ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > المنتديات الخاصة > استراحة الملتقى
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 22-08-19, 01:03 PM
وليد بن عبده الوصابي وليد بن عبده الوصابي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-14
المشاركات: 103
افتراضي مُصادفة أثمرت مصادقة!

مُصادفة أثمرت مُصادقة!
يقولون: صدفة؛ ويا محلى الصدَف! والأمثال تقال كما وردت! وإن كان صوابها: مصادفة؛ وما أحلى المصادفات!

لا أحب السفر بمفردي؛ لأنه عذاب، ويزيده عذاباً: الوحشة من الوِحدة! (والإنسان في وِحدة، ما دام أنه لم يجد ما ومن يلائمه ويشاكله)!
ولكني اضطررت إليه، (ألا قبحت الضرورة) وكان سفراً طويلاً؛ أحدث ضبحاً وعويلا!

ركبت الحافلة؛ فرأيت فيها وجوهاً؛ أَنستُها، وانجذب قلبي إليها، ولكن كيف أبدؤهم؟! ويتولى الجواب الفعلي: طول السفر ومرارته!
فطول المكث والشدائد؛ تولّد المعرفة والتعاضد.
وقد كتبت عن رحلتي هذه، مقالة، وسمتها، بـ: (أوشابّ وأشوابٌ وأنشابٌ في سفر)!

فاتحتهم وفاتحوني، سألتهم وسألوني (ولا أدري؛ أينا البادي)؟! فوجدت محتدهم؛ من الجنوب الصبوب؛ فتآنسنا وتباسطنا، وكنا ننزل ونأكل ونصرف وندفع سوياً، وكل طرف؛ يريد أن يكون هو الباذل المناول!

وصلنا رَحلنا؛ فتفرقنا أجساداً، ولم نفترق أرواحاً، وعلامة ذلك: أخذ كل منا هاتف صاحبه!

مرّت الأيام والليال، دون زيارة أو وِصال! ولعل العذر: أن كل واحد؛ يراعي ظروف الآخر:)!

ثم كان نصر هو الأفضل؛ إذ هاتف ووصل؛ فالتقينا في بهو مطعم، ثم تكرم بزيارتي إلى منزلي المؤقّت، ولكنها زورة عابرة، ووعَد بأخرى، وللأسف، لم تكن، لا مني ولا منه!

ولما أزمعنا على تقويض الخيام (وما أكثر تقويضها؛ أقامها الله تعالى)؛ اتفقنا على السفر في يوم من أيام الله، وكان -والحمد لله-.

ولا زلت الحافلة تمخر بنا العباب، وتخدّ التراب ليالي وأياماً، حتى وصلنا: تفِلين بذِلين رهقين زهقين! وهذا كله مع تخفيفها بالأنس، وتلطيفها برهافة الحس!

وخطر ببالي؛ حبيبي محمد عليه الصلاة والسلام؛ كيف سافر على قصواه: ليالي وأياماً، تحت الحر والقر!
اللهم غفراً.

عندما وصل صاحبي إلى مقر إقامته؛ عزم عليّ النزول في نُزله الرحب؛ فنزلت في سكن فسيح، وبين قوم بُذل كرام.
ولا، والله، لم أرَ إلا البسمة مرسومة على محياهم، وطيب الكلمة تبدو من أفواههم، وزكي الرائحة تنبعث من أجسامهم، ولم يشعروني إلا بأني أنا المتفضل!

وذكّروني بقول المضيف العربي لضيفه:
يا ضيفنا؛ لو زرتنا؛ لوجدتنا *** نحن الضيوف، وأنت رب المنزلِ

وصدق حبيبي صلى الله عليه وسلم، القائل: (الأرواح؛ جنود مجندة، ما تعارف منها؛ ائتلف، وما تناكر منها؛ اختلف)!
فوالله، كأن بيننا من الصداقة؛ زمناً، وكأن عهدنا قديم بالمودة والإخاء! أشكو لهم، وإلي يشكون، أواسيهم، ولي يواسون!

ومن كرم نصر هذا؛ أن أسلمني مفتاح شقتهم -أبعد الله عنهم الشقة-؛ لأدخل متى شئت، وأذهب متى أردت؛ ولنفون عني الحرج والخجل!

يتوددون إلي، وكأن لي عندهم يداً، ويدي عندهم مغلولة -أعوذ بالله من الغل والغل-!
يفرحون إذا أكلت، ويُسرّون إذا لدعوتهم قبلت، ويبتهجون إذا لخروجهم أجبت!

أحدهم: يوسف؛ كان ورب البنية؛ يتفنن في إكرام بطني -أشبعه الله- بكل ما لذّ وطاب!
يهاتفني: حبيبنا أبا نعيم؛ ماذا تريد الغداء أو العشاء؟!
وكان من شدة حبه؛ يقسم أحياناً إلا أن يقبّل رأسي!

ووعكت عندهم؛ فآسوني وواسوني: حساً ومعنى، وشاهدي: أنهم أصروا علي الذهاب للمشفى -وأنا لا أحبها- أبعدني الله عنها والقارئين-.
وخصّوني بطعام خاص؛ مراعاة لمرضي، وفتحاً لشهيتي، حتى نقهت -والحمد لله-.

وبالمقابل: أتذكر أني أممت مرة عند قوم آخرين! فوجِعت عندهم؛ فما وجدت من يوصلني بمركبته إلى الصيدلية لا المشفى، ووالله لا أخْرُتُ طريقها، وإلا لما ألمحت لهم، ثم وجدت أحدهم!

عوداً إلى الجنوبيين القريبين: طلبوا إلي؛ إلقاء دروس عليهم في بعض المسائل، وقرؤوا علي شيئاً من القرآن العظيم؛ وهم فرحين بهجين!

وصاحب الرحلة: نصر -نصره الله- كان كلما أتى من عمله المجهد، ودخل، ينادي: حبيبنا أبا نعيم؛ كيف حالك، كيف أصبحت، كيف أمسيت؟! ثم يتبع أسئلته، بجملة: والله إني أحبك في الله!

وكان شعوراً لمّاحاً؛ يراني أخرج مسارقة لزيارة بعض أهل العلم؛ فيلقي ما في يده، ويقبل نحوي، إلى أين، متى تعود؟ فإذا تأخرت؛ هاتفني: أين أنت حبيبنا أبا نعيم؟!

ولا زالوا على ذلك العهد الحسن؛ حتى طوّحت بنا الأيام؛ فأنأتني عن كريم صحبتهم، وألقتني إلى بلاد أخرى -يسر الله المدخل والمخرج-.

ولم يكتف أحدهم بذلك؛ حتى أقسم علي، بأخذ مبلغ من المال، دون طلب مني -علم الله- ولا استشراف! -وأعوذ بالله من الإلحاف-.
فرددت القسم: أنها قرضة! فتبسم على مضض، دون ومض!

هذه ذكرى كانت؛ أردت تدوينها؛ حفظاً للتاريخ، ومعرفة للفضل، ورد الأمور إلى نصابها.
والله يتولانا ويرعانا، ويصوننا ويحوطنا.

المَزُوْر: وليد أبو نعيم.
١٤٤٠/١٢/٢٠
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:29 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.