب المصير إلى قوله ..
والبرهان هو ما نطلبه في تفسير هذه الألفاظ وكذلك إثبات المسائل الثلاثة السابقة ..

فلم يأت ذلك البرهان رغم كثرة الردود .. !
وما ذم الله تعالى الظن إلا بما فسره العرب من لفظه ..
وليس شيء غيره ..
ومن ادعى أن الظن في المذموم في النصوص وارد على غير الشك فليأت ببرهان أضوأ من الشمس حتى يصار إلى قوله ..

أما الدعوى ..
فكل أحد يحسنها ..
وليست طريقنا والحمد لله ..

فقد بينا أن الظن والشك واليقين عرفهم العرب على معاني ..
وبهذا نحصل على برهان معنى هذه الألفاظ ..
والله تعالى كلمنا بلسان عربي مبين فوجب الرجوع إلى ذلك اللسان لنعرف المراد ..
إلا أن يكون بين لنا في نص آخر أو نفس النص أن ذلك المعنى عند العرب ليس هو المراد وإنما معنى آخر كالصلاة والزكاة والصيام ونحوها ..
فلا تكثر في أمر لا يسلم لك ولم تأت به ببرهان ..

وقال الفاضل ..
(( و الأخ قد وافق على أن العمليات يعمل بها بما ظهر لنا و أقر بإجماع شيخ الإسلام و أقر بوجود مرحلة وسط بين اليقين و بين الظن و هي الحكم بالظاهر و من المعلوم أن الحكم بالظاهر لا يكون بيقين فقال ( وهذا كما قلت ولا فرق ..
فقول ابن تيميه أن الظاهر هذا محل اتفاق هو ما أنكره علينا الأخ الفاضل ..
ثم استشهد به لقوله .. ! )) ..


قال ابن تميم الظاهري ..
أخي الحبيب ..

عندما تتكلم بلساني وتقول ما لم أقله فلا يصح أن تبني على ذلك حكماً وقولاً ..
بل إرجع إلى كلامي في موضعه ثم بيان في التعقيب قبل هذا تفهم ما الذي أقررت به من الإجماع ..

وهو نفي الإثم فقط ..
فما علاقة ما تستشهد به بما قلته .. ؟!

وقول ابن تيميه ( أن الظاهر كذا ... ) ..
لا أتكلم عن لفظ الظاهر والمعنى منه عند أهل الأصول ..
بل هو كلام ابن تيميه الذي نقلته عنه ..
فأنت تريد الاستدلال لقبول الحكم الظاهر أو المعنى الظاهر ..
فتعلقت بقول الذي نقلته عن ابن تيميه ( أن الظاهر كذا وكذا .. ) ..

فليست هذه تلك وليس هذا قولي أصلاً .. !
ثم تأتي تستدل بكلامي أن أهل الظاهر وقفوا على هذا الظاهر ..
لتقول أن هناك مرتبة بين اليقين والظن وهو الظن الراجح .. !

فلا يوجد أضعف من هذا الطريق .. !
الظاهر الذي تتكلم عنه هو ما يظهر من لفظ النص وليس غيره بلسان عربي مبين ..
ثم إن اليقين والشك هما الضدان ..
والذي سميته ظن راجح لأنه ظهر من النص فهذا الذي لا يصح البتة ..
فكيف نفهم كلام الله تعالى إن لم نعمل بما يظهر من لفظة واردة في النص بمعناه العربي الصحيح .. ؟!

إذا قلت لأخيك ..
اذهب واحضر لي كتاباً ..
أي معنى تفهمه من هذه الجملة بحسب لسان العرب .. ؟!

هل تقول أن إرادته جلب الكتاب مظنون .. ؟!
قد يكون المظنون الذي هو مشكوك به هو أي كتاب يريد أو وقت جلب هذا الكتاب وغيره ..
لكنك لا يمكن أن تبطل أنه يريد منك أن تجلب له الكتاب ..
ومن قال أنه لا يريد ذلك وإننا في شك من أنه يريد إحضار كتاب فقد أتى بالغرائب .. !

ولما صح كلام وتفاهم بين البشر البتة ..
فالواجب حمل كلام المتكلم وكذلك النص نحمله على لغة المخاطب بالنص ..
فإذا قال تعالى : { وأقيموا الصلاة } فنحمله على لغة المخاطب فنقول ..
العرب عرفت الصلاة بمعنى الدعاء ..
فنقول أمرنا الله تعالى بالدعاء ..
ثم علمنا من النصوص أيضاً أن الله تعالى طلب منا هيئة مخصوصة وسماها صلاة ..
فعلمنا أن الله تعالى أمرنا بصلاة على هيئة مخصوصة ..
فنسمي الدعاء صلاة وكذلك نسمي تلك الهيئة صلاة ..
فلا أهملنا لفظ العرب لهذه الكلمة ولا أهملنا تفسير الشرع ..
وقد نهمله إن ورد في نص أنه يبطل ذلك المعنى اللغوي ..
وهذا لا إشكال فيه ..

فأي ظنون وظن غالب يظهر من كلام الله تعالى لنا بحسب لساننا العربي .. ؟!
فكل ما قاله الفاضل هنا أخطأ به بلا شك ..
ولن يقدر على الإتيان ببرهان يجعلنا نقول ..
أن كلام الله تعالى عندما نسمعه فهو مظنون به ومشكوك به على أي معنى وجهة .. !!
وقد يخيّل إلى البعض أن لهم برهان في ذلك ..
لأن النص فسّر ألفاظاً واردة بمحل بغير اللفظ العربي ..
فهنا ليس كلام الله هو المشكوك به والمظنون ..
بل قول القائل هذا هو المظنون المشكوك به ..
لأنه لم يقف على اللفظ المفسر ..

فليس كلام الله مظنون به ولا مشكوك من مراده وتفسيره لألفاظه البتة ..
إلا من فسّر هذا الكلام من غير يوجب القطع بتفسير إمام أو تابعي أو غيرهم مما يعمل به بعض أهل المذاهب ..

فتفسير كلام الله تعالى يكون بكلامه هو وبكلامنا العربي الفصيح الذي يتفق عليه العرب ..
أما ما عدا هذا فكلام لا تتحصل منه بعلم ..

فسبحان الله كيف نجعل كلام الله مظنوناً به ..
وكلامنا نجعله مقطوع به ونطالب الناس أن يلتزموا معناه العربي الذي عهده السامع .. ؟!

ووالله لو قال لي أحد ..
أنا مسافر الآن ..
فقلت ..
كلامه هذا مظنون ولا نعرف ما المراد منه ولا نقطع به لشك بي وبعقلي .. !

فيقول القائل ..
أفأقول لك إني مسافر غداً فتقول لا أدري إن كنت تريد السفر المعروف أو غيره .. !
فقد تكون تريد سفراً بمعنى الموت فلا أدري أي معنى ..

أفيقول أحد مثل هذا .. ؟!
وإن قال أحد قد يكون يريد سفر الموت ..

قيل له ..
ارجع إلى اللغة واعرف على ماذا يطلق السفر في كلام العرب ..
فما علاقة السفر المعروف بنية وقصد وقدرة ترجع إلى المسافر ..
مع الموت المعروف وهو الوفاة ..

فكل ما يقال هنا لا يؤيده شيء ..
ولو كان ما قاله الفاضل لكان قول من قال أن الشريعة فيها أسرار ..
وفيها ظاهر وباطن حق لا شك فيه .. !

لأنهم يقولون كلام الله ومراده ليس هو الظاهر منه ..
بل له معنى اختص به خواص الخواص وأولياء الناس .. !

ونحن لا نقول بمثل هذا والحمد لله ..
بل كلام الله تعالى على ظاهره الذي فسره لنا بالنص نفسه أو نص غيره ..
أو الذي فسره لنا العرب بما اتفقوا عليه فقط ..
ومن قال غير هذا فعليه أن يأت ببرهان لا شك فيه ..
وإلا فما أسهل الدعوى ..

ثم قول الفاضل في آخر مقاله في الظن الراجح والمرجوح ..
فأي ظن هذا وما هو تعريف الظن الراجح والمرجوح .. ؟!
وأي اعتبار هنا ومن اعتبره .. ؟!

فإذا كان الظن هو الشك في لغتنا التي خوطبنا فيها ..
فكيف يكون الشك راجحاً .. ؟!

فالشك ليس له مراتب ..
واليقين ليس له مراتب ..
في نفس الأمر والقضية الواحدة ..

فلا يقول أحد ..
أشك أن زيد حي وأوقن أن زيد حي .. !
فإما أن تشك في كونه حياً ..
وإما أن توقن في كونه حياً ..

فإن قال أحد ..
أشك تارة أن زيد حي وأوقن تارة أن زيد حي ..

فما يحكم عليه الناس اليوم .. ؟!

وكل من خالف هذه القسمة فقد أتى بما لا يعضده له لا برهان من نص ولا من لغة ولا من عقل ..

فالتفسير أو الحكم المأخوذ بالظن والذي هو شك في ثبوته وعدمه لا يرتقي إلى يقين إذا انضم له شك مثله ..

أما إذا انضم له نص آخر قاطع في أن المراد كذا وكذا وليس كذل ..
فيكون النص ذلك أوجب يقيناً في النفس أزال تلك الشكوك والتي هي ظنون ..

ثم نسأله أيضاً ..
من اعتبر هذا المرجح .. ؟!
ومن طلب منا أن نلتفت لما تسميه مرجح معتبر .. ؟!
وما هي تلك المرجحات المعتبرة .. ؟!
كل هذا يدخل تفسيرك وكلامك وشرحك لكلام ابن تيميه ..

فإن كان الله تعالى جعل أشياء معينة أنها توجب العمل بتلك الشكوك والظنون فأبنه بياناً لا شك فيه ..

فارجع إلى قضيتنا هنا وهي ما ذكرته كثيراً ..
نريد البرهان على هذه المسائل ..

1- أمر الله تعالى أن يعمل المسلم بالظن ..
وهنا تبين تفسير الظن بما أمرنا للسماع له من لغة ونص وإجماع ..
فإن شئت فسّر اليقين والشك أيضاً ..
وطبقه على ما تتكلم به ..

2- أمر وأباحة الله تعالى للمسلم أن ينسب ما توصل إليه بناء على الظن في الأحكام الشرعية إلى الشرع وإلى الله تعالى ..
بنص أو إجماع واضح جلي ثابت لا إشكال فيه ..

3- أمر الله تعالى أو إباحته إلزام الناس بالحكم المبني على الظن ..
بنص أو إجماع واضح كذلك ثابت لا إشكال فيه ..

هذه مسائلنا التي لم تثبتها إلى الآن ..
فالمسألة ليست كثرة الاعتراض بقدر ما هي تحقيق القول بهذه المسائل ..
بحسب ما ورد في سؤال السائل ..

وننظر الآن في التعقيب الثالث لنعرف ما فيه ..

والحمد لله رب العالمين ..
رد مع اقتباس
  #27  
قديم 04-07-05, 03:52 AM
ابن تميم الظاهري ابن تميم الظاهري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 09-03-05
الدولة: الكويت
المشاركات: 52
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم ..


التعقيب الرابع ..

قال ابن تميم الظاهري ..

قال الفاضل ناقلاً عني ..
(( أما من استفرغ وسعه لإصابة الحق في العمل فقد أدى ما عليه وهذا ذكرته آنفاً في التعقيب ولم أخالفه ..لكن لا يعني من فعل ذلك أنه أصاب الحق عند الله ..فالعمل بشيء ينتج عنه قضيتين ..الأولى : إصابة الحق عند الله تعالى وفيه الأجر ..وهذا لا يكون إلا بعمل بيقين لأنه لا يتعارض ولا يتناقض ..الثانية : العمل بما أمرنا به في تحري الحق وإن أخطأنا بلا نية للخطأ ..فهذا فيه الأجر أيضاً ولا يعني أنه الحق عند الله ..ولا يحل لنا ههنا أن ننسبه إلى الله تعالى إن كان بناء عن ظن ورأي ..لأن هذه المسالك لم يطلبها الله تعالى منا أصلاً ..وإنما طلب منا العمل بما أمرنا به فقط مما يوصلنا إلى القطع في نسبة شيء من الأحكام والديانة إلى الله تعالى ..وكل طريق لا يوصل إلى القطع فلم نؤمر به ..ومن قال بغير هذا فقد أخطأ يقيناً ..ولوجب على القائل هذا أن ينسب كل الظنون التي قال بها كل مفتي منذ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا إلى الله تعالى وشرعه ..وهذا أيضاً لا يقوله أهل الرأي أصلاً ..وإنما يعملون بالظن تورعاً واحتياطاً مع عدم نسبتهم لشيء من ذلك إلى الله تعالى لعدم ثبوته من جهة القطع واليقين ..فالصحابة رضي الله عنهم عملوا بما اجهدوا فيه الفكر والرأي حتى وصلوا لحكم ما وكان بالظن ..ولم ينسبوه إلى الشرع البتة ..فلما ورد عن غيرهم اليقين تركوا ما قالوه ..وكذلك من بعدهم من التابعين ..فلا محارجة في العمل بالاجتهاد وهذا ما قدمته آنفاً في التعقيب ..وإنما في نسبة هذا العمل بالظن والرأي إلى الله تعالى والشرع والإلزام به ..وهذا لا يدركه الكثير من طلبة العلم إلا من رحم الله .. ) ..

فقال الأخ الفاضل ..
(( ذكرنا هنا ثلاثة أمور في الإجتهاد و استفراغ الوسع :الأول : استفراغ الوسع في التنزيل و هذا مجمع عليه بأنه يجب على المجتهد استفراغ الوسع لإصابة الحق في نفس الأمر فإن أصاب الحق فله أجران و إن أخطأه فله أجر واحد و إذا أخطأه فلا شك أنه حكم بما غلب على ظنه أنه الحق و لكنه أخطأ إصابة الحق و قد يصيب الحق كما ثبت في الحديث الصحيح عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ » )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
ليست هذه قضيتنا ومحل تنازعنا أصلاً ..
لازلت تذكر ما هو خارج عن محل النزاع ..

وبقية قولك يدل على عدم تفريقك بين اليقين واستعماله ..
وبين الظن واستعماله في مسألتنا بمعنى الحكم المبني على الظن ..

وكل ما تكلمت به في تطبيق هذا النص لا علاقة له في اعتراضي ومنعي من دعواك ..

فالمجتهد هذا إذا حكم فأخطأ ..

فالخطأ الذي لم يدركه أحد من الناس ففيه أجر بلا شك ..
أما الخطأ الذي بان وانكشف أنه خطأ فلا يحل للمجتهد هذا أن يقول به بعد البيان له عن الخطأ في قوله ..

والخطأ هذا كيف نعرف أنه أخطأ .. ؟!
أليس عن طريق من بين له الخطأ الذي وقع به ..

ولا جواب لك ههنا إلا بلى ..
فإذا بان الخطأ للمجتهد من قول غيره بما كان عن قطع وبرهان فلا يحل القول به ..
بل يتركه وقد ناله أجر النية الصالحة في إصابة الحق ..

ويجب عليه ههنا أن يرجع عنه ولا يحل له الاستمرار به وهو يعرف أنه خطأ ..
فالاستدلال بهذا النص ليس فيه حجة لكم وليس هو حجة علينا وليس أصلاً في محل نزاعنا ..

ثم إن العامل إذا اجتهد بالظن والأمر المشكوك في ثبوته وعدمه فهذا أمر يخصه ..
مع عدم وجود نص يوجب عليه هذا العمل ..
وإنما يقول من يعمل بذلك أنه أحوط ..

فأنا قلت ..
أن الله تعالى لم يأمرنا بالعمل بكل ما هو ظن ومشكوك به بل أمرنا بأن لا نقول عليه بشيء في دينه إلا ببرهان لا شك فيه ..
وإن عملنا بالخطأ ولم نعلم أنه خطأ أو قد تيقنا أنه ثبت عندنا بالظن فلا يحل أن ننسبه إلى الله تعالى ونقول حكم هذا الشيء هو شرع الله ..
بل هو رأيك وقولك وشرعك لنفسك ..
ولا يحل لنا أن نلزم به الناس ونقول لابد من امتثال هذا الظن ..
وأنه شريعة ربنا ..

فإما أن تثبت خلاف ما قلته وإما أن تقر به أو ببعضه وكل ذلك ليس لك طريق في الاعتراض أو الإثبات إلا ببرهان لا شك فيه ..

وقال الفاضل ..
(( الثالث : الإعتقاد و الأخ يشترط أن يصل فيه المكلف إلى اليقين و أنه لا مرتبه وسط بين اليقين و الشك و بينا خطأ هذا الإطلاق و أن المكلف متى ما غلب على ظنه الحق فصدق به و اعتقده و أظهر الإلتزام به حكم له بالإسلام و نفعه هذه الإعتقاد في الدنيا و الآخرة و أن الجزم و اليقين و إن كان مطلوبا و لكن إن لم يقدر إلا على ما غلب ظنه لا يقال بأنك شاك و لا يصح إيمانك هذا من جهة التنظير قد يخالف فيه بعض المتكلمة و لكن من جهة التنزيل لا يمكن أن يحكم لمن جاء مسلما و قال بأنه يغلب على ظنه صحة الإسلام و أنه حق و يعتقد بكل ما فيه لا يمكن أن يحكم له بأنه لا زال على كفره و أنه ليس بمسلم لأنه لا زال شاكا . )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..

هذا الاعتراض كله جاء بناء على خطأ في الفهم من المعترض ..
وعدم تفريقه بين اليقين والقطع ..
وقد بينا ذلك مما يبطل هذا الفهم عنا ..

فالاعتقاد الصحيح لا يلزم منه القطع ..
وإنما يلزم فيه اليقين ..
ومن فرق بين هذين علم أن اعتراض المعترض كان خطأ منه ..

فاليقين عدم الشك بالشيء سواء كان صحيحاً أو باطلاً ..
والقطع هو إثبات للشيء أو نفيه بالدليل والبرهان ..

فعلى القارئ أن يميز بين هذه الألفاظ والإطلاقات ليستريح ..

فكل قاطع بشيء فهو موقن به ..
وليس كل موقن قاطع بذلك الشيء ..
حرر هذه ترتاح أخي الحبيب ..


وقال الفاضل ..
(( فقوله ( وهذا لا يكون إلا بعمل بيقين لأنه لا يتعارض ولا يتناقض ... ) .
إن كان مراده لا يكون العمل إلا بيقين فهذا خطأ و لا شك و هو قد أقر بأن العمل بالظاهر و الظاهر قد يصيب به الحق و قد لا يصيب و عندها يكون العمل بغلبة الظن لا الجزم لأنه لو كان جزما لكان أصاب الحق جزما و لا يقال هنا أنه حكم بالظاهر . )) ..


قال ابن تميم الظاهري ..

العمل بيقين يختلف عن العمل بقطع ..
فالعمل بيقين من يعمل بشيء وهو يثبته أو ينفيه بما لا مجال فيه للشك في نفسه البتة ..
فإن عمل بشك فهو مثبت أو ناف بما لا مجال فيه لليقين في نفسه البتة ..
وهذان لا يقعان في نفس الشيء البتة عند أهل اللغة والشرع والعقل البتة ..

فلا يعمل أحد وهو يوقن ويشك في نفس الأمر البتة ..
فإما هذا وإما ذاك وهذا الذي قلت أن العمل باليقين لا يصح أن يكون مع العمل بالشك في نفس الأمر ..
وهو جزء الكلام الذي نقلته عني ..
فهذا مرادي من ذلك لأني أعترض على جعلك العمل بالشيء الواحد فيه شك ويقين معاً ..
فالشك هو الظن لا غيره في لغتنا وشريعتنا ..
فأخبرك أن الشك لا يجتمع مع اليقين في شيء واحد البتة ..
لأنهما ضدان يتعارضان فكيف نثبتها في شيء واحد ..

والعمل بالقطع ..
هو العمل بالشيء سواء كان شكاً أو يقيناً أول الأمر مع الاستدلال له بما هو برهان ..

فأما اليقين فثبوته لا يعني صحة شيء أو عدمه في حقيقة الأمر بل يدل على أنه ثابت أو منفي في نفسك فقط ..

فاليقين إشعار للغير بأني لا أشك أن ذلك الشيء أنه محرم مثلاً ..
وأما القطع بأن ذلك محرم فهو بالاستدلال على تحريم ذلك الشيء أو الفعل ..

ففرق بين هذه أخي ..
فكلامك في هذه المسألة لا يستقيم ولا يصح عند أهل اللغة أصلاً ..

وقال أيضاً ..
(( فالتفريق بين مسائل أصول الفقه أو أحكامه أو مسائل أصول الدين في مسألة العذر بالجهل أو التأويل تفريق مبتدع لم يرد عن السلف )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
لا يصح أن نفهم كلام المعترض خطأ ثم نتكلم عليه ونجعل تفريقه بدعة ..
فما أسهل من إطلاق لفظ البدعة على كل شيء ..

فليست هذه المسألة في مقامنا هذا ..
ولم أتكلم عليها بل أنت شككت في مرادي وتكلمت بما تظن أنه قولي وتفريقي ..

وقال أيضاً ناقلاً عني ..
(( و قول الأخ الفاضل ( الثانية : العمل بما أمرنا به في تحري الحق وإن أخطأنا بلا نية للخطأ ..فهذا فيه الأجر أيضاً ولا يعني أنه الحق عند الله ..ولا يحل لنا ههنا أن ننسبه إلى الله تعالى إن كان بناء عن ظن ورأي ..لأن هذه المسالك لم يطلبها الله تعالى منا أصلاً ..وإنما طلب منا العمل بما أمرنا به فقط مما يوصلنا إلى القطع في نسبة شيء من الأحكام والديانة إلى الله تعالى ..وكل طريق لا يوصل إلى القطع فلم نؤمر به .... ) .)) ..

فقال معلقاً ..
(( يجب أن يعلم أن الظن يدخل في فهم كتاب الله تعالى و انظر فهم الصحابة رضوان الله عليهم في فهم القرء كما قال تعالى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ }البقرة228 )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
السؤال هنا هل طلب الله تعالى منا أن نفسر القرآن بالظن والشك أو لا .. ؟!
هل طلب منا تفسير أو الحكم أو الاجتهاد بالظن أو أمرنا بذلك أم لا .. ؟!

هنا السؤال الذي إلى الآن لم تجب عليه ..
ولم تذكر برهانه البتة ..

أما ذكرك مسألة فهم الأمة والصحابة ومن بعدهم للفظ القرء فلم نؤمر به أصلاً ..

فالله تعالى حين تكلم عن القرء وهي في لغتنا تطلق على ..
إما الحيض ..
وإما الطهر ..
وإما على الطهر والحيض معاً ..

والمعتبر هو مراد المتكلم ..
ولا يحل لنا أن نقول أن المراد كذا أو كذا إلا إذا علمنا هذا المراد ..
فكل من تخيّر أحد هذه المعاني فلم يأمرنا الله تعالى بالأخذ منه لهذا المعنى ..
وإنما أمرنا أن نفسر هذه الألفاظ المشتركة بما بينه تعالى لنا في كتابه أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ..

فإن كان اللفظ له معنى واحد في لغتنا فنعمل به وهو القطع في تفسيره ..
وإن كان اللفظ فيه أكثر من معنى في لغتنا فوجب أن ننظر إلى تفسير الشرع له وبيانه أي معنى من هذه المعاني أراد ..

ولبيان كيف تفسير هذه اللفظة ما يلي ..

قد وردت السنة في بيان متى يجوز تطليق المرأة وفيه ابتداء عدتها متى يكون بأن قال فطلقها في طهر غير مجامع فيه وفي رواية طاهراً أو حاملاً ..
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في آخره ( تلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء ) ..
وبين النص الأول الذي فيه ثلاثة قروء أن المطلوب بقاء المرأة مدة معينة ..
وهي القروء الثلاثة ..
فاحتار من احتار أي معنى من معان اللغة أراد النص .. ؟!

ولكن لما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم متى تبدأ المرأة عدتها وأنها تبدأها بالطهر الغير مجامع فيه أو الذي تكون فيه حاملاً ..
علمنا أن المراد ههنا من لفظ ( القرء ) أنه الطهر ..
فهذا وجه بيان أي المعاني أراد النص بما نقطع به ..
فالنبي صلى الله عليه وسلم بين الوجه الذي يجوز فيه أن تطلق المرأة ..
وهو كونها طاهراً ..
فعلمنا أن بداية عدتها لا بد أن تكون بالطهر ..
ثم على هذا الخلاف لا تحصل فائدة كبيرة أصلاً لو حققنا قول كل طرف ..

فمن يقول أن القرء هو الحيض فيشترط ثلاث حيضات ..
فقد دخل فيها ثلاثة أطهار بلا شك لمن ميز حقيقة المسألة ..

ومن قال القرء هو الطهر فيقول إن دخلت في الحيضة الثالثة فقد حلت وبرءت من عدتها ..
فكلهم وقع عنده ثلاثة أطهار وكلهم وقع عنده ثلاث حيضات ..
فالقائل بأنه طهر يقول : تكون في الطهر ، ثم تحيض ، ثم تطهر ، ثم تحيض ، ثم تطهر ، ثم تحيض ..
وهذه ثلاثة مع ثلاثة ..
والقائل بأنه حيض يقول : تحيض ، ثم تطهر ، ثم تحيض ، ثم تطهر ، ثم تحيض ، ثم تطهر باعتبار من قال بنهاية الحيض تكون طاهراً ..
وهذه ثلاثة أطهار وثلاث حيضات ..

فإن حملنا القرء في الآية على أي معنى لم يتحقق إشكال وجاز نسبته إلى الله تعالى ..

وليس هو تحكم ولا قول بالضدين ..
بل كل التفسيرات يتحقق فيها ما أراده الله تعالى ..

وأما إذا نسب أحدهم ذلك إلى الله تعالى بأن قال هو الطهر أو هو الحيض فلا إشكال فيه لأنه كله وارد في النص نفسه ..
وليس بظن من أحد لأنهم كلهم إما عملوا بلفظ واحد من ألفاظ المشترك كالطهر ..
وهو يعلم بأن بداية العدة تكون بالطهر ..
أو عمل بلفظ واحد وهو الحيض ودخل في اختياره ثلاثة أطهار ..

فكل هذا لا إشكال فيه أصلاً ..
لذلك لو قال أحد أن القرء في العدة هو الطهر والحيض وهذا مراد الله لما كان مخالفاً لأحد في الحقيقة ..

فكلهم يوجب ثلاثة أطهار ..
وكلهم يوجب ثلاث حيضات ..

فالآية تريد إثبات مدة معينة ..
وسواء قلنا الحيض هو القرء فقد ثبت أثنائه ثلاثة أطهار ..
أو قلنا هو الطهر فثبت فيه ثلاث حيضات ..

والنص النبوي يريد بيان وقت الجواز في التطليق أفي الطهر أو في الحيض ..
فلا إشكال في هذه المسألة أصلاً ..

أما ما ذكره الفاضل ..
(( و يقع كذلك الخطأ في فهم حديث النبي صلى الله عليه و سلم أخرج البخاري و غيره عن ابن عمر ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لنا لما رجع من الأحزاب : " لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة " فأدرك بعضهم العصر في الطريق ، فقال بعضهم : لا نصلي حتى نأتيها ، وقال بعضهم : بل نصلي ، لم يرد منا ذلك ، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يعنف واحدا منهم ) ..

قال ابن تميم الظاهري ..

ليس في هذا الحديث جواز أو أمر بالعمل بالظن البتة ..

فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بأن لا يصلي أحدهم العصر إلا في مكان كذا ..

فالصحابة الذين صلوا في وقت العصر ولم يأخروا هذه الصلاة عملوا بالذي يقطعون به ولم يشكوا به البتة ..
وهو الأمر بالصلاة لوقتها الذي ثبت عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم قطعاً ..

فحملوا لفظ الحديث هنا على أنه أراد الإسراع ..
وهذا يبطل القول على الظن ولا يحل نسبة ذلك إلى الشرع ..

لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال هنا جملة تامة وقضية محددة ..
فلا يحل لأحد أن يحملها على غير ما يظهر منها في الأمر أو النهي ..
بناء على ظنه أنه أراد كذا أو كذا ..

وكان على من صلى عند دخول وقت العصر قبل وصول ذلك المكان أن يقول ..
أمرنا بعدم جواز تأخير الصلاة عن وقتها ..
ثم جاءت رخصة لنا في ترك هذه الصلاة حتى نصل مكان كذا ..
من صاحب الشرع ومن رسوله صلى الله عليه وسلم ..

ومن صلى في المكان وأخر صلاة العصر فقد عمل بالحق والذي أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
لأن هذا مقتضى قوله لا يحل أن نتقول عليه بما لم يقله ولا بينه ..

وعدم إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على من صلى في وقت العصر قبل بلوغ المكان لأنه أخطأ ولا عتب على مخطئ ..

وكيف والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم : ( ما أمرتكم به فأتوا به ما استطعتم ، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه ) أو كما قال صلى الله عليه وسلم ..

فهذا أمر أو نهي لهم فالواجب أن يأتيه السامع بما استطاع وأن يجتنب ما نهي عنه ..

فإن كان لا تصلوا العصر تدل عند المخالف غير النهي أو الأمر بالصلاة في ذلك المحل فعليه بيان ذلك الصارف ببرهان لا شك فيه ..

ولا برهان لمن قال نصلي العصر في وقتها ..
إلا أنه أعمل النص الوارد في عدم جواز تأخير الصلاة عن وقتها ..
وهذا الإعمال لا يصح مع أمر أو نهي من الشارع لأمر متعلق به ذلك النص وارد بعده ..

والرواية هذه ليست دليلاً على جواز ووجوب العمل بالظن ولا نسبته إلى الله تعالى ولا إلزام الناس به ..
فأين هو الذي جاء بالشرع من عند الله ليأمرناً بشيء اشتبه علينا مع أصول ونصوص أخرى .. ؟!

وإنما في النص هذا أمر أو نهي عن شيء ..
وعمل السامع إما بما ظهر من النص والتزم النهي ..
أو عمل بما يظنه أنه أراده ..
ثم لم يعنف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدهما ..
لأن المجتهد إن أخطأ فلا مذمة عليه ..
لأن صارفه عن الامتثال كان نصاً يقطع بوجوب العمل به وهو عدم جواز التأخير ..
فهنا قضيتان متعارضتان ..
وجوب الصلاة في وقتها وحرمة تأخيرها عن وقتها ..
وجوب تأخير أو جواز التأخير لصلاة عن وقتها إذا رخص لنا الشارع في صلاة واحدة ويوم واحد فقط ..

وكلها قضايا قطعية عند كل طرف توجب أمراً ..
والذي جمع بينهما بأن أخذ بالزائد منهما أصاب وعمل بالنصوص كلها ..
ومن أخذ بقضية فإنه ترك قضية أخرى ونص آخر لم يعمل به ..
وهذا خطأ ظاهر ..

والأمر الزائد هو أن لا تصلى العصر إلا في بني قريظة ..
وهو بخلاف الأمر الوارد أولاً في وجوب الصلاة في وقتها وعدم جواز تأخيرها ..

كنقله صلى الله عليه وسلم وسلم وقت صلاة المغرب يوم النحر ولا فرق ..
فالعامل بالنصوص كلها أولى وأحق وأصح من العامل بنص واحد في حال تعارض ظاهر في أحكام تلك النصوص ..

فائدة ..
من أنكر على أهل الظاهر الأخذ بالظاهر وحمل الأمر على الوجوب والعمل بجميع النصوص الواردة فيما يظن فيه التعارض وهو ليس كذلك والأخذ بالزائد منهما فلينكر كذلك على الصحابة ..
فإن صح أنه لا إنكار ولا تصحيح لأحد الأقوال بناء على الظن ..
فهذا هو حد الإنصاف في هذه المسألة والمسائل المشابهة ..
وننظر في الأدلة غيرها لنصحح هذه المسائل وغيرها أو نبطلها ..

وقال الفاضل ..
(( لا يمكن أن يكون بظن محض من غير مرجح معتبر فلا يكون إلا بظن غالب بمرجح معتبر لذا لم يعنفه النبي صلى الله عليه و سلم ثم إنه نسب هذا القول للنبي صلى الله عليه و سلم مع أنه قول خطأ و لم ينكر عليه النبي صلى الله عليه و سلم . )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
ما هو الظن الذي رجح عند من صلى العصر في وقتها أنه أراد الإسراع .. ؟!

فلا والله لم يصلوا العصر لأجل الظن ..
وإنما صلوا لثبوت وجوب الصلاة في وقتها ..
وهذا يقطع به كل أحد وليس فقط الصحابة رضي الله عنهم ..

ولم يكن عدم امتثالهم لهذا الأمر الثاني لأجل ظن منهم ..
ولكن اشتبه عليهم أصلان وواجبان يقطعان بصحتهما بلا شك ..
فعملوا بالثابت والواجب الأول لأن النص الثاني يعارض حكم النص الأول ..
فتوهموا التعارض بين هذه الواجبات ..

أما ما يحاول الفاضل من جعل هذه الحادثة كما يطلق عليه هو أو من يقول بقوله في وجوب أو إباحة القول بالظن على دين الله ونسبته إليه وإلزام الناس به فلا يصح له البتة ..

فإذا تعارض عندكما واجبان أو محرمان فقولوا كما قال الصحابة ..
بأنه يعمل بالثابت الأول ونحمل الثاني على الإسراع ..

ولكنكم لا تقولون بهذا في مسألتنا هذه التي نازعناكم بها ..
فأنتم تأتون إلى حكم ثبت قطعاً بالنص والدلالة فتصرفون الوجوب أو التحريم إلى معنى آخر وليس معارض هذا القطعي الصحيح إلا ظن منكم ليس له برهان ..

وقال أيضاً ..
(( و كذلك من اعتمد أصلا كمن قال بالقياس و أنه مما يحبه الله تعالى ثم عمل بهذا القياس و رجح بعض الأحكام و نسبها لله تعالى لا يكون بهذا آثما و قد يصيب الحق بقياسه هذه و قد يخطئ . )) ..

مسألة كون القياس أصلاً ومصدراً شرعياً ليس هذا مقام بيان عدم صحة ذلك ..
وأما من قال أن القياس يحبه الله تعالى فهذه عجيبة لم يقلها المتقدم من أهل القياس ولا المتأخر ممن وقفت على كلامهم ..
فهذه غريبة عجيبة ..!

فإن ثبت لكم هذا الأصل ببرهان لا شك فيه ثم كان حكمه يعارض حكماً أو نصاً فإنتم تسقطون حكمه أصلاً ولا تجمعون بين حكمه وحكم النص ..
وهو القياس الفاسد الاعتبار ..

وحتى أن الكثير ممن يقول بالقياس فإنهم يبطلون القياس ويقدمون عليه قول الصحابي إذا تعارضا ..

وإن كثيراً منكم إذا ورد قول الصحابي أهمل القياس ..
حتى إمام أهل القياس لا يقول بما قاله الأخ الفاضل .. !

فقد نقل عنه أن مذهبه في الاجتهاد أنه إذا كانت المسألة ورادة عن صحابي فلا يقول برأيه ، وإن كانت ورادة عن التابعين فإنه يزاحمهم ..

وقد قال إمام أهل القياس وهو أبو حنيفة ..
من لم يدع القياس في مجلس القضاء لم يفقه ..

وقال أيضاً ..
علمنا هذا رأي فمن جاءنا بخير منه أخذناه ..

وقال الإمام مالك ..
وددت لو ضربت سوطا لكل مسألة قلت فيها بالرأي ..

وقال ربيعة ..
ما كان يضاد النص من الرأي فاضرب به الحائط ..

وهذا ومعناه منقول عن الأئمة ولا ينكره إلا من لم يتكلف النظر في أقوالهم في هذه المسألة ..

ولا نظن ذلك في أخينا الفاضل ..

فأي شرع هذا ننسبه إلى الله تعالى وهو يضرب بالحائط .. ؟!
وأي شرع هذا ويريد المرء أن يضرب فيه بالسياط .. ؟!
وأي شرع هذا ويقول أول من أسس له أن من لم يتركه في مجلس القضاء لم يفقه .. ؟!
وأي شرع هذا يدري القائل به أن هناك ما هو خير منه .. ؟!
وأي شرع هذا الذي يتركونه لأجل قول صاحب .. ؟!

فأي استدلال واحتجاج تحتج به بارك الله فيك .. ؟!
فلو تمهلت لما قلت ما قلته ونسبته إلى سلف الأمة ..
فكل من قال برأيه من الأئمة لم يجعله ملزماً للناس ولم ينسبه إلى الله تعالى إن كان يعلم أنه بناء عن رأي وظن ..

ولو جئت برواية عن صحابي أو تابعي أو عن إمام مشهود له بالإمامة أن ذلك الظن والرأي الذي يقول به شرع الله ويجب إلزام الناس به لكان كلامك صحيحاً لا شك فيه وإنما ننازع بعدها في كون قول من قال حجة أو لا ..

ولن تأت برواية تجعل هذه الظنون شرعاً لله تعالى وتنسبه إليه ..
ووالله لو تأملت كلام الأئمة لعلمت أنهم كيف تحرجوا أن يطلقوا ما قالوه بالرأي أنه شرع الله خوفاً من وقوعهم في ذم الله تعالى لمن قال هذا حلال وهذا حرام ولم يأذن الله تعالى له بذلك ..

فأي إذن تأت به وتنسبه لأئمة السلف بارك الله .. ؟!
أما سمعت قول الصديق ..
أي أرض تقلني وأي سماء تضلني إن قلت في كتاب الله برأيي .. !

أما سمعت قول الإمام أحمد فيما يروى عنه من مسائل الفقه يقول لمسائل أحب كذا ولا أحب كذا ولا يعجبني كذا .. !

أما سمعت أن الإمام مالك وقيل أيضاً أبو حنيفة أنهما منعا أن يحكم الخليفة بمذهبهما .. ؟!

وقال الفاضل ..
(( نعم كان بعض السلف يتورع عن نسبة مثل هذه الأقوال لله تعالى لأنه تعارض عنده أن هذا هو الحق الذي يحبه الله تعالى )) ..

قال ابن تميم الظاهري ..
بل كل من شهدنا له بالإمامة والعلم يبرأ أن يتقول على الله تعالى بالظن ..
ويقول هذا رأيي والله بريء منه وكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم ..
وهذا هو الحق فيهم والإحسان إليهم لا غيره ..

فلا ننكر إجتهادهم لكن لا نرميهم بما يبرأون منه بلسانهم ..
فلم يلزم الصحابة رضي الله عنهم ولا الأئمة من بعدهم أحداً برأيه ..
ولا قالوا رأينا ههنا شرع الله ودينه وقد ثبت عندهم بالرأي والظن ..

أما ما ينسبونهم فقد يتوهم أحدهم أن ذلك شرع الله فيطلق هذا ..
ثم يتضح للناظر أن قوله خطأ لأن القطع جاء بخلاف قوله فلا يكون ما حكاه هو فعلاً قول الله وشرعه ..

فإن أنكرت هذا فاذكر لي رواية صحيحة عن أحد الصحابة يقول فيها برأيه وينسب ذلك إلى الله ويقول هو شرعه ويلزم الناس به ..

فإن أتيت بذلك ناقشنا هل قول القائل هذا حجة في الشريعة أو لا ..
فما يتورع أحد أن يبين ما هو دين الله تعالى ..

ولو علمت أن التورع معناه الاحتياط لما قلت هذا ..
بل الأئمة يتورعون عن أن ينسبوا لله تعالى قولاً بالظن والرأي ..
فيحتاطون لدينهم من أن يتقولوا على الله تعالى فيقعوا فيما ذمه الله تعالى ..

فترفعوا عن القول على الله ونسبة شيء إليه تعالى إلا حيث قطعوا أنه من الله ..
وكان القفو بغير علم حاضر في ذهنهم ، والنهي عن القول بما لم يأذن به الله تعالى من القول أن هذا حلال وذاك حرام حاضر في ذهنهم لذلك احتاطوا من نسبة هذه الأقوال المبنية على الظن أنها شرع الله ودينه ..
ولم يلزموا بها الناس لأنهم لم يقطعوا أنها شرع الله الملزم لكل أحد ..

فلا يتورع أحد من بيان أن ذلك الأمر قول الله أو ليس قوله إن ثبت عنده بما يقطع به ..

بل الورع هو الاحتياط من أن نقول هذا قول الله أو ليس بقوله ما دمنا لم نقطع بذلك ..

وبهذا يبطل أن يتقول أحد على الأئمة أنهما تورعوا فيما يقطعون به ولم ينسبوه إلى الله ..
ويثبت أن ما تورعوا به كان لأجل قطعهم بحقيقة ما اختاروه ..

وإن قيل للفاضل ..
ما هو الرأي الصحيح الذي أمرنا باتباعه .. ؟!
فإن أنصف نفسه صار إلى قولنا ..

فنحن لم نؤمر بالرأي في الدين بحسب عقولنا وما نظنه ..
وإلا ما كان اعتراض علي بن أبي طالب وجه ..
فلو كان الدين بالرأي لكان مسح أسفل الخف أولى من مسح ظاهره ..

فهل يقول الفاضل ..
أن العقل يمنع صحة أن يكون المسح للأسفل أولى من الأعلى في الخف .. ؟!

بل العقل الصحيح يؤيد هذا بلا شك من أحد ..
فكلنا يقول أن مسح الخف الأولى أن يكون للأسفل لأنه يلاقي القذر ..
أما الأعلى فلا يلاقيه إلا نادراً أو يحتمل أن يلاقيه ..

إلا الشرع ورد بخلاف هذا الرأي الصحيح الذي لا ينكره أحد ..
وقال تمسح الأعلى لا الأسفل ..

وكذلك في العبادات وغيرها بلا فرق ..
فأي رأي أمرنا الله تعالى به وأن نقوله في ديننا وننسبه إليه ونلزم الناس به ..

لو كان عندكم معنى واضح معلوم لما اختلف أحد ..
ولكان ذلك الرأي التي ترى أننا أمرنا به ملزماً لكل الناس وكل مجتهد فلا يحل لأحدهم أن يخرج عنه ..

إلا أن الواقع من الفقهاء يخالف هذا ..
ويثبت للناظر المنصف أن الرأي ليس له تعريف محدد عندهم ..
وبعضهم يدخل أمور والبعض الآخر يخرجها ..

وأن الرأي عند كل فريق مما كان بالظن لا دليل يشهد لصحته البتة ..
فإن قالوا النص ورد به قلنا لهم ..
هاتوا برهانكم وأفصحوا عن ذلك النص الذي خفي علينا ..
فقد يفوتنا ما عندكم فنستفيد منكم ..

فكل من تكلم في تفريع الرأي وتقسيمه كان بناء على ظنه ورأيه ..
ورأيه ليس بأولى من رأي غيره ..

فالله عز وجل أمرنا بالرجوع إليه عند التنازح ..
وقد رجعنا نحن ..
فنريد ممن يعلق أن يرجع إلى النص ..
ورجوعنا إلى النص لو كان للظنون لما ارتفع الخلاف في المتنازع فيه ..
ولكان أمر الله تعالى بالرد إليه باطلاً لا معنى له ..

فيقول تعالى ..
إن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ..

فقلنا ..
سمعاً وطاعة ..

فقلنا لمن ينازعنا ..
هات برهان الأمر بالعمل في الدين بناء على الرأي والظن ..
هات برهان جواز نسبة هذه الظنون إلى الله تعالى وأنها شرعه ..
هات برهان جواب ووجوب إلزام الناس بهذه الظنون ..

هذا ما نادينا به ..

وعلى المنادى أن يمتثل لأمر الله تعالى بعد أن ظهر تنازعنا ..
فإن ذكر دليل كل ذلك وكان قوله الصواب والحق رجعنا إلى قوله وبهذا نقسم قسماً براً ..
وإن لم يكن له دليل على هذه الدعاوى التي قدمتها فقد كفانا مؤنة النقاش والرد فيما لا يصح عند المعترض ..

وإذا كنت تقول أن القياس يحبه الله تعالى ..
فكيف تستدل بقول يبطل لك ما تأت به ..
فنقلت أن الإمام أحمد يقول عن الشافعي ..
(( يحرم عند عدم الضرورة إليه كما قال الإمام أحمد سألت الشافعي عن القياس فقال لي عند الضرورة )) ..

ثم النقل عن الإمام أحمد بالنص يبطل هذا أيضاً وقد نقل عنه في مسائله ..
(( يجتنب المتكلم في الفقه المجمل والقياس )) ..
ولا يعنيني من قدم الجواز عند الإمام على من قدم التحريم ..

بل استشهد لك بما قاله من تستدل بقوله ..

ولو سألناكم الآن ..
ما هو القياس الصحيح وما هو الباطل .. ؟!
وما هي الأشياء التي تعتبر في جعل شيء علة أو ليست بعلة .. ؟!
وما هو دليل كل هذا لما أتيتم بدليل لكل هذا ..

بل كل استدلال المستدل للقياس بأدلة ليس فيها تفصيل معرفة أنواع القياس ولا شروطه ولا ضوابطه ولا العلة ومبطلاتها ولا مسالكها وكل ما جاء به أهل الأصول بعد الأئمة ..

فكل هذا يدخل على كلامك ..
ولا محل له لإبطاله ولنا فيه مقال نتممه بين فترة وأخرى عندنا في منتدى الظاهرية ..

فأين كل هذه الأدلة التي طالبنا فيها .. ؟!

أما قول ابن تيميه ..
(( قال شيخ الإسلام بن تيميه ( ‏الشرع المنزل‏]‏‏.‏ وهو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا يجب اتباعه، ومن خالفه وجبت عقوبته‏.‏ والثاني ‏[‏الشرع المؤول‏]‏‏.‏ وهو آراء العلماء المجتهدين فيها كمذهب مالك ونحوه فهذا يسوغ اتباعه، ولا يجب ولا يحرم وليس لأحد أن يلزم عموم الناس به، ولا يمنع عموم الناس منه‏.‏ والثالث ‏[‏الشرع المبدل‏]‏‏.‏ وهو الكذب على الله ورسوله أو على الناس بشهادات الزور ونحوها؛ والظلم البين فمن قال إن هذا من شرع الله فقد كفر بلا نزاع، كمن قال إن الدم والميتة حلال ـ ولو قال هذا مذهبي ونحو ذلك‏.‏.. )) .

قال ابن تميم الظاهري ..

أما كون الآراء شرعاً فباطل ..
وما كان من عند الله تعالى فهو الشرع بمعنى شرع الله ..

والتشريع كذلك ..
وهو خاص بما بينه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ..

أما آراء الرجال فليست بشرع بمعنى الشرع الذي نتنازع فيه البتة ..
وإنما هي رأي قائلها ومن قلده ..

أما ما ينسب إلى الله تعالى كذباً فهو التبديل والتحريف للحق والواجب ..
ولا يسمى شرعاً بمعنى نسبته إلى الله تعالى ..

بل قد يكون النص صحيحاً والحكم فيه ظاهر صحيح لا شك فيه ..
ثم يدخله التبديل والتحريف ..
فلا نقول شرع مبدل .. بل نقول القول هذا تبديل وتحريف ..
فإن النص هذا صحيح وهو من شرع الله ثم دخله التحريف والكذب ..

أما ما لم يثبت كونه شرعاً فيجوز إطلاقنا عليه الشرع المبدل باعتبار ما كان ..
كإطلاقنا على التوارة والإنجيل أنهما شرع مبدل محرف ..

فهما كانا شرع ثم بدلاً وحرفاً فلم يظهر لنا منه ما هو الشرع وما هو التحريف ..

فباعتبار ما كان فهو شرع ثم أبطل الله تعالى كونه شرعه الثابت ..

أما شريعتنا فلا يقول فيها ( شرع مبدل ) ..
لأن نفس الشرع لم يتبدل بل أضيف إليه بالكذب والتحريف ..

فعندما نتكلم أن ذلك شرع الله نريد الشرع الذي ثبت قطعاً أنه من الله تعالى ..
ولا نريد معنى الشرع والتشريع باللغة أو العرف ..

وقد يصح أن نقول هذا شرع مؤول ونعني أن ذلك الدليل هو شرع والرأي الذي فسره واجتهد به هو الذي أوّل النص ..

ثم إن التأويل لا يختلف في وقوعه أحد أصلاً ..
وإنما المراد معنى التأويل الذي هو ليس بشرع الله ولم يثبت قطعاً ..

فأهل العلم يسمون التفسير تأويلاً كابن جرير الطبري ومن وافقه ..
ويقولون كذلك أن هذا اللفظ مؤول بمعنى أنه ليس المراد منه ما يظهر منه بل معنى آخر بينه النص أو الحس ..

فإطلاق جملة ( الشرع المؤول ) غير دقيق ولا يصح بما ذكرته ..
فإن تأول مجتهد معنى نص فلا يسمى تأوله هذا شرعاً ..
وإنما يقال هذا رأي فلان في مسألة كذا ولا يقول أحد أن شرع فلان كذا ..

ولو كان هذا الإطلاق صحيح لكانت مذاهب الأئمة شرائع شتى ..
وما قال أحد أن أقوال المذاهب والأئمة هي شرائع ..

فتقسيم الشيخ لا يعني صحة كل ما جاء به ..

ثم إن من تنقل عنه وهو ابن تيميه يبطل أن يكون ذلك الاجتهاد والرأي شرع منسوب إلى الله تعالى ويجب إلزام الناس به ..

وأطلق القول فيه وقال ..
(( وهو آراء العلماء المجتهدين فيها كمذهب مالك ونحوه فهذا يسوغ اتباعه، ولا يجب ولا يحرم وليس لأحد أن يلزم عموم الناس به، ولا يمنع عموم الناس منه‏ )) ..

فإذا كنت تقر بهذا فلماذا تعترض على ما تؤيده .. ؟!

وإن كنت تريد بيان أشياء وردت في المقال فليس هذا مقامها بارك الله ..
وكنت طلبت بيانها أو الحوار فيها في مقال آخر أو مقام آخر ..

أما أن تأتي بما يبطل ما تعترض به ثم تصر على النقاش في كل حرف وجملة وكلمة مما هو ليس داخلاً في مسألتنا فليس بما يليق بك وبنا ..

وقال ابن تيميه في الشرع المنزل ..
(( وهو ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا يجب اتباعه، ومن خالفه وجبت عقوبته‏ )) ..

لم يبين ما هو ذلك الشرع المنزل ..
ولو قال هو ما نقطع به أنه منزل من الله تعالى بدلالته وثبوته لكانت الجملة تامة صحيحة لا تحتاج تفصيل ..

وهذا الشرع المنزل الذي قلنا به وقلتم أيضاً ..
ثم اختلفنا في رأي الرجال هل يلزمنا أو لا يلزمنا ..
هل هو حجة في الدين أو ليس بحجة ..
وهل هو شرع الله أو ليس بشرع الله ..

فأتنم بهذا النقل تبطلون اعتراضكم علينا وتوافقون على ما قلنا ..
ثم تذكرون بخلاف هذا الذي تنقلون .. !

فنحن قلنا أن الذي قال عنه ابن تيميه أنه لا يجب ولا يلزم به الناس ..
أنه ليس بشرع الله ولا نلتزمه ونقول بخطأ كل من التزمه تقليداً أو ألزم الناس به وحكم به في القضاء وبين الناس في كل شيء ..

فما لكم تنكرون علينا ما تقرون به وتستنصرون بذكره .. ؟!
فقد قدمتم أن كلامنا باطل في عدة مواضع وأن قولنا أن لا يحل إلزام الناس به ولم يأمر الله تعالى بذلك مخالف لقول أهل السنة ..

ثم تذكر قول ابن تيميه الذي وافق قولنا فيه جملة إلا موضع واحد ..
أنه هل يحرم القول بالظن على الله أو لا يحرم ..
فإذا حررنا معنى الظن في لغتنا علمنا خطأ من أخرج هذا النوع في التحريم في مسألة التقول على الله بلا إذن وبالظن وبلا برهان ..

وقال لا يلزم عموم الناس به ..
ولا يمنع عموم الناس منه ..
أي لماذا تمنع من لا تدري إن كان هذا الرجل يصيب الحق فيما يتجهد به أو لا يصيبه ..
بل لا يحل ترك أحد ممن ملك شرط الاجتهاد وهذا قولنا أيضاً ..
ولكن إن بان خطأ المجتهد أو كان بناء عن ظن وجب تنبيه الناس على أن ذلك ليس بشرع الله ولا دينه ولا يجب التزامه ..

ولو اقتصرت على كلام ابن تيميه من البداية لما دخلنا بكل هذا التفريع الذي لا داع له ..

وقال الفاضل ..
(( فمن الخطأ القول ( وكل طريق لا يوصل إلى القطع فلم نؤمر به ..
ومن قال بغير هذا فقد أخطأ يقيناً ... ) فالإجتهاد في فهم الكتاب و السنة قد يصل به صاحبه إلى القطع و قد يصل إلى غلبة الظن بل و قد يخطئ في فهم معاني الكتب و السنة و مع ذلك هذه الطريق مأمور بها بإجماع المسلمين . )) ..


قال ابن تميم الظاهري ..
لازلنا في إشكال معنى اليقين والظن والشك الذي وقع فيه الأخ الفاضل ..
فلو وقف عليها بما في لغتنا التي أمرنا باتباعها إن عدم البيان الشرعي لارتاح ..

فنحن لا ننكر أن يجتهد المرء إن ملك ما يؤهله للاجتهاد ..
ولكن ننكر أن يكون اجتهاد هذا المجتهد أو غيره حجة شرعية ..
وأن هذا الاجتهاد المبني على الظن حجة يلزم بها الناس ..
وننكر أن ذلك شرع الله الذي أمرنا به ..

وأما بيان أنواع القياس بكلام ابن تيميه فما أسهل رده ..

وأول ذلك ..
كل شيئين فهما يخالفان بعضهما البعض في وجوه ويتشابهان في وجوه ..
فالتفاح يتفق مع الموز في أنه فاكهة وفيها سكر وفيها ماء يمكن صنع عصير منه ..

وكذلك كل شيء في الدنيا يمكن أن تخرج وجه اتفاق بينه وبين غيره من الأشياء في نفس الجنس والنوع ..

لكن العبرة ليست بهذه المشابهة والاتفاق ..
بل العبرة بشاهدة الشرع أن هذا الشبه أو ذلك الاتفاق معتبر في الحكم في الشريعة ..
فأينما ورد ذلك الوصف والاتفاق يجب فيه كذا ..

فإثبات الشبه بين شيئين والاختلاف بينهما ليس بعسير ..
ولو أتيت لي بأي شيء أخرج لك وجه شبه ووجه اختلاف بينه وبين الشي الآخر ..

فقولنا أن هذا الفرق مؤثر فمن أين ذلك .. ؟!
أمن شرع قلنا أن ذلك مؤثر أم من ظن ورأي .. ؟!

وما هي هذه المؤثرات في الأشياء التي نص عليها الشارع أنك متى ما وقفت عليها فلا بد أن تحكم فيها .. ؟!

فإن بين الشرع أنه إذا ورد هذا السبب فلا بد أن تحكموا بكذا في ذلك الأمر فهذا شرع والحمد لله وليس بظن ولا قياس ..

وإن أوجد أحدنا من عنده سبباً وسماه علة ..
فأوجب أنها متى ما وجد ذلك السبب أو العلة كما يسميها خطأ حكم بكذا ..
فهذا ما نبطله ونقول هو ليس بشرع ولا يلزم أحد ..

وأما الثاني من أنواع القياس عند ابن تيميه فهو ورود السبب والصفة والشرط ..
ولا علاقة له بالقياس عند من يجيزه ..

ولا ينص شرع على أن حكم كذا متعلق بوجود كذا إلا أن يكون سبباً أو صفة أو شرطاً ..

أما تسمية ذلك علة فهو باطل ..
لأن اللغة لا تعرف هذه التسمية الحادثة من أهل القياس ..

فإن العلة تلازم المعلول ضرورة ..
فكل ما ينتج ضرورة من شيء فهو علته ..

فالإشكال واقع في تسمية أهل القياس لهذا أنه علة ..
أنه من قال أن هذا الوصف ملازم لذلك الشيء .. ؟!
فهذا يحتاج إثبات من برهان ..
ثم من قال لكم أن هذا الوصف إذا وجد في ذلك الشيء يجب الحكم بكذا .. ؟!
فهذا يحتاج إثبات ببرهان أيضاً ..

فصار القياس ليس ثابتاً عند من يقول به بما يقطعون به ..
ولا صارت أجزائه مما يقطعون به ..

فظنون اجتمعت مع ظنون ..
لأن المنصف منهم لا يقول بثبوت القياس بما هو قاطع عنده ..
بل غالب من قال بجوازه يستدل إما بدلالة بعيدة مأولة ليست ظاهرة ..
وإما يستدل بإجماع سكوتي ..

والغريب العجيب ..
أن أكثر من يستدل للقياس بالإجماع السكوتي لا يرى حجية الإجماع السكوتي في الأصل ..
وجملتهم يسير على قاعدة أن الأصول يجب أن تثبت بالقطع لا بالظن ..
ثم يقولون أن تلك الدلالة في النص ليست قاطعة على مرادهم في الاعتبار ..

أليس هذا قولاً غريباً .. !

فأما نسبة العمل بالقياس إلى الصحابة والذي يراد به القياس عند المتأخرين فلا يصح ..

فهل يذكر لنا أحد رواية عن صاحبي وضع فيها الأصل والفرع والعلة والحكم .. ؟!
لو قلبنا تراث الأمة كلها لما وجدنا أحدهم تكلم في هذا ..
وكل ما يظن من فتواهم أنه القياس عند المتأخرين منهم فهو تخرص منهم ولم يقفوا على قول بشرائط القياس والعلة عندهم ..

فكيف نطلق القول أنهم عملوا بالقياس الذي عند المتأخرين بلا تصريح منهم ..؟!

بل لو قال من منع هذه الدعوى ..
أن الصحابة لم يعملوا بالقياس الذي عندكم لصح كلامه ..
فلا يكون كلام كل أحد وفتوى كل أحد مخرجة على القياس عند المتأخرين ..

أما ما سماه قياسا صحيحاً إن نص الشارع على معنى ..
فهذا ليس بقياس أصلاً ..
وإن عمل الصحابة بهذا النوع وهو الحكم بالسبب والشرط فلم يعملوا بالقياس بما يعرفه أهل القياس من التأخرين والمعاصرين ..

فإن نفى الشارع الفارق بين شيئين في أحكام الديانة فأين هو القياس رعاك الله .. ؟!
فمن عمل بالنص الذي نفى الفرق فقد عمل بالنص ولم يعمل بقياس ..
وكذلك من عمل بالنص الذي قال إذا وجد هذا السبب أو الشرط فاحكموا بكذا فأين هو القياس رعاك الله .. ؟!

كل هذا عمل بالنص الوارد ولا مجال فيه للقياس أصلاً ..
فإن تأمل المجتهد فوجد سبباً نص الشارع على اعتباره موجباً للحكم حكم به ..

أما إيجاد سبب وخلق شرط وإحداث مؤثرات لم ينزل الله تعالى بها شرعاً ..
ولم يتكلم بها النبي صلى الله عليه وسلم ..
ولم يتكلم فيها ولا أمثالها الصحابة رضي الله عنهم فأي صواب في هذا وأي قطع ..
وأي شرع ننسبه ههنا إلى الله تعالى ونلزم الناس به ..

وكيف يكون هذا الشرع الذي يقول عنه الغزالي وهو أحد أئمة أهل القياس أنه صعب سبره وفهمه .. !

فإذا هذا كان إمام عندهم فيه يقول هكذا ..
فكيف بمن بعده وأدنى منه في العلم ..

وللقارئ أن ينظر الآن إن كانوا يطبقون هذا القياس ..
فأول ما يتركه كل نعم كل أهل القياس الذين صادفتهم فهو باب القياس من الأصول ..

ويدرسونه على عجل ويكتفون بتقليب كتب المذهب عندهم فيعرفوا هذا قياس أو ليس بقياس .. !

ووجدت أكثر من أعرفهم من أهل الظاهر أن أول باب وأهمه عندهم باب القياس ..

فيدرسونه ليعرفوا ما فيه وكيفيته حتى لا يتكلموا بشيء لا يعرفونه ..
لذلك قد أحسن الإمام ابن حزم الظاهري في بيان تناقض أهل القياس ..
ولولا خبرته وعلمه فيه لما تكلم فيه ..
ولما صنف فيه كتابه ( الإعراب ) ..
الذي كشف فيه تناقضات المذاهب فيه وفي غيره ..

فلو قلنا للقائل بالقياس في مسألة اختلفنا فيها ..
أمرنا الله تعالى بالرد إلى كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ..
حتى يرتفع الخلاف ..

فلا يستطيع أحد أن يقول أن الرد إلى القياس يوجب رفع الخلاف ..
وإلا لماذا اختلف الفقهاء في المذاهب الأربعة وكان خلافهم لأجل القياس .. ؟!

فنحن نسأل ببساطة ..
هل يوجب القياس رفع الخلاف أو يثبته ويفرعه .. ؟!
ولا أظن أحد تأتيه الجرأة فيقول أنه يوجب رفع الخلاف ..

فالله تعالى أمرنا بالرجوع لشيء لا يختلف فيه أحد ..
حتى يزول ذلك الخلاف الحاصل ..
وعلمنا أنه أمرنا بالرجوع إلى نصوصه لنعلم ما فيه شرعه ..
وكذلك أمرنا بالرجوع إلى اللغة لنفهم ما خاطبنا به ..
وهذا كله باتفاق بين أهل الظاهر وأهل القياس ..
فوجب أن نرجع إلى ما اتفقنا عليه وأثبتنا أنه حق ..

فإن وقع أحدنا بالخطأ وظن أن حديث الآحاد لا يوجب القطع كما يقول بعض أهل الكلام صححنا له ذلك بالبرهان الذي لا شك فيه عنده وعندنا ..
وكذلك أي مسألة فيهما يظن الظان أنها لا توجب القطع ..

فلا نقرر مسألة إلا بما نشهد به ونقطع على أنه من الله تعالى ..
ثم نقرر ما نشاء مما اختلفنا فيه في غيرهما ..

فنعرف أن قول فلان بناء على الظن والقياس إن كان حقاً أو باطلاً ..
بالبراهين التي نتفق عليها والتي أمرنا الله بالرد عليها فقط ..

وما حكيته من اتفاق في الرد عند التنازع إلى كلام الله ورسوله ..
يخالفنا فيه من شذ وقال كلام الله هذا للعوام وهو الشريعة ..
وكلامه وهو الحقيقة لخواص الخواص ولأوليائه ..
فلا نعني هؤلاء ..

وولله لو حررنا هذا الأصل العظيم لما استمر لنا خلاف مع مخالف ..
ولعمنا الحق مع أي أحد من هذه الأقوال ..

ولكن التوفيق عزيز ..
أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهله ..

اللهم آمين ..

وقال الفاضل قولاً ..
(( فما قطعنا به عن طريق القياس و أنه مراد الله تعالى جاز نسبته لله تعالى سواء كان عن نص أو قياس و ما لم نقطع به و إنما هو غلبة ظن بمرجح معتبر جاز عدم نسبته لله تعالى سواء كان عن نص أو قياس . )) ..

فكيف نقطع بالقياس إن كان ثبوت العلة ظنياً .. ؟!
وأن الأمر به عندكم أيضاً ظني لا قطعي .. !

ثم إذا كان بغلبة الظن فلماذا جاز عدم نسبته لله تعالى .. ؟!
بل لا يحل نسبته إلى الله تعالى ولا جاز عدم نسبته ..
أي جاز عدم نسبته وجازت نسبته .. !

فجاز عدم نسبته إلى الله هل هي أبيح عدم نسبته ..
وهل يباح أيضاً نسبته كما أبحنا عدم نسبته .. ؟!


وننظر في التعقيب الأخر إن كان فيه ما يجب التعليق عليه ..
فإن أقر الفاضل بكلام ابن تيميه وأيده فهو مؤيد لقولنا والحمد لله ..

ولا عيب في الرجوع عن القول ..
فوالله الذي لا إله إلا هو لو وجدت البراهين التي تثبت ما أبطله لما ترددت طرفة عين من الرجوع إلى الحق ..

فالقول بالحق جميل ..
والرجوع إلى الحق أجمل ..


والحمد لله رب العالمين ..
رد مع اقتباس
  #28  
قديم 04-07-05, 03:55 AM
ابن تميم الظاهري ابن تميم الظاهري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 09-03-05
الدولة: الكويت
المشاركات: 52
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم ..

أما تعليق الأخ الفاضل الأخير فقد تكرر كثيراً ..
وخطأ الأخ الفاضل أنه لم يقف على تعريف أهل اللغة للظن واليقين والشك ..
ولو وقف عليها لما اعترض على هذا ..

وقد بينت ذلك كثيراً ..
والحمد لله رب العالمين ..



رد مع اقتباس
  #29  
قديم 04-07-05, 10:00 AM
عبد الرحمن بن طلاع المخلف عبد الرحمن بن طلاع المخلف غير متصل حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: 07-09-03
المشاركات: 216
افتراضي

من الأدلة التي ذكرتها في بيان أن الشارع اعتمد العمل بالظن الراجح قوله تعالى {فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ }البقرة230
فقال الأخ حفظه الله ( أقول بارك الله فيك ..
استدلالك ههنا لجواز العمل بالظن الراجح أو الغالب لا يصح ..
الظن الذي ذكرته ههنا ليس هو ظن في أحكام الله تعالى وشريعته ..
وإنما هو في علاقة بين طرفين ..
إلا أنه يتعلق به الشرع من جهة التطليق ومن جهة ابتداء عقد النكاح مرة أخرى ..
وليس هذا مدخلاً لأصل مسألتنا وهو جواز العمل بالظن وجواز نسبته إلى الله تعالى ..
فإن طلق الزوج زوجته طلاقاً باتاً ثم أراد الرجوع إليها ولم يجزم ويقطع أنها ستكون أفضل مما كانت في حياتهما الزوجية الأولى ولا هي كذلك ..
فرجح من ظهور علامات القبول والرضا الموافقة على الإحسان والعشرة بالمعروف فله أن ينكحها ..
وإن ظهر له أو ظن كذلك من خلال كلامها أنها لن تعينه على إقامة حدود الله في الزوجية وهي العشرة بالمعروف والإحسان فليس له أن ينكحها ..
فهو ما طلقها إلا لأجل أسباب معينة وموافقتها على الزواج موافقة على ترك هذه الأسباب التي أوجبت التطليق ..
أما إن كانا يريدان أن يتراجعا وهما على ما كان عليه من شقاق وفعل ما يوجب الشقاق والتطليق فلا يحل لهما ذلك لأنه العمل بما يجزم كل منهما أنه يضر صاحبه به ..
وقد أمرنا في الزواج بأن نحسن إلى بعضنا وأن لا نضار بعضنا ..
فإما إمساك بمعروف وإما تسريح بمعروف ..
فهذا الظن الذي ذكرته ليس هو الذي ذكرته أنا ..
وليس هو كذلك محل النزاع ههنا ..
فكيف نقول أن الظن ههنا منسوب إلى الله تعالى .. ؟!
بل لا يمكن ذلك ..
وكذلك إن قلت أن هذا الظن غالب وأمرنا بالعمل به فليس كذلك أيضاً ..
دعنا نفترض وجود زوج طلق زوجته وأراد إرجاعها ..
وهي مثلاً أختك والزوج أخي ..
وحصل الخلاف والتطليق لأجل معصية الزوج وطلبه من الزوجة أن تأتي ما حرم الله تعالى أو كان عاصياً فاسقاً يشرب الخمر ويزني ..
ثم تقدم أخي يريد إرجاع زوجته ..
ألا تقول له وهي أختك ..
هل تبت عن الحرام .. ؟ وهل أتيت لترجعها ولتطلب منها ما حرمه الله تعالى أيضاً .. ؟
هل تركت الباطل الذي كان بسببه التطليق .. ؟!
سيقول لك نعم الحمد لله ..
فظهر لك أن حاله استقام وليس لك البحث عن نيته ..
فلك أن تأذن لأختك بالزواج منه لظهور صلاحه وترك ما أوجب التطليق ..
وإن قال لك لا لم أتب لازلت أتعاطى الخمر وغيرها ..
فهل توافق حينها .. ؟!
فأي حكم ههنا بالظن الراجح الغالب الذي يعمل به أهل الرأي .. ؟!
فهذا ظهور علامات معينة وهي توبته أو رجوعه إلى الحق أو ترك موجبات التطليق فأوجبت أن نوافق أو نرفض الزواج ..
فالظن ههنا ليس كما ذهبت إليه في تفسيرك ..
فهو أمر ظاهر للزوج والزوجة من خلال ما يشاهدان ..
وهما لا يقطعان بأن يقيما حدود الله تلك في كل أحد ..
لأنك لا تستطيع أن تقطع بخلق شخص وأنه سيأتي بالحلال دائماً ..
لكن ظهر من قول الزوج وتوبته وعزمه على ترك ما أوجب التطليق أنه سيقيم حدود الله فيها التي تركها عند التطليق الأول ..
وكذلك الزوجة ولا فرق ..
فلم يكن الحكم بناء على الظن ههنا ..
إنما هي موافقة على الزواج أو عدم الموافقة بظهور ما يدل قطعاً على ترك التعدي على حدود الله ..
لأنك لا تستطيع أن تقول أن المطلقة لأجل ترك إقامة حدود الله وشريعته في الزوجية ترجع للزوج دون أن تتأكد منه أنه لن يعود إلى ذلك ..
وكذلك الزوج بلا فرق ..
فيدخل الظن ههنا في نفسها ونفسه ..
فهل سيطبق شرع الله في هذه الحياة الزوجية بعدما أكد لي قبل عقد الزواج أو لا ؟!
فهذه يشك فيها كل أحد لأنها أخلاق وأديان وقلوب يقلبها الله تعالى بين أصبعيه ..
واكتفت الزوجة أو الزوج بما نطق به أحدهما من التوبة والعزم على عدم العود إلى موجبات تلك الفرقة .... ) .
فهذا حكم عام يشمل صور لا حصر لها العمل به مقيد بالظن لا بالجزم فالله تعالى لو أراد تقييد هذا الحكم بالجزم لقال فإن علما أو فإن تيقنا و لكن لما عدل عن لفظ اليقين و العلم علم بأن هذا الحكم معلق بالظن لا بالجزم و ليس المراد هنا بالظن الظن المرجح بغير دليل لأن اتباع الظن المرجح بغير دليل حرام بإجماع العقلاء فلم يبق إلا الظن الراجح فهذه الآية دليل من جهة أن الله تعالى علق الرجوع بغلبة الظن و لو كان العمل بالظن الراجح حرام و أنه من جنس اتباع الظن المحرم لما علق الحكم به .
و الحكم المعلق به في هذه الآية عن الحال لا عن المآل فمن ظهر من حاله أنه قد استقام و أراد أن يقيم حدود الله بينه و بين مرتجعته فلا جناح عليهما أن يتراجعا .
فمن جهة التأصيل علق الله تعالى هذا الحكم بالظن فهو حكم عام و لا شك و من جهة التنزيل لا بد من وجود اليقين أو الظن الغالب بأن كلا الزوجين يريدا أن يقيما حدود الله فإن وجد الظن الغالب فلا جانح عليهما أن يتراجعا فلا وجه لقول الأخ الفاضل ( استدلالك ههنا لجواز العمل بالظن الراجح أو الغالب لا يصح ..
الظن الذي ذكرته ههنا ليس هو ظن في أحكام الله تعالى وشريعته ..
وإنما هو في علاقة بين طرفين ... ) .
ثم إن التفريق بين ظن يعمل به في التنزيل و ظن لا يعمل به في التأصيل تفريق لا دليل له فالظن إن كان غالب و ترجح بمرجح ظاهر يعمل به التنزيل و التأصيل و إن كان ظنا من غير مرجح ظاهر فهو ظن باطل لا يجوز اتباعه و قد بينا أكثر من مرة أن حتى نصوص الشارع من كتاب و سنة يختلف فيها أهل العلم و بعضهم يرجح ما يخالف غيره من أهل العلم و من المعلوم أن أحدهما لا بد أن يكون قد حكم بظن راجح عنده فأخطأ و لو كان حكمه بيقين لما أخطأ و لم يقل أحد له يجب أن تتوقف عن الحكم بهذا الظن الراجح لأن لو قيل هذا للزم كل أهل العلم التوقف عن الإجتهاد لأن ما من عالم إلا و قد أخطأ في فهم آية أو حديث قال تعالى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً }النساء23 .
قال بن كثير رحمه الله ( فالجمهور على أن الربيبة حرام سواء كانت في حجر الرجل, أو لم تكن في حجره, قالوا: وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له,... ) .
و قال كذلك ( وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة, حدثنا إبراهيم بن موسى, أنبأنا هشام ـ يعني ابن يوسف ـ عن ابن جريج, حدثني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة, أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان, قال: كانت عندي امرأة فتوفيت, وقد ولدت لي فوجدت عليها, فلقيني علي بن أبي طالب فقال: ما لك ؟ فقلت: توفيت المرأة. فقال علي: لها ابنة ؟ قلت: نعم وهي بالطائف. قال: كانت في حجرك ؟ قلت: لا, هي بالطائف قال: فانكحها, قلت: فأين قول الله {وربائبكم اللاتي في حجوركم} ؟ قال: إنها لم تكن في حجرك إنما ذلك إذا كانت في حجرك, هذا إسناد قوي ثابت إلى علي بن أبي طالب على شرط مسلم, وهو قول غريب جداً ... ) فالصحابة رضوان الله عليهم قد اختلفوا في آية واحدة على معنيين متضادين لا يمكن الجمع بينهما و لا بد أن أحدهما يكون مخطئا و من كان مخطئا لم يكن و لا شك جازما لأن الجزم لا بد أن يكون موافق الحق فلم يكن إلا مرجحا لرأي بمرجح معتبر عنده و لو لم يكن مرجحا بمرجح عنده لم يقل بهذا القول و لتوقف عن الترجيح فدل على أن الترجيح بغلبة الظن عند الصحابة جائز حتى لو كان في كتاب الله و هذا دأب كل أية أو حديث اختلف أهل العلم في معانيها على أقوال متضادة و هذا دليل ظاهر على أن أهل العلم كانوا يستعملون الظن الراجح في فهم كتاب الله تعالى و سنة النبي صلى الله عليه و سلم و لم يتوقفوا عن العمل بهذا الظن حتى لو في كتاب الله تعالى ثم مع ذلك يقولون بأن هذا هو مراد الله تعالى في كتابه و مراد رسول الله صلى الله عليه و سلم في سنته أو يدل عليه حالهم .
فالأخ الفاضل تمسك بأن الآية المقصود بها العمل بين الزوجين و نحن نتكلم عن تعليق الله تعالى حكم الرجوع بالظن و هذا حكم كلي لا عيني فكل من أرادا أن يتراجعا و ظنا أنهما يقيما حدود الله تعالى فلا جناح عليهم أن يتراجعا فتعليق هذا الحكم بالظن دل على جواز العمل بالظن الراجح و أنه ليس من الظن المحرم المنهي عنه .
و أما قوله ( فالظن ههنا ليس كما ذهبت إليه في تفسيرك ..
فهو أمر ظاهر للزوج والزوجة من خلال ما يشاهدان ..
وهما لا يقطعان بأن يقيما حدود الله تلك في كل أحد ..
لأنك لا تستطيع أن تقطع بخلق شخص وأنه سيأتي بالحلال دائماً ..
لكن ظهر من قول الزوج وتوبته وعزمه على ترك ما أوجب التطليق أنه سيقيم حدود الله فيها التي تركها عند التطليق الأول ..
وكذلك الزوجة ولا فرق ..
فلم يكن الحكم بناء على الظن ههنا ..
إنما هي موافقة على الزواج أو عدم الموافقة بظهور ما يدل قطعاً على ترك التعدي على حدود الله ..
لأنك لا تستطيع أن تقول أن المطلقة لأجل ترك إقامة حدود الله وشريعته في الزوجية ترجع للزوج دون أن تتأكد منه أنه لن يعود إلى ذلك ..
وكذلك الزوج بلا فرق ... ) .
من عبارات الأخ نستطيع أن نعرف أن الأمر في حقيقته و إن كان في بعض أحواله قد يجزم به و لكن الظن الغالب يقع في بعض طرقه فقوله ( فهو أمر ظاهر للزوج والزوجة من خلال ما يشاهدان ) و الظاهر غير المقطوع به و قوله ( لكن ظهر من قول الزوج وتوبته وعزمه على ترك ما أوجب التطليق أنه سيقيم حدود الله فيها التي تركها عند التطليق الأول ..) و قوله ( إنما هي موافقة على الزواج أو عدم الموافقة بظهور ما يدل قطعاً على ترك التعدي على حدود الله .. ) فالحكم بصلاح الزوج أو الزوجه هو في حقيقته ظن غالب لا جزم فقد يصرحا أن يريدا أن يقيما حدود الله و لكن يتبين من حال أحدهما مثلا أن لا يريد أن يقيم حدود الله و قد يجزم بأن يريد إقامة حدود الله و قد يتوقف فيه بالنظر إلى حاله هل هو ممن يقيم حدود الله الله أم لا ؟ و قد يغلب على الظن أن يقيم حدود الله و لا يجزم به فمتى ما جزم بأنه يريد أن يقيم حدود الله بالتبين أو غلب على ظننا جاز التراجع و كلامنا هنا عن الحال لا المآل فالمآل لا نعلم به لأنه قد نجزم من حاله أن يريد إقامة حدود الله و جزمنا حق في حاله الذي نراه و لكن قد يتغير دينه و خلقه و يتغير حاله فيما بعد فيكون عندنا جزم آخر يضاد الجزم الأول في حالين مختلفين .
فالموافقة على التراجع مشروطه بالظن أنهما يقيما حدود الله و الظن هذا يعرف من حالهما حين إرادة التراجع لا أنه معلق بحالهما بعد التراجع و معرفة حالهما مقيده بالظن لا الجزم أي متى ما ظن أنهما يريدا إقامة حدود الله بينهما جاز التراجع و لو ترجح عدم إقامة حدود الله أو توقف لم يجز التراجع و لو تراجعا و هذه حالهما كانا ممن اتبع الظن المحرم لا المشروع .
فدل على أن الآية حجة في العمل بالظن الراجح سواء كان العلم في الكليات أو المعينات .
رد مع اقتباس
  #30  
قديم 04-07-05, 11:08 AM
عبد الرحمن بن طلاع المخلف عبد الرحمن بن طلاع المخلف غير متصل حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: 07-09-03
المشاركات: 216
افتراضي

و احتججت بقوله تعالى {وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ }يوسف42
فرد الأخ على احتجاجي بقوله أقول بارك الله فيك ..
وليست هذه الآية دليلاً على جواز العمل بالظن وجواز نسبته إلى الله تعالى وشرعه ..
يوسف الصديق عليه السلام فسر الرؤيا وظن أن هذا الرجل ناج ..
وقال له اذكرني عند الملك ليخرجني من السجن ..
وهذا ليس اتباع ظن ولا قول به ولا نسبته إلى الشرع ..
فلا يصلح هذا الدليل للاستشهاد به في محل النزاع ..
وهذا لا مدخل له في التشريع والحكم في الدين في شيء أصلاً ... ) .
فالله تعالى أقر يوسف على ظنه و لم يرد عليه بأن اتباعه للظن هنا محرم ولم يكن ظن يوسف هنا ظن مساوي و لا مرجح بغير دليل فدل على أن العمل بالظن الراجح بمرجح معتبر معتبر عند الله و عند رسله عليهم السلام و أما التفريق بين الديانه و بين غيرها فهذا تفريق من غير دليل فلم يذكرنا الأخ الفاضل دليل من كتاب و سنة أو إجماع معتبر حرمة العمل بالظن الراجح إذا كان الترجيح بمرجح معتبر شرعا فدلائل كتاب الله عامة لا يجوز تخصيصها إلا بدليل صحيح معتبر و إلا كان تحكما على الله و قلنا أكثر من مرة الظن يدخل في فهم كتاب الله و سنة رسوله الكريم صلى الله عليه و سلم و مع ذلك لم ينه أحد من الصحابة من الشروع في تفسير كتاب الله أو بيان مراد النبي صلى الله عليه و سلم نعم قد يتوقف بعضهم خوفا من القول على الله بغير علم أو لعدم ترجح أحد المعاني عنده و لكن لم يتوقف كلهم عن هذا الأمر إذا ترجح عنده أحد المعاني .
فالمحرم كما ذكرنا هو اتباع الظن بغير برهان و المشروع اتباع الظن ببرهان فمن قال بأن اتباع الظن ببرهان ظاهر يدخل في اتباع الظن الممنوع فقد افترى على الله و كذب فكل اتباع للظن بغير برهان فهو محرم سواء كان في العمليات أو العلميات و سواء كان في الكليات أو الجزئيات أو المعينات و كل اتباع الظن ببرهان ظاهر جائز سواء كان في العمليات أو العلميات و سواء كان الكليات أو الجزئيات أو المعينات و من قال غير هذا فقد أتى بقول لا يسنده لا عقل و لا نقل و إنما اشتبه عليه نصوص من كتاب الله تعالى تحرم اتباع الظن فظن أن كل ظن لا يجوز اتباعه ثم لما نظر إلى كتاب الله تعالى و سنة النبي صلى الله عليه و سلم و الأمر بالتمسك بهما أخرج فهمهما و إن كان بظن راجح من الظن المحرم مع أن المعنى و احد ففرق بين وجوب اتباع الكتاب و السنة بالجملة و حرمة الخروج عنهما و بين التمسك بفهمها و اتباعه ففهم النصوص لا يلزم كل معين و إنما يلزم من رجح هذا الفهم و من وافقه على هذا الفهم و لا يلزم من خالفه في الفهم إذا كان النص يحتمل أكثر من معنى و كان المرجح من أهل الإجتهاد بل و لا من توقف عن ترجيح أحد الأقوال المعتبره في النص و هذا الأصل كما هو مستقر في نصوص الكتاب و السنة كذلك مستقر في القياس عن من قال بالقياس و لا فرق .
و الأقوال المعتبره المختلفه في نصوص الكتاب و السنة يجوز لمن رجح أحدها بما ظهر له نسبتها إلى الله تعالى أو الرسول صلى الله عليه و سلم بما ترجح عنده و إن لم يكن جازم بما ترجح عنده و يجوز له كذلك عدم نسبتها و نسبة هذا الفهم لنفسه و هذا الأصل يلزم الظاهرية و غيرهم فمن المستقر حسا و مشاهدة و عقلا و شرعا أن الظاهرية و لاشك أصابوا في فهم بعض نصوص الكتاب و السنة و أخطأوا في بعضها فهل يحل لهم نسبة ما أخطأوا به إلى الله و رسوله صلى الله عليه و سلم فإن قيل يحل قيل كذلك يحل لغيرهم هذا و إن قيل يحرم قيل فلم ينسبون كل ما فهموه من النصوص إلى الله و رسوله صلى الله عليه و سلم مع أنهم و لا شك يقعون في فهم بعض النصوص خطأ و يقطعون بخطأ مخالفهم كما نقل شيخ الإسلام عن داود و أصحابه و من المعلوم أن ما أخطأوا في فهمه لم يكونوا جازمين و إلا لكان في نفسه حقا .
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:22 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.