ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الحديثية
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 10-03-06, 08:31 PM
محمد خلف سلامة محمد خلف سلامة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-09-05
المشاركات: 1,173
افتراضي فوائد في أنواع التدليس وأحكامه

بسم الله والحمد لله


مسألة التدليس وما يتعلق بها: من أمهات ومهمات مسائل الحديث؛ وقد حصل فيها غير قليل من النزاع والاختلاف بين العلماء، في فروعها وأصولها.
والتدليس مشتق من الدَّلَسِ، وهو في أصل معناه الظلام، ثم استعمل التدليس في اللغة بمعنى إخفاء العيب في المبيع ونحوه؛ وإنما استعملت هذه اللفظة في مصطلح المحدثين بالمعنى الآتي شرحه، لأن المدلس – مهما كان نوع التدليس – كأنه قد أظلم شيئاً من أمر الحديث على الناظر بتغطية وجه الصواب فيه كما يتضح مما يأتي؛ فإن التدليس أقسام عديدة مرجعها إلى أربعة أصول، أو أربعة أغراض؛ وتتبين تفاصيل ذلك كله بشرح أنواع التدليس فدونك أنواعه.


النوع الأول

تدليس الإسناد

وهو المراد بالتدليس عند الإطلاق، وهو أهم صوره وأشهرها وأكثرها وجوداً.
وهو أن يروي غير الصحابي عمن سمع منه - أو عمن حصل له من اللقاء به ما يظن معه حصول السماع - ما لم يسمعه منه من حديثه، حاذفاً الواسطة، قاصداً إيهام السماع بإحدى طرق الإيهام الآتي ذكرها.
وهو بتعبير آخر: أن يروي الشيخ حديثاً فيسمعه بعض تلامذته عنه، لا منه، أي يسمعه بواسطة وليس من الشيخ مباشرة، ثم بعد ذلك يرويه عن ذلك الشيخ موهماً سماعه إياه منه بحذف الواسطة والتعبير بإحدى الطرق الموهمة للسماع.
وهذا النوع من التدليس فيه إخفاء الانقطاع؛ ويسمى أيضاً تدليس الإرسال.

طرق الإيهام

يتم للراوي المدلِّس إيهام سماعه الحديث ممن فوقه من شيوخه، خلافاً للواقع، بإحدى أربع طرق:

الطريقة الأولى

وهي الأغلب الأشهر بين سائر طرق الإيهام؛ وهي استعمال الصيغة المحتملة للسماع ولعدمه - وتسمى أيضاً الصيغة الموهمة للسماع، أو الصيغ الموهمة - مثل (قال) و (ذكر) و (حدث)؛ بدل الصيغة الصريحة في الانقطاع مثل (حُدِّثت) و (أًخْبرت) و(قيل لي) ونحوها.
والمدلس لا يستعمل عند إرادته التدليس صيغ الانقطاع هذه لأنه لا يتم بها مقصوده. وأيضاً لا يستعمل صيغ صريحة في السماع لأنه حينئذ يكون كاذباً لا مدلساً، والفرض هنا أنه ثقة.

الطريقة الثانية

حذف صيغة الأداء أصلاً كما كان ابن عيينة يقول: (عمرو بن دينار سمع جابراً رضي الله عنه) ونحو ذلك. انظر (النكت لابن حجر) (2/617).
وهذا الصنيع يليق أن يسمى التدليس بحذف الصيغة.
ومنه صنيع هشيم في حديثه الذي رواه عنه عبد الله بن أحمد في (العلل) (2229) قال: حدثني أبي قال حدثنا هشيم قال: إما المغيرة وإما الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم: لم ير بأساً بمصافحة المرأة التي قد خلت من وراء الثوب؛ سمعت أبي يقول: لم يسمعه هشيم من مغيرة ولا من الحسن بن عبيد الله.

الطريقة الثالثة
تدليس العطف

وهو ثلاثة أنواع:
النوع الأول: عطف اسم راو على اسم راو قبله مع نية القطع:
وهو أن يروي عن شيخين من شيوخه ما سمعاه من شيخ اشتركا فيه، ويكون المدلس قد سمع ذلك المروي من أحدهما دون الآخر، فيصرح عن الأول بالسماع ويعطف الثاني عليه، فيوهم أنه حدث عنه بالسماع أيضاً؛ وهو إنما حدث بالسماع عن الأول ثم نوى القطع فقال: (وفلان)، أي: وحدث فلانٌ.
مثاله ما روى الحاكم في (معرفة علوم الحديث) ص131 قال: (وفيما حدثونا أن جماعة من أصحاب هشيم اجتمعوا يوماً على أن لا يأخذوا منه التدليس ففطن لذلك فكان يقول في كل حديث يذكره: حدثنا حسين ومغيرة عن إبراهيم، فلما فرغ قال لهم: هل دلست لكم اليوم؟ فقالوا: لا، فقال: لم أسمع من مغيرة حرفاً مما قلته، إنما قلت حدثني حصين، ومغيرة غير مسموع لي) ا.هـ.
ولكن هذه القصة ذكرها الحاكم بغير سند، ويظهر أنها لم تُرو مسندة، فعلى هذا لا تصح.

النوع الثاني: عطف جملة سياق حديث على جملة سياق حديث قبله:
ورد نحو ذلك فيما يظهر في صنيع هشيم في حديثه التالي:
قال عبد الله بن أحمد في العلل (2191): (حدثني أبي قال: حدثنا هشيم قال أخبرنا الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يوم خيبر للفرس سهمين وللرجل سهماً)؛ ثم قال (2192): (حدثني أبي قال: حدثنا هشيم قال: وعبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك سمعت أبي يقول: لم يسمعه هشيم من عبيد الله).
فهشيم ساق حديثاً لشيخه الكلبي بقوله (حدثنا)، ثم عطف عليه حديثاً لشيخه عبيد الله ولكن لم يبدأه بأي صيغة؛ فهو أراد بهذا العطف عطف جملة على جملة، أي (وحدث عبيد الله) إلى آخره، لا عطف فاعل على فاعل، أعني لم يعطف عبيد الله على الكلبي.

النوع الثالث: أن ينفي السماع من الأول ثم يذكر الثاني من غير صيغة أداء ويوهم أنه سمع منه بخلاف الأول.
وقد ادعى بعضهم أن أبا إسحاق السبيعي فعله.
قال البخاري في (صحيحه) (152): حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ، وَلَكِنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ: ( أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ فَأَخَذْتُ رَوْثَةً فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ؛ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ).
قال الحاكم في (معرفة علوم الحديث) ص135: (قال علي: وكان زهير وإسرائيل يقولان عن أبي إسحاق أنه كان يقول: ليس أبو عبيدة حدثنا ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الاستنجاء بالأحجار الثلاثة، قال ابن الشاذكوني: ما سمعت بتدليس قط أعجب من هذا ولا أخفى، قال: أبو عبيدة لم يحدثني، ولكن عبد الرحمن عن فلان عن فلان، ولم يقل حدثني؛ فجاز الحديث وسار).
ولكن ابن حجر بين في (هدي الساري) أن هذا ليس بتدليس، وكذلك فعل في شرح الحديث في (الفتح) فقال (1/256-258):
(قوله {ليس أبو عبيدة} أي ابن عبد الله بن مسعود؛ وقوله (ذكره) أي لي (ولكن عبد الرحمن بن الأسود) أي هو الذي ذكره لي بدليل قوله في الرواية الآتية المعلقة (حدثني عبد الرحمن).
وإنما عدل أبو إسحاق عن الرواية عن أبي عبيدة إلى الرواية عن عبد الرحمن مع أن رواية أبي عبيدة أعلى له لكون أبي عبيدة لم يسمع من أبيه على الصحيح فتكون منقطعة بخلاف رواية عبد الرحمن فإنها موصولة.
ورواية أبي إسحاق لهذا الحديث عن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود عند الترمذي وغيره من طريق إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق.
فمراد أبي إسحاق هنا بقوله (ليس أبو عبيدة ذكره) أي لست أرويه الآن عن أبي عبيدة وإنما أرويه عن عبد الرحمن -----.
قوله (وقال إبراهيم بن يوسف عن أبيه) يعني يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي عن أبي إسحاق وهو جده قال (حدثني عبد الرحمن) يعني بن الأسود بن يزيد بالإسناد المذكور أولاً.
وأراد البخاري بهذا التعليق الرد على من زعم أن أبا إسحاق دلس هذا الخبر كما حُكِي ذلك عن سليمان الشاذكوني حيث قال: لم يسمع في التدليس بأخفى من هذا، قال: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن، ولم يقل: ذكره لي، انتهى.
وقد استدل الإسماعيلي أيضاً على صحة سماع أبي إسحاق لهذا الحديث من عبد الرحمن يكون يحيى القطان رواه عن زهير فقال بعد أن أخرجه من طريقه: والقطان لا يرضى أن يأخذ عن زهير ما ليس بسماع لأبي إسحاق وكأنه عرف ذلك بالاستقراء من صنيع القطان، أو بالتصريح من قوله؛ فانزاحت عن هذه الطريق علة التدليس). انتهى كلام ابن حجر.

الطريقة الرابعة

مثالها ما كان يفعله عمر بن علي بن عطاء بن مقدم المقدمي؛ قال ابن سعد في (الطبقات) 7/291 فيه: (وكان يدلس تدليساً شديداً وكان يقول: " سمعتُ " و "حدثنا " ، ثم يسكت ثم يقول: "هشام بن عروة، الأعمش") ا.هـ.
وقال عبد الله بن أحمد: سمعت أبي ذكر عمر بن علي فأثنى عليه خيراً، وقال: (كان يدلس، سمعته يقول: حجاج سمعته، يعني: حدثنا آخر، قال أبي: هكذا كان يدلس ) ا.هـ من (تهذيب الكمال).
وهذا النص موجود في (سؤالات عبد الله بن أحمد لأبيه) (3/14) ولكن أخطأ المحقق في قراءة النص ففصل أول الكلام عن آخره؛ نبه عليه الشيخ عبد الله السعد.
ووهم ابن حجر إذ قال في (النكت) (2/617) في شرح معنى تدليس القطع أو السكوت: (مثاله ما رويناه في الكامل لأبي أحمد ابن عدي وغيره عن عمر بن عبيد الطنافسي أنه كان يقول: (حدثنا)، ثم يسكت ينوي القطع، ثم يقول: هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها).
فذكر عمر بن عبيد الطنافسي بدل عمر بن علي المقدمي؛ وأظنه لا يُعلم أحدٌ وصف الطنافسي بالتدليس غير الحافظ ابن حجر في (النكت)، بل لم يذكره ابن حجر نفسه في (طبقات المدلسين)، ولا وصفه بالتدليس في (التهذيب) ولا (التقريب)، ولكنه قال في ترجمة عمر بن علي المقدمي من (التقريب): (ثقة وكان يدلس شديداً).
فهذا كله يدل على وهمه في وصفه إياه بالتدليس.


يتبع بإذن الله وتوفيقه...............................
__________________
قالَ مسروقٌ: «كفَى بالمرءِ علماً أنْ يَخشَى اللهَ ؛ وكفَى بالمرءِ جهلاً أنْ يُعْجَبَ بعلمِه » .
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 10-03-06, 09:27 PM
محمد خلف سلامة محمد خلف سلامة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-09-05
المشاركات: 1,173
افتراضي

"

انتفاء التدليس عن الصحابة

التدليس منتفٍ عن الصحابة كلهم رضي الله عنهم، وقد حقق هذا المعنى العلامة المعلمي رحمه الله في (الأنوار الكاشفة) فقال (ص159–161):
(قال الخطيب في (الكفاية) (ص357): (تدليس الحديث الذي لم يسمعه الراوي ممن دلسه عنه بروايته إياه على وجه يوهم أنه سمعه منه).
ومثال هذا أن قتادة كان سمع من أنس، ثم سمع من غيره عن أنس ما لم يسمعه هو من أنس، فربما روى بعض ذلك بقوله (قال أنس …) ونحو ذلك. ثم ذكر الخطيب (ص358) ما يؤخذ على المدلس، وهاك تلخيصه بتصرف:
أولاً: إيهامه السماع ممن لم يسمع منه.
ثانياً: إنما لم يبين لعلمه أن الواسطة غير مرضي.
ثالثاً: الأنفة من الرواية عمن حدثه.
رابعاً: إيهام علو الإسناد.
خامساً: عدوله عن الكشف إلى الاحتمال.

أقول [القائل المعلمي]: هذه الأمور منتفية فيما كان يقع من الصحابة رضي الله عنهم من قول أحدهم فيما سمعه من صحابي آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم: "قال النبي صلى الله عليه وسلم".

أما الأول: فلأن الإيهام إنما نشأ منذ عُني الناس بالإسناد، وذلك عقب حدوث الفتنة، وفي مقدمة "صحيح مسلم" عن ابن سيرين قال: "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم … )؛ فمن حينئذ التزم أهل العلم الإسناد فأصبح هو الغالب حتى استقر في النفوس، وصار المتبادر من قول من قد ثبت لقاؤه لحذيفة "قال حذيفة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول … " أو نحو ذلك: أنه أسند، ومعنى الإسناد أنه ذكر من سمع منه، فيفهم من ذاك القول أنه سمع من حذيفة، فلو قال قائل مثل ذلك مع أنه لم يسمع ذاك الخبر من حذيفة وإنما سمعه ممن أخبر به عن حذيفة كان موهماً خلاف الواقع.
وهذا العرف لم يكن مستقراً في حق الصحابة، لا قبل الفتنة ولا بعدها، بل عُرفهم المعروف عنهم أنهم كانوا يأخذون من النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطة، ويأخذ بعضهم بواسطة بعض، فإذا قال أحدهم: (قال النبي صلى الله عليه وسلم …) كان محتملاً أن يكون سمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يكون سمعه من صحابي آخر عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلم يكن في ذلك إيهام.

وأما الثاني فلم يكن ثم احتمال لأن يكون الواسطة غير مرضي، لأنهم لم يكن أحد منهم يرسل إلا ما سمعه من صحابي آخر - يثق به وثوقه بنفسه - عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولم يكن أحد منهم يرسل ما سمعه من صبي أو من مغفل أو قريب العهد بالإسلام أو من مغموص بالنفاق أو من تابعي.

وأما الثالث فلم يكن من شأنهم رضي الله عنهم.

وأما الرابع فتبع للأول.

وأما الخامس فلا ضرر في الاحتمال مع الوثوق بأنه إن كان هناك واسطة فهو صحابي آخر) انتهى كلام المعلمي رحمه الله.

وسبقه إلى نفي التدليس عن الصحابة بكلام جليل العلامة المحقق ابن رشيد السبتي رحمه الله في (السَّنَن الأبْيَن والمورد الأمعن في المحاكمة بين الإمامين في السند المعنعن) (ص63– 65) فقال:
(فإن قيل: قد وجد الإرسال من الصحابة رضي الله عنهم وممن بعدهم ممن يعلم أو يظن أنه لا يدلس عمن لقيه وسمع منه؟
قلنا: أما حال الصحابة رضي الله عنهم في ذلك الذين وجبت محاشاتهم عن قصد التدليس فتحتمل وجوهاً:

منها أن يكونوا فعلوا ذلك اعتماداً على عدالة جميعهم، فالمخوف في الإرسال قد أمن؛ يدل على ذلك ما قاله أنس بن مالك رضي الله عنه؛ ذكر أبو بكر بن أبي خيثمة في "تاريخه" قال: نا موسى بن إسماعيل وهدبة قالا نا حماد بن سلمة عن حميد أن أنساً حدثهم بحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رجل: أنت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فغضب غضباً شديداً وقال: والله ما كل ما نحدثكم سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولكن كان يحدث بعضنا بعضاً، ولا يتهم بعضنا بعضاً.
قلت: ولذلك قبل جمهور المحدثين، بل جميع المتقدمين - وإنما خالف في ذلك بعض من تأصل من المحدثين المتأخرين – مراسل الصحابة رضي الله عنهم؛ وعلى القبول محققو الفقهاء والأصليين.

ومنها أن يكونوا أتوا بلفظ (قال) أو (عن)؛ ولفظ (قال) أظهر إذ هو مهيع الكلام قبل أن يغلب العرف في استعمالهما للإتصال.

ومنها أن يكونوا فعلوا ذلك عند حصول قرينة مفهمة للإرسال مع تحقق سلامة أعراضهم وارتفاعهم عن مقاصد المدلسين وأغراضهم.

ومنها أن يكونوا أتوا بلفظ مفهم لذلك فاختصره من بعدهم لثقة جميعهم ولعل قول كثير من التابعين عمن يروون عنه من الصحابة (ينمي الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) أو (يبلغ به النبي عليه السلام) أو (يرفعه)، أو ما أشبه هذا من الألفاظ: عبارة عن ذلك.

وأما من سوى الصحابة فإنما فعل ذلك من فعله منهم بقرينة مفهمة للإرسال في ظنه وإلا عُدَّ مدلساً). انتهى.

انتفاء معنى التدليس
عن بعض أنواع التجوز بصيغة الأداء الصريحة في السماع

يظهر أنه ليس من التدليس استعمال الصيغة الصريحة في السماع بغير معناها الدال على السماع، إذا كانت القرائن كافية لانتفاء السماع؛ ولكن ابن حجر سمى ذلك تدليساً إذ قال في (النكت): (لأنه قد يدلس الصيغة فيرتكب المجاز، كما يقول مثلاً: (حدثنا)، وينوي حدث قومنا أو أهل قريتنا، ونحو ذلك)، إلى آخر كلامه.
وهذه طائفة - أو أمثلة - مما ورد في أحاديث بعض الثقات من استعمال صيغة صريحة في السماع في ما لم يسمعه، تجوزاً - وهو الأرجح - أو تدليساً - وهو الأضعف احتمالاً - :

المثال الأول: حديث مسعر عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا وإياكم ندعى بني عبد مناف---)، الحديث.
وأراد بذلك: أنه صلى الله عليه وسلم قال لقومه، وأما هو فلم ير النبي صلى الله عليه وسلم.

المثال الثاني: قال طاووس: (قدم علينا معاذ بن جبل رضي الله عنه اليمن). وطاووس لم يدرك معاذاً رضي الله عنه، وإنما أراد: قدم بلدنا.

المثال الثالث: قال الحسن: (خطبنا عتبة بن غزوان)، يريد أنه خطب أهل البصرة، والحسن لم يكن بالبصرة لما خطب عتبة. ذكر هذه الأمثلة الثلاثة الطحاوي كما في النكت لابن حجر.

الأمثلة الرابع والخامس والسادس والسابع والثامن: قال ابن أبي حاتم في (المراسيل) (97): حدثنا محمد بن أحمد بن البراء قال: قال علي بن المديني: الحسن لم يسمع من ابن عباس وما رآه قط؛ كان الحسن بالمدينة أيام كان ابن عباس بالبصرة، استعمله عليها علي رضي الله عنهما؛ وخرج إلى صفين.
وقال لي في حديث الحسن (خطبنا ابن عباس بالبصرة): إنما هو كقول ثابت: (قدم علينا عمران بن حصين)(7)، ومثل قول مجاهد: (قدم علينا علي)؛ وكقول الحسن أن سراقة بن مالك بن جعشم حدثهم؛ وكقوله (غزا بنا مجاشع بن مسعود).
وقال ابن أبي حاتم في (المراسيل) (100): سمعت أبي رحمه الله يقول: الحسن لم يسمع من ابن عباس؛ وقوله (خطبنا ابن عباس) يعني خطب أهل البصرة.

المثال التاسع: قال ابن أبي حاتم في (المراسيل) (103): حدثنا صالح بن أحمد قال: قال أبي: قال بعضهم عن الحسن (حدثنا أبو هريرة)؛ قال ابن أبي حاتم(8): إنكاراً عليه أنه لم يسمع من أبي هريرة.
وقال في (المراسيل) أيضاً (110): (سمعت أبا زرعة يقول: لم يسمع الحسن من أبي هريرة، ولم يره؛ فقيل له: فمن قال (حدثنا أبو هريرة)؟ قال: يخطىء.

المثال العاشر: قول ثابت البناني: خطبنا ابن عباس رضي الله عنهما؛ ذكر هذا المثال ابن حجر في (النكت على ابن الصلاح).

المثال الحادي عشر: قال في (المراسيل) (272): سمعت أبي يقول: أبو البختري الطائي لم يلق سلمان؛ وأما قول أبي البختري أنهم حاصروا نهاوند، يعني أن المسلمين حاصروا(9).

المثال الثاني عشر: قال في (المراسيل) (197): ذكره أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين وسألته، قلت: خليد العصري لقي سلمان؟ قال: لا؛ قلت: إنه يقول (لما ورد علينا)! قال: يعني البصرة.
انتهت الأمثلة.

ولكن خالف في بعض ما تقدم عبد الله بن يوسف الجديع فقال في (تحرير علوم الحديث) (1/134):
(قول الراوي: (حدثنا فلان) لا يجوز تأوله على معنى (حدث أهل بلدنا)، فهذا تكلف، ولا شاهد له في الواقع، وذُكر له مثال عن الحسن البصري أنه قال: (حدثنا أبو هريرة)، ولا يصح، إنما هو غلط من بعض الرواة عن الحسن، حسبوه سمع منه، فأبدلوا (عن) بـ(حدثنا)(10).
نعم، توسع بعض الرواة في صيغة (خطبنا فلان)، وعنوا خطب أهل بلدهم، ونحوها؛ أما التحديث والإخبار الصريحين في أمر الرواية فلا).

انتفاء معنى التدليس
عن تعليق المصنفين غير المدلسين الحديث عن شيوخهم

إذا روى مصنف كتاب حديثاً فحذف شيخه فيه وكان شيخ المحذوف من شيوخ المصنف أيضاً ولكن لم يسمع منه هذا الحديث وذكر صيغة محتملة فهل يكون هذا تعليقاً لا تدليس فيه أو يكون تدليساً؟ قال ابن حجر في (نزهة النظر): (الصحيح في هذا التفصيل، فإن عرف بالنص أو الاستقراء أن فاعل ذلك مدلس قضي به وإلا فتعليق). انتهى.

قلت: حاصل هذا الجواب أنه لا يعد بذاته تدليساً ولا يثبت وصف المصنف بالتدليس بمجرد هذا الصنيع.
ومما قد يكون هو القول الفصل في هذا الباب هو أنه إن كان مكثراً من التعليق في كتابه وأن أغلب تلك التعليقات كانت ظاهرة الانقطاع حمل القليل - وهو التعليق إلى شيوخه - على الكثير، فإن الحكم للغالب، ولم يعد ذلك تدليساً؛ وإما إن قلت تعاليقه وكان أكثرها عن شيوخه فهو تدليس. والله أعلم.

---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
هوامش:
(7) أورده ابن حجر في (النكت) بلفظ (خطبنا عمران بن حصين).
(8) في بيان صيغة كلام أحمد ومعناه.
(9) وليس هو معهم يومئذ.
(10) وانظر (جامع التحصيل) للعلائي (ص133).
"
__________________
قالَ مسروقٌ: «كفَى بالمرءِ علماً أنْ يَخشَى اللهَ ؛ وكفَى بالمرءِ جهلاً أنْ يُعْجَبَ بعلمِه » .
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 10-03-06, 10:50 PM
محمد خلف سلامة محمد خلف سلامة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-09-05
المشاركات: 1,173
افتراضي

الفرق
بين تدليس الإسناد والإرسال الخفي


المذاهب هنا ثلاثة:
المذهب الأول

أن التدليس هو ما تقدم؛ وأما الإرسال الخفي فهو رواية الراوي بالصيغة المحتملة عمن عاصره وليس من شيوخه.
قال ابن رشيد في (السنن الأبين): وأما المعاصر غير الملاقي إذا أطلق (عن) فالظاهر أنه لا يعد مدلساً، بل هو أبعد عن التدليس لأنه لم يعرف له لقاء ولا سماع بخلاف من علم له لقاء أو سماع).
وقال ابن حجر في (طبقات المدلسين) (ص16) في الإرسال الخفي: (ومنهم من ألحقه بالتدليس، والأولى التفرقة لتتميز الأنواع).

المذهب الثاني

أنه لا فرق بينهما، ونُسبَ هذا، أعني عدم التفريق، إلى المتقدمين من أهل العلم.
ألف الشريف حاتم بن عارف العوني كتاباً أسماه (المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس) قام فيه بدراسة مفصلة لهذا الموضوع؛ ثم إنه لخص أهم نتائجه (1/231-232) فذكرها بقوله:

أولاً: أن المرسل الخفي ليس مصطلحاً تداوله المحدثون كباقي مصطلحات هذا العلم. وإنما هو اسم أطلقه ابن الصلاح لأحد فصول كتابه، أخذاً من كتاب صنفه فيه الخطيب البغدادي بعنوان (التفصيل لمبهم المراسيل).

ثانياً: أن (المرسل الخفي) إن أغضينا الطرْف عن كونه ليس مصطلحاً، أو قبلناه لا كمصطلح ولكن عنواناً لبعض الانقطاعات فإنه: كل انقطاع خفي، هذا هو (الإرسال الخفي) الذي صنف فيه الخطيب، وأفرده ابن الصلاح في كتابه بنوع خاص، ومن تبعهما.

ثالثاً: أن (رواية الراوي عمن عاصره ولم يسمع منه): (تدليس) من (تدليس الإسناد) هذا هو المصطلح الذي مضى عليه أهلُ العلم)(1) .
انتهى كلام الشيخ الدكتور حاتم حفظه الله، وأرى أن في بعضه نظراً؛ فقد روى مئات الرواة آلاف من الروايات التي أرسلوها عمن عاصروهم ولم يدخلهم العلماء في المدلسين، لهذا الأمر، أعني لعدم الإيهام أو عدم تعمده وارتضائه.
ومن تتبع كتب المراسيل والعلل والتخريج والتواريخ كتاريخ البخاري والمطولات من كتب الجرح والتعديل كتهذيب الكمال: علم صحة ذلك.
ولقد ثبت أن أبا زرعة وأبا حاتم كانا لا يسميان الإرسال الخفي تدليساً. انظر (تهذيب التهذيب) (5/224-225و5/226) و(التنكيل) (2/89).

المذهب الثالث

التفرقة بينهما بطريقة أخرى، وهي طريقة التفصيل.
وذلك أن الإرسال الخفي يعد تدليساً، أعني يوصف فاعله بأنه مدلس، وتعدُّ عنعنته عن شيوخه عنعنة مدلس، إذا كان في ذلك الإرسال يتعمد إيهام السماع، أو لا يجتنب الإيهام ولا يحترز منه، ويرتضيه مع علمه بوقوعه، أو بقوة احتمال وقوعه.
ومن أسباب إيهام الإرسال الخفي السماع كثرته عن راو بعينه، من غير بيان لحقيقة الحال، أصلاً، أعني كثرة رواية ذلك المرسِل عمن عاصره أو لقيه ولم يسمع منه شيئاً، من غير أن يبين أنه لم يسمع منه(2) .
ولعله مما يطابق هذا المذهب أو يقاربه قول ابن حجر في (النزهة): (والفرق بين المدلَّس والمرسَل الخفي دقيق--- وهو أن التدليس يختص بمن روى عمن عرف لقاؤه إياه، فأما إن عاصره ولم يعرف أنه لقيه فهو المرسل الخفي). انتهى.
وهذا المذهب يصلح للجمع بين ما قد يظهر من تناقض بين عبارات بعض الأئمة في تعريف التدليس، كالخطيب في (الكفاية)؛ وانظر ما كتبه الدكتور خالد منصور الدريس في كتابه (موقف الإمامين البخاري ومسلم من اشتراط اللقيا والسماع) (ص338-345)(3) .

***************************************

وأخيراً فالذي يظهر أن جمهور العلماء بالحديث قدماء ومتأخرين كانوا يفرقون بين الإرسال الخفي والتدليس، وإن كان المتأخرون يسمون الإرسال الخفي بهذا الاسم، والمتقدمون يسمونه (الإرسال) فقط.
ولكن كان طائفة من النقاد كابن حبان والخليلي يدخلون نوع الإرسال الخفي تحت جنس التدليس.
ولكن هل كان هؤلاء يشترطون في تسميته تدليساً تعمدَ فاعلِه الإيهام أم لا؟ هذا ما ينبغي أن يحرر.
وقد قال عبد الله بن يوسف الجديع في تعليقه على (المقنع) (2/487 – 488): (ومن الجدير بالتنبيه عليه هنا: أنه وقع في كلام كثير من المتقدمين تسمية هذا النوع [يعني المرسل الخفي] تدليساً، وإنما أرادوا به هذا النوع من الإرسال؛ فمن صنف في التدليس من المتأخرين راعى لفظ التدليس ولم يمعن النظر في حقيقة المراد منه فجاء من جُلُّ بضاعتهم في التحقيق الحديثي دراسة بعض كتب المصطلح من غير خبرة بمناهج أئمة الشأن، فحملوه على التدليس الاصطلاحي، فعللوا الكثير من الأحاديث الصحيحة المتصلة، اعتماداً على وصف التدليس الذي أطلقه بعض المتقدمين من الأئمة، وفاتهم معرفة حقيقة المراد من ذلك الوصف في حق كثير من الرواة خاصة من طبقة التابعين.
لذا فإني أنصح المشتغل بهذا العلم أن لا يقبل وصف الراوي بالتدليس إلا بعد معرفة المراد منه، هل أريد به التدليس الاصطلاحي أم الإرسال الخفي). انتهى.


---------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
الهوامش:
(1) تتمة كلامه هي:
(رابعاً: أنَّ حصْرَ الحافظ ابن حجر ومن جاء بعده لـ(التدليس) في (رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه)، وكذلك تسميته (رواية المعاصر عمن لم يلقه) إرسالاً خفياً، ذلك كله وما تبعه من نتائج: خطأ محْضٌ، مخالف لمصطلح المحدثين.

خامساً: أن حكم الراوي (المدلس) تدليسَ (رواية المعاصر عمن لم يلقه) المكثر من ذلك: أن يُتوقف في صحة سماعه - غالباً - من المعاصر له فلا تقبل عنعنته حينها، حتى يثبت لنا لقاء له مجمل بذلك المعاصر، كأن يصرح بالسماع في أحد أحاديثه عنه.
ولا بد أن يكون لهذا الحكم في الذي عرف بـ(الرواية عن معاصر لم يلقه) شذوذات قد يقبل فيها الأئمة (عنعنته) عن معاصر لم يثبت لنا لقاؤه به، لمسوِّغات خاصة بكل مسألة). انتهى.

(2) ولكن قد يقال: من كان مكثراً عن شيخ فلا بد أن يتداول أهل الحديث صفة مروياته عنه من حيث الاتصال والانقطاع فيبعد أن يبقى إرساله عنه بعدئذ غير معروف عند النقاد.

(3) تنبيه:
قال الذهبي في (تذكرة الحفاظ) (1/248-250) في هشيم بن بشير: "لا نزاع في أنه كان من الحفاظ الثقات إلا أنه كثير التدليس فقد روى عن جماعة لم يسمع منهم 000 ".
قلت: إن أراد الذهبي أن هشيماً لم يسمع منهم أصلاً فالذهبي هنا قائل بقول من يسمي الإرسال الخفي تدليساً، إلا إن كان هشيم قد أوهم الناس أنه قد سمع من تلك الجماعة في الجملة؛ وأما إن أراد الذهبي أنه لم يسمع منهم بعض ما حدث به عنهم فقوله كقول الجمهور.
"
__________________
قالَ مسروقٌ: «كفَى بالمرءِ علماً أنْ يَخشَى اللهَ ؛ وكفَى بالمرءِ جهلاً أنْ يُعْجَبَ بعلمِه » .
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 10-03-06, 11:18 PM
محمد خلف سلامة محمد خلف سلامة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-09-05
المشاركات: 1,173
افتراضي


أسباب تدليس الاسناد

لتدليس الإسناد أسباب دفعت إليه أو أغراض دعت إليه؛ أذكر أهمها فيما يلي:

السبب الأول: إرادة إخفاء الانقطاع وإيهام الإتصال، مع التخلص من ذكر راو مرغوب عن ذكره إما لطعن فيه أو لجهالته أو لصغره أو لنزول السند به أو لأية علة إخرى تجعله مرغوباً في الرواية عنه؛ فيدلسون ترويجاً لتلك الأحاديث بين الرواة وترغيباً لهم في سماعها منه طلباً للشهرة أو الإغراب أو لمعاني أخرى، كنصرة المذهب؛ وذلك بأن يسمع حديثاً من راو ضعيف أو متروك أو متهم أو وضاع يرويه بإسناد صحيح أو مقبول في الجملة فيدلسه ويروي الحديث عن شيخ ذلك الوضاع؛ ولهذا فإن هذا النوع من التدليس يكون أحياناً سبباً لإسقاط صاحبه وذلك إذا وجدت فيه شروط أخرى ليس هذا موضع تفصيل الكلام فيها.

السبب الثاني: إرادة إيهام العلو إما لترغيب الناس بتلك الرواية؛ فالرواة - كما هو معلوم - لهم من الحرص على سماع الأحاديث العالية ما ليس لهم مثله في الأحاديث النازلة؛ وإما للتشبع بذلك العلو المتوهَّم؛ وهذا لا يصح شرعاً قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (من تشبع بما لم يعط كان كلابس ثوبَي زور).

السبب الثالث: إرادة اختصار السند؛ فإن كثيراً من علماء التابعين كان يروي الأحاديث في معرض احتجاجه أو استشهاده أو استئناسه بها في فتوى أو خطبة أو موعظة أو تفسير آية أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، فكان لا يحرص على سياقة السند كاملاً لأن المقام ليس مقام تحديث كما هو الشأن في أحاديث المحدثين الذين جاءوا بعد التابعين وكانوا يعقدون المجالس المختصة برواية الأحاديث وسردها بأسانيدها. فهؤلاء مقصدهم الأساس السند، وأولئك مقصدهم الأساس المتن؛ وكان يناسبهم في مثل تلك المقامات المذكورة الاختصار، ولذلك كثر في مروياتهم الإرسال، ولا تكاد تجد تابعياً من المكثرين إلا وفي أحاديثه مراسيل قليلة أو كثيرة.
ولهذا كان جماعة منهم إذا سئلوا عن أسانيد أحاديثهم التي أرسلوها أو دلسوها أحالوا على الثقات فلم يكن ذلك قادحاً؛ وفي (تاريخ ابن أبي خيثمة) عن الأعمش قال: قلت لإبراهيم: إذا حدثتني عن عبد الله فأسندْ لي، قال: إذا قلت: (قال عبد الله) فقد سمعته من غير واحد من أصحابه، وإذا قلت: حدثني فلان فقد حدثني فلان.

السبب الرابع: نسيان الراوي أو شكه أو تردده فيمن حدثه؛ وذلك أن يشك الراوي في الذي حدثه ببعض الأحاديث عن شيخه فيدلسها ويرويها عن شيخه من غير أن يذكر الواسطة التي هي شيخه في ذلك الحديث بعينه.
ومن ذلك أن تختلط أحاديث المدلس عن شيخ معين له بأحاديثه عن راو آخر عن ذلك الشيخ نفسه فلا تسمح نفسه بتركها ولا بروايتها على الشك بل يرويها كلها عن شيخه من غير أن يذكر واسطة فيكون قد دلس وهذا في الحقيقة أقرب إلى الكذب منه إلى التدليس.

وانظر تتمة لهذه القضية في الرابط التالي:
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showth...CA%CF%E1%ED%D3
"
__________________
قالَ مسروقٌ: «كفَى بالمرءِ علماً أنْ يَخشَى اللهَ ؛ وكفَى بالمرءِ جهلاً أنْ يُعْجَبَ بعلمِه » .
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 11-03-06, 01:13 AM
محمد خلف سلامة محمد خلف سلامة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-09-05
المشاركات: 1,173
افتراضي

النوع الثاني

تدليس التسوية

وأما تدليس التسوية: فهو أن يفعل الراوي مثلما فعل في تدليس الإسناد تماماً سوى أنه لا يفعل ذلك لنفسه بل يفعله لشيخه أو بعض من فوقه؛ أي أنه لا يحذف شيخه بل يحذف بعض من فوقه، فكأن هذا الذي فُعل له ذلك هو الذي دلس وهو في الحقيقة غير مدلس.

أو يقال في تعريف هذا النوع من التدليس: هو أن يحذف الراوي من السند راوياً ، غير شيخه الذي سمع ذلك الحديث منه ، ويبقى الإسناد بعد حذفه محتملاً للوصف بالاتصال.

أو يقال في تعريفه: هو أن يحذف المدلس راوياً من بين راويين سمع متأخرهما من متقدمهما في الجملة، ولكنه لم يسمع منه تلك الرواية بعينها، ويذكر بينهما صيغة موهمة للسماع، يفعل ذلك متعمداً.

وكان بعض المحدثين يسمي هذا النوع تجويداً لأن المدلس يُبقي جَيِّد رواته. وانظر معنى (التجويد) الآتي بيانه قريباً.

تنبيهات:


الأول:
لا وجه للقول بأن من يفعل تدليس التسوية مجروح، ما دام أنه بيَّن أنه أهلٌ لأن يفعله، أو عُرف عنه ذلك فأقرّه؛ وكيف يستقيم أن نفرّق في الحكم، بينه وبين مدلِّس الإسناد، فنطعن في هذا - بسبب تدليسه - دون ذاك؟!

الثاني: من يدلس تدليس التسوية يشترط لقبول روايته - عند من يقبلها - تصريحه بالتحديث ما بينه وبين منتهى الحديث.

الثالث: تدليس التسوية قليل، بل نادر، لعله لم يفعله إلا بضعة من الرواة، ومن أشهرهم به بقية بن الوليد والوليد بن مسلم.

الرابع: يرى بعض العلماء والباحثين أن تدليس التسوية مقصور على حذف شيخ شيخ المدلِّس، لا يتعداه إلى من فوقه؛ وعليه يختلف - بعضَ الشيء - تعريف (تدليس التسوية)، وكذلك أحكامه، كما هو واضح.

*******************


معنى التسوية:
التسوية لها في اصطلاح المحدثين ثلاثة معان:

الأول: تدليس التسوية، وقد تقدم شرحه.

والثاني: التسوية التي ليست بتدليس، وهي حذف المحدث راوياً ممن بين شيخه والصحابي، بحيث لا يكون تدليساً، وذلك بأن يصير السند بعد حذف ذلك الراوي منقطعاً ظاهر الانقطاع، وتسمية هذا النوع تقصيراً أولى من تسميته تسوية، وقَلَّ بين المتقدمين من العلماء من يستعمل التسوية بهذا المعنى.

والثالث: هو تغيير الأسانيد الساقطة أو النازلة بالزيادة والنقص والتبديل ونحو ذلك، بحيث تكون مقبولة أو مرغوباً فيها، وهذا صنيع الكذابين واللاعبين، ومن هذا المعنى وصفهم بعض المجروحين بأنه كان يسوّّي الأسانيد.

فهذه معاني التسوية.

وبعدُ، فإذ بان بهذا الفرقُ بين (التسوية) و (تدليس التسوية)، فمن المناسب أن أكمّل ذلك البيان هنا، بأن أبين معنى مصطلحين آخرين بين كل واحد منهما وتدليس التسوية نوع من العموم والخصوص أو التداخل أو التشابه والتقارب في المعنى، وهما التقصير والتجويد.

أما التقصير: فبيانه أنه كان جماعة من القدماء - ومنهم أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان - يستعملون لفظة (قصّر) للتعبير عن إسقاط الراوي بعض من فوق شيخه في السند بحيث يصير السند بعد ذلك منقطعاً؛ وقد يكون ذلك الإسقاط عمداً مع ضبط فاعله لما سمعه، أو يفعله من أجل شكه فيه وعدم ضبطه له، أو يفعله خطأ؛ وقد يكون الساقط واحداً أو أكثر، ومعلوم أن هذا ليس من التدليس في شيء.
فلفظة "التقصير" إذن مستعملة بالمعنى الثاني المذكور للفظة التسوية.

ومنهم أيضاً من كان يستعمل لفظة (قصَّرَ) للتعبير عن وقف الراوي الحديث الذي رفعه غيره أو رفعه هو في وقت آخر.

وأما التجويد: فيطلق على ذكر الرواية سالمة من العلة الظاهرة خلافاً للروايات الأخرى، ولكن المجوِّد قد يكون متهماً وتعمد التجويد، وقد يكون ضعيفاً وقد يكون ثقة واهماً في تلك الرواية، أي واهماً في جعلها سالمةً من العلة الظاهرة؛ وقد يكون ثقة وروايته هذه محفوظة أي أنه لم يَهِمْ فيها.

ومعنى ذلك أن الرواية المجوَّدة قد تكون منكرة، وقد تكون شاذة، وقد تكون محفوظة.

فالتسوية لا تكون إلا بنقص في السند، لكن التجويد أحياناً يكون بنقص في السند وأحياناً بزيادة فيه، وأحياناً بلا نقص ولا زيادة، وإنما يكون بروايته من طريق سالمة من الضعفاء بخلاف الطرق الأخرى لذلك الحديث.
----------------------------
ومما تقدم يعلم أن تدليس التسوية أحد أقسام التجويد.

أعلَّ الإمام أبو حاتم روايةً للأوزاعي عن عطاء فقال: إن الأوزاعي لم يسمعها من عطاء بل بينهما رجل، وذكر البيهقي أنه جود إسناده الراوي عن الأوزاعي بشر بن بكر فليس مراده من (جوده) أنه جيد، بل يريد أنه رواه موصولاً فبشر ذكر (عبيد بن عمير) بينما هو مقطوع كمارواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي ولم يذكر (عبيد بن عمير) ولهذا قال الإمام الطبراني في الأوسط: (لم يروه عن الأوزاعي - يعني موصولاً - إلا بشر...).


تنبيه أو توكيد:
لفظة (يسوي الاسناد) إذا قيلت في معرض ذم الراوي وتوهينه والحمل عليه فمعناها أنه يغير في الأسانيد ويتصرف فيها ويظهرها بمظهر الاستقامة والقبول.

"
__________________
قالَ مسروقٌ: «كفَى بالمرءِ علماً أنْ يَخشَى اللهَ ؛ وكفَى بالمرءِ جهلاً أنْ يُعْجَبَ بعلمِه » .
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 11-03-06, 01:57 AM
محمد خلف سلامة محمد خلف سلامة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-09-05
المشاركات: 1,173
افتراضي

"
الفرق
بين تسوية الأسانيد وسرقتها

سرقة الحديث هي أن يختلق راو متابعة من عنده تامة أو قاصرة، لبعض ما سمعه أو وقف عليه أو بلغه من الروايات، سواء أصح ذلك المروي أم لم يصح.
وأكثر ما تقع السرقة في الغرائب والعوالي.
ويظهر أنهم أكثر ما كانوا يطلقون هذه الكلمة على ما إذا كان محدث ينفرد بحديث فيجيء السارق ويدعي أنه سمعه أيضاً من شيخ ذلك المحدث.
وأما وضع إسناد كامل لبعض المرويات أي اختلاق شواهد لها فيسمى وضع الإسناد أو تركيب الإسناد، ويسمى أيضاً "سرقة المتون"؛ ويطلق عليه أحياناً اسم السرقة.

إذا عُلم هذا عُلم أن الفرق بين قولهم: (يسوي الأسانيد) وقولهم: (يسرق الأسانيد)، أن السرقة تصرُّفٌ في السند من ابتدائه، وأما التسوية فتصرف في السند من أثنائه؛ المسوي كان عنده أصل السند، والسارق لم يسمع الحديث بذلك السند أصلاً.

*******************************


أسباب
تدليس التسوية

أسبابه هي بعض ما تقدم من أسباب تدليس الإسناد، ومن تأمل ذلك علمه.
"
__________________
قالَ مسروقٌ: «كفَى بالمرءِ علماً أنْ يَخشَى اللهَ ؛ وكفَى بالمرءِ جهلاً أنْ يُعْجَبَ بعلمِه » .
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 11-03-06, 02:24 AM
محمد خلف سلامة محمد خلف سلامة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-09-05
المشاركات: 1,173
افتراضي


النوع الثالث

تدليس الأسماء أو تدليس الشيوخ
وهو أن يروي الراوي عن الشيخ، فيسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه، بما لم يشتهر به، أو بما لم يعرف به أصلاً؛ فإما أن يُجْهَل - بسبب ذلك - الشيخ المراد تعيينه، أو توافق تسميته تسمية غيره من الثقات أو الكبار أو المشاهير فيوهم ذلك أنه المراد.
وهذا كما فُعِل بـتسمية (محمد بن سعيد الأسدي الشامي المصلوب)، قيل: قلبوا اسمه على مئة وجه ليخفى، انظر (الضعفاء) للعقيلي (4/72) و(الكفاية) للخطيب (ص522).
فينبغي أن يكون الباحث في أحكام الأحاديث ورواتها قادراً على تخمين مظان هذا النوع من التدليس وكيفياته.

وينبغي الاعتناء بمعرفة أسماء الرواة الذين كانوا يتعاطون هذا النوع من التدليس، فإنه يورد ريبة في كل شيخ لأحدهم غير معروف، وكذلك يورد ريبة في روايته عن حافظ ثقة شهير له أصحاب يلازمونه وتفرد عنه بالحديث ذلك المدلس، دونهم، فحينئذ يقوم الاحتمال على أن يكون المسمى بذلك الإسم راوياً آخر غير ذلك الحافظ الشهير، وقد يكون مجروحاً أو مجهولاً، ولكن ذلك المدلس دلس اسمه عمداً، غيَّره ليوافق اسم الحافظ المشهور ليوهم أنه هو شيخه في ذلك الحديث.

ومن الكتب المُساعدة على كشف هذا النوع من التدليس (موضح أوهام الجمع والتفريق) للخطيب البغدادي.

تنبيه:
هذا النوع من التدليس لا علاقة له بالاتصال والانقطاع، فحقه أن يذكر في كتب المصطلح في أبواب أسماء الرواة وكناهم وألقابهم، ولكن جرت عادة المصنفين في هذا الفن بذكر أنواع التدليس مجتمعة في موضوع الاتصال والانقطاع غالباً؛ ولذلك - أو لغيره - يذكرون هذا النوع في أبوابها.

تنبيه آخر:
إذا روى الراوي الحديث عن ثقة ومجروح - أو مجهول - مقرونَين في طبقة فوق شيخه، فأسقط غير الثقة، فهذا ليس من تدليس الإسناد، كما هو واضح.
وهو أيضاً ليس من تدليس الأسماء.
ولكن شرط إخراج هذا الصنيع من التدليس أن يكون فاعله جازماً بأن الرواية التي ساقها هي رواية الثقة أو أن روايتيهما واحدة.

وكان مسلم بن الحجاج رحمه الله عندما يرد في الاسناد راويان مقرونان أحدهما ثقة والآخر مجروح ربما يسقط المجروح من الإسناد ويذكر الثقة ثم يقول: (وآخر)، كناية عن المجروح.
وهذا في الحقيقة ليس تدليساً، ولكنه يشبه تدليس الأسماء.
وعقد الخطيب في (الكفاية) (ص378) باباً أسماه (باب في المحدث يروي حديثاً عن الرجلين أحدهما مجروح هل يجوز للطالب أن يسقط اسم المجروح ويقتصر على حمل الحديث عن الثقة وحده؟)، فقال فيه:
(ولا يستحب للطالب أن يسقط اسم المجروح ويجعل الحديث عن الثقة وحده، خوفاً من أن يكون في حديث المجروح ما ليس في حديث الثقة؛ وربما كان الراوي قد أدخل أحد اللفظين في الآخر أو حمله عليه).
ثم قال: (وكان مسلم بن الحجاج في مثل هذا ربما يسقط المجروح من الاسناد ويذكر الثقة ثم يقول: (وآخر) كناية عن المجروح؛ وهذا القول لا فائدة فيه لأنه إن كان ذِكْر الآخر لأجل ما اعتللنا به [يعني عدم جواز اسقاط اسم المجروح] فإن خبر المجهول لا يتعلق به الأحكام وإثبات ذكره [أي بلفظة وآخر] وإسقاطه سواء، إذ ليس بمعروف؛ وان كان عول على معرفته هو به فلمَ ذكره بالكتابة عنه وليس بمحل الأمانة عنده؟ ولا أحسب إلا استجاز إسقاط ذكره والاقتصار على الثقة لأن الظاهر اتفاق الروايتين على أن لفظ الحديث غير مختلف واحتاط مع ذلك بذكر الكناية عنه مع الثقة تورعاً وإن كان لا حاجة إليه، والله أعلم). انتهى كلام الخطيب رحمه الله.
قلت: أظن مسلماً لم يكن يفعل ذلك في طبقة شيوخه، ولكن في الطبقات الأخرى، وممن كان يكني عنه بالصيغة السابقة (ابن لهيعة).
وهذا من حسن صنيع مسلم وكمال أمانته، فإنه لم يستحسن حذفه فيغير سياق الرواية تغييراً كبيراً وقد يكون ضاراً، ولم يستحسن ذكره صريحاً فيظن ظان أنه يحتج به أو يستشهد به؛ وهو إنما علم أن اللفظ للثقة الذي سماه فسماه وذكر المقرون به، بالكناية عنه، فحقق المقصود واحترز مما يحذر.
وليس هذا تدليساً، لأنه لا إيهام فيه؛ ومسلم مشهور بتدقيقه في الألفاظ وتمييزه الاختلاف الواقع بين روايات الحديث الواحد عندما يجمعها في سياق واحد.
وأقول تكميلاً لكلام الخطيب: ومما هو أدعى إلى عدم الإسقاط أن يكون الثقة مدلساً وقد عنعن ففي تلك الحالة يقوم الاحتمال على أنه قد سمعه من ذلك المجروح فدلسه، فتابع أحدهما الآخر فسمعهما الراوي عنهما فقرن بينهما في سياق الإسناد ووحد المتن.


********************************

أضرار تدليس الأسماء

قال ابن دقيق العيد رحمه الله:
(فيه [أي تدليس اسم الشيخ الثقة] مفسدة من جهة أنه قد يخفى فيصير الراوي المدلس مجهولاً لا يُعرف فيسقط العمل بالحديث مع كونه عدلاً في نفس الأمر.

قال ابن حجر في (النكت): وقد نازعته في كونه يصير مجهولاً عند الجميع، لكن من مفسدته أن يوافق ما يدلَّس به شهرة راو ضعيف يمكن ذلك الراوي الأخذ عنه، فيصير الحديث من أجل ذلك ضعيفاً وهو في نفس الأمر صحيح؛ وعكس هذا في حق من يدلس الضعيف ليخفي أمره فينتقل عن رتبة من يُرَدُّ خبره مطلقاً إلى رتبة من يتوقف فيه. فإن صادف شهرة راو ثقة يمكن ذلك الراوي الأخذ عنه فمفسدته أشد؛ كما وقع لعطية العوفي في تكنيته محمد بن السائب الكلبي أبا سعيد، فكان إذا حدث عنه يقول: حدثني أبو سعيد فيوهم أنه أبو سعيد الخدري الصحابي رضي الله عنه لأن عطية كان لقيه وروى عنه؛ وهذا أشد ما بلغنا من مفسدة تدلس الشيوخ.

وأما ما عدا ذلك من تدليس الشيوخ، فليس فيه مفسدة تتعلق بصحة الإسناد وسقمه، بل فيه مفسدة دينية فيما إذا كان مراد المدلس إيهام تكثير الشيوخ لما فيه من التشبع---.
ونظيره في تدليس الإسناد أن يوهم العلو وهو عنده بنزول). انتهى.

********************************

أسباب تدليس الأسماء

من أسباب هذا النوع من التدليس أن يكون الشيخ المدلَّس اسمُه: مجروحاً أو مجهولاً أو صغيراً أو قريباً أو تكون أحاديثه مشهورة متداولة قد سمعها أكثر الحاضرين في مجلس المدلس، أو مجلس غيرِه، أو يكون المدلس مكثراً عن ذلك الراوي فيغير تسميته دفعاً للتكرار.
وبعبارة أخرى: سبب تدليس الإسناد إرادة إخفاء حقيقة الراوي وإيهام أن الحديث لراو آخر غيره؛ إما بسبب صغره أو قربه أو رغبة الناس عن حديثه أو كراهته أو الخوف من ذكره عند من يعاديه أو كذبه أو تركه أو ضعفه، وذلك أن قوماً سمعوا الحديث من ضعفاء لهم أسماء أو كنى مشهورة عرفوا بها فلو صرحوا بأسمائهم المشهورة وكناهم المعلومة لم يُشتغَل بحديثهم فأتوا بالإسم الخامل وبالكنية المجهولة ليبهموا الأمر ولئلا يعرف ذاك الراوي وضعفه فيزهد في حديثهم.

"
__________________
قالَ مسروقٌ: «كفَى بالمرءِ علماً أنْ يَخشَى اللهَ ؛ وكفَى بالمرءِ جهلاً أنْ يُعْجَبَ بعلمِه » .
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 11-03-06, 02:51 AM
محمد خلف سلامة محمد خلف سلامة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-09-05
المشاركات: 1,173
افتراضي

"
الـنـوع الـرابـع

تـدلـيـس الـبـلـاد

هذا النوع يشبه تدليس الشيوخ، ومثاله ما إذا قال المصري: (حدثني فلان بالأندلس) وأراد موضعاً بالقرافة؛ أو قال: (بزقاق حلب) وأراد موضعاً بالقاهرة؛ أو قال البغدادي: (حدثني فلان بما وراء النهر) وأراد نهر دجلة، أو قال: (بالرقة) وأراد بستاناً على شاطئ دجلة؛ أو قال الدمشقي: (حدثني فلان بالكرك) وأراد كرك نوح، وهو بالقرب من دمشق.

وحكْمه الكراهة، لأنه يدخل في باب التشبع بغير المُعطى، وإيهام الرحلة في طلب الحديث.

وهم إنما يفعلون تدليس البلاد لإيهام الرحلة أو ليكون البلد المتوهَّم قرينة تُوْهم أن شيخ ذلك المدلس، أو شيخ شيخه، هو أحد مشاهير محدثي ذلك البلد المتوهَّم، مع أنه - في الحقيقة - غيره ولكنه يشاركه في التسمية، دون البلد.

***************************


أسباب

تدليس البلاد

غرض من يفعل هذا النوع من التدليس قد اتضح مما تقدم، وهو إخفاء حقيقة موضع التحمل وإيهام أنه موضع آخر؛ إما لإيهام الرحلة أو إيهام السماع من راو شهير من أهل ذلك البلد المراد توهم السماع فيه أو إيهام قدم السماع أو غير ذلك.
"
__________________
قالَ مسروقٌ: «كفَى بالمرءِ علماً أنْ يَخشَى اللهَ ؛ وكفَى بالمرءِ جهلاً أنْ يُعْجَبَ بعلمِه » .
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 11-03-06, 03:59 AM
ابو الحسن الأكاديري ابو الحسن الأكاديري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 11-09-05
الدولة: سوس العالمة
المشاركات: 819
افتراضي

جزاكم ربي خيرا شيخنا الفاضل
__________________
سلام عليكم من أكادير بالغا *** ومن يعتصم بالله قطعا سيهتدي
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 11-03-06, 08:42 AM
محمد خلف سلامة محمد خلف سلامة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-09-05
المشاركات: 1,173
افتراضي

"
بارك الله فيك، يا أبا الحسن...

**************************


النوع الخامس

تدليس كيفية التحمل

وأشهر أقسامه تدليس الإجازة وتدليس المذاكرة، وهذا شرحهما.

تدليس الاجازة

أما تدليس الإجازة، فهو أن يروي الراوي ما تحمله بالإجازة، بصيغة أداء توهم أنه سمعه من المجيز، أو أنه كتب به إليه، مع أنه إنما سمع منه عبارة الإجازة فقط، أو كتب إليه بالإجازة فقط، وأشار إلى المجاز به، أو عينه، دون أن يكتبه له.
ومن تلك الصيغ المستعملة للإيهام (أخبرني) و(شافهني) و(كتب إليّ).
قال ابن حجر في (طبقات المدلسين) (ص62): (ويلتحق بالتدليس ما يقع من بعض المحدثين من التعبير بالتحديث أو الإخبار عن الإجازة موهماً للسماع ولا يكون سمع من ذلك الشيخ شيئاً).
ونبه عليه أيضاً في (النكت على ابن الصلاح) انظر (2/624، 625، 633) منه.
وقال في (النخبة) و(شرحها) (ص172): (---(وأطلقوا المشافهة في الاجازة المتلفظ بها) تجوزاً، (و) كذا (المكاتبة في الاجازة المكتوب بها)؛ وهو موجود في عبارة كثير من المتأخرين، بخلاف المتقدمين، فإنهم إنما يطلقونها فيما كتب به الشيخ من الحديث، إلى الطالب، سواء أذن له في روايته أم لا، لا فيما إذا كتب إليه بالإجازة فقط).
يعني يقول أحدهم مثلاً: (قال فلان فيما شافهني به: حدثنا فلان) ثم يذكر حديثاً؛ أو يقول: (شافهني فلان قال أخبرني فلان) ثم يذكر حديثاً، مع أن أصل استعمالهم لهذه الكلمة أو أصل معناها في اللغة إنما يقال فيما يسمعه الطالب من شيخه.

وأما ما قاله بشأن المكاتبة فواضح لا يحتاج إلى شرح.

وهذا يسميه بعضهم (تدليس الصيغة)، ولعل تسميته (تدليس صورة التحمل)، أو (تدليس كيفية التحمل) أحسن وأبْيَن.

تكميل: قال ابن الصلاح: (وينبغي فيما شاع استعماله من هذه الألفاظ مخصوصاً بما سمع من غير لفظ الشيخ أن لا يطلق فيما سمع من لفظه لما فيه من الإيهام والإلباس).
وقال العراقي: (إطلاق (أنبأنا) بعد أن اشتهر استعمالها في الإجازة يؤدي إلى أن نظن بما أداه بها أنه إجازة فيسقطه من لا يحتج بها فينبغي أن لا يستعمل في السماع لما حدث من الاصطلاح).

وممن وصف بهذا النوع من التدليس أبو نعيم الأصبهاني، قال ابن حجر في (طبقات المدلسين) (ص82): (كانت له إجازة من أناس أدركهم ولم يلقهم فكان يروي عنهم بصيغة " أخبرنا " ، ولا يبين كونها إجازة، لكنه كان إذا حدث عمن سمع منه يقول: "ثنا " سواء ذلك قراءة أو سماعاً، وهو اصطلاح له تبعه عليه بعضهم، وفيه نوع تدليس لمن لا يعرف ذلك).

ومن العلماء من لم يرض بتسمية هذا الصنيع تدليساً؛ قال العلائي عقب ذكره طبقات المدلسين:
(وهذا كله في تدليس الراوي ما لم يتحمله أصلاً بطريق ما؛ فأما تدليس الإجازة والمناولة والوجادة بإطلاق " أخبرنا " فلم يعده أئمة الفن في هذا الباب، كما قيل في رواية أبي اليمان الحكم بن نافع عن شعيب، وروايةِ مخرمة بن بكير بن الأشج عن أبيه، وصالح بن أبي الأخضر عن الزهري، وشبه ذلك؛ بل هو إما محكوم عليه بالانقطاع أو يعد متصلاً؛ ومن هذا القبيل ما ذكره محمد بن طاهر المقدسي عن الحافظ أبي الحسن الدارقطني أنه كان يقول فيما لم يسمع من البغوي: "قرئ على أبي القاسم البغوي حدثكم فلان" ويسوق السند إلى آخره، بخلاف ما هو سماعه فإنه يقول فيه: "قرىء على أبي القاسم وأنا أسمع" ، أو "أخبرنا أبو القاسم البغوي قراءةً " ، ونحو ذلك؛ فإما أن يكون له من البغوي إجازة شاملة بمروياته كلها فيكون ذلك متصلاً له، أو لا يكون كذلك فيكون وجادة؛ وهو قد تحقق صحة ذلك عنه؛ على أن التدليس في المتأخرين بعد سنة ثلاثمئة يقل جداً قال الحاكم: لا أعرف في المتأخرين من يذكر به إلا أبا بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي).

ونحو تدليس الاجازة تدليس المكاتبة والمناولة.

**************************


حكم من وصف بهذا التدليس

إذا كانت صيغة الأداء صريحة في عدم احتمال الواسطة بين الراوي ومن فوقه، فإن كان غير موصوف بتدليس الاجازة ونحوها فتلك الصيغة تعتبر صريحة في السماع؛ ولكن إذا كان الراوي موصوفاً بهذا النوع من التدليس، أو كان من الطبقات التي كثر فيها ذلك وهم المتأخرون، ولم يأت ما يدل على عدم تعاطيه إياه، فينبغي اعتبار احتمالات هذه القضية والنظر في قرائنها وملابساتها؛ فإذا كان الحديث شاذاً أو منكراً أو غريباً غرابة لا يحتملها ظاهر الإسناد فقد يترجح عند الناقد الحمل على هذا النوع من التدليس.

**************************


تدليس المذاكرة

وأما تدليس المذاكرة، فأن يروي ما سمعه بالمذاكرة من غير أن يصرح بأنها مذاكرة، ليس من باب الوهم والنسيان، بل من باب التعمد والتساهل وإخفاء حقيقة كيفية أخذ الحديث.

والمذاكرة: هي أن يتذاكر أهل الحديث فيما بينهم في مجالسهم ببعض الأحاديث، والمعروف أنهم حين ذاك لا يحرصون على الدقة في أداء الرواية، كما يحرصون عليها في مجالس التحديث، أي الأداء، وذلك لعلمهم أن السامع ، أي لما يقال في المذاكرة، يعلم من القرائن القائمة في ذلك المقام أن المحدث لم يقصد بذلك الإسماعَ الذي ينبني عليه الرواية والتبليغ، ولذلك منع جماعة من الأئمة الحمل عنهم حال المذاكرة.
وكان من عادة كثير من المحدثين التباهي بالإغراب، يحرص كل منهم على أن يكون عنده من الروايات ما ليس عند الآخرين لتظهر مزيته عليهم، وكانوا يتعنتون شديداً لتحصيل الغرائب ويحرصون على التفرد بها، وكانوا إذا اجتمعوا تذاكروا فيحرص كل واحد منهم على أن يذكر شيئاً يُغْرب به على أصحابه، بأن يكون عنده، دونهم، ولم يكونوا يبالون في سبيل إظهار المزية والغلبة أكان الخبر عن ثقة أو غيره، صحيحاً أو غير صحيح؛وكانت طريقتهم في المذاكرة أن يشير أحدهم إلى الخبر الذي يرجو أنه ليس عند صاحبه ثم يطالبه بما يدل على أنه قد عرفه، كأن يقول الأول: مالك عن نافع قال 000، فإن عرفه الآخر قال: حدثناه فلان عن فلان عن مالك. وقد يذكر ما يعلم أنه لا يصح أو أنه باطل كأن يقول: (المقبري عن أبي هريرة مرفوعاً: أبغض الكلام إلى الله الفارسية). ومن حدث بما سمعه في المذاكرة كان عليه أن يقول: حدثنا فلان مذاكرة أو في المذاكرة، ولا يطلق ذلك فيقع في نوع من التدليس.
[أصل هذا الكلام للعلامة المعلمي في التنكيل].

**************************


أسباب هذا النوع (الخامس) من التدليس

غرض من يتعاطى هذا النوع من التدليس إخفاء حقيقة كيفية التحمل المرغوب عنها أو المفضولة أو غير المعتمدة عند جماعة، وإيهام كونه - أي التحمل - حاصلاً بكيفية أخرى صحيحة أو فاضلة.
"
__________________
قالَ مسروقٌ: «كفَى بالمرءِ علماً أنْ يَخشَى اللهَ ؛ وكفَى بالمرءِ جهلاً أنْ يُعْجَبَ بعلمِه » .
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:52 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.