ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الحديثية
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #81  
قديم 12-06-13, 03:42 PM
ماجد أحمد ماطر ماجد أحمد ماطر غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-01-12
المشاركات: 707
افتراضي رد: لماذا علق الإمام البخاري حديث المعازف ؟

و أنصح بمراجعة كتاب الشيخ الألباني رحمه الله تحريم آلات الطرب وقبله كلام ابن القيم في إغاثة اللهفان .

وأما قول الحافظ العراقي صورته صورة التعليق فليس معناه أنه يقول بتعليقه والله المستعان . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الإستقامة :( قد صح فيها ما رواه البخاري في صحيحه تعليقا مجزوما به داخلا في شرطه) .


وقال الحافظ السيوطي في ألفيته :
وَمَا عَزَى لِشَيْخِهِ بِقَالا ... فَفِي الأَصَحِّ احْكُمْ لَهُ اتِّصَالا


وقال ابن جماعة في المنهل الروي :( وقد خطىء ابن حزم الظاهري في رده حديث أبي مالك الأشعري في المعازف لقول البخاري فيه قال هشام بن عمار وساق السند وزعمه أنه منقطع بين البخاري وهشام فإن الحديث معروف الاتصال بشرط الصحيح ) .

ويأتي مزيدا إن شاء الله
رد مع اقتباس
  #82  
قديم 13-06-13, 05:56 PM
أيمن صلاح أيمن صلاح غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 07-03-07
المشاركات: 590
افتراضي رد: لماذا علق الإمام البخاري حديث المعازف ؟

جدير بالذكر أن المهلب بن أبي صفرة (ت 435) هو أول من ضعف الحديث في شرحه لصحيح البخاري .
جاء في عمدة القاري للعيني (21/175 الشاملة) :
(قال المهلب هذا حديث ضعيف لأن البخاري لم يسنده من أجل شك المحدث في ( الصاحب ) فقال أبو عامر أو أبو مالك).
و في شرح ابن بطال
(قال المهلب: هذا الحديث لم يسنده البخارى من أجل شك المحدث فى الصاحب فقال: أبو عامر أو أبو مالك، أو لمعنى آخر لا أعلمه ............،) .
رد مع اقتباس
  #83  
قديم 20-06-13, 09:42 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: لماذا علق الإمام البخاري حديث المعازف ؟

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابو رحمة مشاهدة المشاركة
فهل تتعب معنا لعمل ملف مرتب ومنظم ويكون له محاور
أخي الكريم أبا رحمة .. أعتذر عن تأخُّري عليك. فقد - واللهِ - صدق أبو منصور الثعالبي حين قال [يتيمة الدهر 1/27]: «تَبَيَّنْتُ مصداق ما قرأتُه في بعض الكتب: إنَّ أول ما يبدو مِن ضعف ابن آدم أنه لا يكتب كتاباً فيبيت عنده ليلةً، إلاَّ أَحَبَّ في غدها أن يزيد فيه أو يُنقص مِنه. هذا في ليلةٍ واحدةٍ، فكيف في سنين عدة!». اهـ وكَتَبَ القاضي عبد الرحيم البيساني إلى العماد الأصفهاني قائلاً [كشف الظنون 1/18]: «لا يكتب إنسانٌ كتابَه في يومه، إلاَّ قال في غده: لو غُيِّر هذا لكان أحسن، ولو زِيدَ [هذا] لكان يُستحسن، ولو قُدِّم هذا لكان أفضل، ولو تُرك هذا لكان أجمل! وهذا مِن أعظم العبر، وهو دليلٌ على استيلاء النقص على جملة البشر». اهـ

لذلك فقد شرعتُ في كتابة بحثٍ جديدٍ مستقلٍّ في حديث المعازف، لأني تبيَّنْتُ أنَّ الإنشاء الجديد هو أيسرُ مِن إصلاح ما هو تليد! كما قال الجاحظ [الحيوان 1/55]: «ولَرُبَّما أراد مؤلفُ الكتابِ أن يصلح تصحيفاً أو كلمةً ساقطة، فيكون إنشاءُ عشر ورقاتٍ مِن حُرِّ اللفظ وشريف المعاني أيسرَ عليه مِن إتمام ذلك النقص حتى يردَّه إلى موضعه مِن اتصال الكلام!». اهـ

وفقنا الله وإياكم
رد مع اقتباس
  #84  
قديم 20-06-13, 11:56 PM
أبو الزهراء الأثري أبو الزهراء الأثري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-05-12
الدولة: فلسطين - حرسها الله -
المشاركات: 1,340
افتراضي رد: لماذا علق الإمام البخاري حديث المعازف ؟

أخي الفاضل أحمد الأقطش نفع الله بك قرات تحريركم للحديث وحثني ما انتم فيه من الحكم بالضعف ان اعمد لكاتبة بحث موسع في دراسة الحديث ثم اتعقب كلامك هنا كاملا وأوقفني قولك انك ستعيد الكتابة فيه فهل ما ستكتبونه في ضعفه ام انك تراجعت الي القول بصحته .
رد مع اقتباس
  #85  
قديم 21-06-13, 01:54 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: لماذا علق الإمام البخاري حديث المعازف ؟

بارك الله فيكم أخي أبا الزهراء. أمَّا أنا فَلَمْ أَجِدْ في أدلَّةِ مُصَحِّحي الحديث ما يجعلني أتراجع عمَّا ذهبتُ إليه، لأن القضية هي موازنةٌ بين أدلَّة كل فريقٍ للوقوف على أقواها. والنتيجة التي يصل إليها الناظر في هذا الحديث مبنيةٌ في أساسها على مدى استيفاء هذا الحديث لشرط الصحيح، ويتعلَّق به حُكم معلَّقاتِ البخاري عن شيوخه والرجالِ الذين أخرج لهم في صحيحه تعليقاً. وهذا قد تكلَّم فيه أهلُ العِلم مِن قَبْلِ ابنِ حزم وبَعده، وجاء كلامهم على وفق الصناعة الحديثية، ولا دخل لحُكم المعازف بمسألتنا هذه. وهذا ما أُرَكِّز عليه في بحثي. فامْضِ في تَعَقُّبِكَ موفَّقاً إن شاء الله، وأسأله سبحانه أن يُجري الحقَّ على لسانك.
رد مع اقتباس
  #86  
قديم 21-06-13, 01:57 PM
أبو الزهراء الأثري أبو الزهراء الأثري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-05-12
الدولة: فلسطين - حرسها الله -
المشاركات: 1,340
افتراضي رد: لماذا علق الإمام البخاري حديث المعازف ؟

أحسن الله تعالى إليك ونفع بك وأسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد وحُسن التعقب ، وهذا لا يعني أننا لن نتطلع لفوائدكم حين نطرح ما عندنا في البحث نسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد .
رد مع اقتباس
  #87  
قديم 21-06-13, 11:18 PM
أبو الزهراء الأثري أبو الزهراء الأثري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-05-12
الدولة: فلسطين - حرسها الله -
المشاركات: 1,340
افتراضي القَولُ العَاصِف بِدِراسةِ حَديثِ البُخاريِّ في المَعازِفِ

القَولُ العَاصِف بِدِراسةِ حَديثِ
البُخاريِّ في المَعازِف

[ إتحافُ ذَوي الألباب بصحة خبر البُخاريِّ – رضي الله عَنْهُ- في المَعازفِ والألحان ]



كَتبه /

أبي الزهراء بن أحمد آل أبو عودة الغزي
فلسطين – غزة هاشم
1434 هجري


المُقَدِمةَ
إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِالله من شُرُورِ أَنْفُسِنَا ، وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا ، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ محَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَما بَعد.
فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ ، وَخَيْرَ الْهَدْي هَدْيُ محَمَّدٍ صَلى الله عليه وسلم ، وَشرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ .
إِن ما كَان مِنْ أهميةِ هذا العلمِ وعظيمِ شأنهِ وكونهُ السَد ُّ المَنيع والحصينُ الحَصين وإعلم أن أصعب العُلومِ هُو عِلمُ العِللّ لِما فيه مِنْ الغُموضْ فكَانَ لِزاماً عَلى أهل العلمِ أن يحفظوا هذا الدين ويَرفعوا لِواءهُ عالياً في عَنان السَماء وذلك من خَلالِ جَمْعِ مَا تَنَاثَرَ من تَعْلِيلاتٍ ، وَدِرَاسَتِهَا دِرَاسَةً عِلْمِيَّةً ، تُبَيِّنُ الرَّاجح من المَرْجُوحِ، وَتُبَيِّنُ مَنَاهِجَ العُلَمَاءِ السَّابِقِينَ الَّذِينَ أَلَّفُوا فِيهِ .
وأما ما قد بلغ مِنْ الصُعوبة والمشقةِ في إدراكِ الإنسانِ خَبايا أسرارها ولَمْ يَطَلِع على خَفاياهُ وتِلكَّ الأسرار تُمكِنُكَ مِنْ الحُكمِ على الأحاديثِ والبَحثِ فيها والتَعليل ومَعرفةِ سَقيمِ الأخبار وصحيحها والتميز بَين الاختلاف وعدمهِ بين الرُواةِ في الحَديث ولا يكون هذا الأمر إلا مِنْ خلال جمع الرواياتِ وتحقيقها مِنْ أحاديث مَنْ تَدور عليهم الأسانيد مِنْ الرُواةِ المَشهورينِ بين الأمصارِ ومَعروفينَّ بالإمامةِ والوثاقةِ بَين الأئمةِ الأعلام ! وليس عَددهم بالقليل إلا أنا لابد مِنْ الوقوفِ على شيءٍ مِنْ مَروياتِ الأعلام المَشهورين والأثباتِ المُوثقين مِنْ الأئمةِ سابقاً ولاحقاً ومَعروفاً بالدين والأمانةِ في الرواياتِ ! .
فهذا بحثٌ مُطولٌ حَول الحَديث المشهور ، والمَعروفِ بحديثِ المَعازف والذي حصل فيه اختلافٌ كبيرٌ بين طلبة العلم في المُلتقى العامر – أهل الحديث – منذُ فترةٍ تَزيدُ عَنْ 10 سَنواتٍ في مَقالٍ قرأتهُ لشيخنا المُحدث الفذ : مَاهر بن ياسين الفَحل – أمده الله بالعافية – فقرأت كلامهم واستفدتُ مِنْهُ وعرفت أن هُناك مَنْ ضعفهُ ولهُ في ذلك حُجته وهُناك مَنْ احتج بهِ وصححهُ ولهُ في ذلك حُجةٌ وسلفٌ ولا سلف لمَنْ قال بضعف الحَديث المُعلق في الصحيح إلا قَول ابن حزمٍ وهذا قولٌ – مردودٌ – وحُجةٌ محدودةٌ فلا هو مِنْ أهل الاستقراء ولم يكن مِنْ أهل الحديث ، فلا يستدل بقَوله في التضعيف والله تعالى المُستعان .
وهذا البحث هو بحثٌ علميٌ مُجردٌ أطرحُ فيه ما أرى مِنْ هذا الحَديث جامعاً فيهِ مَنهج الإمام البخاري في التَعاليق وأقوال الأئمةِ ومُناقشاً لحُجةِ غَيرهم فيما رآهُ في الحَديث مِنْ مآخذٍ وقال أن الخبر ليس على شرطهِ وحَاولت فيه أن أجمع شيئاً مِنْ الشرائدِ والفوائدِ وأضع فيه عِلماً نافعاً وحُججاً بيناتٍ في اثبات صحةِ هذا الحديث وقد مكثت وقتاً طَويلاً أقرأ فيهِ وأبحثُ فيه واستمع لأخواني في الملتقى العامرِ واستفيد مِنْ مداخلاتهم حتى عقدت العزم على كتابة هذا البحث في هذا الباب وهذا الشأن مُنتصراً لمنهج الإمام البخاري – رحمه الله – مُبينا سبب إيراد الإمام البخاري لهذا الحديث في الصحيح ، وإن لم يكن أورده في باب المعازف والألحان وليس في هذا الشأن حجةٌ بينةٌ على إعلال الحديث ! وأغرب ما فيهِ أن يكون عند غيرنا علةٌ تقدح في صحة هذا الخبر في الصحيح وليت شعري ألهُ في ذلك بينةٌ ناصعةٌ وقولٌ نافعٌ ! أم أن لهُ منهجية في النقد والتضعيف خالف بها الأئمةِ الأعلام والجبال الشامخين بين الأنام ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وإنا لنرى أن الحق في اخراجه مع الإمام البخاري بينٌ وحُجته فيه ظاهرةٌ ومما دعاني إلي ذلك أني عرفت أحد الأفاضل المُباركين أراد كتابة بحثٍ فيهِ وأراد أن يحققه ويعيد النظر فيه مما شجعني إلي كتابة هذا البحث ولن أخرجه إلي النور حتى نرى حجته ودليلهُ وبرهانهُ في التضعيف أو التصحيح ! فقد يكون تراجع عَنْ القول بضعفه فنحمد فعله ، أو مازال مصرا على الضعف كما رأيناه في مواطنَ عدةٍ هو وغيرهُ فنخرج بحثنا ! ولا نقول أننا لسنا عرضةً للنقد ولا للتوجيه والبغية مِنْ طرحه أولاً الانتصار للصحيح وما جزم به البخاري مِنْ تعليق وطلباً للفائدةِ مِنْ الأفاضل الكِرام ومَنْ نقتبس مِنْ علمهم ليلاً نهار ، فنسأل الله تعالى التوفيق والسداد .
ومِن الذين ضعفوهُ كان لهم غايةٌ أو رؤيا هم يرونها في الحديث ، وقد توقفت عَنْ النقاش فيه ولم أتداخل أبداً لأقرأ إلي ما سيؤول إليه هذا النقاش ، فتجد الراوي عِندَ أحدهم ثقةً مقبول الرواية ، وعند مضعفهِ مِنْ الأخوة ضعيفاً لا يصلح للاحتجاج ، وكأن لمن ضعفهُ زيادة علمٍ على مَن وقع الاتفاق على أن منهجهم هو منهج النقد الصحيح للسنة ومعرفة الصحيح والسقيم فيها كالبخاري ومسلم – رضي الله تعالى عنهما – فتجد بعضهم في حال عطية بن قيس مُضعفاً مكتفيا بذلك على قول الإمام الحافظ الناقد البارع أبو حاتم الرازي فيه : (( صالح الحديث )) ، مُتغاضيا عَنْ الاستقراء التام في روايتهِ ومَنْهج الإمام البخاري في اخراج مَنْ عرف بالضعف ! أو تكلم فيه أن خرج له ما ثبت لديه أنه قد حدث بهِ وأنه في هذا الحديث قد حفظ الحديث ، وهذا ما سيتم نقاشه بإذن الله .
ولكن العجب العجاب أن تجد المُضعف قد حشد أقوال الأئمة وأكثر مِنْ الكلام وزاد في المسائل ما لا تقتضيهِ وأخذ يحشد الأقوال في التضعيف فتجده يقول أن جزمه بهِ لا يعني صحته ، وحكم بالانقطاع بين البخاري وبين شيخه ، ثُم تكلم بالمعلقات ونقل عَنْ الأئمةِ أن البخاري قد أخرجه معلقاً وهذا لا خلاف فيهِ أبداً عند أهل الصنعةِ ولكنهُ أولها تأويلاً أحسبه فيه مُجتهداً وأخطأ وأخذ مِنْ القول ما يدفعه لتضعيف هذا الحديث ، ولسنا ندري ما الغاية من الانكباب على تضعيف أحاديث الصحيح وليس له في ذلك من سلفٍ وما نحن بالذين نظن في اخواننا سوءاً أبداً .
ولست أدعي لنفسي العصمة أبداً مِنْ الزلل ، ولا أمنا مِنْ مفارقة الخطأ والخطل ، فحقٌ وواجبٌ على مَنْ وقف على الخطأ في ما كتبنا أو وقع على ما في دراستنا مِنْ خطأ أو وقعت عينه بعد التحقيق والاجتهاد على ما وقعنا فيه مِن الزلل أن يبدي لي النصيحة مصحوبةً بالحُجة القوية ومقدمةً بالأساليب السوية والطرق المستقيمة القيمة ، وإني إن شاءا لله مرحب بكل ناقد وناصحٍ ، يصدر في حق ما كتبنا عَنْ رويةٍ ونظر وإطالة الإمعان في كُتب أهل الحديث والأثر والله مِنْ وراء القصد .
والحمد لله أولاً وأخراً ، ظاهراً وباطناً والسلام على عبده المصطفى ورسوله المجتبى ، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلي يوم الدين ، ومَنْ تبعهم بإحسانٍ إلي يوم العرض عليه أمام البشر أجمعين .
وقد عمدت في هذا البحث إلي عدةِ مباحثٍ أصنفها كالتالي:
1. طُرق الحَديث ، وفيهِ رِوايةُ عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ و رِوَايةُ مَالِكِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ .
2. دِراسةُ الأسانيدِ والحُكم على حَديث عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ.
3. مُناقشةُ قَول الإمام أبي حاتم في عطية (( صالح الحديث )).
4. المعلقات في صحيح البخاري وهل هي على شرطهِ.
5. هل قَول الإمام البخاري (( قال فلانا )) تدل على أنهُ على شرطه.
6. متابعة مالك بن أبي مريم لعطية بن قيس لروايتهِ .
7. حُجة المعترض عدم إفراد البخاري – رحمه الله – باباً للحديث.
8. حُكم المعترض بجهالة حديثِ مالك بن أبي مريم وعدمِ صَلاحهِ للمتابعة .
9. إعادةُ النظر فيما استدل بهِ المضعف للحديث مِنْ أقوال أهل الأثر.
وَكتَب / أبي الزهراء بن أحمد آل ابو عودة الغزي الأثري

1. طُرق الحَديث ، وفيهِ رِوايةُ عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ و رِوَايةُ مَالِكِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ .
حَديث أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ الذي أورده الإمام البُخاريُّ في صَحيحهِ مُعَلَّقاً رَواه كُلٌ مِنْ : (( عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ ، مَالِكِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ )) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعاً .
· رِوايةُ عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ .
أخرجه البخاري تعليقًا 7/138 (5590) قال: وقال هِشَام بن عَمَّار، حدَّثنا صَدَقة بن خالد. و"أبو داود" 4039 قال: حدَّثنا عبد الوهاب بن نجدة، حدَّثنا بشر بن بكر.
كلاهما (صَدَقة بن خَالد ، بشر بِنْ بَكر ) عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدَّثنا عطية بن قيس، قال: سمعت عبد الرحمن بن غنم الأشعري، فذكره.
" و أخرجه ابن حِبَّان (6754) ، البخاريّ في صحيحه تعليقاً (5590) ، والطبراني في الكبير (3/282) وفي مسند الشاميين (588)، ودعلج السجزي في المنتقى (ص34)، وأبو نعيم الأصبهاني في المعرفة (6364)، والبيهقي في السنن (20777)، وابن عساكر في تاريخه (67/189) كُلهم مِنْ طَريق هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ .
وعَنْ بشر بن بكر كلٌ مِنْ عبد الوهاب بن نجدة عِنْد أبو داود (4039) ، وعيسى بن أحمد عند ابن عساكر في تاريخ دمشق (67/189) ، ودحيم الشامي عند البهيقي (5895) " [1] .
· رِوَايةُ مَالِكِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ .
أخرجه أحمد (22900) ، وابي داود مِنْ طريق الإمام أحمد (3688) ، وابن أبي شيبة في مصنفه (23748) وابن حبان في صحيحه (6758): من طريق زيد بن الحباب.
أخرج البخاري في التاريخ الكبير (1/305/967) ، " والطبراني في الكبير (3/283) وعنه أبو نعيم في المعرفة (6364)، والبيهقي في سننه (20778): من طريق عبد الله بن صالح "[2] .
وأخرج ابن عساكر (56/496) ، والبيهقي في الشعب (5114) : مِنْ طريق ابن وهب .
وأخرج ابن ماجة (4020) ، وأبو القاسم الجرجاني في تاريخه (1/116/98) : مِنْ طريق معن بن عيسى عن معاوية بن صالح، عن حاتم بن حريث، عن مالك بن أبي مريم .
أربعتهم (( زيد بن الحباب ، وعبد الله بن صالح ، وابن وهب ، معن بن عيسى )) عن معاوية بن صالح، عن حاتم بن حريث، عن مالك بن أبي مريم، عن عبد الرحمن بن غَنْم الأشعري، فذكره .
وسنعرض الطرق ثُم ندرس إسنادها ومتنها ، ونتعرض فيها على حجة مُعلها بإذن الله تبارك وتعالى ، وإن كُنت لأميل إلي صحة طريق عطية بن قيس – رحمه الله – على طريق مالك بن أبي مريم ، وهو ما ثبت لدينا صحته كما سترى في البيان ، وقد أخطأ مَنْ قارن ألفاظ حديث مالكٌ بحديث عطية .
2. دِراسةُ الأسانيدِ والحُكم على حَديث عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ.
وهذا حديثٌ صحيحٌ أخطأ مَنْ ضعفه وليس لهُ سلفٌ ولا خلفٌ في التضعيف ، وقد ارتقى مرتقياً صعباً وأخطأ خطأ شنيعاً وليس لهُ في ذلك مِنْ سلفٍ سوى حسن عبد المنان ، وابن حزمٍ وكانت بضاعته في الحديث والعلل مجزاه ، فلا أدري أي المسالك اختار لأنفسهم هؤلاء ، فقد رام مَن ضعفهُ قمم المُجترأين وليس لهُ مِنْ سلفٍ قويمٍ رزينْ ، فالحُجة به قائمةٌ والقولُ فيه سليمٌ متين ، والحديثُ صحيحٌ مِنْ طريق عطيةٍ عَنْ أبي مالك الأشعريِّ – رضي الله عنه – في الصحيح مُعلقاً وإليك البَيان .
· حَال عَطِيَّةُ بْنُ قَيْسٍ عِنْدَ المُحَدثِينْ.
قَال أبو حاتم الرازي[3] : (( صالح الحديث )) ، وذكره ابن حبان في الثقات[4] ، وقال ابن سعد [5] : (( وكَانَ مَعْرُوفًا، ولَهُ أَحَادِيثُ )) ، وقال ابن معين – رواية المفضل – عَنْهُ [6] : ((إِنَّ عَطِيَّةَ بْن قيس، وعَبْد اللَّهِ بْن عَامُرٍ الْيَحْصُبِيَّ كَانَا عَالِمَيْ جُنْدِ دِمْشَقَ يُقْرِئَانِ النَّاسَ الْقُرْآنَ )) ، وقال المزي[7] : (( استشهد له البخاري بحديث واحد، وروى له الباقون، وقد وقع لنا حديث الْبُخَارِيّ بعلو )) .
وقال البزار[8] : (( لا بأس به )) ، وقال الحافظ[9] : (( ثقة )) ، وقال الهيثمي[10] : (( فيه كلامٌ كثيرٌ وقد وثق )) ـ وقال دحيم : (( كان أسنَّهم - يعني أسنّ أقرانه -، وكان غزا مع أبي أيوب الأنصاري، وكان هو وإسماعيل بن عبيد الله قارئ الجند )) . أهـ.
قُلّت : واحتج به الإمام مسلم – رحمه الله – في الصحيح ومما لا يخفى على الناظر المتأمل أن منهجهما – رحمهما الله – في نقد السنة أصح المناهج وليس لأحدٍ أن يخالفهما في قولٍ ويضعفهُ حديثاً لم يضعفهُ سلفٌ ولا خلفٌ إلا وكان الخطأ فيهِ هُو والصوابُ مَعْ الشيخين – رضي الله عنهما – وهذا بينٌ في صنيعهما ، ومما يتضح سابقاً فإن عطية صدوقٌ على الغالبِ مِنْ أقوال الأئمةِ ، فقد وثقهُ الحافظ ابن حجر وهو مِنْ اهل الاستقراء التام ، واحتج به مسلمٌ – رحمه الله – في الصحيح ، وقال البزار لا بأس بهِ ، وقول الهيثمي فيه كلامٌ كثيرٌ وقد وثق وهذا يتضح لك مِنْ صنيعهم أن الرجل عندهم صَدوقٌ ، وانفرد ابن حزم بقوله (( مجهولٌ )) وليس بمسلمٍ لهُ فيهِ أبداً فابن حزم – ذو بضاعةٍ مزجاةٍ في الحديث – ، أخرج البخاري لهُ في الصحيح بصيغة الجزمِ مِنْ طريق ابن عمار وهو – ثقة – عِندهم.
وأخرج لهُ الإمام البخاري هذا الحديث مُعلقاً في الصحيح ، وإن كانت صورته صورة المعلق فلا يخرج مِنْ الصحةِ ولا يخرجُ مِنْ كون حديثه في الصحيح ولا ينحدر ليكون في الضعيف ، وقد استدل الإمام الألباني – رحمه الله – بقول الحافظ ابن الصلاح [11] : (( صورته صورة انقطاع وليس حكمه حكمه وليس خارجا من الصحيح إلى الضعيف )) أهـ .
وهبَّ أن الإمام البخاريِّ – رضي الله عنه – أخرج حديث عطية بن قيس مُعلقاً في الصحيح فهل هذا يقتضي الانقطاع ، وهل كل ما علقه البخاري – رحمه الله – في صحيحه له صورة الانقطاع ! بكُل يقينٍ نقول لا ! وإن كان على صورتهِ ظاهراً فلا يقتضي مِنْ ذلك الضعف واخراج هذا الحديث مِنْ حقل الصحة إلي الضعف ، ولو تأملت أقوال الأئمة في عطيةٍ لرأيتهم يوثقونهُ .
قال شيخ الاسلام ابن تيمية [12] : (( والآلات الملهية قد صح فيها ما رواه البخاري في " صحيحه " تعليقاً مجزوماً به ، داخلاً في شرطه )) أهـ .
قُلـت : وهذا شيخ الإسلام وبركة الزمان ابن تيمية – رضي الله عنه – يصحح حديث عطية بن قيس في صحيح البخاري مُعلقاً وكان قد جزمَ بهِ – رحمه الله – وجزمه بهِ دليلٌ على صحةِ الحَديث إلي مَنْ سمعهُ مِنْهُ أو علقهُ إليهِ وهذا بينٌ في صنيع العُلماء والأئمةِ الأثبات . والله أعلى وأعلم.
3.مُناقشةُ قَول الإمام أبي حاتم في عطية (( صالح الحديث )). ولا يلزم مِنْ قول أبي حاتم – رحمه الله – في أحد الرواةِ صالحُ الحديث ترك روايتهِ جُملةً ، وعبارته هذه إن كان مقتضاها كما صرح نفسهُ أنه يكتب حديثه ولا يحتج بهِ فقد ثبت في الجرح والتعديل أن قال هذه العبارة فيمن عرف أنهُ مِنْ الذين يحتج بهم عند الأئمة ، فقد تجد مَنْ قال فيهِ الإمام أبو حاتم هذه العبارة يكون ثقةً وقد يكون صدوقاً ، وقد يكون مقلاً في الحديث ، فلا يلزم مِنْها أن قوله هُنا تضعيفاً والرجل مِنْ صالحي التابعين وكبارهم ، واحتجاج مسلم به في الصحيح لهُ فيهِ حُجةٌ .
وهذا لا يعني أن كل مَنْ أطلق فيه ابو حاتم الرازي – رحمه الله – عبارته هذه أنه لا يكون إلا للاعتبار ، وهذا ليس بيناً ولا يسلم بهِ فقد أطلق هذه العبارة فيمن عرف عَنْهُ الصدق وأئمة مستورين وسأضرب مثالاً واحداً على هذا الصنيع مِنْ قبيل الإمام أبي حاتم على تشدده رحمه الله .
1. إسماعيل بن محمد بن جحادة الكوفي؛ قال عنه أبو حاتم [13] : (( صدوق صالح الحديث )) .
وعليه فلا يلزم أن يكون كل مَنْ قال فيه أبو حاتم صالح الحديث ، أن لا يكتب حديثه إلا للاعتبار ولا يحتج بهِ ، والأمثلة في الجرح والتعديل كثيرةٌ مِنْ هذا الضرب مِنْ أقوالهِ – رحمه الله – في الرجال ، وروى عنه أئمة أهل الشام وجلتهم كسعيد بن عبد العزيز وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر وربيعة بن يزيد الدمشقي ومكحول الشامي وعبد الله بن العلاء بن زبر وجماعة، ووثقه ابن حبان وقال فيه ابن سعد (7/460): "وكان معروفا له أحاديث"، فمن كانت هذه حاله حاشاه أن يكذب، وهو صدوق إن شاء الله تعالى فلا يضرهُ أن يقول المضعف أن قوله صالح الحديث لا يحتج به ويعتبر به أي أنهُ ضعيفٌ ، وفي جُملة الضعفاء عند أبي حاتم – رحمه الله – . والله أعلى وأعلم.
4. المعلقات في صحيح البخاري وهل هي على شرطهِ.
وأما المعلقات في صحيح البخاري أكثر مِنْها في صحيح مسلم – رضي الله عنهما – ، فتنقسمُ إلي ما رواهُ الإمام البخاري بصيغة الجزمِ ، ما رواهُ الإمام البخاري بصيغة التمريض قال الحافظ ابن حجر[14] : (( ما لا يوجد فيه إلا معلقاً، فإنه على صورتين: إما أن يورده بصيغة الجزم، وإما أن يورده بصيغة التمريض. فالصيغة الأولى: يستفاد منها الصحة إلى مَن علَّق عنه، لكن يبقى النظر فيمن أبرز مِن رجال ذلك الحديث: فمنه ما يلتحق بشرطه، ومنه ما لا يلتحق )) أهـ .
قلُت : ويأتيكَ بيانُ قولهِ عَنْ شيخه (( قال فُلان )) في (5) مِنْ هذه الدراسة بإذن الله تبارك وتعالى وإنما هُنا نُريد معرفة ما إن كان الذي جزم بهِ البخاري يفيد الصحة إلي ما جزم به إليهِ أم يفيد الضعف ومِنْ كلام الحافظ ابن حجر – رحمه الله – فإنها تفيد الصحة إلي مَنْ علقه إليهِ وجزم بهِ ، ويبقى النظر في أبرز رجال الإسناد ومَدارهُ على عطية بن قيس الكلابي ، وهو كما مضى مِنْ الذين يقبل قولهم وهو صدوقٌ وانتقى البخاري مِنْهُ ما صح مِنْ حديثهِ ، ويتضح أن ما رواهُ البخاري بالجزم في المعلقات يفيد الصحة إلي مَنْ علقهُ إليهِ وإن لم يلحق بشرطهِ فقد يجزم البخاري بما لم يلتحق بشرطهِ في الصحيح ويخرجهُ في صحيحهِ ويكون صحيحٌ على شرط غيرهِ وسيأتيك بيانُ أن الأئمةِ وصلوهُ في نقاش القول الذي يستدل بهِ على أن قوله (( قال هشام بن عمار )) يفيد الانقطاع ! وهذا ما سننظر فيه نظرةً مُتأنيةً بعينٍ إن شاء الله بصيرةٍ وإن أخطأنا فجزى الله مَنْ يصوبنا خيراً وأحسن إليه ونفع بهِ .
وقول الحافظ: (( وأما ما لا يلتحق بشرطه: فقد يكون صحيحاً على شرط غيره، وقد يكون حسناً صالحاً للحجة، وقد يكون ضعيفاً لا من جهة قدح في رجاله بل من جهة انقطاع يسير في إسناده )).
قُلت : وهذا مِنْ الحافظ ابن حجر طيبٌ فهو مِنْ اهل الاستقراء وسيأتيك أن قولهُ هُنا في حديث المعازف مِنْ المتصل على قول الحافظ ابن حجر العسقلاني وقَال [15] : (( وَأَمَّا كَوْنُهُ سَمِعَهُ مِنْ هِشَامٍ بِلَا وَاسِطَةٍ وَبِوَاسِطَةٍ فَلَا أَثَرَ لَهُ لِأَنَّهُ لَا يَجْزِمُ إِلَّا بِمَا يَصْلُحُ لِلْقَبُولِ وَلَا سِيَّمَا حَيْثُ يَسُوقُهُ مَسَاقَ الِاحْتِجَاج وَأما قَول بن الصَّلَاحِ أَنَّ الَّذِي يُورِدُهُ بِصِيغَةِ قَالَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْإِسْنَادِ الْمُعَنْعَنِ وَالْعَنْعَنَةُ مِنْ غَيْرِ الْمُدَلِّسِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاتِّصَالِ وَلَيْسَ الْبُخَارِيُّ مُدَلِّسًا فَيَكُونُ مُتَّصِلا فَهُوَ بحث وَافقه عَلَيْهِ بن مَنْدَهْ وَالْتَزَمَهُ فَقَالَ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ قَالَ وَهُوَ تَدْلِيسٌ وَتَعَقَّبَهُ شَيْخُنَا بِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَصِفِ الْبُخَارِيَّ بِالتَّدْلِيسِ وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ مُرَادَ بن مَنْدَهْ أَنَّ صُورَتَهُ صُورَةُ التَّدْلِيسِ لِأَنَّهُ يُورِدُهُ بِالصِّيغَةِ الْمُحْتَمَلَةِ وَيُوجَدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَاسِطَةٌ وَهَذَا هُوَ التَّدْلِيسُ بِعَيْنِهِ لَكِنِ الشَّأْنُ فِي تَسْلِيمِ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ مِنْ غَيْرِ الْمُدَلِّسِ لَهَا حُكْمُ الْعَنْعَنَةَ .... وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ الْحُفَّاظِ أَنَّ الَّذِي يَأْتِي بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنَ التَّعَالِيقِ كُلِّهَا بِصِيغَةِ الْجَزْمِ يَكُونُ صَحِيحًا إِلَى مَنْ عَلَّقَ عَنْهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شُيُوخِهِ لَكِنِ إِذَا وُجِدَ الْحَدِيثُ الْمُعَلَّقُ مِنْ رِوَايَةِ بَعْضِ الْحُفَّاظِ مَوْصُولًا إِلَى مَنْ عَلَّقَهُ بِشَرْطِ الصِّحَّةِ أَزَالَ الْإِشْكَالَ وَلِهَذَا عَنَيْتُ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ بِهَذَا النَّوْعِ وَصَنَّفَتْ كِتَابَ تَعْلِيقِ التَّعْلِيقِ )) أهـ .
قُلت : فها أنت ترى الحافظ ابن حجر يجزم بأنه إن علقهُ بصيغة الجزمِ مِنْ هذا القبيل فلا يكونُ منقطعاً وإن كان ظاهرهُ الانقطاع فقد يكونُ البخاري – رحمه الله – جزم بهِ لأنه ثبت سماعهُ مِنْ هشام بن عمار في عدةِ مواطن مِنْ الصحيح ، ومِنْ هذا الشأن يتبين لك أن التفريق بين ما علقه البخاري بصيغة الجزمِ وبين ما علقهُ البخاري بصيغة التمريض ، وهو أن ما علقه البخاري بالجزمِ يفيد الصحة إلي مَنْ علقهُ إليهِ وإن كان كلام الحافظ ابن حجر – رحمه الله – كما تقدم مفادهُ إلي أن التعليق قد يكون ضعيفاً مِنْ ناحية الانقطاع ! فهذا مردودُ الاستدلال به لأن الحافظ ابن حجر قد أثبت أنهُ روي مِنْ غير هذا الوجه موصولاً عَنْ هشام بن عمار ، وهذا معناهُ أنه يروي ما هو على شرط غيره وإن لم يكن على شرطهِ فيورده معلقاً بصيغة الجزم في الصحيح فتكون المعلقات في الصحيح وإن لم تكن على شرطهِ صحيحةٌ إن ثبت اسناد الحديث إلي مَنْ علقهُ إليه ، وبذلك فالاعتداد بهذا القول مِنْ قبيل العلة ليس مِنْ صنيع أهل الحديثِ إذ أن الأئمةِ على ان الجزم بالحديث وجاء مِنْ غير طريق البخاري موصولاً ! وأن ثبت سماعهُ مِنْهُ في عدةِ مواطنٍ فإنه يفيد الاتصال ، ولا يسمى تدليساً وقد رد العلماء هذا عَنْهُ .
ومِنْ المعلقات ما هو على شرط الإمام البخاري ومِنْها ما لا يكون على شرطهِ وقد توسع الحافظ ابن حجر في مسألة المعلقات في الصحيح ، وقد يخرج البخاري المعلقات أو يعلق الاحاديث في الصحيح لأحدٍ مِنْ الأسباب التالية كما هو معروفٌ عِنْدَ أهل العلم :
· أن لا يكون على الشرط الذي ارتضاه المعلق لثبوت الحديث.
قال الدكتور الجديع[16] : (( فالبخاري مثلاً اشترط أن يكون كتابه في الحديث المسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيرى فائدة في ذكر بعض الآثار عن الصحابة أو من دونهم في التفسير والأحكام وغير ذلك، فلو أسندها خرج بذلك عن شرطه، فيعلقها وإن كانت صحيحة ، والتزم أن لا يخرج أحاديث جماعة تكلم فيهم بما ينزل بهم عن شرطه في القوة، ورأى لهم بعض الأخبار مما يصح الاستشهاد به، فيعلق عنهم )) أهـ .
قُلت : وأما ما جزم بهِ واحتج بهِ في أحد أبواب الكتاب بادئاً هذا الباب بهذا الحديث هو مِنْ باب احتجاج البخاري بهِ ، خصوصاً إن علمت أن الإمام البخاري – رحمه الله – قد حدث عَنْ هشام بن عمار بصيغةِ السماع وثبت سماعهُ مِنْهُ ، وقد أخرج مِنْ حديث هشام بن عمار ما صح مِنْ حديثِ وبهِ تنتفي أن تكون علة الحديث مِنْ طريق هشام بن عمار ، لأن البخاري – رحمه الله – ينتقي مِنْ حديث هشام بن عمار ما يكون معمولاً بهِ صحيحاً عِنده ، وقد احتج به البخاري ولذلك قال الحافظ ابن حجر[17] عَنْ ابن الصلاح : (( وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ مَعْرُوفُ الِاتِّصَالِ بِشَرْطِ الصَّحِيحِ وَالْبُخَارِيُّ قَدْ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْحَدِيثَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ مُسْنَدًا مُتَّصِلًا وَقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي لَا يَصْحَبُهَا خَلَلُ الِانْقِطَاعِ )) أهـ .
قلت : وأما عدم اخراج البخاري لهُ في صحيحهِ مُسنداً في موطنٍ آخر وقد أخرجه غيره مُسنداً إلي هشام بن عمار وقد جزمَ بهِ البخاري فيكون احتجاج البخاري بهِ في بابهِ وإن لم تَكن على شرطهِ في المسند مِنْ الأخبار ، وصيغة البخاري عَنْ شيخهِ هُنا تساوي العنعنة وسيأتي أنه ليس مِنْ التدليس في شيءٍ كما يتوهم البعض ، وقد أوردنا قول الحافظ ابن حجر العسقلاني فيما تقدم مِنْ ان هذا لا يعتبره العلماء مِنْ التدليس في شيءٍ أبداً ، وهذه عَنْهُ محمولةٌ على الاتصال ويستدل بأن هذا الحديث عَنْ شيخ البخاري في حكم المتصل ما قاله الحافظ ابن حجر [18] : (( وهذا حديثٌ صحيح لا عِلة فيه ولا مَطعن فيه، وقد أعله أبو محمد ابن حزم بالانقطاع بين البخاري وصدقة بن خالد، وبالاختلاف في اسم أبي مالك، وهذا كما تراه قد سُقْتُه من رواية تسعة عن هشام مُتصلاً...وأما الاختلاف في كنية الصحابي، فالصحابة كلهم عدول )) أهـ ، فانتفت العلة وإن كانت هي صورة تعليقٍ إلا أن الأئمة حملوها على صيغة العنعنة وهي عَنْهُ محمولةٌ على الاتصال إلي شيخهِ فلا يقع ما قاله المتوهمُ مِنْ التضعيف بمثل أن البخاري أخرجه معلقاً بقوله (( قال )) وهذه مفادها الجزم عندهُ . والله أعلى وأعلم .
· أن يقصد به مجرد الاختصار .
قال الدكتور الجديع[19] : ((وذلك كأن يروي البخاري في الباب ما يغني عن الإطالة بتخريج خبر تام إسناداً ومتناً زيادة على ما خرج. وأحياناً يكون الحديث عنده بإسناد واحد على شرطه، ويحتاجه في بابين، فيسنده في أحدهما ويعلقه في الآخر اتقاء لتكرار الحديث بنفس الإسناد في مكانين؛ ولذا يندر أن يؤخذ على البخاري أنه كرر حديثاً بنفس الإسناد والمتن، إنما ترى في التكرار فائدة جديدة ولا بد. وقد اشتهر بكثرة الأحاديث المعلقة: صحيح الإمام البخاري. وإذا كان التعليق عنده مما يندرج تحت السبب الأول، وهو كونه ليس على شرطه، فذلك لا يعني ضعفه عنده، وإنما القول في معلقات البخاري كما يلي : (( إذا علق الحديث بصيغة الجزم، بأن قال مثلاً: (قال النبي صلى الله عليه وسلم) أو: (قال ابن عباس) فهو ثابت عنده )) ، (( إذا علق الحديث بصيغة الجزم إلى بعض رواة ذلك الحديث كأن يقول: (قال فلان) ويسوق طرفاً من آخر الإسناد؛ فهو صحيح منه إلى من سماه، أما من ذلك المسمى إلى منتهى الإسناد فيحتاج إلى كشف )) أهـ ، وسيأتيك فيما بعد مرادهُ مِنْ قوله (( قال فلان )) .
5. هل قَول الإمام البخاري (( قال فلانا )) تدل على أنهُ على شرطه.
وقد أعل بعضُ طلبةِ العلمِ كما كان لابن حزم أن أعله بالانقطاع بين الإمام البخاري – رحمه الله – وبين هشام بن عمار وهذا ليس بمسلمٍ بهِ لهم فيه فهشام بن عمار مِنْ شيوخ البخاري – رحمه الله – وسماعهُ مِنْ هشام بن عمار ممكنٌ وثابتٌ واختلف العلماء في كون قوله : قال ، على شرطه في الصحيح أم أنها ليست على شرطه إلي قولين عند أهل العلم وهما :
1. ليست على شرطه، وشأنها شأن سائر المعلقات التي تحتاج إلى النظر في وصلها في موضع آخر غير " الصحيح "، وحجتهم: أن البخاري إذا روى حديثاً عن شيخ له سمعه منه وذلك الحديث على شرطه فإنه لا يقول فيه: (قال فلان) إنما يقول: (حدثنا) أو شبهها من الصيغ الصريحة في الاتصال، قالوا: ووجدنا البخاري روى لبعض شيوخه ما سمعه منهم بالواسطة.
2. هو موصول على شرط " الصحيح " فإن البخاري لم يعرف بالتدليس، والراوي إذا قال في بعض حديثه عن شيخه: (قال فلان) أو (عن فلان) ولم يعرف بالتدليس؛ فذلك متصل، قالوا: ووجدنا البخاري في كتابه " التاريخ الكبير " روى عن شيوخه حديثاً كثيراً لا يذكر الصيغة بينه وبين شيخه إلا (قال)، وهو جار عند أهل العلم على الاتصال.
وهذا القول الثاني هو الأصح والمُعتبر في الأصول وقال ذلك الشيخ الدكتور الجديع في تحرير علوم الحديث [20] ، وهشام بن عمار مِنْ شيوخ الإمام البخاري وقد روى عَنْهُ في الصحيح بالسماع المُباشر أي أنه قد صرح بالسماع مِنْهُ في عدة مواطنَ في الصحيح ، وقولهُ بان هذا لا ينافي التعليق ليس مُسلماً بهِ كون هذا محمولٌ على الاتصال لأنه قد حدث عَنْهُ في غير موطنٍ مِنْ الصحيح مُصرحاً بالسماع مِنْهُ فينتفي أن يكون هناك مَنْ حذف في إسناد الحديث إلي هشام بن عمار ! ، وهذا الحديث قد ساقه الإمام البخاري تحت باب (ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه) وساق هذا الحديث ولم يذكر شيئاً غيره، فهو حجته للباب المذكور، فهذا مما يؤكد اتصاله ، وهو عين قول الدكتور الجديع في المصدر السابق مِنْ تحرير علوم الحديث وقال [21] : (( لكن لماذا لم يقل: (حدثني هشام)؟ جوابه: للشك في اسم صحابيه، وهو غير قادح عند جمهور أهل العلم؛ لأنه كان عن أبي عامر أو أبي مالك فكلاهما صحابي سمع الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم، وجهالة الصحابي لا تؤثر لعدالة جميعهم على ما شرحته في (القسم الأول)، فكيف وقد سمي هنا وإنما وقع التردد في تعيينه )) أهـ .
فليس كُل ما عزاه الإمام البخاري – رحمه الله تعالى – إلي شيوخه بصيغة (( قال )) فليس حكمه ها هنا حكم التعليق إلي شيوخه ومَنْ فوقهم وحكمه الاتصال بشرط ثبوت اللقاء والسلامة من التدليس وهما موجودان في البخاري، ومثاله قول البخاري : في حديث المعازف ! .
وقد رد ابن الصلاح – رحمه الله – مَنْ قال بالانقطاع فقال[22]:
1. أنه لا انقطاع في هذا أصلا من جهة أن البخاري لقي هشاما وسمع منه.
2. أن هذا الحديث بعينه معروف الاتصال بصريح لفظه من غير جهة البخاري.
3. أنه وإن كان ذلك انقطاعا فمثل ذلك في الكتابين، غير ملحق بالانقطاع القادح، لما عرف من عادتهما وشرطهما. وذكرهما ذلك في كتاب موضوع لذكر الصحيح خاصة، فلن يستجيزا فيه الجزم المذكور من غير ثبت وثبوت . أهـ .
وهذا كما ترى مِنْ ابن الصلاح في دفع الدعوى التي قيدها ابن حزم وقال بها مِنْ المعاصرين في الانقطاع بين الإمام البخاري وبين ابن عمار – رحمه الله – فكيف يسلم لهم بهذا القول والإمام البخاري قد صرح بسماعه من هشام بن عمار وهو مِنْ شيوخهِ في عدةِ مواطنٍ مِنْ الصحيح ، وقد أخرجه الطبراني وغيرهُ بإسنادٍ متصل إلي ابن عمار ، ووصله الحافظ ابن حجر العسقلاني في تغليق التعليق ! .
قال الحافظ ابن حجر [23] : (( واما ما عزاه البخاري لبعض شيوخه بصيغة قال فلان وزاد فلان ونحو ذلك، فليس حكمه حكم التعليق عن شيوخ شيوخه ومن فوقهم بل حكمه حكم العنعنة من الاتصال بشرط اللقاء والسلامة من التدليس )) أهـ .
والبخاري لم يكن مدلساً وحاشاهُ أن يكون كذلك – رحمه الله – وقد ثبت سماعه مِنْ هشام بن عمار أحاديثاً وهو أعلم بحديثه وقد انتقى له ما عرف أنه صحيحٌ مِنْهُ ، وهُناك مَنْ استشكل كيف لهُ أن يورد عَنْ شيوخهِ أحاديثاً قائلاً فيه : (( قال فلان )) ، والإجابة على ذلك ما قاله الحافظ ابن حجر العسقلاني – رحمه الله – [24] : (( وقد تقرر عند الحفاظ ان الذي يأتي به البخاري من التعاليق كلها بصيغة الجزم يكون صحيحا الى من علقه عنه ولو لم يكن من شيوخه لكن اذا وجد الحديث المعلق من رواية بعض الحفاظ موصولا الى من علقه بشرط الصحة أزال الاشكال )) أهـ .
وقال أيضاً : (( ان الطبراني أخرجه في مسند الشاميين، فقال: حدثنا محمد بن يزيد بن عبد الصمد، قال حدثنا هشام بن عمار ))[25] .
أما وما استدل بهِ بعض المُنتقدين للحديث مِنْ قول الحافظ الذهبي [26] : (( أخرجه البخاريّ عن هشام عن غير سماع )) أهـ ، مُحتجاً بهِ أن الحافظ الذهبي مال إلي ما مال إليه ابن حزم فلم ينفرد ابن حزم بالقول بانقطاع هذا بين الإمام البخاري وشيخه هشام بن عمار وحجتهُ لما مضى ضعيفةٌ .
إذ أن الحافظ الذهبي – رحمه الله – لم يعل ما رواه أمير المؤمنين البخاري – رحمه الله – في الصحيح بالانقطاع بل قال بأن الإمام البخاري أخرجه بصيغةِ الجزمِ دُون أن يبين فيه أنه قد حدث بهِ عَنْ شيخهِ وهذا الحكم يأتي مِنْ الحافظ – رحمه الله – على الظاهر مِنْ الإسناد لأن الإمام البخاري أخرجهُ بصيغة الجزمِ عَنْ شيخهِ وهذه لا تُبين السماع ، وقوله هذا مِنْ هذا القبيل إذ أنه كلامه ليس فيه اعلالاً لهُ فكيف يستدل بقول الحافظ على اعلال حديث هشام بن عمار عند البخاري ، وقد ثبت أن البخاري صرح بالسماع مِنْهُ في عدةِ مواطنٍ في الصحيح ، وقد وصله جماعةٌ مِنْ المحدثين إلي ابن عمار فذهب ما في النفس عند المضعفِ مِنْ اشكالٍ فلا حجة في استشهاد المضعف بقول الحافظ الذهبي . والله أعلم.
ومما تطمئن إليه النفس ويثبت أن الحديث جاء موصولاً وعَنْ البخاري – رحمه الله – ما قاله الحافظ ابن حجر العسقلاني : (( وقد ذكر شيخنا في شرح الترمذي وفي كلامه على علوم الحديث أن حديث هشام بن عمار جاء عنه موصولا في مستخرج الإسماعيلي قال حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا هشام بن عمار وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين فقال حدثنا محمد بن يزيد بن عبد الصمد حدثنا هشام بن عمار قال وأخرجه أبو داود في سننه فقال حدثنا عبد الوهاب بن نجدة حدثنا بشر بن بكر حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بسنده انتهى وننبه فيه على موضعين أحدهما أن الطبراني أخرج الحديث في معجمه الكبير عن موسى بن سهل الجويني وعن جعفر بن محمد الفريابي كلاهما عن هشام والمعجم الكبير أشهر من مسند الشاميين فعزوه إليه أولىوأيضا فقد أخرجه أبو نعيم في مستخرجه على البخاري من رواية عبدان بن محمد المروزي ومن رواية أبي بكر الباغندي كلاهما عن هشاموأخرجه بن حبان في صحيحه عن الحسين بن عبد الله القطان عن هشام ثانيهما قوله إن أبا داود أخرجه يوهم أنه عند أبي داود باللفظ الذي وقع فيه النزاع وهو المعازف وليس كذلك بل لم يذكر فيه الخمر الذي وقعت ترجمة البخاري لأجله فإن لفظه عند أبي داود بالسند المذكور إلى عبد الرحمن بن يزيد حدثنا عطية بن قيس سمعت عبد الرحمن بن غنم الأشعري يقول حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري والله ما كذبني أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير و الحرير والخمر وذكر كلاما قال يمسخ منهم قردة وخنازير الى يوم القيامة )) أهـ .
فانتفت الشبهة بالانقطاع بين هشام بن عمار وبين الإمام البخاري – رحمه الله – وقد أخرجه البخاري في الصحيح محتجاً به بصيغة الجزمِ عَنْهُ وهذا كما تبين فيما مضى مِنْ القول محمولٌ على الاتصال.
قال الحافظ ابن حجر[27] عَنْ ابن الصلاح : (( وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ مَعْرُوفُ الِاتِّصَالِ بِشَرْطِ الصَّحِيحِ وَالْبُخَارِيُّ قَدْ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ الْحَدِيثَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِهِ مُسْنَدًا مُتَّصِلًا وَقَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ الَّتِي لَا يَصْحَبُهَا خَلَلُ الِانْقِطَاعِ )) أهـ .
وقَال [28] : (( وَأَمَّا كَوْنُهُ سَمِعَهُ مِنْ هِشَامٍ بِلَا وَاسِطَةٍ وَبِوَاسِطَةٍ فَلَا أَثَرَ لَهُ لِأَنَّهُ لَا يَجْزِمُ إِلَّا بِمَا يَصْلُحُ لِلْقَبُولِ وَلَا سِيَّمَا حَيْثُ يَسُوقُهُ مَسَاقَ الِاحْتِجَاج وَأما قَول بن الصَّلَاحِ أَنَّ الَّذِي يُورِدُهُ بِصِيغَةِ قَالَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْإِسْنَادِ الْمُعَنْعَنِ وَالْعَنْعَنَةُ مِنْ غَيْرِ الْمُدَلِّسِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الِاتِّصَالِ وَلَيْسَ الْبُخَارِيُّ مُدَلِّسًا فَيَكُونُ مُتَّصِلا فَهُوَ بحث وَافقه عَلَيْهِ بن مَنْدَهْ وَالْتَزَمَهُ فَقَالَ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ قَالَ وَهُوَ تَدْلِيسٌ وَتَعَقَّبَهُ شَيْخُنَا بِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَصِفِ الْبُخَارِيَّ بِالتَّدْلِيسِ وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ مُرَادَ بن مَنْدَهْ أَنَّ صُورَتَهُ صُورَةُ التَّدْلِيسِ لِأَنَّهُ يُورِدُهُ بِالصِّيغَةِ الْمُحْتَمَلَةِ وَيُوجَدُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَاسِطَةٌ وَهَذَا هُوَ التَّدْلِيسُ بِعَيْنِهِ لَكِنِ الشَّأْنُ فِي تَسْلِيمِ أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ مِنْ غَيْرِ الْمُدَلِّسِ لَهَا حُكْمُ الْعَنْعَنَةَ .... وَقَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ الْحُفَّاظِ أَنَّ الَّذِي يَأْتِي بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنَ التَّعَالِيقِ كُلِّهَا بِصِيغَةِ الْجَزْمِ يَكُونُ صَحِيحًا إِلَى مَنْ عَلَّقَ عَنْهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ شُيُوخِهِ لَكِنِ إِذَا وُجِدَ الْحَدِيثُ الْمُعَلَّقُ مِنْ رِوَايَةِ بَعْضِ الْحُفَّاظِ مَوْصُولًا إِلَى مَنْ عَلَّقَهُ بِشَرْطِ الصِّحَّةِ أَزَالَ الْإِشْكَالَ وَلِهَذَا عَنَيْتُ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ بِهَذَا النَّوْعِ وَصَنَّفَتْ كِتَابَ تَعْلِيقِ التَّعْلِيقِ )) أهـ .
وقد ذكر بعضهم شكوكه في اسم الصحابي بن أبي عامر وبين أبي مالك وهذا ليس بعلةٍ قال الحافظ ابن حجر[29] : (( قَوْلُهُ حَدَّثَنِي أَبُو عَامِرٍ أَوْ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ هَكَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ الْحُفَّاظِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ بِالشَّكِّ وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ بَكْرٍ لَكِنْ وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ بَكْرٍ حَدَّثَنِي أَبُو مَالك بِغَيْر شكّ وَوَقع عِنْد بن حِبَّانَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا السَّنَدِ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَامِرٍ وَأَبَا مَالِكٍ الْأَشْعَرِيَّيْنِ يَقُولَانِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ كَذَا قَالَ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْمَحْفُوظُ هُوَ الشَّكُّ فَالشَّكُّ فِي اسْمِ الصَّحَابِيِّ لَا يَضُرُّ وَقَدْ أَعَلَّهُ بذلك بن حزم وَهُوَ مَرْدُود وأعجب مِنْهُ أَن بن بَطَّالٍ حَكَى عَنِ الْمُهَلَّبِ أَنَّ سَبَبَ كَوْنِ الْبُخَارِيِّ لَمْ يَقُلْ فِيهِ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وُجُودُ الشَّكِّ فِي اسْمِ الصَّحَابِيِّ وَهُوَ شَيْءٌ لَمْ يُوَافَقْ عَلَيْهِ وَالْمَحْفُوظُ رِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَمَّنِ خْبَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ أَوْ أَبِي عَامِرٍ عَلَى الشَّكِّ أَيْضًا وَقَالَ إِنَّمَا يُعْرَفُ هَذَا عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ انْتَهَى)) أهـ .
قال الحافظ[30] : (( عَلَى أَنَّ التَّرَدُّدَ فِي اسْمِ الصَّحَابِيِّ لَا يَضُرُّ كَمَا تَقَرَّرَ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ فَلَا الْتِفَاتَ إِلَى مَنْ أَعَلَّ الْحَدِيثَ بِسَبَبِ التَّرَدُّدِ وَقَدْ تَرَجَّحَ أَنَّهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ وَهُوَ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ )).
قُلت : وعلى القول الأخير فإن الدعوى بالاضطراب في ذكر اسم الصحابي ليس فيه مِنْ علةٍ تقدح في الحديث إذ لا يضر اضطراب عطية بن قيس في اسم الصحابي وهو قولٌ مردودٌ ، ومما سبق يتضح للقارئ أن الحديث محمولٌ على الاتصال إلي مَنْ علقهُ كما هو ظاهره البخاري إليه ، لأن البخاري عَنْ هشام بن عمار وهذه الصيغة العنعنة وهي محمولةٌ على ذلك ، ومِنْ أجمل ما قال الحافظ ابن رجب [31] بعد أن ذكر حديث المعازف : (( هكذا ذكره البخاري في ((صحيحيه )) بصيغة التعليق المجزوم به، و الأقرب أنه مسند، فإن هشام بن عمار أحد شيوخ البخاري، و قد قيل: إن البخاري إذا قال في ((صحيحه)) : قال فلان، و لم يصرح بروايته عنه، و كان قد سمع منه، فإنه يكون قد أخذه عنه عرضا، أو مناولة، أو مذاكرة، و هذا كله لا يخرجه عن أن يكون مسندا، والله أعلم )) أهـ .
فهذا الحافظ ابن رجب – رحمه الله – يجزم بالاتصال بين البخاري وبين شيخه هشام بن عمار ، وهو مٍنْ مسموعاته عَنْ شيخه ، وقد أخطأ وزل مَنْ قال بأنهُ ليس مِنْ مسموعاتهِ وإن كانت صورته صورة المعلق ففهم الأمر على الظاهرِ هكذا ليس سبيل العلماء ولا درب الأئمةِ الاعلام ، فانظر لنفسكَ مُعلاً لحديث صحيح قد صححه الجمع وتفرد باعلاله ابن حزم وليس بعمدةٍ في هذا الشأن ، وتبع الاعلال حسن بن عبد المنان ورد عليه الامام الألباني – رحمه الله – ذلك المحدث الفذ ، وتَبع الإمام الحافظ ابن رجب النووي فيقول[32] : (( و الحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح، و البخاري قد يفعل ذلك لكون الحديث معروفا من جهة الثقات عن من علقه عنه )) أهـ .
ومما يظهر لنا مِنْ صنيع الأئمة أن الإمام البخاري أورده في بابهِ بصيغة الجزم مُحتجاً بهِ، ومما لا يخفى على ذوي العلم بالأمر أن الإمام البخاري لا يجزم بشيءٍ إلا وهو صحيحٌ عندهُ – رحمه الله – وصنيع الإمام البخاري في تبوب الباب في الصحيح إلا أن يبدأ هذا الباب بحديثٍ مسندٍ أو آيةٍ كريمةٍ ، ومما يدل على أن صنيع البخاري – رحمه الله – في ايراده الحديث مِنْ باب الاحتجاج هو إيراده هذا الحديث في ذلك الباب ولم يرد معه شيئاً آخر مما يستدعي الإمعان في صنيعهِ ومفادهُ أن الإمام البخاري أوردهُ وهو على شرط الصحيح عنده ، وأما ما صنعهُ أصحاب المستخرجات فإنهم لا يخرجون في مستخرجاتهم إلا ما علم عندهم اتصاله عَنْ الإمام البخاري ، فتجدهم يوردنهُ على أن يلتقوا مَعْ الإمام البخاري مَعْ شيخه في هذا الحديث ، وهذا إن دل على شيءٍ فعلى أن الحديث محمولٌ على الاتصال ، وقد رواهُ أصحاب المستخرجات هذا الحديث عَنْ شيوخهم عَنْ هشام بن عمار موصولاً فلا شبهة مِنْ بعدهُ .
وقد أورد الإمام الألباني – رحمه الله – ما يثبت أن الحديث جاء موصولاً عِند جمعٍ مِنْ الثقات فقال في كِتابه تحريم آلات الطرب[33] : (( أولا: قال ابن حبان في صحيحه 8 / 265 / 6719، - الإحسان: أخبرنا الحسين بن عبد الله القطان قال: حدثنا هشام بن عمار به إلى قوله: المعازف.والقطان هذا ثقة حافظ مترجم في سير أعلام النبلاء 14 / 287،.ثانيا: قال الطبراني في المعجم الكبير 3 / 319 / 3417، ودعلج في مسند المقلين / المنتقى منه رواية الذهبيق 1 - 2 / 1، قالا: حدثنا موسى بن سهل الجوني البصري: ثنا هشام بن عمار به مثل رواية البخاري. ومن طريق الطبراني رواه الضياء المقدسي في موافقات هشام بن عمار ق 37 / 1 - 2، وموسى هذا ثقة حافظ أيضا مترجم في السير 14 / 261، وقرن معه دعلج محمد بن إسماعيل بن مهران الإسماعيلي وهو ثقة حافظ ثبت وهو غير الإسماعيلي صاحب المستخرج.ثالثا: وقال الطبراني في مسند الشاميين 1 / 334 / 588: حدثنا محمد بن يزيد بن الأصل: عن عبد الصمد الدمشقي: ثنا هشام بن عمار به.ومحمد بن يزيد هذا مترجم في تاريخ دمشق للحافظ ابن عساكر 16 / 124 برواية جماعة عنه وذكر أنه توفي سنة 269،.رابعا: قال الإسماعيلي في المستخرج على الصحيح ومن طريقه البيهقي في سننه 10 / 221: حدثنا الحسن بن سفيان: حدثنا هشام بن عمار به.والحسن بن سفيان - وهو الخرساني النيسابوري حافظ ثبت من شيوخ ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما من الحفاظ - مترجم في السير 14 / 157 - 162 وفي تذكرة الحفاظ.وهناك أربعة آخرون سمعوه من هشام خرجهم الحافظ في تغليق التعليق 5 / 17 - 19 والذهبي عن بعضهم في السير 21 / 157 و 23 / 7،.ثم إن هشاما لم يتفرد به لا هو ولا شيخه صدقة بن خالد بل إنهما قد توبعا فقال أبو داود في سننه 4039: حدثنا عبد الوهاب بن نجدة: حدثنا بشر بن بكر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بإسناده المتقدم عن أبي عامر أو أبي مالك مرفوعا بلفظ:ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخز والحرير - وذكر كلاما قال -: يمسخ منهم آخرون قردة وخنازير إلى يوم القيامة".قلت: وهذا إسناد صحيح متصل كما قال ابن القيم في الإغاثة 1 / 260، تبعا لشيخه في إبطال التحليل ص 27، لكن ليس فيه التصريح بموضع الشاهد منه وإنما أشار إليه بقوله: وذكر كلاما وقد جاء مصرحا به في رواية ثقتين آخرين من الحفاظ وهو عبد الرحمن بن إبراهيم الملقب ب دحيم قال: ثنا بشر بلفظ البخاري المتقدم:"يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف". الحديث.أخرجه أبو بكر الإسماعيلي في المستخرج على الصحيح كما في الفتح 10 / 56 والتغليق 5 / 19 ومن طريق الإسماعيلي البيهقي في السنن 3 / 272.والآخر عيسى بن أحمد العسقلاني1 قال: نا بشر بن بكر به إلا أنه قال: الخز بالمعجمتين والراجح بالمهملتين كما في رواية البخاري وغيره. انظر الفتح 10 / 55.أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق 19 / 152، من طريق الحافظ أبي سعيد الهيثم بن كليب الشاشي: نا عيسى بن أحمد العسلاني به مطولا )) أهـ .
6. متابعة مالك بن أبي مريم لعطية بن قيس لروايتهِ .
وقد أعله بعض المضعفين بأن عطيةً قد تفرد بهِ ولم يصنع شيئاً بل أثبت لنا أن لا حظ لهُ بصناعة الحديث ولا بأهلهِ ، وقد استدل برواية مالك بن أبي مريم على أنها متابعةٌ لهُ في روايته لهذا الحديث بالانتقاد بسلوك دربٍ غير سويٍّ ما تطرق لهُ أحدٌ مِنْ العُلماء ولا أعل بمثل إعلالهِ أحدٌ مِنْ المُتكلمين وإن كانت لنا بعض الشدة فلا نخفي محبتنا لمَنْ رأيناهُ يتكلم في صحتهِ ويضعفهُ بتلك العلل الواهيات فلا يظنن أحدٌ مِنْ الناس أنا نسيء الظن بهِ بل ونحبه في الله تبارك وتعالى وقد استفدنا مِنْ تعليقاتهِ وفوائدهِ الجمةِ إلا أننا رأيناهُ يخالف أهل الصنعة والدين في إعلالهِ لهُ وتضعيفهِ إياهُ ، مُبينا أن هُناك اضطراباً في رواية عطيةٍ ومالك وليس هُناك ما توهمهُ – وفقه الله – في هذا والصواب أن مالكٌ تابع عطيةً في الحديث وعلى جهالة حاله فيتعضد هذا بذاك وتثبت المتابعة .
وقد تابع عطية بن قيس مالك بن أبي مريم ، ومالك بن أبي مريم انفرد بالرواية عَنْهُ حاتم بن حريث ولا يعرف إلا برواية حاتم عَنْهُ وهذا القول يشير إلي جهالةٍ في مالك بن أبي مريمٍ وعلى جهالته قال الحافظ فيه : (( مقبولاً )) وهذه عِند الحافظ ابن حجر مفادها أنهُ صالحٌ للمتابعة ومما سبق يتبين لك أن عطية لم ينفرد بالحديث وقد وصله عددٌ مِنْ الأئمة وجزم به البخاري – رحمه الله – في الصحيح وجزمه بهِ عَنْهُ محمولٌ على الإتصال لقرائن سماعه مِنْ بن عمار في الصحيح ، وإن كان مالك بن أبي مريم مجهول الحال فنعم هذا مسلمٌ بهِ ، إلا أن عطية بن قيس الكلابي قد تابعه أيضاً ، وأما دعوى المخالفة في الحديث فكَمْ مِنْ راوٍ يخالف في روايتهِ ولا يضر هذا الحديث ولا يطرحه إلي درجة الضعيف ، وقد رد الإمام الألباني – رحمه الله – على مَنْ اتهم أن متابعة مالك بن أبي مريم غير قابلة للاعتداد في رده على حسن بن عبد المنان ، فلا أعلم مَنْ سبقهم بهذا القول وإلي متى سيبقى الحال بالمضعفين لما صححه الأئمة مخالفة أئمة هذا الشان وطرح ما أتوا بهِ مِنْ العلم المفيد والحصن المنيع السديد . والله أعلم .
7. حُجة المعترض عدم إفراد البخاري – رحمه الله – باباً للحديث.
وقد مضى التعليق على هذه النقطة ومفاد ما قلته : ومما يظهر لنا مِنْ صنيع الأئمة أن الإمام البخاري أورده في بابهِ بصيغة الجزم مُحتجاً بهِ، ومما لا يخفى على ذوي العلم بالأمر أن الإمام البخاري لا يجزم بشيءٍ إلا وهو صحيحٌ عندهُ – رحمه الله – وصنيع الإمام البخاري في تبوب الباب في الصحيح إلا أن يبدأ هذا الباب بحديثٍ مسندٍ أو آيةٍ كريمةٍ ، ومما يدل على أن صنيع البخاري – رحمه الله – في ايراده الحديث مِنْ باب الاحتجاج هو إيراده هذا الحديث في ذلك الباب ولم يرد معه شيئاً آخر مما يستدعي الإمعان في صنيعهِ ومفادهُ أن الإمام البخاري أوردهُ وهو على شرط الصحيح عنده ، وأما ما صنعهُ أصحاب المستخرجات فإنهم لا يخرجون في مستخرجاتهم إلا ما علم عندهم اتصاله عَنْ الإمام البخاري ، فتجدهم يوردنهُ على أن يلتقوا مَعْ الإمام البخاري مَعْ شيخه في هذا الحديث ، وهذا إن دل على شيءٍ فعلى أن الحديث محمولٌ على الاتصال ، وقد رواهُ أصحاب المستخرجات هذا الحديث عَنْ شيوخهم عَنْ هشام بن عمار موصولاً فلا شبهة مِنْ بعدهُ .
ومِنْ أغرب ما وقع فيهِ المُعلُّ للحديثِ أن قال : (( ولو كان في الحديث دلالةٌ على تحريم المعازف، لعقد له البخاريّ باباً مستقلاً )) رغم ما في هذا القول مِنْ ظنون تبعث في النفس فتركن إلي أن صاحب هذا القول يقول بأن المعازف مُباحةٌ إلا أننا سنحسن الظن بهِ لما رأينا مِنْهُ مِنْ طلبٍ للحق وبغيته إياهِ فنسأل الله تعالى له الهداية والرشاد في هذا الشان وأن يسدد دربهُ ويقيه وإيانا شر الفتن .
ومما يستدل بهِ في جمع الإمام البخاري – رحمه الله – للمعازف مَعْ ما جاء في متن الحديث ما قاله الإمام الألباني – رحمه الله – في السلسلة الصحيحة [34] : (( قرن ( المعازف ) مع المقطوع حرمته : الزنا و الخمر ، و لو لم تكن محرمة ما قرنها معها إن شاء الله تعالى )) أهـ .
فقرنه المعازف مَعْ المقطوعِ بحرمتهِ مفادهُ أن الإمام البخاري – يرى – تحريم المعازف ومِنْ أعجب ما رأيت لمَنْ أعل الحديث مِنْ القول أن قال : (( ويظهر مِن صنيع البخاريّ أنّه لم يصحّ عنده في باب تحريم المعازف شيء )) أهـ ! وهذا مِنْهُ غير مقبولٍ أبداً واستنتاجٌ مليءٌ بالغلطِ إذ كيف يجوز على مَنْ هو بإمامة البخاري على الاحتجاج بهذا الخبر في بداية الباب أنه يرى أن البخاري لا يرى صحة حديث في المعازفِ وتحريمها ! ولم يصنع شيئاً إذ لا يتضح مِنْ هذا أن الإمام البخاري لا يصح عنده في تحريم المعازف حديثٌ وإلا لما أخرج الحديث جازماً بهِ في الصحيحِ وفيه قرن المعازف بالمقطوع بتحريمهِ ، وحسبك بقرنها مَعْ الخمر والزنا تحريماً لها فاتق الله وأصغِ لقول الأئمةِ الأعلام .
ومِنْ أدهى الأمور وأصعبها أن المعترض على صحة الخبر استدل بقول ابن حزمٍ [35]: (( وهذا منقطع لم يتصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد )) وقد رد عليهِ جمعٌ مِنْ الحفاظ كالحافظ ابن حجر وابن الصلاح – رحمهم الله – ، وأما ما استدل به المعترض على التخريج بقول الحافظ العراقي[36] : (( صورته عند البخاري صورة التعليق، ولذلك ضعفه ابن حزم )) أهـ .
ليت شعري أهذا مِنْ الحافظ العراقي إعلالٌ بينٌ وقولٌ بالضعفِ في الحديث ، أم أن كلامهُ مفادهُ أن الحديث على صورة التعليق وقد ثبت سابقاً ان الإمام البخاري جزم بهِ وهو صحيحٌ إلي مَنْ جزم به إليهِ وقد ثبت أن البخاري صرح بالسماع مِنْ شيخه في مواطن عدة فانتفى الانقطاع ، وهذا الاحتجاج يدل على وهن حُجةَ مَنْ قال بضعفهِ بانياً ذلك البنيان الهشَّ على قول الحافظ العراقي وهبَّ أن صورتهُ صورة التعليق ! فهل يحتج بقول العراقي على العلةِ هُنا !! ، وهذا ما لا أراه صواباً أبداً .
8. حُكم المعترض بجهالة حديثِ مالك بن أبي مريم وعدمِ صَلاحهِ للمتابعة .
قلتُ : وقوله هنا مردودٌ جملةً وتفصيلاً ، وقد مضى الرد على هذه الشبهة فانظر ما سبق في متابعة مالك لعطية بن قيس ، وعلى جهالته فصالح للمتابعة وقد تابعه عطية بن قيس . والله أعلم .
9. إعادةُ النظر فيما استدل بهِ المضعف للحديث مِنْ أقوال أهل الأثر .
وفي هذا سنناقش أدلة المعترضِ مَعْ ما استدل بهِ مِنْ أقوال الأئمةِ وشُبهاته قائمةٌ على ما يلي :
· ادعى المضعف أن الحديث ليس على شرط البخاري.
· كون عطية بن قيس ليس مِنْ رجال البخاري .
· استدلاله بقول الحميدي ، والاسماعيلي وأبي نعيم في المستخرج ، وابن الجوزي .
وإني قد تحريت قولهُ وتأملتهُ تأملاً جيداً وأحسب الرجل مِنْ الذين يحسنون الفهم وذو نظرٍ طيبٍ وإن كنت أرى أنه أخطأ بتلك التعقبات إلا أني أحسن الظن بهِ ، وفي هذه النقاط سأتطرق إلي ما مال إليه وذاكراً عَنْهُ نقولاته عَنْ الأئمةِ وهل كان فهمهُ إياها صواباً أم أخطأ في ذلك . والله المُعين .
· دَعواهُ أن حَديث المعازف ليس على شرط البخاري .
قال – عفا الله عنه – مُعلقاً : [ حديث المعازف ذكره البخاريّ استئناساً لا احتجاجاً، فإنه ليس على شرطه في الصحيح وذلك لأمرين:* الأول: أنّ البخاريّ علَّقه ولم يَصِلْ ما بينه وبين شيخه هشام بن عمار. والعلماء في تناولهم لهذا الحديث لم يُنكروا كونه معلَّقاً، وإنما حَمَلوه على الاتصال لأن هشاماً مِن شيوخ البخاريّ الذين سمع منهم، والبخاريّ لم يكن بمدلِّس. وهذا الردّ لا ينفي حكاية التعليق، بل ليس الأمر متعلقاً بالتدليس - وحاشا البخاريّ أن يكون مدلِّساً - فالبخاريّ قد علَّق أحاديث عن شيوخه ولم يذكر فيها لا تحديثاً ولا عنعنة مع أنهم شيوخه. فلو كانت كل أحاديثهم محمولةً على الاتصال، فلماذا إذن علَّق ما علَّقه منها ولم يُسندها كلّها؟ فالبخاريّ رحمه الله قد يعلِّق بعض أحاديث شيوخه إذا لم يكن سمعها منهم. كما قال مثلاً في كتاب المناقب (3923): وقال محمد بن يوسف: حدثنا الأوزاعي .. الخ. قال البدر العيني في العمدة (18/38): ((قوله "وقال محمد بن يوسف": هو الفريابي، وهو شيخ البخاري أيضاً. وكأنه لم يسمعه منه، فلذلك علّقه)). اهـو لذلك تجد الذهبي لمّا ساق حديثنا هذا الذي علَّقه البخاري في صحيحه، قال كما في تذكرة الحفاظ (4/1336): ((أخرجه البخاريّ عن هشام عن غير سماع)). اهـ فقد فَهِمَ الذهبيُّ مِن تعليقِ البخاريّ نفسَ ما فهمه ابنُ حزم، وهو الانقطاع بين البخاريّ وهشام لعدم ذِكر صيغة التحديث ] أهـ .
قُلت : وهذا مِنْ صاحبنا غَير مقبولٍ أبداً وحُجةٌ واهيةٌ جداً ، فقد سبق وأن بينا أن الحديث محمولاً على الاتصال وسبق وأن ذكرنا قول الإمام النووي – رحمه الله – والإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي – رحمه الله تعالى – في كون الحديث مِنْ المتصل ، ورأينا بعضاً مِنْ العلماء يقول أنهُ على شرطهِ كونه قد جزم بهِ في الصحيح وإن كانت صورته صورة الحديث المعلق فليس له حكم الحديث المعلق وهو الانقطاع .
وإن قولك بأن هذا الرد لا ينفي التعليق ! قُلنا لا ينفي أن له صورة التعليق في الصحيح لكنهُ محمولٌ على الاتصال وهذا ما عمل بهِ أئمة الحديث فقولك مُنقطعٌ ليس بمسلمٍ أبداً لك وإن كانت صورته تلك الصورة التي تظهر لصاحبها أنهُ منقطعٌ إلي مَنْ علقهُ عَنْهُ ، وأما ما استدليت بهِ مِنْ قول الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ[37] : (( أخرجه البخاريّ عن هشام عن غير سماع )) وهذا عَنْ هشام في ظاهرهِ مِنْ غير سماع مِنْ الإمام البخاري عَنْهُ ، إلا أن سماعهُ مِنْ هشام موجودٌ في الصحيح .
وقد أورده الإمام البخاري – رحمه الله – في الصحيح احتجاجاً ولذلك لم يدخل معه في الباب الذي بدأ به هذا الحديث شيئاً ، وهذا إن دل على شيءٍ فمنِ صنيع الإمام البخاري أنه احتج به في هذا الباب وهو عمدته – رحمه الله – في الباب إذ جزم بهِ على الراجح مِنْ القول ومِنْ صنيعه كما يظهر.
· كون عطية بن قيس ليس مِنْ رجال البخاري .
ومِنْ الأمور المنكرة في قولهِ أنه قال أن عطية بن قيس ليس مِنْ رجال البخاري ، وهبَّ أنهُ ليس مِنْ رجال البخاري – رحمه الله – فهل هذا ينفي احتجاج الإمام البخاري بهِ فقد يخرج الإمام البخاري في الصحيح لمَنْ ليس مِنْ شرطه في الرجال وينتقي مِنْ حديثهِ فكَمْ مِنْ راوٍ صدوقٍ في صحيح البخاري انتقى الإمام البخاري ما صح عنده مِنْ حديثهُ ، وإن أعللنا كُل حديث مَنْ قيل فيه أنهُ ليس مِنْ رجال البخاري فلم يسلم على دعواهُ مِنْ النقد أيُّ حديثٍ عَند الإمام البخاري !!! والله المستعان وأحسن ما يقال في أن الإمام البخاري انتقى مِنْ حديث عطية ما يراه صحيحاً وهو المشير إلي قوله بأنه لا يخرج حديث مَنْ لا يعرف سقيم حديثه مِنْ صحيحه ! فلا حجة في هذا القول ولا أراهُ مِنْ العلل التي قد يعتمد عليها مَنْ لهُ مدَّ طالب العلمِ في الحديثِ ونصيفهُ فأحسن الاعلال – نفع الله بك – .
· استدلاله بقول الحميدي ، والاسماعيلي وأبي نعيم في المستخرج ، وابن الجوزي .
وقد استدل – عفا الله عنه – بأقوال الأئمة المذكورين على أن الحديث مُخرجاً في الصحيح مُعلقاً ! قُلنا وسبق أن بينا أنهُ وإن كان لهُ صورة المعلق فلا يلحق بهِ حكم المعلق وقد وقع المضعف أن نقل أقوال الأئمة ما يدعم هذا القول ويثبت لنا الحجة في أن القول فيه إن كان له صورة المعلق فلا يلحق به حكم المعلق ومِنْ هذا الصنيع قول ابن الصلاح[38] : ((التعليقُ الذي يذكره ‏‏أبو عبد الله الحميدي‏‏ّ صاحب ‏‏الجمع بين الصحيحين‏‏ وغيرُه من المغاربة في أحاديث من صحيح البخاريّ قطع إسنادها - وقد استعمله ‏‏الدارقطني‏‏ من قبل - صورته صورة الانقطاع وليس حكمه حكمه )) أهـ .
قُلت : وقولهُ ليس حكمه حكمه هذا أخطأ المضعف ، وهذا القول هو قول الحافظ ابن الصلاح وقول الحافظ ابن حجر ! ومفاده أن ما رواهُ البخاري – رحمه الله – بصيغة الجزم عَنْ شيوخه وإن كان على صورة المعلق فمحل الاتصال لأنهُ قد يخرجه البخاري في موضع أخر في الصحيح متصلاً ، أو يخرجهُ مَنْ استخرج على صحيحه الحديث متصلاً ، أو لا يكون على شرطه فيخرجهُ مَنْ هو عنده على شرطه مسنداً موصولاً ، وصنيعه هُنا بينٌ على أن قول الأئمةِ فيه لهُ حكم الاتصال وهو قول الحافظ ابن رجب وقول الإمام النووي – رحمهم الله – في أن له حكم الاتصال . والله أعلم .
وقد مضى تعليقنا في أصل البحث على النقاط التي أثارها في تضعيفهُ للحديث ، وإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان الرجيم ، وأسأل الله تعالى أن يكتبنا مِن المخلصين وأن يغفر لنا ذنبنا ومِنْ بركة العلم نسب الفضل لأهله وأشهد الله أني استفدت مِنْ الأخوة كثيراً وخصوصاً مِنْ المعترض أن قرأت تعليقاته مما دعاني إلي تتبعه في بعض النقاط وتخريجي هذا للحديث ليس معرضاً للرد على المضعف لهُ بل هو تخريجٌ لما رأيناهُ أصلاً في الحديث وأنه صحيحٌ وهاك حُجتنا وليطرح المعترض علينا حجته وليناقشنا فيها ونسأل الله أن يكتبنا وإياكم مِنْ أهل العلم وأن يغفر لنا ذنبنا ويرحمنا إنه ولي ذلك .

كَتبهُ /

أبي الزهراء بن أحمد آل أبو عودة الغزي الأثري

12/ شعبان / 1434 هـ .

حامداً الله تبارك وتعالى ومصلياً لهُ وعلى نبيهِ

أسأل الله أن يجعلنا مِنْ المخلصين وأن يحفظ والدتنا التي أعانتنا على فعل الخير وطلب العلم

وجزى الله تعالى خيرا كل مَنْ رأى فيما كتبت عيباً فأهدى إلي عيوبي .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــ
[1]وتخصيص التَخريج عَنْ الأخ الفاضل أحمد الأقطش في ملتقى أهل الحديث .
[2]وما بين القوسين مِنْ تخرج الأخ أحمد الأقطش – وفقه الله – ونفع به .
[3]الجرح والتعديل (6/383) .
[4]الثقات (5/260) .
[5]طبقات ابن سعد (7/460) .
[6]تهذيب الكمال (20/153) .
[7] المصدر السابق .
[8]المسند الزخار (10/40)
[9]تقريب التهذيب (393) .
[10] مجمع الزوائد (4/17) .
[11]علوم الحديث (ص72) .
[12]الاستقامة (1/294) .
[13]الجرح والتعديل (2/195) .
[14]مقدمة فتح الباري شرح صحيح البخاري (1/17) .
[15]فتح الباري شرح صحيح البخاري (10/54) .
[16]تحرير علوم الحديث (2/850) .
[17]فتح الباري شرح صحيح البخاري (10/54) .
[18]تغليق التعليق (5/21) .
[19]تحرير علوم الحديث (2/850) .
[20]تحرير علوم الحديث (2/853) .
[21]المصدر السابق .
[22]صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط، وحمايته من الاسقاط والسقط": ق4ب-5آ. وعنه النووي بحروفه في شرح مسلم: 1: 18-19. وانظر للتوسع إغاثة اللهفان: 139-140، وفتح الباري: 10: 41-43.
[23]النكت على مقدمة ابن الصلاح (1/220) .
[24]مقدمة الفتح (10/51) .
[25]مسند الشاميين 1/334 رقم (588) كما ذكر الحافظ.
[26]تذكرة الحفاظ (4/1336) .
[27]فتح الباري شرح صحيح البخاري (10/54) .
[28]المصدر السابق .
[29]فتح الباري (10/54) .
[30]المصدر السابق .
[31]نزهة الأسماع في مسألة السماع (ص40) .
[32]إرشاد طلاب الحقائق (1/196) .
[33]تحريم آلات الطرب (1/38) .
[34]"السلسلة الصحيحة" 1 / 139.
[35]المحلى (9/59) .
[36]تخريج أحاديث الإحياء (2164) .
[37]تذكرة الحفاظ (4/1336)
[38]مقدمة ابن الصلاح (1/226) .
رد مع اقتباس
  #88  
قديم 22-06-13, 01:39 AM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: القَولُ العَاصِف بِدِراسةِ حَديثِ البُخاريِّ في المَعازِفِ

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو الزهراء الأثري مشاهدة المشاركة
وهشام بن عمار مِنْ شيوخ الإمام البخاري وقد روى عَنْهُ في الصحيح بالسماع المُباشر أي أنه قد صرح بالسماع مِنْهُ في عدة مواطنَ في الصحيح ، وقولهُ بان هذا لا ينافي التعليق ليس مُسلماً بهِ كون هذا محمولٌ على الاتصال لأنه قد حدث عَنْهُ في غير موطنٍ مِنْ الصحيح مُصرحاً بالسماع مِنْهُ فينتفي أن يكون هناك مَنْ حذف في إسناد الحديث إلي هشام بن عمار
بارك الله فيك أخي أبا الزهراء على هذا المجهود المبارك. لكنَّ موطن الخلاف هنا ليس بهذه البساطة أنَّ البخاري ما دام قد صرَّح بالتحديث عن شيخه في موضعٍ إذن فما علَّقه عنه في موضعٍ آخر مجزومٌ باتصاله! بل ابن حجر نفسه قد قَرَّر انخرام هذه القاعدة في غير ما موضعٍ مِن شرحه، لأنه وُجِد للبخاري أحاديث علَّقها عن شيوخه ثم أسندها في مواضع أخرى فأثبت واسطةً بينه وبينهم، وأخرى أوردها تعليقاً ولَمْ يُسندها لا في صحيحه ولا خارجه. وهي نقطةٌ جوهريةٌ مَرَرْتَ عليها مرور الكرام، واكتفيتَ فيها بالنقول المعروفة. هذا مع إغفالك إيرادَ قولِ أبي بكر الإسماعيلي صاحب المستخرج في المسألة مع أنه مؤثِّرٌ ولا تستقيم المناقشة إلاَّ به، لأنه يتناول الأسباب التي دَعَت البخاري إلى مِثل هذا الصنيع، وهو ذَهَبَ إلى أنَّ البخاري إذا لَمْ يُسنِد هذه الأحاديث في مواضع أخرى، فقد تكون عنده بواسطةِ مَن ليس على شرطه في الصحيح. فإهمالُك لهذا القول مِن هذا الإمام لا يجعل النتيجةَ التي انتهيتَ إليها تبعاً لابن الصلاحِ متفقاً عليها. كما أغفلتَ أيضاً قول السخاوي وهو مِن القائلين بالانقطاع. ولَمْ أَجِدْكَ عَرَّجْتَ على ما وقع في ألفاظ الحديث مِن اختلاف، ولَمْ تُدَقِّق القول في مسألةِ مَن أخرج له البخاريُّ مسنداً ومَن أخرج له تعليقاً، وكذا جوابك على قول الذهبي إنَّ البخاري أخرجه عن غير سماعٍ مِن هشام ليس في محلِّه، وبضعة نقاطٍ أخرى أراها بحاجةٍ إلى تحرير.

لذلك سامحني أخي أبا الزهراء إنْ قلتُ إنني لَمْ أجدْ جديداً في بحثك هذا حفظك الله، فقد رَدَدْتَ فيه على المخالِف بنفس الردود التي خالفها مِن قبلُ! ومِثل هذه المسائل الدقيقة بحاجةٍ إلى توسيعٍ لدائرة البحث وعدم الاكتفاء بالمعهود مِن النقول. وأشكر لك حُسْن ظنِّك في تخريجي إذ اعتمدتَ عليه، لكنني كنتُ أرجو أن أرى تخريجك أنتَ. لأنني وبعد قراءةِ ما كتبتُه هنا منذ سنوات، وجدتُ مِن جوانب النقصِ ما كان بحاجةٍ إلى إعادة الكتابة مرةً أخرى لاستكمالها.

هذا على عجالةٍ، وأرجو أن يتسع صدرك لرأيي المتواضع أخي أبا الزهراء، فما كتبتُ هذا إلاَّ محبةً لك. وفقنا الله وإياكم لِمَا يحبه ويرضاه.
رد مع اقتباس
  #89  
قديم 22-06-13, 04:49 AM
ابو رحمة ابو رحمة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-02-07
المشاركات: 63
افتراضي رد: لماذا علق الإمام البخاري حديث المعازف ؟

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد الأقطش مشاهدة المشاركة
أخي الكريم أبا رحمة .. أعتذر عن تأخُّري عليك. فقد - واللهِ - صدق أبو منصور الثعالبي حين قال [يتيمة الدهر 1/27]: «تَبَيَّنْتُ مصداق ما قرأتُه في بعض الكتب: إنَّ أول ما يبدو مِن ضعف ابن آدم أنه لا يكتب كتاباً فيبيت عنده ليلةً، إلاَّ أَحَبَّ في غدها أن يزيد فيه أو يُنقص مِنه. هذا في ليلةٍ واحدةٍ، فكيف في سنين عدة!». اهـ وكَتَبَ القاضي عبد الرحيم البيساني إلى العماد الأصفهاني قائلاً [كشف الظنون 1/18]: «لا يكتب إنسانٌ كتابَه في يومه، إلاَّ قال في غده: لو غُيِّر هذا لكان أحسن، ولو زِيدَ [هذا] لكان يُستحسن، ولو قُدِّم هذا لكان أفضل، ولو تُرك هذا لكان أجمل! وهذا مِن أعظم العبر، وهو دليلٌ على استيلاء النقص على جملة البشر». اهـ

لذلك فقد شرعتُ في كتابة بحثٍ جديدٍ مستقلٍّ في حديث المعازف، لأني تبيَّنْتُ أنَّ الإنشاء الجديد هو أيسرُ مِن إصلاح ما هو تليد! كما قال الجاحظ [الحيوان 1/55]: «ولَرُبَّما أراد مؤلفُ الكتابِ أن يصلح تصحيفاً أو كلمةً ساقطة، فيكون إنشاءُ عشر ورقاتٍ مِن حُرِّ اللفظ وشريف المعاني أيسرَ عليه مِن إتمام ذلك النقص حتى يردَّه إلى موضعه مِن اتصال الكلام!». اهـ

وفقنا الله وإياكم
أخى الكبير والكريم أحمد الاقطش .....منذ أيام وأنا أود تذكيركم ...ولكن منعنى شىء واحد هو الا اثقل عليك ....وتوقعت انشغالكم ...
جزاكم الله خيرا على حسن خلقك وطيب أدبك ...وعلو علمك

فى انتظار بحثكم ...بشوق
اعانك الله ورزقك التوفيق
رد مع اقتباس
  #90  
قديم 22-06-13, 05:58 PM
أبو الزهراء الأثري أبو الزهراء الأثري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-05-12
الدولة: فلسطين - حرسها الله -
المشاركات: 1,340
افتراضي رد: القَولُ العَاصِف بِدِراسةِ حَديثِ البُخاريِّ في المَعازِفِ

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد الأقطش مشاهدة المشاركة
بارك الله فيك أخي أبا الزهراء على هذا المجهود المبارك. لكنَّ موطن الخلاف هنا ليس بهذه البساطة أنَّ البخاري ما دام قد صرَّح بالتحديث عن شيخه في موضعٍ إذن فما علَّقه عنه في موضعٍ آخر مجزومٌ باتصاله! بل ابن حجر نفسه قد قَرَّر انخرام هذه القاعدة في غير ما موضعٍ مِن شرحه، لأنه وُجِد للبخاري أحاديث علَّقها عن شيوخه ثم أسندها في مواضع أخرى فأثبت واسطةً بينه وبينهم، وأخرى أوردها تعليقاً ولَمْ يُسندها لا في صحيحه ولا خارجه. وهي نقطةٌ جوهريةٌ مَرَرْتَ عليها مرور الكرام، واكتفيتَ فيها بالنقول المعروفة. هذا مع إغفالك إيرادَ قولِ أبي بكر الإسماعيلي صاحب المستخرج في المسألة مع أنه مؤثِّرٌ ولا تستقيم المناقشة إلاَّ به، لأنه يتناول الأسباب التي دَعَت البخاري إلى مِثل هذا الصنيع، وهو ذَهَبَ إلى أنَّ البخاري إذا لَمْ يُسنِد هذه الأحاديث في مواضع أخرى، فقد تكون عنده بواسطةِ مَن ليس على شرطه في الصحيح. فإهمالُك لهذا القول مِن هذا الإمام لا يجعل النتيجةَ التي انتهيتَ إليها تبعاً لابن الصلاحِ متفقاً عليها. كما أغفلتَ أيضاً قول السخاوي وهو مِن القائلين بالانقطاع. ولَمْ أَجِدْكَ عَرَّجْتَ على ما وقع في ألفاظ الحديث مِن اختلاف، ولَمْ تُدَقِّق القول في مسألةِ مَن أخرج له البخاريُّ مسنداً ومَن أخرج له تعليقاً، وكذا جوابك على قول الذهبي إنَّ البخاري أخرجه عن غير سماعٍ مِن هشام ليس في محلِّه، وبضعة نقاطٍ أخرى أراها بحاجةٍ إلى تحرير.

لذلك سامحني أخي أبا الزهراء إنْ قلتُ إنني لَمْ أجدْ جديداً في بحثك هذا حفظك الله، فقد رَدَدْتَ فيه على المخالِف بنفس الردود التي خالفها مِن قبلُ! ومِثل هذه المسائل الدقيقة بحاجةٍ إلى توسيعٍ لدائرة البحث وعدم الاكتفاء بالمعهود مِن النقول. وأشكر لك حُسْن ظنِّك في تخريجي إذ اعتمدتَ عليه، لكنني كنتُ أرجو أن أرى تخريجك أنتَ. لأنني وبعد قراءةِ ما كتبتُه هنا منذ سنوات، وجدتُ مِن جوانب النقصِ ما كان بحاجةٍ إلى إعادة الكتابة مرةً أخرى لاستكمالها.

هذا على عجالةٍ، وأرجو أن يتسع صدرك لرأيي المتواضع أخي أبا الزهراء، فما كتبتُ هذا إلاَّ محبةً لك. وفقنا الله وإياكم لِمَا يحبه ويرضاه.
الأخ الحبيب الفاضل أحمد الأقطش - نفع الله بك - /
قُلت يا رعاك الله أن الأمر هينٌ ولا يحتاج إلي الاختلاف وما اقتصرت في الطرح إلا لأناقشك في أدلتك وطرحها في هذا الباب والشأن ، وعلى كل حالٍ فأما تصريح البخاري - رحمه الله - بالسماع مِنْ هشام بن عمار في عدة مواطنَ في الصحيح ، فجزمهُ بالتحديث عَنْهُ في الحديث مِنْ باب المُتصل مِنْ الأسانيد وهو متصلٌ وليس منقطعٌ بحد قولك - يا رعاك الله - .
وأما فيما يتعلق بقول الحافظ ابن حجر - رحمه الله - لا أراه في شرحه للحديث ولا تعليقه قد خرم هذه القاعدة ولا أسقطها ، بل وأتيتك بمواطن الاستشهاد مِنْ قول الحافظ ابن حجر مما يرجح القول بأنهُ مُتصلٌ وعلى هذا كان العلماء ، وإن كانت صورة التحديث صورة التعليق فذلك لا يدفعنا لإجراء حكمه عليها ، ويعلم الله أني ما تركت موطناً مِن كلام الحافظ ابن حجر إلا وقد سرت عليه وتأملته تأملاً هيناً وبيناً ، وهذه النقول المعروفة التي أوردتها مِنْ الفتح ! هي الحاكم في حديث المعازف وهي التي يجب علينا أن نتناقش فيها لأنها ترجح الاتصال فيه .
وأما إغفالي لقول أبي بكر الإسماعيلي فليس لأنهُ مؤثرٌ فأين ذاك التأثير الذي تقول بهِ - نفع الله بك - في قول الإسماعيلي رغم أننا قد تأملناهُ في نقلك لهُ في المستخرج ! وقد وصلهُ هو في مستخرجه - رحمه الله - وذهابه إلي كون البخاري لم يسندها في موطن أخر في الصحيح فالعلماء على أن ما جزم به البخاري ولم يسنده في صحيحه ! فقد يسنده غيرهُ ويكون هذا على شرطه وقد بينت النقاط التي قد يذكر لأجلها الإمام البخاري الحديث بصيغة التعليق ، وأما النتيجة التي انتهيت اليها ذهب إليها الإمام الألباني - رحمه الله - ومِنْ قبله ابن الصلاح ولا نعلم أحداً حكم بالإنقطاع صريحاً على هذا الحديث غير حسان بن عبد المنان ! ومَنْ سبقه الإمام ابن حزم وليس في صنيع الذهبي ولا الاسماعيلي ما يشير مِنْ قريب أو بعيدٍ على أن هذا الحديث بذاته منقطعٌ إذ حديثهم عَنْ المعلقات في الحكم مِنْ باب الإنقطاع لأن التعليق هو ما حذف مِنْ مبتدأ إسناده إلي أخره راوٍ أو أكثر ، والصورة التي أرى العلماء الذين نقلت عنهم قولهم هي الصورة العامة للمعلقات ولم يتكلموا في الحديث ! فتراهم يقولون : (( وأخرجه على صورة التعليق )) وقال بعض مَنْ نقلت أنت عنهم : (( ورواهُ بصيغة لا تبين السماع )) أو كما نلقت عنهم .
وأما فيما يتعلق بألفاظ الحديث فليست بالعلة التي يمكنُ أن ينظر إليها فأنت تقارن رواية عطية بن قيس الكلابي برواية مالك بن أبي مريم وهو على جهالته فقد تابع فيها عطية بن قيس فكيف تقارن رواية مَنْ عرف حالهُ وعرف بصدقهِ مَعْ مَنْ لم يعرف حالهُ ولا روايته وعلى الأرجح إن أردنا أن نقارن رواية مالك بن أبي مريم بهِ فإنها على أحسن الأحوال متابعةٌ لهُ وقد تُوبع كذلك في غير هذا الموطن ، وصنيعك وإن لم أعرج عليه مِنْ الألفاظ فليس بالعلة التي تؤثر بصحة هذا الحديث ولا أراك إلا منفرداً بهذا القول مُخالفاً ما عليه أهل العلم والدين يا رعاك الله .
أما جوابنا على قول الحافظ الذهبي فهو مما أراهُ صواباً ولستُ أرى نفسي معصوماً عَنْ الخطأ فلو أنك بينت وجه التحرير في النقاط التي أشرت إليها فما طرحت هذا إلا لتحرير موقفك مِنْ الحديث ومناقشة أدلتك التي بنيت عليها هذا البنيان - سددك الله - وفي كلامك ما يحتاح إلي التحرير وما ذهبنا إليه مِنْ قول ابن الصلاح هو ما ذهب إليه الألباني وتعاقبت أقوال الأئمة على تصحيح الحديث ولم يعله أحدٌ بتلك العلة التي تفرد بها ابن حزم ! وأما فهمك للنصوص التي نقلت عَنْ الأئمة فهو مِنْ قبيل تحميل أقوالهم مالم يقولوه وهذا ليس صواباً أبداً .
أخي الفاضل ما اقتصرت في البحث إلا لأجل مناقشتكم في النقاط التي أشكلتها والقواعد التي قعدتها أنت على منهجك في إعلال الحديث ! ، ولو أنك مستعدٌ على توسعة دائرة البحث فحيهلا بهذه التوسعة ولنناقشها أنا وأنت وإطرح مالديك ! فما ابتغيت مِنْ هذا البحث الفصل في المسألة إنما إبتغيت أن يزداد النقاشُ في الشأن بما يوجب النقاش فيه ولنستزد في العلم ، وأما المسألة فأنت مصيبٌ في القول بأنها تحتاج إلي ما يستزيد فيهِ ، فإطرح ما عندك وما رأيته واجب التغيير وحياك الله تعالى نتعلم مِنْ علمكم ! وإن كُنت نقلت لكم تخريجكم فهذا مِن باب حسن ظننا بكم وإن كُنت أريد الإختصار فأخذي عنك تخريجك هو مِنْ باب التقدير والإجلال فنفع الله بك .
نفع الله بك ! كلامكم مأخوذٌ بهِ ونصيحتكم على العين والرأس ، ولكن النقاط التي أثرتها نعرف أننا أغفلناها ولم نتطرق لها لأن أكثرها لا يصلح ليكون علة للحديث ، وأردت به أن أبين أنه لا حجة لمَنْ أراد أن يعل الحديث بتلك العلل ! وإلا لكنت تطرقت لها فهات ما عندك في الحديث لنعرف ما إن كان الحديث في منظورك معلٌ بعلةٍ تقدح في صحتهِ أم أنه خلاف ما تميل إليه . والله الموفق .
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:21 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.