ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > المنتديات الخاصة > استراحة الملتقى
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 05-06-19, 08:24 PM
وليد بن عبده الوصابي وليد بن عبده الوصابي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-14
المشاركات: 103
افتراضي تسعة أشهر .. ولادة أخرى!

تسعة أشهر .. ولادة أخرى!
ولدت أول ولادة لي؛ في عام (...) وأتركها نقاطاً؛ لأنهم كانوا لا يستحبون الإفصاح عن ذلك، وقد سألت شيخي المسند المعمر الشريف إبراهيم بن عمرو القديمي -حفظه الله وعافاه-، عن عمره؟ فأبى، ثم قال: سألت شيخي عن عمره، فقال:

احفظ لسانك لا تبح بثلاثةٍ
سنّ ومالٍ، ما استطعت ومذهب

فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثةٍ
بمموه وممخرق ومكذب

ورويت بألفاظ أُخر.

أعود: ولدت لأبوين صالحين، -أحسبهم- ولم أعِ من أمر هذه الولادة شيئاً، لا كـ إياس بن معاوية، الذي قال: أذكر يوم ولدتني أمي؛ فإني خرجت من ظلمة إلى ضوء، ثم صرت إلى ظلمة!
فسئلتْ أمه عن ذلك؟ فقالت: صدق؛ لما انفصل مني؛ لم يكن عندي ما ألفّه به؛ فوضعتُ عليه قصعة!

قال ابن القيم: (وهذا من أعجب الأشياء وأندرها)!


أما ولادتي الثانية؛ فإني ولدتها وقد مضت سنيهات من عمري -باركه المبارِك-.
أتذَكَّر كل لحظة فيها.. عشت آلامها، وتُقتُ أحلامها، وعانيت شدائدها، وكابدت حصائدها!

على سُلمى وإن نأتِ الخيام
من المُضنى التحيةُ والسّلامُ

تناشدني: أترجع عن قريبٍ
فقلت: نعم، وللدهر احتكامُ

ألا يا دراها من بطن وادٍ
به نبت الخزامى والبشامُ

سقاك العارض الوسميُّ سَحاً
وحيّــا ذلك الشعبَ الغَـمــامُ

تـُرى هل تجمع الأيامُ شملي
بها أو هل لـفُرقـتنا التطامُ؟

(من شعر العلامة أبو بكر بن شهاب، وهو يحنّ إلى حضرموت وتريم)


وهذه قصة ولادتي الأخرى (وأقول: الأخرى؛ تفاؤلاً؛ أن لا تكون ثالثة!):

نأيت عن الأهل والأولاد تسعة أشهر؛ كابدت فيها الصعاب، وتعانيت الهضاب..
ناجيت النجوم، وداجيت الملوم..
سهرت بلا سمر، وأصبحت بلا ظفر..
سكبت الدموع، والناس في هجوع..
ثافنت الطروس -وكنت مثافناً لها، والحمد لله- وأدمنت الدروس..
تألمت لكني تحملت وتحلمت وتخلمت..

قال علي بن مرشد: سمعت دراجاً يصيح بدرب حبيب؛ فعملت فيه هذه الأبيات:

يا طائراً لعبت أيدي الفراق به
مثلي؛ فأصبح ذا همٍ وذا حزنِ

داني الأسى، نازح الأحباب مغترباً
عن الأحبة مصفوداً عن الوطنِ

بلا نديمٍ ولا جارٍ تسر بهِ
ولا حميمٍ ولا دارٍ ولا سكنِ


زارتني الهموم، وواتتني الغموم، فلجأت إلى الحي القيوم..
وجدت الشامت والشاني؛ فكنت أجعلهم دبر آذاني..

وللشاعر محمد محمود الزبيري قصيدة مؤثرة معبرة عن الحنين إلى الوطن، أنشدها من منفاه يقول فيها:

ذكرياتٌ فاحتْ بريَّا الجنانِ
فسَبَتْ خاطري وهزَّتْ كياني

عمرٌ في دقيقةٍ مستعادٌ
ودهورٌ مُطلّة في ثواني

آه ويحَ الغريبِ ماذا يقاسي
من عذابِ النّوَى وماذا يعاني

ليس في الأرضِ للغريبِ سوى
الدمعِ، ولا في السماء غير الأماني


خبرت بني الغربة، فكان أكثرهم ابن خيبة؛ مِن تنكر للصداقة، متوهمين الحذاقة، وبُعد من اللقا، كبنات النقا، ولزوم للقلق، كطير اللقلق، يظنونك إليهم طامع، وأنا -والله- عنهم زامع، وفيما عندهم قانع؛ لأني بيد الكريم النافع.

تسعة أشهر.. دخلتها إلى رحم الأرض مختاراً..
تسعة أشهر.. توحّدت، وكنت قبل لا أطيق الوحدة..
تسعة أشهر.. تفرّدت، وكنت لا أقوى على الانفراد..
تسعة أشهر.. تعزبت، وكنت لا أحتمل العزوبية..
تسعة أشهر.. تغيبت عن الأهل والولد، وكنت لا أطيق فراقهم..
تسعة أشهر.. ائتدمت لوحدي، وكنت لا أحب إلا الاجتماع على الطعام..
تسعة أشهر.. عانيت وداريت وداجيت وناجيت، وكابدت ونابذت ونادمت وآدمت..

‏وكيف لا أحنّ، وقد قال القاضي عياض: "الحنين إلى الأوطان من أخلاق أشراف الرجال".

وقال العلامة ابن عبيد الله: "ومعاذ الله أن تقطع رجالات العلم صلاتها بأوطانها وقراباتها وهم أحق الناس بصلة الأرحام والحنين إلى الأوطان والقيام بحقوقها التي تفضل حقوق الأمهات على الأولاد".

وقال الرافعي:
‏بلادي هواها في لساني وفي دمي
يُمجدُها قلبي ويدعو لها فمي

ولا خيرَ فيمن لا يحبُّ بلادَهُ
ولا في حليفِ الحب إن لم يتيم

ومن تؤوِهِ دارٌ فيجحدُ فضلها
يكن حيواناً فوقه كل أعجمِ

ومن يظلمِ الأوطان أو ينسَ حقها
تجبه فنون الحادثات بأظلمِ

وللإمام عبد الكريم السمعاني،تـ٥٦٢.
رسالة، بعنوان: "النزوع إلى الأوطان".


وأختم بما ختم به الأديب الشاعر عباس محمود العقاد:

وكنت جنين السجن تسعة أشهر
فهأنذا في ساحة الخلد أولدُ

وفي كل يوم يولد المرء ذو الحجا
وفي كل يوم ذو الجهالة يلحدُ

وما أقعدت لي ظلمة السجن عزمة
ففى كل ليل حين يغشاك مرقدُ

وما غيبتني ظلمة السجن عن سناً
من الرأي يتلو فرقدا منه فرقدُ

عداتي وصحبي لا اختلاف عليهم
سيعهدني كل كما كان يعهدُ

أرجو أن لا تكون هناك ولادة ثالثة، وإن كان قد برز البطن، موحياً بحمل!
رب يسر وسهل، وأعن واغن.

و ع ي
١٤٤٠/٨/٨
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 02-09-19, 12:58 PM
حمد بن حنيف المري حمد بن حنيف المري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 13-10-10
المشاركات: 219
افتراضي رد: تسعة أشهر .. ولادة أخرى!

أجد راحة نفسية بعد قراءة مواضيعك
بارك الله فيك
وهناك من ذاق ألم الغربه في وطنه بين أهله وجيرانه وأخدانه ولا يزال مغتربا
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:19 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.