ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى اللغة العربية وعلومها
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 28-05-07, 09:43 PM
سامي الفقيه الزهراني سامي الفقيه الزهراني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-02-07
المشاركات: 127
افتراضي معاني النحو لـ أ.د/سليمان العايد

معاني النحو(1)
التاريخ:3/15/2007
ملحوظة :{لم تظهر بعض الآيات , وتداخلت بعض الأبيات}..
معاني النحو من القريب البعيد، يدركها الناس بفطرتهم، ولا يفون العبارة حقها حين يزمعون التعبير عنها، والحديث عن معاني النحو مما يرفع مكانته. قال ابن الفرات بعد أن تحدّث أبو سعيد السيرافي عن بعض معاني النحو في مناظرته لمتّى بن يونس: "ما بعد هذا البيان مزيد، ولقد جلّ علم النحو عندي بهذا الاعتبار، وهذا الإسفار"(1). وقلّ بين الناس من يطيق العبارة عنها. نعم، يحسن الكثير الحديث عن الشق اللفظي من النحو، ويهملون حديث المعاني، قال عبدالقاهر: "روي عن ابن الأنباري أنه قال: ركب الكندي المتفلسف إلى أبي العباس وقال له: إني لأجد في كلام العرب حشوًا، فقال أبو العباس: في أي موضع وجدت ذلك؟ فقال: أجد العرب يقولون: عبد الله قائم، ثم يقولون: إنّ عبد الله قائم، ثم يقولون: إنّ عبد الله لقائم؛ فالألفاظ متكررة والمعنى واحد. فقال أبو العباس: بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ، فقولهم: عبد الله قائم إخبار عن قيامه، وقولهم: إنّ عبد الله قائم، جواب عن سؤال سائل. وقولهم: إنّ عبد الله لقائم، جواب عن إنكار منكر قيامه، فقد تكررت الألفاظ لتكرر المعاني. قال: فما أحار المتفلسف جوابًا. وإذا كان الكندي يذهب هذا عليه حتى يركب فيه ركوب مستفهم أو معترض، فما ظنك بالعامة، ومن هو في عداد العامة ممن لا يخطر شبه هذا بباله"(2).
إني لأطمح من هذا العمل أن يلفت نظر نفر من دارسي النحو إلى العناية بمعانيه، وإبرازها بصورة تجعله مقبولاً سائغًا لدى دارسيه، ولتصنع فيهم ذوقًا يعينهم على الإبداع فيه، وبعث حياة جديدة في مادته، وإنباض عروقه بماء يتدفق حياةً وعطاءً ورونقًا، وتجعل منه علْمًا متحدِّدًا تجود غراسه، وتطيب ثماره، ويحلو جناه. ولا أقصد من طرح هذا الموضوع أن يكون بديلاً عن النحو في كتبه المبوّبة، التي درستها الأمّة خلال قرونٍ متطاولة، متعاقبة، ووفت بأغراضها المعرفية، وضبطت العربية بقوانين محكمة دقيقة، ضبطت اللسان العربي، واستوعبت قياساته واستعمالاته، وإنما قصدت فتح باب لتذوُّقِ النحو من طريق أخرى، تؤازر الطريقة المتوارثة التي تتبعها المدارس العلمية؛ لأنّ كثيرًا من دارسي النحو، فضلاً عن غيرهم، لا يدركون من النحو إلا جانبه المعرفي باللفظ، أمّا المعاني فالبعد عنها، مع تفاوت في الدرجة، محقَّقٌ حاصلٌ.
اتهام النحو العربي قديمًا وحديثًا بأنه نحو لفظي وقد انبرى لدحض هذه الفرية من الأقدمين أبو سعيد السيرافي في مناظرته يونس بن متّى فقال: "معاني النحو منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته، وبين وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها، وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير وتوخي الصواب في ذلك وتجنب الخطأ من ذلك، وإن زاغ شيء عن هذا النعت فإنه لا يخلو من أن يكون سائغًا بالاستعمال النادر والتأويل البعيد، أو مردودًا لخروجه عن عادة القوم الجارية على فطرتهم. فأمّا ما يتعلق باختلاف لغات القبائل فذلك شيء مسلَّم لهم ومأخوذ عنهم، وكل ذلك محصور بالتتبع والرواية والسماع والقياس المطرد على الأصل المعروف من غير تحريف، وإنما دخل العجب على المنطقيين لظنهم أنّ المعاني لا تعرف ولا تستوضح إلا بطريقهم ونظرهم وتكلفهم، فترجموا لغة هم فيها ضعفاء ناقصون، وجعلوا تلك الترجمة صناعة، وادعوا على النحويين أنهم مع اللفظ لا مع المعنى"(3).
شنّ بعض المحدثين هجومًا على تعريف النحاة النحو بـ"أنه علم يعرف به أحوال الكلم إعرابًا وبناءً" بجعلهم النحو محصورًا في الحرف الأخير من الكلمة إعرابًا وبناءً(4)، واتهم النحو العربي بأنه نحو لفظي لا يلتفت إلى المعنى، وقد سرت هذه التهمة إلى عامة المحدثين، وكأنهم لم يقفوا على ما يسمّى معاني النحو في تراثنا العربي.
وقد أهمّني هذا الموضوع منذ أمد، وصرفت إليه شيئًا من عنايتي، وبذلت له شيئًا من فكري وجهدي، حتى خطر ببالي تجربة درس النحو على المعاني مع طلبة برنامج الدكتوراه.
وكان يستوقفني كلام لأحمد بن فارس في كتابه "الصاحبي"؛ إذ قال: "فأقول: إنّ لعلم العرب أصلاً وفرعًا:
أمّا الفرع فمعرفة الأسماء والصفات كقولنا: "رجل" و"فرس" و"وطويل" و"قصير". وهذا هو الذي يُبدأ به عند التعلم.
وأمّا الأصل فالقول على موضوع اللغة وأوَّليتها ومنشئها، ثم على رسوم العرب في مخاطبتها، وما لها من الافتنان تحقيقًا ومجازًا.
والناس في ذلك رجلان: رجل شُغل بالفرع فلا يَعْرِف غيرَه، وآخر جمع الأمرَين معًا، وهذه هي الرتبة العليا، لأنّ بها يُعلم خطاب القرآن والسنّة، وعليها يُعوّل أهل النظر والفُتيا؛ وذلك أنّ طالب العلم العُلوي يكتفي من أسماء "الطويل" باسم الطويل، ولا يضيره أن لا يعرف "الأشقَّ" و"الأمقَّ" وإن كان في علم ذلك زيادة فضل.
وإنما لم يضره خفاء ذلك عليه لأنه لا يكاد يجد منه في كتاب الله جلّ ثناؤه شيئًا فيُحْوَج إلى علمه، ويقل مثله أيضًا في ألفاظ رسول الله ؛ إذ كانت ألفاظه  هي السهلة العذبة.
ولو أنه لم يعلم توسُّع العرب في مخاطباتها لَعَيَّ بكثير من علم مُحْكَم الكتاب والسنّة، ألا تسمع قول الله جلّ ثناؤه: ﭽ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺﭼ الأنعام: ٥٢ إلى آخر الآية؟ فَسِرُّ هذه الآية في نظمها لا يكون بمعرفة غريب اللغة والوحشيِّ من الكلام، وإنما معرفته بغير ذلك مما لعلّ كتابنا هذا يأتي على أكثره بعون الله تعالى.
والفرق بين معرفة الفروع ومعرفة الأصول أنّ متوسِّمًا بالأدب لو سُئل عن "الجزم" و"التسويد" في علاج النوق، فتوقف أو عيَّ به أو لم يعرفه، لم ينقصه ذلك عند أهل المعرفة نقصًا شائنًا؛ لأنّ كلام العرب أكثر من أن يُحصى. ولو قيل له: هل تتكلم العربُ في النّفي بما لا تتكلم به في الإثبات، ثم لم يعلمه لنقصه ذلك في شريعة الأدب عند أهل الأدب، لا أنّ ذلك يُرْدي دينه أو يجُرُّه لمأثم.
كما أنّ متوسِّمًا بالنحو لو سُئل عن قول القائل:
لَهِنَّـكِ من عبْسيـة لوسيمة على هَنَوات كاذبٌٍ من يقولها
فتوقّف أو فكّر أو استمْهل لكان أمرُه في ذلك عند أهل الفضل هيِّنًا، لكن لو قيل له مكان "لَهِنَّكِ" ما أصل القَسم، وكم حروفه، وما الحروف الخمسة المشبّهة بالأفعال التي يكون الاسم بعدها منصوبًا وخبرُهُ مرفوعًا؟ فلم يُجِب لَحُكِم عليه بأن لم يُشامَّ صناعة النحو قط.
فهذا الفصل بين الأمرين"(5).
القدامى يدخلون في النحو كل علوم اللغة، يشهد لذلك ما جاء في "المزهر" ص27 من ط الوراق "ومن الدليل على صحة ما ذكرناه أنّ جميع ما وقع فيه "كتاب العين" من معاني النحو إنما هو على مذهب الكوفيين، وبخلاف مذهب البصريين؛ فمن ذلك بُدئ الكتاب به، وبُني عليه من ذكر مخارج الحروف في تقدميها وتأخيرها؛ وهو على خلاف ما ذكره سيبويه عن الخليل في كتابه، وسيبويه حاملٌ علمَ الخليل، وأوثقُ الناس في الحكاية عنه؛ ولم يكن ليختلف قولُه، ولا ليتناقض مذهبُه؛ ولسنا نريد تقديم حرف العين خاصة للوجه الذي اعتلَّ به، ولكن تقديم غير ذلك من الحروف وتأخيرها. وكذلك ما مضى عليه الكتابُ كلُّه من إدخال الرباعي المضاعف في باب الثلاثي المضاعف، وهو مذهب الكوفيين خاصة. وعلى ذلك استمر الكتاب من أوله إلى آخره، إلى ما سنذكره من نحو هذا".
قال محمد الخضر حسين: "صرّح... كثير من النحاة بأن علْم النحو يبحث عن أحوال الألفاظ من حيث دلالتها على المعاني التركيبية، أي: المعاني التي تستفاد من إسناد بعض الكلم إلى بعض، قال أبو إسحاق الشاطبي في "شرح الخلاصة": النحو في الاصطلاح: علْم بالأحوال والأشكال التي بها تدل ألفاظ العرب على المعاني، ويعني بالأحوال وضع الألفاظ من حيث دلالتها على المعاني التركيبية، أي: المعاني التي تستفاد بالأشكال مما يعرض في آخر طرفي اللفظ ووسطه من الآثار والتغييرات التي تدلّ بها ألفاظ العرب على المعاني"(6) وفرّق السيد الجرجاني بين علمي النحو والمعاني، فجعل علم النحو العلم الذي يبحث عن المركَّبات باعتبار هيئتها التركيبية وتأديتها لمعانيها الأصلية، وجعل علْم المعاني العلْم الذي يبحث عن المركَّبات باعتبار إفادتها لمعانٍ مغايرة لأصل المعنى(7).
وفرّق ابن كمال باشا بين العِلْمَين فقال: "يشارك النحويُّ صاحبَ المعاني في البحث عن المركَّبات، إلا أنّ النحويَّ يبحث عنها من جهة هيئتها التركيبية صحةً وفسادًا، ودلالة تلك الهيئات على معانيها الوضعية على وجه السداد، وصاحب المعاني يبحث عنها من جهة حسن النظم المعبَّر عنه بالفصاحة في التركيب، وقبحه... فما يبحث عنه في علْم النحو من جهة الصحة والفساد يبحث عنه في علْم المعاني من جهة الحسن والقبح، وهذا معنى كون علْم المعاني تمام علم النحو"(8).
ثم إنّ علم المعاني إن تحدّث عن المعاني الوظيفية من مثل التقديم والتأخير، والتعريف والتنكير، والحذف والذكر، والفصل والوصل، لم يُغفِل أداءها للمعاني الإضافية، وإن تحدّث عن المعاني الإضافية من مثل القصر، والنفي، والاستثناء، والتمنِّي، والاستفهام، والأمر والنهي، والنداء، لم يُغفِل البحث عن المعاني الوظيفية المناسبة لأدائها.
المعنى عند إطلاقه يشمل جميع المعاني من لغوية، وعرقية، واصطلاحية، ووضعية، واستعمالية، وعند تقييده بوصفٍ أو إضافته إلى شيء ما ينصرف مقيَّدًا إلى معنًى خاصٍّ أو متعلّق بذلك الشيء، فإذا قلنا: المعاني اللغوية أو المعجمية انصرف الذهن إلى اللغة أو المعجم، وإذا قلنا: معانٍ فقهية انصرف إلى الفقه، وإذا قلنا: معانٍ بلاغية انصرف الذهن إلى البلاغة، وتعلّق بها، وإذا قلنا المعاني النحوية انصرف إلى النحو مفرداتٍ، وأبنية، وتراكيب، وأساليب، وأحكام، ومصطلحات، فهو بهذا الرصف اختصّ بالنحو، وهذا أمر أو معنًى تقوم عليه جميع المعاني، ولا يتحقق معنًى ما بغيره.
وليس من الضروري معرفة العربي معنى كل كلمة، قال سيبويه عن كلمة "مقتوي ومقتوين" من قول عمرو بن كلثوم:
تهدّدْنا وأوعدنا رويدًا متى كنّا لأمِّك مَقْتَوِينا
"وليس كل العرب يعرف هذه الكلمة"(9). وهذا يدل على أنه ليس من الضروري معرفة العربي بمعنى كل كلمة، مع العلم أنّ غياب المعاني الاستعمالية أكثر من غياب المعاني الوضعية، وهذا يؤكد وجوب تفسير اللغة للعربي وغيره، والحاجة إلى معجم يفسر مختلف الاستعمالات؛ إذ المعاني الاستعمالية أصعب على الإحاطة من المعاني الوضعية، وقد يدرك العربي معاني الكلام النحوية، وإن لم يدرك معاني الألفاظ التي كوّنت البنية النحوية.
وقد يأتي المتكلم بكلام يدرك متلقِّيه معناه النحوي، وإن لم يدرك معنى كل لفظ مفرد، يشهد لذلك ما أورده أبو علي القالي في "الأمالي": "أبو عثمان الأشنانداني قال: كنا يومًا في حلقة الأصمعي إذ أقبل أعرابي يرفل في الخزوز، فقال: أين عميدكم؟ فأشرنا إلى الأصمعي، فقال: ما معنى قول الشاعر:
لا مال إلا العطاف توزره
لا يرتقـي النّزّ في ذلاذله أمّ ثلاثيـن وابنة الجبل
ولا يعدّى نعليه عن بلل؟
قال: فضحك الأصمعي وقال:
عصرته نطفةٌ تضمّنها
أو وجبةٌ من جناة أشكلةٍ لصبٌ تلقى مواقع السبل
إن لم يرغها بالقوس لم تنل
قال: فأدبر الأعرابي وهو يقول: تالله ما رأيت كاليوم عضلةً! ثم أنشدنا الأصمعي القصيدة لرجل من بني عمرو بن كلاب أو قال من بني كلاب. قال أبوبكر: هذا يصف رجلاً خائفًا لجأ إلى جبل وليس معه إلا قوسه وسيفه، والسيف: هو العطاف، وأنشدنا:
لا مال لي إلا عطـافٌ ومدرعٌ لكم طرفٌ منه حديدٌ ولي طرفُ
وقوله: أم ثلاثين وابنه الجبل"(10).
ولا يهمنا أن كان سؤال الأعرابي امتحانًا للأصمعي أم سؤال مستفهم؟ ولنحمله على الثاني.
ونقل القاسمي عن الشاطبي: "...أن يكون الاعتناء بالمعاني المبثوثة في الخطاب هو المقصود الأعظم، بناء على أنّ العرب إنما كانت عنايتها بالمعاني، وإنما أصلحت الألفاظ من أجلها. وهذا الأصل معلوم عند أهل العربية؛ فاللفظ إنما هو وسيلة إلى تحصيل المعنى المراد، والمعنى هو المقصود، ولا أيضًا كل المعاني؛ فإنّ المعنى الإفرادي قد لا يعبأ به إذا كان المعنى التركيبـي مفهومًا دونه، كما لم يعبأ ذو الرمّة بـ"يائس" ولا "يابس" اتكالاً منه على أنّ حاصل المعنى مفهوم، وأبين من هذا... أنّ عمر بن الخطّاب  قرأ "فاكهةً وأبًا" قال: ما الأب؟ ثم قال: ما أُمِرنا بها. وقال لسائل عنها: نهينا عن التعمّق والتكلّف، ومن المشهور تأديبه لضبيعٍ حين كان يكثر السؤال عن المرسلات والعاصفات ونحوهما. وظاهر من هذا أنه إنما نهى عنه؛ لأنّ المعنى التركيبـي معلوم على الجملة..."(11).
«قال ابن فارس:
باب القول في حاجة أهل الفقه والفتيا إلى معرفة اللغة العربية
أقول: إنّ العلم بلغة العرب واجب على كل متعلق من العلم بالقرآن والسنّة والفتيا بسبب، حتى لا غناء بأحد منهم عنه؛ وذلك أنّ القرآن نازلٌ بلغة العرب، ورسول  عربي. فمن أراد معرفة ما في كتاب الله  وما في سنّة رسول الله  من كل كلمة غريبة أو نظم عجيب لم يجد من العلم باللغة بُدّا.
ولسنا نقول: إنّ الذي يلزمه من ذلك الإحاطة بكل ما قالته العرب؛ لأنّ ذلك غير مقدور عليه، ولا يكون إلا لنبي، كما قلناه أولاً، بل الواجب علم أصول اللغة والسنن التي بأكثرها نزل القرآن وجاءت السنّة. فأمّا أن يكلف القارئ أو الفقيه أو المحدّث معرفة أوصاف الإبل وأسماء السباع ونعوت الأسلحة، وما قالته العرب في الفلوات والفيافي، وما جاء عنهم من شواذ الأبنية وغرائب التصريف فلا»(12).

والسياق أحد مكوِّنات الكلام، لا يجوز إغفاله، والنظر في الكلام دون استحضاره، ليفهم الكلام من خلاله، ولعل خير شاهد نستشهده ما أورده ابن فارس في كتابه "الصاحبيّ" حين قال: "ولقد غلّط أبوبكر بن داود أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، في كلمات ذكر أنه أخطأ فيها طريق اللغة. وليس ببعيدٍ أن يغلِط في مثلها مثله في فصاحته، لكن الصواب على ما قال أصوب.
فأمّا الكلمات فمنها: إيجابه ترتيب أعضاء الوضوء في الوضوء، مع إجماع أهل العربية أنّ الواو تقتضي الجمع المطلق لا التوالي.
ومنها: قوله في التزويج: إذا قال الولي: زوّجتك فلانة، فقال المزوّج: قد قبلتها-: إنّ ذلك ليس بنكاح حتى يقول: قد تزوجتها أو قبلت تزويجها. قال: ومعلوم أنّ الكلام إذا خرج جوابًا فقد فهم أنه جواب عن سؤال، قال الله  ﭽ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢﭣ ﭤ ﭥﭼ، وقال ﭽ ﭲ ﭳﭴ ﭵ ﭶﭼ فاكتفى من المجيبين بهذا، وما كلفوا أن يقولوا: بلى أنت ربنا.
قال: ومنها تسمية البكر التي لا توطأ حائلاً. وابن داود يقول: إنما تسمّى حائلاً إذا كانت حاملاً مرة، أو توقع منها حمل فحالت.
ومنها قوله في الطائفة: إنها تكون ثلاثة وأكثر. وقد قال مجاهد: الطائفة تقع على الواحد.
ومنها قوله في قول الله : ﭽ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﭼ أي لا يكثر من تعولون؛ والعرب تقول في كثرة العيال: أعال الرجل فهو معيل.
ومنها قوله في القروء: إنها الأطهار. فإنّ القرء من قولهم: يقرى الماء في حوضه. قال: والعرب تقول: لا تطأ جاريتك حتى تقريها. وقال : دعي الصلاة أيام أَقرائِكَ. قال أبو بكر: ومن العظيم أنّ عليًّا وعمر رضي الله عنهما قد قالا "القُرْءُ الحيض" فهل يُجْتَرَأُ على تجهيلهما باللغة.
ومنها قوله في قوله جلّ ثناؤه: ﭽ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄﭼ أنه أراد الذكور دون الإناث. قال: وهذا من غريب ما يغلط فيه مثله. يقول الله جلّ ثناؤه: ﭽﭴ ﭵ ﭼ أَفَتُراه أراد الرِّجال دون النساء؟
قال ابن داود: وإنّ قبيحًا مُفرط القباحة بمن يعيب مالك بن أنس بأنه لحن في مخاطبة العامّة بأن قال: "مُطِرنا بالبارحة مطرًا أيَّ مطرًا" أن يرضى لنفسه هو أن يتكلم بمثل هذا؛ لأنّ الناس لم يزالوا يلحنون ويتلاحنون فيما يخاطب بعضهم بعضًا اتقاءً للخروج من عادة العامّة يعيب ذلك من يُنصفهم من الخاصة، وإنما العيب على من غلط من جهة اللغة فيما يغير به حكم الشريعة والله المستعان.
فلذلك قلنا: إنّ علم اللغة كالواجب على أهل العلم، لئلاّ يحيدوا في تأليفهم أو فتياهم عن سنن الاستواء.
وكذلك الحاجة إلى علم العربية، فإنّ الإعراب هو الفارق بين المعاني. ألا ترى أنّ القائل إذا قال: "ما أحسن زيد" لم يفرّق بين التعجب والاستفهام والذمّ إلا بالإعراب؟!.
وكذلك إذا قال: "ضرب أخوك أخانا" و"وجهُك وجهُ حُرّ" و"وجهُك وجهٌ حرٌّ" وما أشبه ذلك من الكلام المشتبه. هذا وقد روي عن رسول الله  أنه قال: "أعرِبوا القرآن". وقد كان الناس قديمًا يجتنبون اللحن فيما يكتبونه أو يقرءونه اجتنابهم بعض الذنوب. فأمّا الآن فقد تجوزوا حتى إنّ المحدِّث يحدّث فيلحن. والفقيه يؤلف فيلحن. فإذا نُبها قالا: ما ندري ما الإعراب وإنما نحن محدِّثون وفقهاء. فهما يسران بما يُساء به اللبيب.
ولقد كلمت بعض من يذهب بنفسه ويراها من فقه الشافعي بالرتبة العليا في القياس، فقلت له: ما حقيقة القياس ومعناه، ومن أي شيء هو؟ فقال: ليس عليّ هذا، وإنما عليّ إقامة الدليل على صحته. فقل الآن في رجل يروم إقامة الدليل على صحة شيء لا يعرف معناه، ولا يدري ما هو. ونعوذ بالله من سوء الاختيار(13).
المعنى عند إطلاقه يشمل جميع المعاني من لغوية، وعرفية، واصطلاحية، ووضعية، واستعمالية، وعند تقييده بوصف أو إضافته إلى شيء ما ينصرف مقيَّدًا إلى معنًى خاصٍّ أو متعلّق بذلك الشيء، فإذا قلنا: المعاني اللغوية أو المعجمية انصرف الذهن إلى اللغة أو المعجم، وإذا قلنا: معانٍ فقهية انصرف إلى الفقه، وإذا قلنا: معانٍ بلاغية انصرف الذهن إلى البلاغة، وتعلّق بها، وإذا قلنا المعاني النحوية انصرف إلى النحو مفرداتٍ، وأبنية، وتراكيب، وأساليب، وأحكام، ومصطلحات، فهو بهذا الوصف اختصّ بالنحو، وهذا أمر أو معنًى تقوم عليه جميع المعاني، ولا يتحقق معنًى ما بغيره.
ومن أعسر ما يتحدّث عنه المعنى النحوي؛ لأنه غُيِّب أو غاب، اختفى ذكره أو ضاع، وأهمل في غمرة الاهتمام بالجانب اللفظي من النحو، والعمل والعامل، وتحقيق أصول الصناعة النحوية من خلال الإعراب والتبويب، وإكثار المسائل المفترضة.
وقد جرّ هذا على النحو اتهامه بأنه لفظي، لا يعير المعنى اهتمامًا، ولا يأبه به، وأحال الدرس النحوي إلى ضرب من الصناعة لا يخاطب الذوق، وإن خاطب العقل، ولا يؤسس بيانًا، وإن أسّس معرفة بالنظام، وصار النحو غاية لدى دارسيه ومعلِّميه، يتبارون في تشقيق جوانبه الصناعية، ويبدعون أيما إبداع في إدراك مسائله وتفريعاته، وينأون عن توظيفه في الحياة، ويعجزون عن تسخيره لتذوّق ما يلقى إليهم من قول، وتوظيفه فيما ينشئونه من كلام. وقد قال أبو بشر متّى بن يونس في محاورته أبا السيرافي: "المنطق يبحث في المعنى، والنحو يبحث عن اللفظ، فإن مرّ المنطقي باللفظ فبالعرض، وإن عثر النحوي بالمعنى فبالعرض، والمعنى أشرف من اللفظ، واللفظ أوضح من المعنى"(14).
ولا يمكن أن نجد كلامًا من لفظ مفرد، وإنما يكون الكلام بتضامِّ الألفاظ بعضها إلى بعض، والمتكلم حين يتكلم لا يقصد إلى معاني الأصوات أو الكلم معزولة عن بقية مكوِّنات الكلام، وإن كان للكلم المفرد معنًى تجريدي، إذ يقصد المتكلِّم تكوين فكرة بتضامّ الكلم إلى بعضه، وتوظيف الأدوات لصنع هذه المعاني من خلال سياقات ومقاصد، فإذا قلت: جاء زيدٌ لم يكن قصدك "جاء" وحدها، ولا "زيد" وحده، وإنما قصدت مجيئًا خاصًّا واقعًا من زيدٍ، بمعنى أنك قصدت إسناد المجيء إلى زيدٍ. والمتلقِّي يشاطرك هذا الفهم، ويتطلع إلى هذا المعنى، فلا تراه مشغولاً بالكلمات المفردة، بل تراه مهمومًا بما ينتج عنه تضامُّ هذه الكلمات، وما يحدثه هذا التضامُّ من معنًى، لم يكن لولا هذا التضامُّ.
ولا يبعد عن الصحة مقالة بعضهم: إنّ اللغة فكر، وقد لامس عبد القاهر هذا المعنى حين قال: "علاقة الفكر بمعاني النحو.
ومما ينبغي أن يعلمه الإنسان، ويجعله على ذكر أنه لا يتصور أن يتعلق الفكر بمعاني الكلم أفرادًا ومجردة من معاني النحو، فلا يقوم في وهم، ولا يصح في عقل أن يتفكر متفكر في معنى فعل من غير أن يريد إعماله في اسمٍ، ولا أن يتفكر في معنى اسم من غير أن يريد إعمال فعل فيه، وجعله فاعلاً له أو مفعولاً، أو يريد فيه حكمًا سوى ذلك من الأحكام، مثل أن يريد جعله مبتدأ أو خبرًا أو صفة أو حالاً أو ما شاكل ذلك. وإن أردت أن ترى ذلك عيانًا فاعمد إلى أيّ كلام شئت، وأزل أجزاءه عن مواضعها، وضعها وضعًا يمتنع معه دخول شيء من معاني النحو فيها فقل في "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنـزل": من نبك قفا حبيب ذكرى منـزل، ثم انظر هل يتعلق منك فكر بمعنى كلمة منها"(15).
"واعلم أني لست أقول إنّ الفكر لا يتعلق بمعاني الكلم المفردة أصلاً، ولكني أقول إنه لا يتعلق بها مجردة من معاني النحو، ومنطوقًا بها على وجه لا يتأتى معه تقدير معاني النحو وتوخيها فيها كالذي أريتك، وإلا فإنك إذا فكرت في الفعلين أو الاسمين تريد أن تخبر بأحدهما عن الشيء أيهما أولى أن تخبر به عنه، وأشبه بغرضك مثل أن تنظر أيهما أمدح وأذم، أو فكرت في الشيئين تريد أن تشبه الشيء بأحدهما أيهما أشبه به كنت قد فكرت في معاني أنفس الكلم، إلا أنّ فكرك ذلك لم يكن إلا من بعد أن توخيت فيها معنًى من معاني النحو، وهو أن أردت جعل الاسم الذي فكرت فيه خبرًا عن شيء أردت فيه مدحًا أو ذمًّا أو تشبيهًا أو غير ذلك من الأغراض. ولم تجئ إلى فعل أو اسم ففكرت فيه فردًا، ومن غير أن كان لك قصد أن تجعله خبرًا أو غير خبر، فاعرف ذلك. وإن أردت مثالاً فَخُذْ بيت بشّار:
كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
وانظر هل يتصور أن يكون بشّار قد أخطر معاني هذا الكلم بباله أفرادًا عارية من معاني النحو التي تراها فيها، وأن يكون قد وقع كأن في نفسه من غير أن يكون قصد إيقاع التشبيه منه على شيء، وأن يكون فكر في مثار النقع من غير أن يكون أراد إضافة الأول إلى الثاني، وفكر في فوق رؤوسنا من غير أن يكون قد أراد أن يضيف فوق، إلى الرؤوس، وفي الأسياف من دون أن يكون أراد عطفها بالواو على مثار، وفي الواو من دون أن يكون أراد العطف بها، وأن يكون كذلك فكر في الليل من دون أن يكون أراد أن يجعله خبرًا لـ"كأنّ"، وفي تهاوى كواكبه من دون أن يكون أراد أن يجعل تهاوى فعلاً للكواكب، ثم يجعل الجملة صفة لليل ليتمّ الذي أراد من التشبيه، أم لم يُخطِر هذه الأشياءَ بباله إلا مرادًا فيها هذه الأحكام والمعاني التي تراها فيها.
وليت شعري كيف يتصور وقوع قصد منك إلى معنى كلمة من دون أن تريد تعليقها بمعنى كلمة أخرى، ومعنى القصد إلى معاني الكلم أن تعلم السامع بها شيئًا لا يعلمه، ومعلوم أنك أيها المتكلم لست تقصد أن تعلم السامع معاني الكلم المفردة التي تكلمه بها فلا تقول: خرج زيد، لتعلمه معنى خرج في اللغة، ومعنى زيد، كيف، ومحال أن تكلّمه بألفاظ لا يعرف هو معانيها كما تعرف. ولهذا لم يكن الفعل وحده من دون الاسم، والاسم وحده من دون اسم آخر أو فعل كلامًا. وكنت لو قلت: خرج ولم تأت باسم، وقدرت فيه ضمير الشيء، أو قلت: زيد ولم تأت بفعل، ولا اسم آخر ولم تضمره في نفسك كان ذلك، وصوتًا تصوِّته سواء فاعرفه"(16).
وإذ قد عرفت أنه لا يتصور الخبر إلا فيما بين شيئين: مخبر به ومخبر عنه، فينبغي أن تعلم أنه يحتاج من بعد هذين إلى ثالث. وذلك أنه كما لا يتصور أن يكون هاهنا خبر حتى يكون مخبِر به ومخبَر عنه. كذلك لا يتصور أن يكون خبر حتى يكون له مخبِر يصدر عنه، ويحصل من جهته، ويكون له نسبة إليه، وتعود التبعة فيه عليه. فيكون هو الموصوف بالصدق إن كان صدقًا، وبالكذب إن كان كذبًا. أفلا ترى أنّ من المعلوم أنه لا يكون إثبات ونفي حتى يكون مثبت وناف يكون مصدرهما من جهته، ويكون هو المزجي لهما، والمبرم والناقض فيهما، ويكون بهما موافقًا ومخالفًا، ومصيبًا ومخطئًا، ومحسنًا ومسيئًا(17).
تستمد الكلمة معناها من السياق الذي توضع فيه؛ فالسياق يحيلها إلى مدح أو ذمّ، أو إلى معنًى آخر، فكلمة حمار لها مدلول في التركيبين التاليين مختلف: زيدٌ حمار فاره، وحمار زيدٍ فاره، واشتريت حمارًا. فالكلمة لها معنًى بحسب تكوينها ومادتها، وتجدُّ لها معانٍ بحسب البيئة، ولعلك تلحظ معي أنّ المفردات ليست إلا أدوات أو وسائل لتحقيق المعنى النحوي الذي هو المقصود من إنشاء الكلام.
وإلى هذا المعنى قصد عبدالقاهر حين قال: "تعلقه بمجموع الجملة
والضرب الثالث: تعلق بمجموع الجملة كتعلق حرف النفي والاستفهام والشرط الجزاء بما يدخل عليه؛ وذلك أنّ من شأن هذه المعاني أن تتناول ما تتناوله بالتقييد، وبعد أن يسند إلى شيء. معنى ذلك أنك إذا قلت: ما خرج زيد وما زيد خارج لم يكن النفي الواقع بها متناولاً الخروج على الإطلاق، بل الخروج واقعًا من زيد ومسندًا إليه. ولا يغرنك قولنا في نحو: "لا رجل في الدار" أنها لنفي الجنس، فإنّ المعنى في ذلك أنها لنفي الكينونة في الدار عن الجنس، ولو كان يُتصوَّر تعلق النفي بالاسم المفرد لكان الذي قالوه في كلمة التوحيد من أنّ التقدير فيها لا إله لنا، أو في الوجود، إلا الله فضلاً من القول، وتقديرًا لما لا يحتاج إليه، وكذلك الحكم أبدًا. فإذا قلت: هل خرج زيد؟ لم تكن قد استفهمت عن الخروج مطلقًا، ولكن عنه واقعًا من زيد. وإذا قلت: إن يأتني زيد أكرمه، لم تكن جعلت الإتيان شرطًا بل الإتيان من زيد. وكذا لم تجعل الإكرام على الإطلاق جزاء للإتيان بل الإكرام واقعًا منك. كيف وذلك يؤدي إلى أشنع ما يكون من المحال، وهو أن يكون هاهنا إتيان من غير آت، وإكرام من غير مكرم، ثم يكون هذا شرطًا وذلك جزاء؟ ومختصر كل الأمر أنه لا يكون كلام من جزء واحد، وأنه لا بد من مسند ومسند إليه، كذلك السبيل في كل حرف رأيته يدخل على جملة، كـ"إن" وأخواتها. ألا ترى أنك إذا قلت: "كأنّ" يقتضي مشبهًا ومشبهًا به؟ كقولك: كأنّ زيدًا الأسد. وكذلك إذا قلت: "لو" و"لولا" وجدتهما يقتضيان جملتين تكون الثانية جوابًا للأولى.
وجملة الأمر أنه لا يكون كلام من حرف وفعل أصلاً، ولا من حرف واسم إلا في النداء نحو: يا عبد الله؛ وذلك إذا حقق الأمر كان كلامًا بتقدير الفعل المضمر الذي هو أعني، وأريد، وأدعو، و"يا" دليل عليه وعلى قيام معناه في النفس. فهذه هي الطرق والوجوه في تعلق الكلم بعضها ببعض. وهي كما تراها معاني النحو وأحكامه، وكذلك السبيل في كل شيء كان له مدخل في صحة تعلق الكلم بعضها ببعض، لا ترى شيئًا من ذلك يعدو أن يكون حكمًا من أحكام النحو، ومعنى من معانيه. ثم إنا نرى هذه كلها موجودة في كلام العرب، ونرى العلم بها مشتركًا بينهم.
وإذا كان ذلك كذلك فما جوابنا لخصم يقول لنا: إذا كانت هذه الأمور وهذه الوجوه من التعلق، التي هي محصول النظم، موجودة على حقائقها، وعلى الصحة، وكما ينبغي في منثور كلام العرب ومنظومه، ورأيناهم قد استعملوها وتصرفوا فيها وكملوا بمعرفتها، وكانت حقائق لا تتبدل ولا تختلف بها الحال، إذ لا يكون للاسم بكونه خبرًا لمبتدأ، أو صفة لموصوف، أو حالاً لذي حال، أو فاعلاً، أو مفعولاً لفعل، في كلام حقيقة هي خلاف حقيقته في كلام آخر، فما هذا الذي تجدد بالقرآن من عظيم المزية، وباهر الفضل، والعجيب من الوصف، حتى أعجز الخلق قاطبة، وحتى قهر من البلغاء والفصحاء القُوَى والقُدَر وقيّد الخواطر والفِكَر، حتى خرست الشقاشق، وعدم نُطق الناطق، وحتى لم يجر لسان، ولم يبن بيان، ولم يساعد إمكان، ولم ينقدح لأحد منهم زند، لم يمض له حد، وحتى أسال الوادي عليهم عجزًا، وأخذ منافذ القول عليهم أخذًا؟ أيلزمنا أن نجيب هذا الخصم عن سؤاله؟ ونرده عن ضلاله؟ وأن نطب لدائه؟ ونزيل الفساد عن رائه؟ فإن كان ذلك يلزمنا، فينبغي لكل ذي دين وعقل أن ينظر في الكتاب الذي وضعناه، ويستقصي التأمل لما أودعناه، فإن علم أنه الطريف إلى البيان، والكشف عن الحجة والبرهان، تبع الحق وأخذ به، وإن رأى أنّ له طريقًا غيره أومأ لنا إليه، ودلّنا عليه، وهيهات ذلك، وهذه أبيات في مثل ذلك:
إني أقول مقالاً لست أخفيه
ما من سبيل إلى إثبات معجزة
فما لنظم كلام أنت ناظمه
اسم يرى وهو أصل للكلام فما
وآخر هو يعطيك الزيادة فيـ ولست أرهب خصمًا إن بدا فيه
في النظم إلا بما أصبحت أبديه
معنى سوى حكم إعراب تزجيه
يتم من دونـه قصد لمنشيه
ما أنت تثبته أو أنت تنفيه"(18)
وقد لامس هذا المعنى أبو سعيد السيرافي بقوله لـ"متّى": "أم تعرف يا أبا بشر أنّ الكلام اسم واقع على أشياء قد ائتلفت بمراتب، وتقول بالمثل: هذا ثوبٌ، والثوب اسم يقع على أشياء بها صار ثوبًا؛ لأنه نُسِج بعد أن غُزِل، فسداته لا تكفي دون لحمته، ولحمته لا تكفي سداته، ثم تأليفه كنسجه، وبلاغته كقِصارته، ورقّة سلكه كرِقّة لفظه، وغِلظ غزله ككثافة حروفه، ومجموع هذا كله ثوبٌ، ولكن بعد تقدمة كل ما يُحتاج إليه فيه"(19).
وقد زاد عبدالقاهر هذا إيضاحًا بقوله: "واعلم أنّ مثل واضع الكلام مثل من يأخذ قطعًا من الذهب أو الفضة، فيذيب بعضها في بعض حتى تصير قطعة واحدة؛ وذلك أنك إذا قلت: ضرب زيد عمرًا يوم الجمعة ضربًا شديدًا تأديبًا له، فإنك تحصل من مجموع هذه الكلم كلها على مفهوم هو معنى واحد لا عدة معان، كما يتوهمه الناس؛ وذلك لأنك لم تأت بهذه الكلم لتفيده أنفس معانيها، وإنما جئت بها لتفيده وجوه التعلق التي بين الفعل الذي هو "ضرب" وبين ما عمل فيه، والأحكام التي هي محصول التعلق. وإذا كان الأمر كذلك فينبغي لنا أن ننظر في المفعولية من عمرو، وكون يوم الجمعة زمانًا للضرب، وكون الضرب ضربًا شديدًا، وكون التأديب علّةً للضرب. أَيُتَصَوّر فيها أن تفرد عن المعنى الأول الذي هو أصل الفائدة، وهو إسناد ضرب إلى زيد، وإثبات الضرب به له حتى يعقل كون عمرو مفعولاً به، وكون يوم الجمعة مفعولاً فيه، وكون ضربًا شديدًا مصدرًا، وكون التأديب مفعولاً له، من غير أن يخطر ببالك كون زيد فاعلاً للضرب، وإذا نظرنا وجدنا ذلك لا يتصور لأنّ عمرًا مفعول لضرب وقع من زيد عليه، ويوم الجمعة زمان الضرب وقع من زيد، وضربًا شديدًا بيان لذلك الضرب، كيف هو وما صفته، والتأديب علة له، وبيان أنه كان الغرض منه. وإذا كان ذلك كذلك بان منه، وثبت أنّ المفهوم من مجموع الكلم معنى واحد لا عدة معان، وهو إثباتك زيدًا فاعلاً ضربًا لعمرو، في وقت كذا، وعلى صفة كذا، ولغرض كذا. ولهذا المعنى تقول: إنه كلام واحد. وإذ قد عرفت هذا فهو العبرة أبدًا؛ فبيت بشّار إذا تأمّلته وجدته كالحلقة المفرغة التي لا تقبل التقسيم، ورأيته قد صنع في الكلم التي فيه ما يصنعه الصانع حين يأخذ كسرًا من الذهب، فيذيبها ثم يصبّها في قالب، ويخرجها لك سوارًا أو خلخالاً. وإن أنت حاولت قطع بعض ألفاظ البيت عن بعض كنت كمن يكسر الحلقة، ويفصم السوار؛ وذلك أنه لم يرد أن يشبّه النقع بالليل على حدة، والأسياف بالكواكب على حدة، ولكنه أراد أن يشبّه النقع والأسياف تجول فيه بالليل في حال ما تنكدر الكواكب، وتتهاوى فيه.
فالمفهوم من الجميع مفهوم واحد والبيت من أوله إلى آخره كلام واحد. فانظر الآن ما تقول في اتحاد هذه الكلم التي هي أجزاء البيت؟ أتقول: إنّ ألفاظها اتحدت فصارت لفظة واحدة؟ أم تقول: إنّ معانيها اتحدت فصارت الألفاظ من أجل ذلك كأنها لفظة واحدة؟ فإن كنت لا تشك أنّ الاتحاد الذي تراه هو في المعاني إذ كان من فساد العقل، ومن الذهاب في الخبل أن يتوهّم متوهِّمٌ أنّ الألفاظ يندمج بعضها في بعض حتى تصير لفظة واحدة. فقد أراك ذلك إن لم تكابر عقلك أنّ النظم يكون في معاني الكلم دون ألفاظها، وأنّ نظمها هو توخِّي معاني النحو فيها؛ وذلك أنه إذا ثبت الاتحاد، وثبت أنه في المعاني فينبغي أن تنظر إلى الذي به اتحدت المعاني في بيت بشّار. وإذا نظرنا لم نجدها اتحدت إلا بأن جعل "مثار النقع" اسم "كأن"، وجعل الظرف الذي هو فوق رؤوسنا معمولاً لمثار ومعلّقًا به، وأشرك الأسياف في "كأنّ" بعطفه لها على مثار، ثم بأن قال: ليل تهاوى كواكبه، فأتى بالليل نكرة، وجعل جملة قوله: تهاوى كواكبه له صفة، ثم جعل مجموع ليل تهاوى كواكبه خبرًا لـ"كأنّ". فانظر هل ترى شيئًا كان الاتحاد به غير ما عددناه؟ وهل تعرف له موجبًا سواه؟ فلولا الإخلاد إلى الهوينا، وترك النظر وغطاء ألقي على عيون أقوام لكان ينبغي أن يكون في هذا وحده الكفاية وما فوق الكفاية(20).
ونسأل الله تعالى التوفيق.

وقال ابن فارس:
"باب القول على أنّ لغة العرب
هل يجوز أن يحاط بها؟
قال بعض الفقهاء: "كلام العرب لا يحيط به إلا نبي".
وهذا كلام حريٌّ أن يكون صحيحًا. وما بلغنا أنّ أحدًا ممن مضى ادعى حفْظ اللغة كلها. فأمّا الكتاب المنسوب إلى الخليل وما في خاتمته من قوله: "هذا آخر كلام العرب" فقد كان الخليل أورع وأتقى لله جلّ ثناؤه من أن يقول ذلك"(21).
ويظهر أنّ هذا كلام يصح في جانب اللغة ومفرداتها ومعجمها، أمّا النحو فإن معانيه محصورة تدرك بالفطرة، يعرفها المتعلِّم وغيره، وإن تفاوت الناس في مدى التوفيق في وضعها في مواضعها ومدى تحقيقها غرض المتكلِّم، وهو ما يعبَّر عنه بمطابقة الكلام مقتضى الحال، وهو سر البلاغة، وثمرة النحو التي يتفاوت أهل البيان في تحقيقها. فالمعاني النحوية محدودة بالإمكان إدراكها، وحصرها من خلال تتبُّعها في أبواب النحو، وتتبُّع المعاني في المادة النحوية، إضافة إلى إمكان إدراكها بالفطرة، بخلاف المعاني اللغوية التي لا يمكن إحصاؤها وحصرها، ولا يبعد عن هذا قول أبي عمرو بن العلاء: "ما انتهى إليكم مما قالته العرب إلا أقلّه، ولو جاءكم وافرًا لجاءكم علم وشعر كثير"(22).
يتكون الكلام لدى منشئه بتكوين المعاني الإضافية، تتبعها المعاني الوظيفية، وسبيل المخاطب أو المتلقِّي إلى فهم الكلام إدراك المعاني الوظيفية أولاً، ثم الإضافية ثانيًا. المتكلم وظّف المعاني الإضافية لنقل فكرته والمعنى الذي يقصد إليه، في حين جعل المتلقِّي المعاني الوظيفية (الوظائف) مفاتيح لإدراك المعنى الذي يريده (المعنى الإضافي).
ويمكن لنا أن نقرِّب ما نريد مقالته برسم مشجَّرة أو مشجَّرتين توضِّح لنا ما يتكوّن منه المعنى النحوي، وصنفاه، والعلاقة بينهما، من خلال تركيبين بسيطين، يبيّن تشجيرهما إمكان تعدد المعاني النحوية على الموضع الواحد، واجتماعهما إذا لم تتناقض أو تتعارض؛ فالتركيب الأول من فعل واسم، فعل وفاعل، والتركيب الثاني من اسمين مبتدأ وخبر:







ويمكن إيضاح النوعين من المعاني بالنظر في المشجَّرتين السابقتين، مع العلم أنّ المتكلم يتكوّن المعنى النحوي الإضافي المراد في ذهنه، فيستدعي المعاني النحوية الوظيفية التي تعبِّر عنه؛ فالمعنى الإضافي سابق في التكوين والوجود لدى المتكلم أو منشئ الكلام، والمعنى الوظيفي تالٍ متأخِّرٍ، في حين أنه لدى المتلقِّي بالعكس؛ إذ ينظر في المعاني الوظيفية أولاً لتهديه إلى المعاني الإضافية التي قصد إليها المتكلم أو منشئ الكلام، والرسم التالي يوضح العمليتين لدى الطرفين:

قبل الدخول في الموضوع لا بدّ من تقريب مسلَّمات، وحدِّ حدودٍ ترسم معالم للموضوع، ومنها تعرُّف مكوِّنات الكلام (الأصوات، الكلم، الأبنية، الأدوات، التراكيب، السياقان: المقامي والمقالي، مقاصد المتكلِّم) وهذه المقوِّمات لا تكون إلا بعد أن يستقر المعنى في ذهن المتكلم، فيحتاج لإبرازه وإبانته.
ودلالة الألفاظ (تابعة لقصد المتكلم، وإرادته، ونعلم أنّ المتكلم حيث جعل "إنْ" شرطية، لم يقصد جعلها غير شرطية، وعلى هذا فـ"عبد الله" إن جُعِل علَمًا على شخصٍ كان مفردًا، وإن قُصِد به النسبة إلى الله (تعالى) بالعبودية، كان مركَّبًا؛ لدلالة أجزائه على أجزاء معناه"(23)، ولابن القيِّم كلام جيِّدٌ في مسألة "الألفاظ بالنسبة إلى مقاصد المتكلِّمين"(24).
«ومن الدعاوى الباطلة تجريد اللفظ عن القرائن بالكلية والنطق به وحده؛ لتتبادر منه الحقيقة عند التجرد، وهذا الفرض هو الذي أوقع في الوهم؛ فإنّ اللفظ بدون القيد والتركيب بمنـزلة الأصوات التي ينعق بها لا تفيد فائدة، وإنما يفيد تركيبه مع غيره تركيبًا إسناديًّا يصح السكوت عليه، وحينئذ يتبادر منه عند كل تركيب بحسب ما قيّد به فيتبادر منه في تركيب ما لا يتبادر منه في تركيب آخر، فإذا قلت: "هذا الثوب خطته لك بيدي" تبادر من هذا أنّ اليد آلة الخياطة لا غير، وإذا قلت: "لك عندي يدٌ الله يجزيك بها" تبادر من هذا النعمة والإحسان»(25). وقال: «اللفظ المفرد لا يفيد بإطلاقه وتجرُّده شيئًا البتة، فلا يكون كلامًا ولا جزء كلام فضلاً أن يكون حقيقةً أو مجازًا. ومعلوم أنّ التركيب الإسنادي تقييدٌ له، وإذا رُكِّب فُهِم المراد منه بتركيبه»(26). وقال: «تجرُّد اللفظ عن جميع القرائن الدالة على مراد المتكلِّم ممتنعٌ في الخارج، وإنما يقدِّره الذهن ويفرضه، وإلا فلا يمكن استعماله إلا متقيَّدًا بالمسند والمسند إليه، ومتعلَّقاتهما وأخواتهما الدالة على مراد المتكلِّم»(27).

قال ابن فارس:
"باب ذكر ما اختصت به العرب
من العلوم الجليلة التي خصت بها العرب- الإعراب الذي هو الفارق بين المعاني المتكافئة في اللفظ، وبه يعرف الخبر الذي هو أصل الكلام، ولولاه ما مُيِّز فاعل من مفعول، ولا مضاف من منعوت، ولا تعجُّبٌ من استفهام، ولا صدرٌ من مصدَر، ولا نعتٌ من تأكيد.

وذكر بعض أصحابنا أنّ الإعراب يختص بالأخبار، وقد يكون الإعراب في غير الخبر أيضًا؛ لأنّا نقول: "أَزَيدٌ عندك؟" و"أزيدًا ضربت؟" فقد عَمِل الإعراب وليس هو من باب الخبر.
وزعم ناس يُتَوقّف عن قبول أخبارهم أنّ الذين يُسمَّون الفلاسفة قد كان لهم إعرابٌ ومؤلَّفاتُ نحوٍ:
قال أحمد بن فارس: وهذا كلام لا يُعَرَّجُ على مثله. وإنما تشبّه القوم آنفًا بأهل الإسلام، فأخذوا من كتب علمائنا، وغَيَّروا بعض ألفاظها، ونسبوا ذلك إلى قوم ذوي أسماء منكرةٍ بتراجم بشعة لا يكاد لسان ذي دين ينطق بها(28).

ولابن قتيبة كلام نحو هذا في "تأويل المشكل":
"ولها (أي: للعرب) الذي جعله الله وشيًا لكلامها، وحليةً لنظامها، وفارقًا في بعض الأحوال بين الكلامين المتكافئين، والمعنيين المختلفين، كالفاعل والمفعول، لا يفرَّق بينهما إذا تساوت حالاهما في إمكان الفعل أن يكون لكلِّ واحد منهما إلا بالإعراب.
ولو أنّ قائلاً قال: "هذا قاتلٌ أخي" بالتنوين، وقال آخر: "هذا قاتلُ أخي" بالإضافة لدلّ التنوين على أنه لم يقتله، ودلّ حذف التنوين على أنه قد قتله.
ولو أنّ قارئًا قرأ: ﭽﭽ ﭾ ﭿﮀ ﮁﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆﭼ يس: 76 وترك طريق الابتداء بـ"إنّا"، وأعمل القول فيها بالنصب على مذهب من ينصب "أنّ" بالقول كما ينصبها بالظنِّ، لقلب المعنى عن جهته، وأزاله عن طريقه، وجعل النبيَّ  محزونًا لقولهم: إنّ الله يعلم ما يسرّون وما يعلنون، وهذا كفر ممن تعمّده، وضرب من اللحن لا تجوز الصلاة به، ولا يجوز للمأمومين أن يتجوّزوا فيه.
وقد قال رسول الله : "لا يقتل قرشيٌّ صبرًا بعد اليوم".
فمن رواه جزمًا أوجب ظاهرُ الكلام للقرشيِّ ألاّ يقتل إن ارتدّ، ولا يقتص منه إن قُتِل.
ومن رواه رفعًا انصرف التأويل إلى الخبر عن قريشٍ: أنه لا يرتدّ منها أحدٌ عن الإسلام فيستحقَّ القتلَ.
أفما ترى الإعرابَ كيف فرَّق بين المعنيين؟!"(29).
الكلام الذي لا يحمل فكرة تامّة لا يعدّ كلامًا، وهو ما يفهم من كلام النحاة في شرط الإفادة، كقول الناظم:
كلامنا لفظ مفيدٌ كـ"استقمْ"
ولا يمكن أن نجد كلامًا من لفظ مفرد، وإنما يكون الكلام بتضامِّ الكلم بعضها إلى بعض لتكوِّن فكرةً؛ حتى قال عبدالقاهر: "اعلم أنّ معاني الكلام كلها معان لا تتصور إلا فيما بين شيئين. والأصل والأول هو الخبر. وإذا أحكمت العلم بهذا المعنى فيه عرفته في الجميع. ومن الثابت في العقول والقائم في النفوس أنه لا يكون خبر حتى يكون مخبر به ومخبر عنه؛ لأنه ينقسم إلى إثبات ونفي. والإثبات يقتضي مثبتًا ومثبتًا له. والنفي يقتضي منفيًّا ومنفيًّا عنه. فلو حاولت أن يُتصوَّر إثباتُ معنى أو نفيُه من دون أن يكون هناك مثبت له ومنفي عنه حاولت ما لا يصح في عقل، ولا يقع في وهم. ومن أجل ذلك امتنع أن يكون لك قصد إلى فعل من غير أن تريد إسناده إلى شيء مظهر أو مقدر [مضمر]. وكان لفظك به إذا أنت لم ترد ذلك وصوتًا تُصوِّتُه سواء.
وإن أردت أن تستحكم معرفة ذلك في نفسك فانظر إليك، إذا قيل لك: ما فعل زيد؟ فقلت: خرج. هل يتصور أن يقع في خلدك من خرج معنى من دون أن تنوي فيه ضمير زيد. وهل تكون إن أنت زعمت أنك لم تنوِ ذلك إلا مخرجًا نفسك إلى الهذيان؟ وكذلك فانظر إذا قيل لك: كيف زيد؟ فقلت: صالح، هل يكون لقولك: صالح أثر في نفسك من دون أن تريد هو صالح؟ أم هل يعقل السامع منه شيئًا إن هو لم يعتقد ذلك. فإنه مما لا يبقى معه لعاقل شك أنّ الخبر معنى لا يتصور إلاّ شيئين يكون أحدهما مثبتًا والآخر مثبتًا له، أو يكون أحدهما منفيًّا والآخر منفيًّا عنه، وأنه لا يتصور مثبت من غير مثبت له، ومنفي من دون منفي عنه. ولما كان الأمر كذلك أوجب ذلك أن لا يعقل إلا من مجموع جملة فعل. واسم كقولنا: خرج زيد، أو اسم واسم كقولنا: زيد منطلق. فليس في الدنيا خير يعرف من غير هذا السبيل، وبغير هذا الدليل. وهو شيء يعرفه العقلاء في كل جيل وأمّة، وحكم يجري عليه الأمر في كل لسان ولغة.
(للبحث صلة)
الهوامش:
* أستاذ بكلية اللغة العربية، جامعة أمّ القرى، مكة المكرّمة.
(1) الإمتاع والمؤانسة 1/120.
(2) دلائل الإعجاز ص315.
(3) الإمتاع والمؤانسة 1/121.
(4) إحياء النحو ص1.
(5) الصاحبي 3-5.
(6) دراسات في العربية وتاريخها ص182-183.
(7) دراسات في العربية وتاريخها ص183.
(8) انظر: دراسات في العربية وتاريخها ص183.
(9) الكتاب، ط. الوراق ص270.
(10) الأمالي، أبوعلي القالي ط. الوراق، ص255، وفي حاشيته شرح مفرداته "يعني كنانةً فيها ثلاثون سهمًا. وابنه الجبل: القوس لأنها من نبع، والنبع لا ينبت إلا في الجبال. وقوله: لا يرتقي النّـزّ أي ليس هناك نزّ، والنّـزّ: الندى لأنه في جبل. والذّلاذل: ما أحاط بالقميص من أسفله، واحدها ذُلْذُلٌ وذِلْذِلٌ، وقال أبو زيد: وذُلَذِلٌ. وقوله: لا يعدّى نعليه عن بلل أي لا يصرفهما عن بلل أي ليس هناك بلل. والعصرة والعصر والمعتصر: الملجأ. والنطفة: الماء، يقع على القليل منه والكثير وليس بضدٍّ. واللصب كالشق يكون في الجبل. وقوله: تلقّى مواقع السبل أي قبل وتضمن. والسبل: المطر. والوجبة: الأكلة في اليوم. وقال الأصمعي سمعت أعرابيًّا يقول: فلان يأكل الوجبة، ويذهب الوقعة أي يأكل في اليوم مرة ويتبرّز مرة. والجناة والجنى واحد: وهو ما اجتنى من الثمر. والأشكلة: سدرٌ جبليٌّ لا يطول". وانظر الخبر في "مراتب النحويين" ص85-86.
(11) انظر تفسير القاسمي 1/99-101.
(12) الصاحبي 50. (13) نفسه، 50-56.
(14) الإمتاع والمؤانسة 1/114.
(15) دلائل الإعجاز، عبدالقاهر الجرجاني، ص410، ط. الخانجي.
(16) المصدر نفسه، 410-412.
(17) نفسه، 526-528.
(18) نفسه، 6-10.
(19) الإمتاع والمؤانسة 1/121.
(20) دلائل الإعجاز، الجرجاني، 412-415.
(21) الصاحبي ص26.
(22) ينظر الصاحبي ص58 وحاشيته للسيد صقر.
(23) الآمدي 1/18.
(24) إعلام الموقِّعين عن رب العالمين 3/140-145.
(25) مختصر الصواعق المرسلة، ابن القيِّم 2/18.
(26) مختصر الصواعق المرسلة، ابن القيِّم 2/40؛ وانظر 2/58-59.
(27) بدائع الفوائد، ابن القيِّم 4/204، وانظر الصفحات التالية.
(28) الصاحبي 76.
(29) تأويل مشكل القرآن 14-15.
__________________
فسري كإعلاني وتلك سجيتي ... وظلمة ليلي مثل ضوء نهاريا

التعديل الأخير تم بواسطة سامي الفقيه الزهراني ; 28-05-07 الساعة 09:46 PM سبب آخر: عدم وضوح بعض الكلمات
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 28-05-07, 09:50 PM
سامي الفقيه الزهراني سامي الفقيه الزهراني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-02-07
المشاركات: 127
افتراضي معاني النحو لـ أ.د / سليمان العايد

معاني النحو (2)
التاريخ:5/23/2007
يمكن تقسيم المعاني النحوية إلى قسمين:
معان وظيفية: أثرها في التركيب، وتأتي لتحقيق المعاني الإضافية، وهي غير مقصودة لذاتها، وإنما تقتضيها المعاني الإضافية، ليستقيم الكلام ويصح نظمه، وتُظهر المعاني الإضافية (بمعنى الإنابة عن المعاني الإضافية). ثم إنّ المعاني الوظيفية بعضها لتحقيق السلامة، والحد الأدنى من الصحة (أصل الصحة) وبعضها لتحقيق العبارة الأعلى والكلام الأفصح، مثل الرفع، النصب، الجر، الجزم، الحكاية، الإعراب، البناء، الفتح، الضم، الكسر، السكون، الإدغام، الإمالة، الاتباع، التفريع، الإبدال، القلب بأنواعه، الزيادة، الحذف، الذكر، الإضمار، الاستتار، التقدير، التبعية، العطف، البدلية، التنوين، الصرف، الإجراء، التمكين، الإفراد، التركيب، الإفراد، التثنية، الجمع، الاستغناء، المطابقة، الاستئناف، الوصل، الوقف، الهمز، القلب، المصدرية، التعريف، التنكير، التخصيص، العهد، الجنسية، الصلة، التعليق، الإلغاء، الإعمال، الإهمال، التذكير، التأنيث، الصدارة، التقريب، التقوية، الابتداء، الكف، المقابلة، العوض، الترنم، الضرورة، التصرف، الجمود، السكت، الاستئناف، القطع، الوصل، الفصل، المد، القصر، النقص، الاعتراض، تقارض الألفاظ والصيغ، التضمين، الوقاية، المناسبة، التعذر، التقاء الساكنين، التخلص من التقاء الساكنين، الحرف، الحركة.
معان إضافية: و هي المعاني المضافة للنحو، وإن كانت في الأصل لغوية، وهي المعاني التي يقصد إليها المتكلم، ويؤلف كلامه لتحقيقها، والإبانة عنها، مثل الاستفهام، التصور، التعيين، التصديق، الوعد، الإعلام، التعجب، الجمع، التشريك، التعقيب، التراخي، الإضراب، الاستدراك، البيان، التبعيض، النداء، الاستغاثة، الندية، الإضافة، الإنكار، الطلب، الأمر، النهي، الدعاء، المضارعة، المضيّ، الاستقبال، الحالية، الفجاءة، الطلب، الإلصاق، الإسناد، الفاعلية، المفعولية، التعريف، التنكير، الإشارة، العلمية، التعدية، اللزوم، السلب، النقل، المشاركة، المعية، التسوية، التذكير، التأنيث، الجمع، التثنية، الإفراد، الاستثناء، التفضيل، التوكيد، القسم، التعليل، المدح، الذم، التشبيه، العوض، التسوية، الإنكار (الإبطالي والتوبيخي)، التقرير، التهكّم، الاستبطاء، الجواب، التفسير، التعليل، الإضراب، الاستفتاح، التفصيل، التقسيم، الشك، الإبهام، التخيير، الإباحة، الجمع، التقريب، التبعيض، التحقيق، التنبيه، التمنّي، العرض، التحضيض، الإغراء، التحذير، البدل، الابتداء، الغاية وانتهاؤها زمانًا، المعيّة والمصاحبة، التبيين، الكمال، التعدية، الاستعانة، السببية، المجاوزة، الاستعلاء، القسم، الترتيب، التعقيب، التراخي والمهلة، الموالاة، التعظيم، التحقير، التكثير، التقليل، التوقع، التقريب، التعويض، الاستدراك، الحضور، الغيبة، الإبهام، المقايسة، المبادرة، الردع، الزجر، التشبه، الشك والظن، الشمول والعموم، الاستحقاق، الاختصاص، الملك، التمليك، التبليغ، الصيرورة والعاقبة والمآل، البعد، القرب، الامتناع، التعليق، التقييد، الإطلاق، التوبيخ، التنديم، الكناية، البيان، التنبه، الإيجاب، السلب، الاستئناف، القسم، التذكّر، التضمين (يراجع)، المغالبة، المشاركة، الرَّوم ويقصد به القصد والطلب نحو: تقاربت من الشيء، الترك، الجعل، الهجوم، الضياء، نفي الغريزة، التسمية، التعريض، الوجود، الوصول، النقل، القيام على الشيء، الإزالة، النسبة، الاتخاذ، التصرف والاجتهاد، الخطفة، الإصابة، التحول من حال إلى حال، الإطناب، المساواة، الإيجاز.

وقد يقول قائل: لماذا لم يفردوا لكل ما ذكرت بابًا خاصًّا؟ والجواب لدى ابن جِنِّي حين قال: "إنّ أهل العربية أفردوا للتوكيد بابًا لعنايتهم به، وكونه مما لا يضاع ولا يهمل مثله؛ كما أفردوا لكل معنى أهمهم بابًا، كالصفة والعطف والإضافة والنداء والندبة والقسَم والجزاء ونحو ذلك"(1).
والمعنى الواحد قد يكون وظيفيًّا في حال، وإضافيًّا في حال، وذلك باعتبارين مختلفين، مثل التنكير إذا قصد صار معنًى إضافيًّا، مثل: جاء زيدٌ وزيدٌ آخر، أو جاء سيبويه وسيبويه آخر. وإذا لم يقصد فهو معنًى وظيفيٌّ، مثل: "جاء رجلٌ" و"لا رجل في الدار" و"ما مِن أحد عندنا"؛ إذ القصد منه التعميم (العموم) والتنكير وسيلة أو أداة، والقسَم فيما لو قال القاضي للمدّعى عليه: يمينَك، فأقسم، وقال: والله لقد كان كذا وكذا. فهذا معنًى إضافيٌّ، ولو قصد إلى توكيد خبرٍ بالقسَم، كأن تخاطب شخصًا ينكر مجيء زيد، فتقول: والله لقد حضر زيدٌ، فالقسَم هنا معنًى وظيفيٌّ؛ لأنه غير مقصود، وإنما المقصود توكيد الخبر، والقسَم أداة التوكيد ووسيلته.
والتمكين بمعنى الصرف، أو الإجراء معنًى وظيفيٌّ يقصد به إظهار تمام الإعراب، ومكنته، والتمكين في نحو قولك: "أحفرت زيدًا بئرًا، وأرعيته أرضًا" معنًى إضافيٌّ؛ لأنه مقصود المتكلم.
والذين تحدّثوا عن المعاني النحوية في العصر الحاضر لم يفرِّقوا بين هذه المعاني هذا التفريق، وجعلوا المعاني هي الوظائف.
وقال ابن النحوية(2): "...لأنّ التعريف معنًى، والقياس في المعاني أن تؤدِّيها حروف المعاني، فبني لتضمُّنه معنى الحرف...؟"؛ و لهذا وضعت الأدوات للتعبير عن المعاني النحوية.
وقال ابن هشام: "...الأمر معنًى حقُّه أن يؤدَّى بالحرف، ولأنه أخو النهي، ولم يدلَّ عليه إلا بالحرف، ولأنّ الفعل إنما وُضع لتقييد الحدث بالزمان والمحلَّل، وكونه أمرًا خارجًا عن مقصوده"(3).
ولا يلزم أن يعبّر عن كل معنًى نحويّ بالحرف؛ فالإشارة معنًى نحويٌّ ولم يعبِّروا عنه بحرف، كما لا يلزم أن يعبّر عن كل معنًى في الحياة بالتعبير النحوي؛ إذ يكفي من النحو أن يتدخّل في تكوين المعنى وتركيبه، ولولا التركيب ما تحقق المعنى الذي يقصد إليه المتكلم، فتعبِّر عن حزنك بـ: حزنتُ، والمخاطب: حزنتَ، والغائب: حزِن زيدٌ، والجمع: حزن المصابون، وحزن أهل الميِّت، وحزنوا...إلخ، وكذا فرحتُ...إلخ.
ثم إنّ معاني النحو معانٍ كلّيّة يقصدها المتكلم، أو يعبِّر عنها، بالصيغة، أو الأداة، أو التركيب، أو الأسلوب، أو العلامة، أو النظام، ومعاني اللغة معانٍ خاصة تعبِّر عنها الألفاظ، والعلاقة بين المعنى اللغوي واللفظ هي علاقة الاسم بالمسمَّى. وهذا يعنى به أصحاب اللغة والمعجميُّون.
وقد كان من طرائق العرب في كلامها أن تعبّر عن المعاني النحوية بالأداة، ولا يلزم أن يعبّر عن كل معنًى نحويّ بأداة أو حرف، فهناك معانٍ، لم يعبِّروا عنها بالحرف، أو الأداة، فالتعبير عن المعاني النحوية إمّا بالحرف والأداة، وإمّا بالصيغة، وإمّا بالتركيب، وإمّا باللفظ عينه (المفردة)، فيكون حينئذ معنًى لغويًّا.
المعنى النحويّ وسيلته التركيب من قرينة، ورتبة، وأداة، وإعراب، وحذف وإظهار، وإضمار، وتقديم وتأخير، وربط، ومطابقة...إلخ.
والمعنى الصرفي، وهو جزء المعنى النحويّ، وسيلته الصيغة من حركة وسكون، وتعيين نوع الحركة، وزيادة، إلاّ الحذف، والإبدال والقلب، والقلب المكانيّ فإنها لا تحمل معنًى صرفيًّا، ولا غيره؛ لأنّ المقصود منها تحسين اللفظ، والتيسير، وطلب الأخفّ.
ولسائلٍ أن يسأل: كيف تدلّ الصيغة على المعنى النحويّ؟ فنقول: إنّ الأبنية الصرفية مبناها على التغيير، والتغيير في الأبنية -كما أسلفت- نوعان:
نوع يراد به إحداث معنًى جديد في البنية، مثل التغيير في صيغة الفعل: كسا وكسِيَ، وكُسِي، وعلِم وعلُم، وفعل وأفعل وفعَّل وفاعل، نحو: كرُم وأكرم، وعلِم وعلَّم، وقتل وقاتل، وصيغة الاسم (الصفات) مثل: ذاهب، ومقتول، وقتّال، ومقتل، ومضَرب، وموعد، وهُمَزة، وهُمْزة، ونَفَض ونَفْض، وطَحْن وطِحْن. ومن الصيغ ما لا يتحدد معناه إلا من خلال سياقه، كالمشتقِّ مما زاد على ثلاثة أو بُدئ بميمٍ زائدة وفُتِح ما قبل آخره، مثل "مُكْرَم" تحتمل أن تكون اسم مفعول، ومصدرًا ميميًّا، واسم زمان، واسم مكان، واسم آلة، والسياق هو الذي يعيِّن واحدًا منها، ويرفع لبس الاشتراك اللفظي.
ونوع من التغيير في الأبنية لا يراد به إلا تحسين اللفظ، مثل مسائل الإعلال، والإبدال، والقلب المكانيّ، وتسهيل الهمز، والحذف، وهذا لا نقف عنده طويلاً؛ فـ"ميزان" الغرض من قلب واوه ياءً هو تحسين اللفظ، لا غير.
ودلالات الصيغ-كمفرداتها- لا تتحقق إلا من خلال تركيبها مع غيرها، حتى يخرج لنا كلام يفيد فائدة يحسن بالسكوت عليها، أمّا المعاني التجريدية فليست إلاّ تقريبًا للعلم.
سبق أن ذكرنا أنّ الأداة ذات معنى إضافيّ، وأقول هنا: إنها ذات معنًى وظيفيّ نحويّ، ثم نحن بحاجة للتفريق ما بين المعاني الإضافية، والمعاني الوظيفية، والتفريق بينهما على نحو ما تقدّم.
ثم إنّ الأداة لا تحمل معنى بنفسها، بمعنى أنها تدل على المعنى بغيرها، فهي حرف أو كالحرف، ولهذا لا يجوز عدّ الضمائر والأسماء الموصولة وأسماء الإشارة والظروف أدوات.
الأداة لا تقصد لذاتها، وإنما يقصد معناها، فحين تقول: مَن يجتهد ينجح، أنت قصدت الشرط، بخلاف ما إذا قلتَ: هذا ناجح، فأنت قصدت الإخبار عن هذا بالنجاح. وإذا قلتَ: هذا ناجح قصدت إلى المعنى اللغويّ الذي وضع له، وهو المشار إليه، لا الإشارة، بخلاف ما إذا قلتَ: "إن" فإنك تقصد المعنى النحويّ الذي وضعت له، وهو الشرط، وهو معنًى لا تدلّ عليه إلا بعد تضامِّها مع غيرها: جملتي الشرط والجواب. وحين تقول: كيف الحال؟ فالمقصود السؤال والاستفهام عن الحال. وحين تقول: هذا ناجح، لا تقصد الإشارة إلى الناجح، وإنما تقصد الحكم على المشار إليه بالنجاح. وفرق بين المعنيين، فالأول معنًى نحويّ عبَّر عنه بالأداة (كيف) والثاني معنًى نحويّ عبَّر عنه بالإسناد.
وقد تحمل الأداة عدة معانٍ إضافية، والسياق هو الذي يعيّن أحدهما، كالمشترك اللفظي، يحتمل معاني متعددة ليس معنًى بأولى من معنًى، حتى يعيّن السياق المعنى المراد.
وأمّا التراكيب فتشمل جميع أنواع التركيب بحيث يحتوي على الأقل مسندًا ومسندًا إليه، وقد تحتوي التراكيب على ما يريد عليهما، من المفاعيل، والقيود، والموضِّحات، والتتمّات الأخرى التي تجعل الكلام تامًّا بإفادته فائدة يحسن السكوت عليها.
وأمّا الأساليب فهي أقرب ما يكون من لغة الأمثال، والعبارات المسكوكة التي تلزم وضعًا تركيبيًّا خاصًّا لا يقبل التغيير، ولا التصرف، ولا ينفرد جزء منه بإفادة المعنى، بل يتركب المعنى من مجموع التركيب، فأسلوب التعجب "ما أكرم زيدًا" ليست "ما" هي التي تفيد التعجب وحدها، ولا صيغة "أفعل" وحدها، ولا نصب "زيدًا" وحده، بل المجموع هو الذي يفيد التعجب، ومثله الاستغاثة، وما أشبهها من التعجب، فهذه أساليب، تجري مجرى الأمثال، وتفيد المعنى باعتبارها كتلةً واحدةً، لا تنفرد الصيغة، ولا الأداة، ولا مجرّد التركيب بإفادته.

وللمعاني النحوية الوظيفية أغراض، هي:
1- تكوين المعاني الإضافية، والإسهام في تكوين وتعيين المعاني العامة.
2- التسامي بتحقيق المعاني الإضافية على أعلى درجة بيانية.
3- تحقيق الحد الأدنى من صحة النظام النحويّ، وفق ما تقضي به أصول الصناعة النحوية.
4- تحسين اللفظ، في مثل: ميزان، وما كان من الأبنية فيه قلب أو إبدال، أو إعلال، أو إدغام واجب، ومثل الإضافة اللفظية.
5- التيسير على مستعمل اللغة بمجاراته على ما اعتاد لسانه، من خلال الإمالة، وبعض حالات الإدغام، والقلب المكاني، وترك ما يعسر نطقه.
المعاني النحوية الإضافية محصورة معدودة، بخلاف المعاني اللغوية، فإنها لا تقع تحت حصر، ولا يأتي عليها العد، ثم المعاني النحوية مما يمكن إدراكها بالفطرة، وبالحس، والذوق، والسياق، بخلاف المعاني اللغوية، فإنها تتطلب شيئًا من الحفظ والدرس والمعاناة، والإدراك من الحياة، وتتعذر أو تعسر الإحاطة بها أو بألفاظها؛ لأنها متجددة متوالدة.
وبعد أن كتبت هذا اطلعت على ما يقوله أصحاب النحو التوليدي التحويلي من الفطرية اللغوية (النحوية أولى من اللغوية) في ذهن الإنسان؛ إذ "يستطيع الإنسان غير السويّ فضلاً عن الذكي القادر إنتاج الجمل والتعبير عما في نفسه في حين لا يستطيع أذكى الحيوانات وأكثرها تدربًا وتقبلاً للتعليم أن يأتي بشيء من ذلك؛ إذ يتدرّج الطفل في الكلام وتعلّم اللغة من بيئته، حتى يصل إلى سنّ السابعة مثلاً ليكون قادرًا على التعبير عما في نفسه بعدد كبير من الجمل التي لم يكن قد سمعها من قبل، وقادرًا -إلى حد ما- على التمييز بين الجمل السليمة وغيرها، فيأتي إلى المدرسة في هذه السن ليتعلّم كيف يقرأ ويكتب، لا كيف يولّد جُمَلاً(4). وإلى جانب هذه الفطرية اللغوية (النحوية) هناك فطرية ذهنية تقوم على عدد من الكليات النحوية التي تقوم بضبط الجُمل التي ينتجها المتكلم وتنظيمها بقواعد وقوانين لغوية عامة تخضع لها الجُمل، وهي مشتركة بين البشر، ويختار المتكلم ما يناسب لغته ويقي حاجته، وهذه الفطرية التي يولد عليها الإنسان تنمو بالتدريج حتى تنضج من اكتساب التعابير اللغوية من المجتمع، ليتكوّن لديه قدرة على توليد الجُمل وبنائها مضبوطة بقواعد وقوانين تسمّى القواعد التوليدية؛ فالقواعد والقوانين النحوية المسئولة عن بناء الجُمل وتراكيبها فطريّة ذهنيّة كلّيّة عالميّة وهي التي تقوم بضبط الجُمل بعد توليدها، وينتج عن هذا جُمل صحيحة لها معنًى وجُمل غير صحيحة لا معنى لها، وإن كانت الألفاظ المكوِّنة لها واحدة"(5).
وهناك أساس ثالث مبنيٌّ على هذين، وهو الكفاية والأداء، ويقصد بالكفاية قدرة المتكلم والسامع على إنتاج عدد هائل من الجُمل من مكوِّنات الكلام الأوّليّة (الأصوات، والأبنية، والمفردات) والحكم بصحتها أو فسادها من وجهة نظر نحوية تركيبية، مع ربطها بمعنًى لغويّ محدَّد، من خلال عمليات ذهنية داخلية، يتم التنسيق بينها بما يسمَّى "قواعد إنتاج اللغة" ويقصد بالأداء الكلام والجُمل الناتجة من القواعد والقوانين اللغوية الكامنة التي تنظم وفقها مكوِّنات الكلام الأوليّة(6). ويمكن أن نمثِّل من العربية للكفاية والأداء من اللغة بتقليبات المادة المفترضة كفاية، والمستعمل منها أداء واستعمال، ومن الصرف أوزان الثلاثي المفترضة الاثنا عشر كفاية، والمستعمل منها عشرة أو أحد عشر أداء واستعمال، ومن النحو تركيب الصفة المشبَّهة مع مرفوعها الصور المفترضة كفاية، والصور الصحيحة المستعملة أداء واستعمال. فهذه الأسس الثلاثة قامت عليها نظرية النحو التوليديّ. ولعل فيما مرّ معنا من كلام عبدالقاهر ما يوافق هذا الكلام.
والمعاني النحوية الإضافية يمكن أن تقوم مقامها العبارة اللغوية، فتعبِّر عنها بالعبارة اللغوية المعتادة، مثل: أتعجَّب من علم زيدٍ، كما تقول: ما أعلمه، وعلُم زيدٌ...إلخ ولله درُّه عالِمًا. ومثله التعبير عن المشار إليه تقول: المشار إليه زيد، وهذا زيد. وفي التبعيض: أخذت بعض الطعام، وأخذت من الطعام. وكذا العموم... إلخ.
قال ابن هانئ: "صريح التشبيه ما كان بالفعل، نحو: يحكي، ويشبه، وتحسبه، وتخاله، وما أشبه ذلك، وهذه مسألة خلاف، وهي: هل يكون ما يبوَّب له أبلغ أو ما لا يبوَّب له؟ فيجري الخلاف في "هل" و"الهمزة" مع "استفهمت" أو "أستفهم"، وكذلك "إن" مع "اشترط" أو "اشترطت"، أو ما أشبه ذلك، وفيه خلاف وتفصيل، والصحيح أنه إن كان ما يبوَّب له متعدِّد الأسلوب كان أرسخ مما لا يبوَّب له، وإن كان غير متعدِّد كان ما لا يبوَّب له أرسخ؛ لأنّ تفصيل الشيء وتعداد أساليبه مؤذنٌ بكثرة المعنى، وكون المتحد قد ضاق عنه وثقل بأعبائه، وتقرير جميع ذلك في علم البيان، وحيث يكون هو المقصود"(7).
وقال ابن هانئ: "ومن أقسام (الباء) التي تكثر فيها مجيؤها للاستعانة كما إذا قلت: بلغت بك إلى ما أريد. وهل يبقى هذا المعنى فيها إذا تقدم عليها صريح الاستعانة، كما إذا قلت: استعنت بزيد، أو يزول عنها إلى الفعل؛ لأنّ الأفعال هي المقتضية للمعاني على جهة الاستقلال، بخلاف الحروف؟ ويجري هذا المجرى قولك: استفهمت عن زيد أخاه أهو في الدار أم عمرو أم؟ لا ينتقل الفرق بين ما كان موضوعًا لذلك على جهة اللزوم، وعدم الانفكاك، وبين ما يكون كذلك لكن لا على جهة اللزوم، والانفكاك. خلاف، وتقريره في علم البيان، وحيث يكون هو المقصود. وعلى هذا القول من التفرقة ينتقل في مثل: استعنت بك، ولا ينتقل في مثل: استفهمت عن زيد أهو في الدار أم في المسجد؟ فإنّ وقوع الهمزة في مثل هذا التركيب لا يقع إلا للاستفهام. وبعضهم فرق بين ما يقتضي الحكم المنسوب إلى الحرف صريحًا، أو واقعًا موقعه، فيفرق على هذا بين (استفهمت، وسألت) وبين (استعنت، وتوسلت). وبعضهم جعل المرادف فقط مساويًا، وغيره غير مساوٍ، وتقرير جميع ذلك في علم البيان(8).
وقال ابن هانئ: "وقد اختلف فيما هو المقدم من التوابع فقيل: المقدم التأكيد لأنّ منه ما يكون بإعادة اللفظ، ولا شك أنّ هذا أقرب إلى المتبوع من سائر التوابع، وأيضًا فإنّ الباقي هو للتوكيد المعنوي لا يزيد على الأول شيئًا ولا ينقص منه إنما يفيد تحقيق نسبة إليه أو ضم مماثل أو أكثر. وقيل: النعت هو المقدم لأنّ القيمة بالمنعوت، فصار بهذا الاعتبار كبعض حروفه، ولذلك يحذف المنعوت ويقام مقامه كثيرًا بخلاف باقي التوابع. وقيل: العطف هو المقدم على باقي التوابع لاهتمام العرب له حيث لم تكتف فيه بنفسه بل أتت بأدوات تقتضيه على ما سيأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى. وقيل: بل البدل أحق بالتقديم لأنّ الفعل إنما جيء به لأجله. والأول متروك وكالمتروك بخلاف باقي التوابع، ويضاف إليها أعني إلى العطف والبدل عدم القصر على جنس واحد لكون العطف في الأسماء و الأفعال، وكذلك أيضًا البدل يكون في الأسماء والأفعال، فإن قيل: فإنّ التأكيد أيضًا منه ما يكون في الأسماء والأفعال والحروف وهو تكرار اللفظ بعينه كزيد زيد وقد قد وقام قام ونام نام، فهذا أيضًا إن جعلتم تعداد اللفظ مؤذنًا بالقوة ولا تقديم فيكون التأكيد كذلك. قيل: هذا التوجيه لا يُبوَّب له وإنما هو كالتعجب إذا جاء بلفظ عجبت أو التفضيل إذا جاء بلفظ فضلت أو النداء إذا جاء بلفظ ناديت أو دعوت أو الاستثناء إذا جاء بلفظ استثنيت أو تركت أو ما أشبه ذلك. وأمّا كونه يختار بعض (ألفاظه) أحواله إعادة العامد مع ما عمده وجعل المضمر موضع الظاهر فإنّ ذلك أيضًا لا يختص به وقد يأتي في البدل والعطف كثير من هذه الأحكام"(9).
والتصنيف النحويّ في عمومه يراعي المعاني الوظيفية أكثر مما يراعي المعاني الإضافية، ومبناه عليها، بل لا يكاد يلتفت إلى المعاني الإضافية، فلا ترى في غالب كتب النحو بابًا للاستفهام؛ وحين يتناول النحاة التأكيد يتناولونه من ناحية الوظيفة، وهي تبعية المؤكِّد المؤكَّد في حين نجد الاستفهام، حيث الحديث عن الصدارة، والابتداء مفرّقًا على أبواب النحو الأخرى. ويتصل بهذا التبويبُ النحويُّ بين الوظيفة والمعنى.
وقال ابن هانئ: "ويجوز أن يتوصل للتعجب من الممتنع بـ"تَعَجَّبْتُ"، وما أشبه ذلك مما يقتضي الزيادة والبلوغ كـ"دُهِشْتُ"، و"تَحَيَّرْتُ" وما أشبه ذلك، فتقول: "عَجِبْتُ مِنْ دَحْرَجَةِ زَيْدٍ"، و"دُهِشْتُ"، و"تَحَيَّرْتُ"، لكن هذا النوع يرجع إلى التعجب بغير الصيغ، والنحويون لا يبوّبون له، لكن نصَّ (أبو علي) على مثله"(10).
وقال ابن هانئ: "وذهب الكوفيون إلى أنّ (أَفْعَلَ) في هذا الموضع اسم، وأنه (أَفْعَلَ) الواقع [في التفضيل، وعنهم فيه الإعراب، والبناء؛ لأنه تضمن معنى] حرف التعجب، وإن لم ينطق به؛ لأنّ (التعجب) من المعاني الإضافيات كـ (الاستفهام)، و(الشرط)، وما أشبه ذلك، وحقه أن يكون بالحروف؛ فقد كان التعجب حقه أن يكون بالحروف؛ لأنه كـ(الشرط)، و(الاستفهام)، و(الإيجاب)، وغير ذلك من المعاني الإضافيات، فيُبْنَى على هذا؛ لتضمُّنِه معنى حرف التعجب الذي لم ينطق به. ومثل هذا مذهب المصنف في بناء أسماء الإشارة، فإنها بُنِيَتْ لتضمُّنِها معنى حرف الإشارة غير المنطوق، وعنهم أنه معرب، وأنّ إعرابه مستعار مما بعده، فإنّ الذي بعده حقه النصب؛ لأنه (فَضْلَة) و(الفَضْلَةُ) من حيث هي حقها النصب، لكن لَمّا كان محتملاً للمعاني الثلاثة التي قدّمنا لم يقوَ على تحمُّل ما يدل على معنى مقصود على جهة التعيين، فانتقل حكمه من النصب إلى ما قبله، وبقي هو فارغًا من النصب، فأعطي نصبًا آخر مغايرًا لذلك النصب؛ لأنه الخصيص بالفضلات؛ ولذلك يقولون فيه: إنه منصوب على التعجب، لا يقولون: إنه مفعول"(11).
وقال ابن هانئ: "ويقع (التعجب) من (التعجب)؛ لأنه من المعاني الإضافيات فيصح فيها التغاير، فتقول: (تَعَجَّبْتُ مِنْ تَعَجُّبِكَ). ومنع بعضهم من ذلك فقال: لا يقال إلا (عَجِبْتُ لِتَعَجُّبِكَ)، لا (تَعَجَّبْتُ). وأمّا قول أبي الطيِّب:
أنا عاجِبٌ لِتَعَجُّبِكَ
إِذْ كُنْتُ حِينَ رَأَيْتَنِي
فَشُغِلْتُ عَنْكَ وَكَا مُتَعَتِّبٌ لِتَعَتُّبِكْ
مَتَوَجِّعًا لِتَغَيُّبِكْ
نَ شُغْلِي عَنْكَ بِكْ
قال ذلك لرجل ذكر أنه سلّم عليه فلم يردّ عليه أبو الطيِّب، وكان صديقًا لذلك الرجل، فيحتمل أنه عدل عن (تَعَجَّبْتُ) إلى (عَجِبْتُ)، فأجرى عليه اسم الفاعل من أجل الوزن. ويحتمل أنه رأى المنع؛ لما يلزم من ذلك من جعل المطاوع مطاوعًا مع عدم استعمال ما يتحقق فيه معنى المطاوعة، وهو الفعل الداعي للمطاوعة على سبيل السوغ وهي مسألة خلاف"(12).
ولا يجمع بين أمرين يؤدِّيان معنًى نحويًّا واحدًا، مثل الجمع بين الباء والهمزة للتعدية في جملة لكونهما بمعنىً واحد، ولا يعترض بمثل التأكيد فهو مستثنًى؛ لأنّ الجمع كالتكرير، والتكرير توكيد؛ فـ"لا يجوز الجمع بين الباء والهمزة للتعدية في جملة لكونهما بمعنًى واحد؛ فقد منع ذلك الأخفش وأبو حاتم السجستاني ومكي القيسي في قراءة أبي جعفر ﭽ ﰖ ﰗ ﰘ ﰙ ﰚﭼ النور: ٤٣ في حين ضعّفه الفرّاء والطبري، وذكر أبو جعفر النحاس أنّ بعض النحاة قد قدّر زيادة الباء في قراءة أبي جعفر، أي: (يُذْهِبُ الأَبْصَارَ)، وتبعه في القول بزيادتها ابن جِنِّي. وقال ابن عصفور: "ولكون الباء بمعنى الهمزة لا يتصور الجمع بينهما فلا نقول أذهبت بزيد". وقال ابن يعيش: "اعلم أنه متى عدَّيت الفعل بالهمزة أو التضعيف لم تجمع بين واحد منهما وحرف الجر؛ لأنّ الغرض تعدية الفعل فبأي شيء حصل أغنى عن الآخر، ولا حاجة إلى الجمع بينهما"، وأجازه المبرّد (على أن تكون الباء متعلقة بالمصدر؛ لأنّ الفعل يدلّ عليه؛ إذ منه أخذ تقديره: يُذهب ذهابه بالأبصار، وعلى هذا أجازوا: أُدخل بزيدٍ السجنُ، كأنه قال: أُدخلَ السجن دخولاً بزيد).
وفي المقابل يمكن أن يعبَّر عن المعنى النحويّ الواحد من غير طريق، فمثلاً النسبة والإضافة معنًى نحويّ إضافيّ واحد، يمكن أن يعبَّر عنه من عدة طرق، فتعبِّر عنه بإضافة كلمة إلى كلمة، مثل: غلام زيدٍ ورجل البصرة. وبزيادة ياء النسبة المشدَّدة، مثل: زيديّ، وبصريّ. وبالصيغة، مثل: لابن وتامر، وخبّاز وجزّار ونهر. وبحرف الجر (الأداة)، وبصيغة الفعل مثل: فسّقته وكفّرته. وتعبِّر عنه بالكلمة المعجمية، فتقول: نسبت الرجل إلى البصرة.
والتأكيد معنًى نحويّ إضافيّ نعبِّر عنه بطرقٍ:
1- نون التوكيد في الفعل، نحو: لأقومنَّ.
2- حروف التوكيد، مثل اللام وقد.
3- تكرير اللفظ أو مرادفه، وهو التوكيد اللفظيّ.
4- التوكيد بـ"نفس" و"عين" وأخواتهما، وهو التوكيد المعنويّ.
5- التوكيد بالقسَم.
6- التوكيد بالوصف المشتقّ، مثل: شعر شاعر، وليل أليل.
7- التوكيد بالمفعول المطلق.
8- التوكيد بـ"إنّ"، ومثلها "أنّ".
9- الاستثناء المفرَّغ.
10- الحصر، ومنه تقديم ما حقّه التأخير.
11- التوكيد بضمير الفصل، وضمير الشأن.
12- التأكيد بالزيادة، مثل: "ما أنا بقارئ".
13- التوكيد بالكلمة أو العبارة المعجميّة.
14- أساليب عربية أخرى، مثل: حسب، وكافي.
والمعاني النحوية الإضافية هي المقصودة بالكلام، قال عبدالقاهر: "واعلم أنك تجد هؤلاء الذين يشكّون فيما قلناه تجري على ألسنتهم ألفاظ وعبارات لا يصح لها معنى سوى توخّي معاني النحو وأحكامه فيما بين معاني الكلم. ثم تراهم لا يعلمون ذلك. فمن ذلك ما يقوله الناس قاطبة من أنّ العاقل يرتب في نفسه ما يريد أن يتكلم به. وإذا رجعنا إلى أنفسنا لم نجد لذلك معنى سوى أنه يقصد إلى قولك ضرب فيجعله خبرًا عن زيد، ويجعل الضرب الذي أخبر بوقوعه منه واقعًا على عمرو، ويجعل يوم الجمعة زمانه الذي وقع فيه، ويجعل التأديب غرضه الذي فعل الضرب من أجله فيقول: "ضرب زيد عمرًا يوم الجمعة تأديبًا له". وهذا كما ترى هو توخِّي معاني النحو فيما بين معاني هذه الكلم. ولو أنك فرضت أن لا تتوخى في "ضرب" أن تجعله خبرًا عن "زيد"، وفي عمرو أن تجعله مفعولاً به لضرب، وفي "يوم الجمعة" أن تجعله زمانًا لهذا الضرب، وفي التأديب أن تجعله غرض زيد من فعل الضرب، ما تصور في عقل، ولا وقع في وهم أن تكون مرتبًا لهذه الكلم. وإذ قد عرفت ذلك فهو العبرة في الكلام كله، فمن ظن ظنًّا يؤدِّي إلى خلافه ظن ما يخرج به عن المعقول.
ومن ذلك إثباتهم التعلق والاتصال فيما بين الكلم وصواحبها تارة ونفيهم لهما أخرى. ومعلوم علم الضرورة أن لن يتصور أن يكون للفظة تعلق بلفظة أخرى من غير أن يُعتبر حال معنى هذه مع معنى تلك.
ويراعى هناك أمر يصل إحداهما بأخرى، كمراعاة كون "نبك" جوابًا للأمر في قوله: "قفا نبك": وكيف بالشك في ذلك؟! ولو كانت الألفاظ يتعلق بعضها ببعض من حيث هي ألفاظ، ومع اطراح النظر في معانيها لأدَّى ذلك إلى أن يكون الناس حين ضحكوا مما يصنعه المُجّان من قراءة أنصاف الكتب ضحكوا عن جهالة، وأن يكون أبو تمام قد أخطأ حين قال:
عـذلاً شبيهًا بالجنـون كأنما قرأت به الورهاء شطر كتاب
لأنهم لم يضحكوا إلا من عدم التعلق، ولم يجعله أبو تمام جنونًا إلا لذلك، فانظر إلى ما يلزم هؤلاء القوم من طرائف الأمور.
وهذا فن من الاستدلال لطيف على بطلان أن تكون الفصاحة صفة للفظ من حيث هو لفظ"(13).
وبعد، فقد انتهى نظري إلى أنّ المعنى النحويّ سيِّد المعاني، وكل معنًى بدونه لغوٌ مطَّرَح؛ إذ كل معنًى سواه خادمٌ له، ومن مكوِّناته الأولى، وأنه ليس هناك فكرة إلا وقد عُبِّر عنها بالمعنى النحويّ، وتلبَّست قوالبه، ولا يمكن أن يعبَّر عنها بغيره من المعاني، وأنّ درس هذه المعاني هو الطريق الذي يؤسس الذوق في فهم النص ومعالجته، وإدراك سره ومقاصده، وهو الذي يفتح النفوسَ لموادّة النحو، ويهيئ العقول لاستساغته، وإدراك علائق الكلم، وفهم الكلام منطوقًا ظاهرًا، أو غير منطوق خفِرًا خفيًّا، وليس هناك درس من دروس العربية بحاجة إلى تعدد طرائق معالجته، وأساليب درسه بما يعود عليه بالتيسير والتقريب وجعله شيئًا يسيغه الذوق أولى من النحو.

إنّ الذوق هو الذي يصنع الإبداعات العلمية والعقلية والفكرية والعاطفية، وهو ما يفتقر إليه عامة المشتغلين بالنحو العربي، الذين يفنون حياتهم في قراءة ما كُتِب قبلهم، ونقله إلى طلاّبهم، قد فنيت أذهانهم في دركه، وكلّت أناملهم من كتبه، وبُحَّتْ أصواتهم من شرحه، وهذا على جلالة قدره، وسموِّ مكانته، عمل دون تذوّق النحو، المبني على درس أصوله ومعانيه، والولوج فيه من أبوابٍ متفرِّقة، ومداخل متنوّعة، ومسالك متعددة، يفضي كلٌّ منها إلى روضة غنّاء ذات أزاهير مصبَّغة بالألوان، وروائح زاكية لا يستطاع ردُّها، تؤنسك بدرس النحو، وتحتفي بك ضيفًا لا يستثقلُ، ولا يرى في إكرامه في يومه نقصًا عن إكرامه في أمسه، أو صاحب دار لا يفتأ يجد فيها جديدًا كل يوم جديد، من المطاعم والمشارب، والفرش والروائح، ومن سائر ما أغدق الله عليه وعلى أهل بيته، وإن لم يجد الجديد وجد ما يحيل قديمه إلى جديد في النظام والترتيب والتغيير والتبديل، لتقع عينه في يومه على ما لم تقع عليه في أمسه، في عملٍ متجدِّدٍ لا يملُّه القلب، ولا تسأم منه النفس، مع ما يعود عليه من الرغبة في المزيد، والتطلع إلى الجديد، دفعًا لمقولة: "إنّ المللَ مجلبة للعقم".

(انتهـى)

الهوامش:

* أستاذ بكلية اللغة العربية، جامعة أمّ القرى، مكة المكرمة.
(1) الخصائص 2/451.
(2) في شرحه ألفيّة ابن معط ص57.
(3) المغني ص227.
(4) ينظر خليل عمايرة في نحو اللغة وتراكيبها ص55.
(5) ينظر خليل عمايرة في نحو اللغة وتراكيبها ص56-57 بتصرف واختصار.
(6) ينظر خليل عمايرة في نحو اللغة وتراكيبها ص57-58 بتصرف واختصار.
(7) شرح ألفيّة ابن مالك، ابن هانئ، تح. بندر الشمّري، آخر حروف الجرّ، ص97-98.
(8) شرح الألفية، آخر حروف الجرّ، ص78.
(9) شرح الألفية ص324.
(10) شرح الألفية ص23-24.
(11) شرح الألفية، باب التعجب، ص8.
(12) شرح الألفية، باب التعجب، ص2.
(13) دلائل الإعجاز ص405-407.
__________________
فسري كإعلاني وتلك سجيتي ... وظلمة ليلي مثل ضوء نهاريا
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 23-04-10, 08:12 PM
أبو زارع المدني أبو زارع المدني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 24-07-07
المشاركات: 9,617
افتراضي رد: معاني النحو لـ أ.د/سليمان العايد

جزاك الله خيرا .
__________________
.
(اللَّهمَّ ربَّنا آتِنا في الدُّنيا حَسَنةً، وفي الآخِرَةِ حَسَنةً، وقِنا عذابَ النَّارِ)
AbuZare@hotmail.com
مدونتي
تويتر
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 07-08-19, 11:46 PM
مروان الحسني مروان الحسني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 14-10-05
المشاركات: 1,520
افتراضي رد: معاني النحو لـ أ.د/سليمان العايد

هل ل الدكتور سليمان العايد كتاب مفرد مطبوع ب إسم ( معاني النحو ) !؟!
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:28 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.