ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الفقهية
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #51  
قديم 08-03-05, 12:12 AM
أبو محمد المطيري أبو محمد المطيري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 24-02-03
المشاركات: 263
افتراضي

يرفع
لم أر ردّا و لا تعقيبا من فضيلة الشيخ ابن وهب و لاالشيخ المقرئ فلا يبخلا على المتابعين بمخالفة بدليل أو موافقة بتعليل.
__________________
د/ عبد الله علي الميموني
جامعة طيبة
رد مع اقتباس
  #52  
قديم 08-08-05, 01:55 PM
علي محمد ونيس علي محمد ونيس غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 06-08-05
المشاركات: 33
افتراضي رمي الجمار قبل الزوال

الحمد لله
فقد سرني كثيرا ما يطرحه هذا الملتقى المبارك من قضايا ومسائل ، ومنذ مدة وأنا أريد المشاركة فيه ، ولقد كنت أتابع مسألة رمي الجمار ، نظرا لأهميتها بالنسبة لي ، ولأنني كتبت فيها بحثا مفصلا منذ عامين تقريبا ووفق الله لطباعته ، لكنه لم يكتب له الانتشار لحكمة يعلمه الله تعالى ، فالله نسأل أن يصلح فساد قلوبنا ، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح ، وقد حدثتني نفسي بأن أشارك معكم في هذا الموق المبارك بهذا البحث ( تحقيق المقال في رمي الجمار قبل الزوال ) سائلا الله تعالى لي ولكم التوفيق والسداد والرشاد .





تحقيق المقال في رمي الجمار قبل الزوال



أعده / علي ونيس


مقدمة
بقلم أ.د. يوسف القرضاوي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه أما بعد:
فيسرني أن أقدم لهذه الدراسة الجيدة التي قام بها ابننا العالم الباحث النابه الشيخ علي ونيس نوّر الله بصيرته وسدد خطاه، حول موضوع يحتاج إليه المسلمون أشد الحاجة في هذا العصر، وهو يتعلق بفريضة الحج الركن الخامس من أركان الإسلام وشعائره التعبدية الكبرى. وهو: موضوع (الرمي قبل الزوال) في أول وثاني أيام التشريق، وهو أمر يشدد فيه كثير من العلماء، ويوجبون على الناس أن يرموا بعد الزوال، وإن بلغ الزحام بالناس ما بلغ، حتى إن الناس يقتل بعضهم بعضا من شدة التدافع في مرمى الجمار.
ومن ذهب إلى الحج سمع مكبرات الصوت تعلن على الناس: أن من رمى قبل الزوال، فرميه باطل! ولا يكتفون بهذا، بل يضيفون إليه: وحجه باطل!!
هذا مع أن المسألة ليست من مسائل الإجماع بيقين، والخلاف فيها واقع منذ عهد الصحابة والتابعين والأئمة المعتبرين.
فتصدى أخونا الباحث علي ونيس لهذه المسألة ليحقق القول فيها، ويمحص ماورد فيها من أقوال، ومدى صحة نسبتها إلى أصحابها، ويوازن بين أدلتها بحياد وموضوعية إلى حد كبير.
وقد أعجبني من الباحث الشاب: ثقته بنفسه، وشجاعته في مناقشة الأقوال، وتضعيف ما يرى أنه ضعيف، وترجيح ما يرى أنه الراجح، وإن خالف المشهور أحيانا، وهو يتحدث بمنطق علمي وفقهي رصين، وبعد اطلاع واسع على مصادر شتى، ومنها مصادر التوثيق والتضعيف للأسانيد. وهذا كله يبشر بعقلية فقهية واعدة باقتحام ميدان الاجتهاد، فإن الاجتهاد الحق يبدأ بالاجتهاد الترجيحي الانتقائي، ثم ينتهي بالاجتهاد الإبداعي الإنشائي.
وكل عالم يملك المؤهلات العلمية اللازمة من العلم بالعربية، والعلم بالكتاب والسنة، والعلم بمقاصد الشريعة وأصول الفقه، وممارسة الفقه حتى تتكوّن له الملكة الفقهية، مع معرفة بفقه الواقع والحياة : قادر بتوفيق الله تعالى على أن يخوض مبدأ الموازنة والترجيح.
لقد أفادنا بحث الشيخ على ونيس إضافة أسماء جديدة، لم تكن معروفة من قبل، أو مشهورة، ممن قالوا بجواز الرمي قبل الزوال مثل: ابن عباس وابن الزبير من الصحابة، ومثل عكرمة وغيره من التابعين.
ومثل إمام الحرمين الجويني من الشافعية، وابن الجوزي وابن الزاغوني من الحنابلة، بالإضافة إلى الأسماء المعروفة من قبل.
ولكن الذي أخذته على الباحث حفظه الله: أنه كان متحفظا إلى حد بعيد،
فهو يقدم رجلا ويؤخر أخرى، وكأنه يخشى من سهام النقد التي ستوجه إليه من المتشددين، فأراد أن يرضيهم،أو يكف ألسنتهم عنه، رغم أن نتائج بحثه تنادي بأن الرمي قبل الزوال: أمر مشروع ولا شك فيه، قال به صحابة وتابعون، وأئمة معتبرون، من المتقدمين والمتأخرين، والنصوص القرآنية والنبوية تشهد له، ومقاصد الشريعة تؤيده، والقواعد الفقهية تسنده، وحاجة الناس توجب القول به، دون أدنى حرج. فما بال الباحث الكريم يتخوف أو يتحرج من إعلان هذه النتيجة، بعد أن كادت تنطق على طرف لسانه؟ وهي النتيجة التي انتهى إليها علامة قطر الشيخ عبد الله بن زيد المحمود منذ أكثر من أربعين سنة، يؤيده بالأدلة المقنعة، وقد ناقشها الباحث، ونقد بعضها، ورجح بعضها، وهو كافي في ترجيح التعبير على التعبير
أما نصوص القرآن، فيكفي قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) البقرة:185 (وما جعل عليكم في الدين من حرج) الحج:78 (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا) النساء:28
وأما نصوص الحديث، فقوله صلى الله عليه وسلم: "يسروا ولاتعسروا" متفق عليه عن أنس " إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" رواه البخاري عن أبي هريرة.
وفي الحج خاصة: أنه ما سئل عن أمر قدم ولا أخر في الحج إلا قال:"افعل ولا حرج"، وأنه صلى الله عليه وسلم راعى الأعذار المختلفة فرخص لأصحابها، مثل إذنه للضعفة أن يرموا جمرة العقبة بعد منتصف ليلة النحر، وإذنه للرعاة والسقاة ألا يبيتوا بمنى.
وقوله في حديث عروة بن مضرس " أيما مسلم شهد معنا هذه الصلاة –يعني صلاة الصبح بمزدلفة- وقد وقف قبل ذلك بعرفة من ليل أو نهار، فقد تم حجه وقضى تفثه" والعجب ممن يصحح هذا الحديث ثم يفتي ببطلان حج من رمى قبل الزوال؟
وقد اعتمد الباحث على أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في المناسك بيان للأمر القرآني بالحج، والفعل إذا صدر تطبيقا للأمر الواجب كان واجبا، ولا سيما بعد قوله: "خذوا عني مناسككم".
هذا مع أن دلالة الأمر النبوي على الوجوب فيه خلاف، ذكره الزركشي في البحر، وأنا ممن يرى أن الأصل في الأمر النبوي:الإستحقاق، ولا يدل على الوجوب إلا بقرينة.
على أنه ناقش ذلك بعد، فبين أن الفعل النبوي الصادر بيانا للأمر، قد يشتمل على الواجب والمستحب والمباح. وهذا حق.

ولكن الذي وقف الباحث أمامه: أن الرسول لم يرم في أيام التشريق إلا بعد الزوال، ولو كان جائزا لفعله ولو مرة، وهذا مردود عليه بأدلة كثيرة: منها: أن الرسول فعل ذلك في جمرة العقبة، حيث كان الأيسر عليه الرمي في ضحى يوم النحر، وهو نازل إلى مكة. وأنه لما سئل عن أشياء كثيرة قدمت أو أقرت، قال: افعل ولا حرج .. وأن الشافعية والحنابلة أجازوا تأخير الرمي كله إلى آخر يوم، معتبرين الأيام كلها بمنزلة اليوم الواحد، وأن أبا حنيفة أجاز الرمي من بعد الفجر في يوم النحر، تسهيلا على النازلين من منى إلى مكة.
وأما شهادة المقاصد الشرعية لهذا الرأي، فهو أن الله قد أنزل الشرائع وفصل الأحكام للمحافظة على الضروريات من الدين والنفس والعقل والنسب والمال، (وزاد بعضهم العرض). فحفظ النفس من الكليات الضرورية المطلوب حفظها. وقد قسم الأصوليون المصالح إلى أقسام منها: الضروري والحاجي والتحسيني، ورمي الجمار من التحسينيات في الحج، لأنه يقع بعد التحلل النهائي من الحج، فلا يمكن أن يسمح الشرع من أجل تحصيله بقتل الأنفس، وحفظها من الضروريات بيقين.
كما أن من مقاصد الرمي: ذكر الله تعالى، كما جاء في الحديث أن الذكر هو المقصود من أعمال الحج، وكما قال تعالى: (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) الحج:28 وقال: (واذكروا الله في أيام معدودات)البقرة:203 وكان النبي يقف عند الجمرة الأولى والثانية ويذكر الله ويدعو ويطيل الدعاء. فهل يمكّن هذا الزحام الهائل والموج المائج من البشر أحدا من أن يذكر الله ويدعوه؟!
كما أن القواعد الشرعية الفقهية المعروفة والمتداولة بين الفقهاء، كلها تؤيد هذا الرأي، مثل: المشقة تجلب التيسير، إذا ضاق الأمر اتسع. لا ضرر ولا ضرار. الضرورات تبيح المحظورات. درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة.
أما حاجة الناس، فلا تخفى على أحد له عين يرى، وكل عام يزداد الحج زحاما، وموت الناس تحت الأقدام كارثة لاتزال تتكرر، برغم المجهودات والترتيبات الهائلة التي تقوم الهيئات المتخصصة بالمملكة السعودية، لتسهيل أمور الحجيج في كل عام.
هذا وقد بلغني: أن مكبرات( الميكروفونات) التي كانت تذيع على الناس فتوى بطلان الرمي قبل الزوال، لم تسمع ولم تر في هذا الموسم، وأن بعض علماء المملكة غدوا يفتون بالجواز، نزولا على حكم الضرورة، وارتضاء لمنهج التيسير، الذي طالما اتهموا دعاته بأنهم من المفرطين والمضيعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
على أية حال لا يسعني إلا أن أقدر للباحث بحثه القيم، وأدعو له بالتوفيق في خدمة العلم،ونصرة الإسلام،سائلا الله تعالى أن يشرح له صدره، وييسر له أمره، ويثبت على الحق قدميه. آمين . وآخر دعوانا: أن الحمد لله رب العالمين.
















مقدمة الباحث
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ، ونستهديه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهد الله فهو المهتد ، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ، أما بعد ..............
فإن رمي الجمار في أيام التشريق ، من المسائل التي يكثر السؤال عنها ، لاسيما في أيام الحج ، وذلك لما يحصل عندها في كل عام من مآس يندى لها الجبين ، ويقف المسلم أمامها ، وهو في حيرة من أمره ، حينما يرى التدافع والتزاحم الذي يتنافى مع الرحمة التي من أجلها شرع الله الشرائع وفرض الفرائض ، كما أنه يتنافى مع اليسر الذي جاءت به الشريعةالإسلامية السمحة ، قال عز وجل : ـ " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر "
وقال تعالى : ـ " وما جعل عليكم في الدين من حرج " ، وما ذلك إلا لقلة العلم ، و انتشار الجهل بأحكام شريعة الإسلام السمحة ، ولذا فقد ذهب بعض العلماء إلى توسيع وقت الرمي ،فجعلوا أول وقته قبل الزوال ، قاصدين بذلك التخفيف على عباد الله من الزحام ، ورحمة لهم من التدافع والاقتتال ، لاسيما أنهم وجدوا لما قالوا به سلفا من أهل المذاهب الفقهية المعتبرة ، وغيرهم ممن يعتد بقوله مستندين في ذلك إلى أدلة من المنقول والمعقول .
، فأردت أن أبين أرآءهم ، وأذكر أدلتهم ، قاصدا بذلك بيان المسائل العلمية والأصول التي تستند إليها ، مع بيان الراجح من الأقوال ، حسبما تقتضيه قواعد الفقه وأصوله ، وليس المقصود من ذلك الدفاع عن رأي معين أو نصرته ، بل الوصول إلى الفهم الأمثل لأقوال الفقهاء ونصوص العلماء ، ومن قبلهما النصوص الشرعية ، دون تعصب لرأي على حساب رأي ، أو محاباة لشخص على حساب شخص ، لأن ذلك يؤدي في النهاية إلى خسارة كبرى في الدين ، ويوجب سخط رب العالمين ـ عافانا الله من ذلك
ـ ، وحسبي أن يكون عوني في ذلك مسلك الفقهاء وطريق العلماء ، فسلوك نهجهم عصمة من الخطأ ، واجتناب لسوء الفهم وكثرة الوهم

وقد وجدت أكثر الذين كتبوا في هذا الموضوع يستندون دائماً في القول بالجواز إلي ما نقل عن طاووس وعطاء والإمامين الرافعي والإسنوي الشافعيين ، وابن الجوزي الحنبلي ، وأبي جعفر الباقر ورويات من المذهبين الحنفي والحنبلي ، وبعد البحث والتحري في كتب فروع المذاهب ، وكتب الفقه المقارن ، وكتب السنن والآثار ، تم إثبات عدد آخر ممن قالوا بالجواز ، كابن الزبير وعكرمة وابن طاووس وإمام الحرمين الشافعي وابن الزغواني الحنبلي ، وغيرهم ، فنظمتهم في سلك المذكورين وتتبعت ما ورد عن عطاء ، فوجدت بعض الرويات تصرح بأنه قال بعدم جواز الرمي قبل الزوال ، على خلاف ما هو منقول عنه في بعض كتب الفقه ، حتى أشتهرعنه أكثر من القول بعدم الجواز ، فوفقت بين ذلك ، وبينت الراجح منه ، ووجدت في مذهب الحنفية تفصيلاً يفيد أن للإمام أبي حنيفة في المسألة ثلاث رويات ، وشفعت كل واحد من القولين بما يقويه من الأدلة العقلية والنقلية ، ورددت على ما يستحق الرد من الأدلة ، وأعدت استدلال كل فريق إلى أصله الذي اعتمد عليه ، وذكرت جملاً من الفوائد ، وعدداً من المسائل ، التي يستفاد منها بمفردها ، فضلا عن احتياج البحث إليها ، ولم أر ذلك إلا من صلب البحث وأصله ، إذ برد الفرع إلي أصله تتبين قوة الحجة ، ويسهل حينها الترجيح ، وانتهيت إلى أن المسألة تدخل في حيز الخلاف المعتبر ، لقوة أدلة الفريقين ، وإن رجحت قول الجمهور ، لأن أدلته أقوى ، وذكرت في موضوع الترجيح قاعدتي : ـ مراعاة الخلاف ، والخروج من الخلاف ، ضبطا لطريقة التعامل مع القولين ، وبيانا لمنهج العلماء في المسائل الخلافية ، وذكرت حكم كل يوم من أيام التشريق على حدة ، ليكون أيسر في فهم المراد ، وأعون على إدراك المقصود ، وظهر من خلال الكلام عن اليومين الأخيرين ، أن الخلاف في اليوم الثاني عشر أقوى ، والقول بالجواز فيهما أوجه ، إن أراد النفر في اليوم الثاني عشر متعجلا ، أو في الثالث عشر متأخراً أو أراد البقاء لليوم الأخير ، ونقلت في ذلك أقوال بعض المعاصرين ، كابن جبرين ـ حفظه الله ـ ، وهو المقرر عند مؤلفي الموسوعة الفقهية الكويتية ، وأحب أن أنوه هنا إلى أهم البحوث التي عنيت بهذا الموضوع : ـ
1 ـ رمي الجمرات وما يتعلق به من أحكام ، إعداد الدكتور / شرف بن علي الشريف ، الأستاذ المساعد بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية، بجامعة أم القرى .
2 ـ بحث اللجنة الدائمة ، المنشور في مجلة البحوث الإسلامية ، العدد الخامس ، سنة 1400 هـــ .
3 ـ رسالة في فقه الحج والعمرة ، إعداد الدكتور / عبد الرحمن بن حسن النفيسة ، نشرت هذا البحث ، مجلة البحوث الفقهية المعاصرة ، العدد33 ، السنة التاسعة ، شوال سنة 1417 هــ .
4 ـ حكم رمي الجمار ليلا ، إعداد الدكتور / عبد الرحمن بن صالح بن محمد الغفيلي ، نشرت هذا البحث ، مجلة البحوث الفقهية المعاصرة ، العدد 37 .
5 ـ قرار هيئة كبار العلماء رقم 31بتاريخ 21 / 8 / 1394 هـــ .
6 ـ رسالة الشيخ العلامة / عبد الله بن زيد آل محمود ـ رحمه الله ـ وهي منشورة ضمن مجموع رسائله المطبوع بواسطة المكتب الإسلامي .
7 ـ رد العلامة الشيخ / محمد بن إبراهيم آل الشيخ ، وهو منشور ضمن مجموع رسائله ، المطبوعة بمطبعة الحكومة بمكة المكرمة .
وقد رد فيها على أدلة ابن محمود بأدلة وافقته في أكثرها قبل أن أطلع على رسالته ، والحمد لله أولا وآخرا .
ولا أشك في أنه ما من بحث ولا كتاب إلا وفيه من الخطأ والزلل والسهووالنسيان ما يتناسب مع طبيعة البشر ، إذ العصمة ليست إلا لكتاب الله ـ عز وجل ـ ، وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فالمرجو من قارئ هذه السطور أن يسد الخلل وأن يصحح الخطأ وأن يعفو عن الزلل ، وحسبي ما قال الشاعر : ـ
إن تجدعيبا فسد الخللا *** جل من لا عيب له وعلا
وماقال الشاطبي في حرز الأماني : ـ

فياأيها المجتاز نظمي ببابــــه ينادي عليه كاسد السوق أجملا
و ظن به خيرا وسامح نسيجه بالاغضاء والحسنى وإن كان هلهلا
وسلم لإحدى الحسنيين إصابة والاخرى اجتهاد رام صوبا فامحلا
وإن كان خرق فادركه بفضلة من العلم وليصلحه من جاد مقولا
علي محمد محمد ونيس

الدوحــــــــــــة ـ قطــــــــــــر




المبــــــــحــــــث الأول
تـــــمــهــيـــد

هل المسألة إجماعية ؟
فعند البحث في أي مسألة ، لابد أولا من معرفة موقف العلماء منها من ناحية الإجماع عليها ، أو الاختلاف فيها ، وبالنظر في كتب الإجماع والخلاف ، وجدنا أن المسألة ليست إجماعية ، بل الخلاف فيها مشهور ومعروف ، حتى تناقل الخلاف فيها غالب العلماء الذين كتبوا في المسائل الخلافية ، والفقه المقارن ، ولم ينقل أحدُ ُ فيها الإجماع ـ في حدود علمي ـ غير الماوردي ، كما نقله عنه ملا القاري في مرقاة المفاتيح قال : ـ
" فلا يجوز تقديم رمي يوم على زواله إجماعا ، على ما زعمه الماوردي ، لكن يرد عليه حكاية إمام الحرمين وغيره الجواز عن الأئمة " .
وممن نقل الخلاف فيها : ـ

1 ـ ابن عبد البر : ـ
قال : ـ " هذه سنة الرمي في أيام التشريق ـ يعني بعد الزوال ـ عند الجميع لا يختلفون في ذلك ، واختلفوا إذا رماها قبل الزوال في أيام التشريق ، فقال جمهور العلماء : ـ من رماها قبل الزوال ،أعاد رميها بعد الزوال .
وهو قول مالك والشافعي وأصحابهما والثوري وأحمد وأبي ثور وإسحاق . "
2 ـ ابن المنذر : ـ
قال : ـ " وأجمعوا على أن من رمى الجمار في أيام التشريق بعد زوال الشمس أن ذلك يجزئه "
وهذا يعني أنهم اختلفوا فيما إذا رماها قبل الزوال ، وهو نفس الجزء الذي ذكر ابن عبد البر أنهم أجمعوا عليه ، واختلفوا فيما سواه .
3 ـ ابن رشد : ـ
قال : ـ " واختلفوا إذا رماها قبل الزوال في أيام التشريق : فقال جمهور العلماء : من رماها قبل الزوال أعاد رميها بعد الزوال ، وروي عن أبي جعفر محمد بن علي ، أنه قال : رمي الجمار من طلوع الشمس إلي غروبها "
4 ـ الصنعاني : ـ
قال : ـ " وقت رمي الثلاث الجمار من بعد زوال الشمس ، وهو قول جماهير العلماء "
وهذا يعني أن ماعليه مقابل الجمهور ، هوجواز رميها قبل الزوال .
5 ـ حسين بن عبد الغني ا لحنفي : ـ
قال : ـ " هذه المسألة اختلفت فيها أنظار العلماء ، فمنهم من جوز الرمي قبل الزوال ، ومنهم من منع ، ومنهم من فصل ، فأجاز الرمي في اليوم الثاني من أيام التشريق لمن أراد النفر قبل الزوال "
(6) الحافظ المنذري : ـ
قال الزيلعي : ـ " قال المنذري في مختصره : ـ يريد جابر أن يوم النحر لارمي فيه غير جمرة العقبة ، وأما أيام التشريق ، فلا يجوز الرمي فيها إلا بعد الزوال ، وعليه الجمهور " ا . هــ
(7 ) الزركشي الحنبلي : ـ
قال في شرحه على مختصر الخرقي : ـ " وشرط صحة الرمي في الجميع أن يكون بعد الزوال ، على المشهور ، والمختار للأصحاب من الروايتين "
فهؤلاء الأعلام نقلوا لنا الخلاف في المسألة ، فُعلم بذلك أنها ليست إجماعية ، وهذا يعني أمرين : ـ
(1) أن الحكم فيها ظني .
(2) أن الخلاف لم ينقطع فيها لعدم الإجماع عليها .
وهما ثمرتان توجدان عن انتفاء الإجماع ، وتنتفيان عند وجوده .
المبحث الثاني

مذاهب العلماء في وقت رمي الجمار
في اليوم الحادي عشر من ذي الحجة


هذا اليوم هو ثاني أيام العيد ، وأول أيام التشريق الثلاثة ، وقد اختلف العلماء في بداية وقت الرمي في هذا اليوم على رأيين : ـ
الرأي الأول : ـ وهو أن وقت بدء الرمي بعد الزوال ، ولا يجوز الرمي قبله ، فإن رمى قبله أعاد الرمي ، لأنه لا يجزئه ، وبهذا قال جماهير العلماء من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم .
أولا مذهب الحنفية : ـ
قال في بدائع الصنائع : ـ
" وأما وقت الرمي من اليوم الأول والثاني من أيام التشريق ، وهو اليوم الثاني والثالث من أيام النحر فبعد الزوال ، حتى لا يجوز الرمي فيهما قبل الزوال في الرواية المشهورة عن أبي حنيفة "
ثانيا مذهب المالكية : ـ
قال في الشرح الكبير : ـ
" ـ ووقت أداء كلّ ٍ ـ من الزوال للغروب "
ثالثا مذهب الشافعي : ـ
قال الخطيب الشربيني: ـ
" ويدخل رمي ـ كل يوم ـ من أيام ـ التشريق بزوال الشمس ـ من ذلك اليوم "
وقال النووي في المجموع : ـ
" لا يجوز الرمي في هذه الأيام إلا بعد زوال الشمس ، ويبقى وقتها إلى غروبها "
رابعا مذهب الحنابلة : ـ
قال ابن قدامه : ـ
" ولا يرمى في أيام التشريق إلا بعد الزوال ، فإن رمى قبل الزوال أعاد ،
نص عليه أحمد ، وروى ذلك عن ابن عمر ، وبه قال مالك والثوري والشافعي وإسحاق وأصحاب الرأي ، وروي عن الحسن وعطاء "
وقال المر داوي في الإنصاف : ـ
" هذا الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب ، وقطع به كثير منهم ، ونص عليه "

أدلة القائلين بوجوب الرمي بعد الزوال في هذا اليوم
1 ـ حديث جابر بن عبد الله : ـ
" رمى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الجمرة يوم النحر ضحى ، وأما بعد فإذا زالت الشمس " رواه مسلم
قال النووي في شرح مسلم معلقا على هذا الحديث : ـ
" وأما أيام التشريق فمذهبنا ومذهب مالك وأحمد( وجماهير العلماء ) أنه لا يجوز الرمي في الأيام الثلاثة إلا بعد الزوال لهذا الحديث الصحيح "
وقال أيضا : ـ
" دليلنا أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ رمى كما ذكرنا وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ لتأخذوا عني مناسككم "
وقال الكاساني بعد ذكر حديث جابر كدليل على الرواية المشهورة عن أبي حنيفة والتي سبق ذكرها : ـ
" وهذا باب لا يعرف بالقياس بل بالتوقيف "
2 ـ قال ابن قدامه : ـ
" ولنا أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما رمى بعد الزوال ، لقول عائشة : ( يرمي الجمرة إذا زالت الشمس ) ، وقول جابر في صفة حج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ
: ( يرمي الجمرة ضحي يوم النحر ، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس ) ، وقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( خذوا عني مناسككم )"

ومقصود ابن قدامه ـ رحمه الله ـ هنا ، أن فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيان لقوله " خذوا" وهو أمر والأمر للوجوب ، والبيان تابع للمبين ، إذا ففعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم يدل على الوجوب ، لأنه بيان للواجب ، وتبعية البيان للمبين تكون في الحكم ، كما هو عند الأصوليين ، والأمر بالشيء نهي عن ضده ، فكل ما كان ضد أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو منهي عنه ، والضد هنا هو الرمي قبل
الزوال ، فيكون منهيا عنه ، ضمن قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم : ـ " خذوا عني مناسككم "
وهذا هو معتمد الجمهور في القول بعدم جواز الرمي قبل الزوال ، كما سيأتي بيانه ـ إن شاء الله ـ .
3 ـ حديث ابن عباس ، قال : ـ
" إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يرمي الجمار إذا زالت الشمس ، قدر ما إذا فرغ من رميه صلى الظهر"
4 ـ حديث عائشة : ـ
" ثم رجع إلي منى فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس ، كل جمرة بسبع حصيات "
5 ـ عن وبرة بن عبد الرحمن قال : ـ
" سألت ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ متى أرمي الجمار ؟ قال إذا رمى إمامك فارمه . فأعدت عليه المسألة . قال : ـ " كنا نتحين ، فإذا زالت الشمس رمينا " رواه البخاري في صحيحه
قال ابن الأثير : ـ
" تحينت الوقت أي طلبت الحين وهو الوقت "
وقال المحب الطبري : ـ
" وقوله (نتحين) أي نطلب حينها ، والحين : الوقت .
ومنه : كانوا يتحينون وقت الصلاة ، أي يطلبون حينها "
وقال ابن حجر : ـ
" فأعلمه بما كانوا يفعلونه في زمن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ "
يعني أن ابن عمر أعلم وبرة بن عبد الرحمن السلمي بذلك لما سأله عن وقت رمي الجمار.
ففي كل ما سبق دليل على أنهم كانوا يطلبون هذا الوقت وينتظرونه ، كما كانوا يتحينون وقت الصلاة ، وهذا يدل على عدم جواز الرمي قبل هذا الوقت ، لأنه لو
كان جائزا لفعلوه ، أولدلهم عليه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فتأخير البيان عن وقت بيان الحاجة لا يجوز كما في علم الأصول .
6 ـ جاءعن ابن عمر بإسناد صحيح النهي عن الرمي قبل الزوال صريحا
فيما أخرجه مالك في الموطأ عن نافع عن ابن عمر أنه كان يقول : ـ
" لا ترمى الجمار في الأيام الثلاثة حتى تزول الشمس "
7 ـ قال البابرتي : ـ
" وجه الظاهر ما قدمناه من وجوب اتباع المنقول لعدم المعقولية ، ولم يظهر أثر تخفيف فيها بتجويز الترك لينفتح باب التخفيف بالتقديم ، وهذه الزيادة يحتاج إليها أبو حنيفة وحده "
ومقصوده بعدم ظهور أثر التخفيف ، أنه ليس كاليوم الثالث الذي يجوز ترك الرمي فيه تبعا لترك المبيت ، فينفتح بهذا الترك باب التخفيف بالرمي قبل الزوال ، وهذا عند أبي حنيفة ولذلك قال : ـ " وهذه الزيادة يحتاج إليها أبو حنيفة وحده " وهذا لأنه يقول بجواز الرمي قبل الزوال في يوم النفر عموماً ، سواء كان النفر الأول أوالثاني ، كما سيأتي بيانه ، والمقصود به ( وحده ) أي في المذهب ، وإلا فالموافقون له كُثرُ كما سيأتي .
الرأي الثاني في اليوم الأول : ـ
وهو جواز الرمي قبل الزوال في هذا اليوم ، وممن قال بهذا : ـ
1 ـ أبو حنيفة : ـ في غير المشهور من ظاهر الرواية ، والرمي بعد الزوال عنده أفضل .
قال الكاساني : ـ
" وروي عن أبي حنيفة ، أن الأفضل أن يرمي في اليوم الثاني والثالث بعد الزوال ، فإن رمى قبله جاز "
والمقصود بالثاني والثالث ، بعد يوم النحر ، وهو الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة ، إن لم ينفر ، فإن نفر في اليوم الثاني عشر ، ففي المسألة تفصيل يأتي .

فغير ظاهر الرواية كما نري أقل رتبة في المذهب ، لأنها ليست على شرط ظاهر الرواية ، فكان ظاهر الرواية مقدما عليها بلا شك لتواتره أو شهرته ، وهذا هوالمعتمد مذهباً عندهم .
وقال الكمال ابن الهمام : ـ
" قوله : في المشهور من الرواية، احتراز عما روي عن أبي حنيفة ـ رحمه الله ـ قال : ـ " أحب إلي ألا يرمي في اليوم الثاني والثالث حتى تزول الشمس فإن رمى قبله أجزأه"
وقال ابن عابدين : ـ
" قال في اللباب : ـ وقت رمي الجمار الثلاث في اليوم الثاني والثالث ـ يعني الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة ـ من أيام النحر بعد الزوال ، فلا يجوز قبله في المشهور ، وقيل : يجوز "
فهذه النقول من البدائع ، وفتح القدير ، ورد المحتار ، تبين أن خلاف المشهور من ظاهر الرواية ، هو القول بجواز الرمي قبل الزوال ، ولكن تأخيره إلي ما بعد الزوال أفضل ، في حق اليوم الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة ، نفر فيه أم لم ينفر .
ولكن ورد في بعض كتب الحنفية ، ما يفيد بأن غير ظاهر الرواية ، يختص باليوم الثاني عشر إن أراد النفر فيه دون اليوم الحادي عشر ومنها كتاب العناية على الهداية للبابرتي ،
قال البابرتي : ـ
" قوله من المشهور في الرواية احترازا عما روى الحسن عن أبي حنيفة ، أنه إن كان قصده أن يتعجل في النفر الأول ، فلا بأس بأن يرمي في اليوم الثالث ـ يعني من أيام النحر ، وهو اليوم الثاني من أيام التشريق ـ قبل الزوال ، وذلك لدفع الحرج ، لأنه إذا نفر بعد الزوال لا يصل إلي مكة إلا بالليل فيحرج في تحصيل موضع المنزل "
وهذا الذي ورد في الرواية غير المشهورة في العناية على الهداية للبابرتي ، عده بعضهم رواية وسطا بين الرواية المشهورة والرواية غير المشهورة ، وعلى هذا تكون الرويات الواردة عن أبي حنيفة في هذا اليوم ثلاث : ـ
1 ـ الرواية المشهورة ، وهي عدم جواز الرمي قبل الزوال في الكل ، وهي التي اعتمدوها مذهباً .
2 ـ الرواية غير المشهورة ، على ما ذكره ابن عابدين والكاساني والكمال ابن الهمام ، وهي جواز الرمي قبل الزوال في اليوم الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة ، نفر أم لم ينفر .
3 ـ الرواية غير المشهورة ، على ما نقله البابرتي من رواية الحسن عن أبي حنيفة ، وهو عدم الجواز في اليوم الحادي عشر ، والجواز في اليوم الثاني عشر إن أراد النفر فيه متعجلا ، وهذه هي الرواية الوسط بين الروايتين الأوليين .
وممن ذكر أن هذه الرواية وسط بين الروايتين ، وعدها رواية ثالثة ، صاحب شرح المسلك المتقسط في المنسك المتوسط على لباب المناسك ( ملا علي القاري ) حيث قال : " ( وقت رمي الجمار الثلاث في اليوم الثاني والثالث من أيام النحر بعد الزوال ، فلا يجوز ) أي الرمي ( قبله ) أي قبل الزوال فيهما ( في المشهور ) أي عند الجمهور ، كصاحب الهداية وقاضي خان والكافي والبدائع وغيرها ( وقيل يجوز الرمي فيهما قبل الزوال ) لما روي عن أبي حنيفة : ـ أن الأفضل أن يرمي فيهما بعد الزوال ، فإن رمى قبله جاز ، فحمل المروي من فعله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على اختيار الأفضل ، كما ذكره صاحب المنتقى والكافي والبدائع وغيرها ، وهو خلاف ظاهر الرواية ، وفي المسألة رواية أخرى هي بينهما جامعة ، لكنها مختصة باليوم
الثاني من أيام التشريق ، لما في الميرغيناني : ـ " وأما اليوم الثاني من أيام التشريق ـ الثاني عشر من ذي الحجة ـ فهو كاليوم الأول من أيام التشريق ـ الحادي عشر من ذي الحجة ـ لكن لو أراد أن ينفر في هذا اليوم له أن يرمي قبل الزوال ، وإن رمى بعده أفضل ، وإنما لا يجوز قبل الزوال لمن لا يريد النفر كذا روى الحسن عن أبي حنيفة "

وقال ابن جماعة الكناني في هداية السالك : ـ
"وحكى الاسبيجابي وغيره ذلك رواية عن أبي حنيفة "
وقد ذكر بعض الحنفية أن الرواية المذكورة منقولة عن أبي يوسف أيضا ، قال في إرشاد الساري ، نقلا عن العلامة الشيخ / طاهر سنبل في ضياء الأبصار : ـ
" واحترز في المحيط بقوله : ـ في ظاهر الرواية ،عما ذكره الحاكم في المنتقى عن الإمام ، أنه لو أراد النفر في اليوم الثالث قبل الزوال ـ يعني الثاني عشر من ذي الحجة ـ جازله أن يرمي ، كذا في المبسوط وكثير من المعتبرات ، وهي رواية عن أبي يوسف ، كذا في شرح الطحاوي ، وعلى هذه الرواية عمل الناس اليوم ، وفيها رحمة من الزحمة ، ويظهر أن المراد بما قبل الزوال على كل من الروايتين ، من طلوع الفجر ، لأنه أول النهار ، ولخروج وقت رمي اليوم الذي قبله ، ا هــ " .
وقد أطلنا الكلام هنا اضطرارا ، لإيضاح الروايات الواردة عن أبي حنيفة ، فالمقام يقتضي ذلك ، وهذا يغنينا عن ذكرها فيما بعد .
2 ـ الحنابلة وموافقة بعضهم لأبي حنيفة على خلاف مذهبهم : ـ
وممن وافق الحنفية في جواز الرمي قبل الزوال في هذا اليوم من الحنابلة : ـ
• ابن الجوزي : ـ
قال ابن مفلح في الفروع : ـ
" ويرمي في غدٍ بعد الزوال ـ يعني في اليوم الحادي عشر ـ نص عليه ، ويستحب قبل الصلاة ، وجوزه ابن الجوزي قبل الزوال ، وفي الواضح بطلوع الشمس ، إلا ثالث يوم ، وأطلق أيضا في منسكه أن له الرمي من أول ، وأنه يرمي في الثالث كاليومين قبله "
* ابن الزاغوني : ـ
قال في الذيل على طبقات الحنابلة : ـ
" ذكر ابن الزاغوني في منسكه ، أن رمي الجمار أيام منى ورمي جمرة العقبة يوم النحر يجوز قبل الزوال وبعده ، والأفضل بعده "
ثم قال صاحب الذيل على الطبقات : ـ " ولهذا لم يوافقه عليه أحد فيما أعلم ، وهو ضعيف مخالف للسنة في رمي جمرة العقبة يوم النحر "
3 ـ الشافعية وموافقة بعضهم لأبي حنيفة على خلاف مذهبهم : ـ
• قال في تحفة المحتاج : ـ
" بخلاف تقديم رمي يوم على زواله ، فإنه ممتنع كما صوبه المصنف ، وَجْزُم الرافعي بجوازه قبل الزوال كالإمام ( يعني إمام الحرمين الجويني ) ضعيف ، وإن
اعتمده الأسنوي وزعم أنه المعروف مذهبا ، وعليه فينبغي جوازه من الفجر نظير مامر في غسله"
وقد أفاد هذا النص أن هؤلاء الأئمة الثلاثة ( الرافعي ، والجويني ، والإسنوي ) يجوزون الرمي قبل الزوال ، على خلاف المعتمد من مذهبهم ، ويوضح هذا ماذكره عبد الحميد الشرواني في حاشيته على تحفة المحتاج ، شرحا لما سبق حيث قال : ـ
" ( قوله : ـ كما صوبه المصنف ) قد يفيد هذا التعبير أنه لايجوز العمل بمقابله الآتي ، ولعله ليس بمراد بقرينة مابعده ، فإنه يقتضي أن له نوع قوة ، فهو من قبيل مقابل الأصح لا الصحيح . ( قوله : ـ وعليه ) أي الضعيف من جواز رمي أيام التشريق قبل الزوال . ( قوله : ـ فينبغي جوازه .... إلخ ) ولايخفى أنه لايلزم من جواز الرمي قبل الزوال على الضعيف جواز النفر قبله عليه ، لاحتمال أن الحكمة لاتوجد في الثاني ، كتيسر النفر عقب الزوال قبل زحمة الناس في سيرهم ، ولا يسع لأمثالنا قياس نحو النفر على نحو الرمي " فهذا صاحب الحاشية على تحفة المحتاج ، يصف هذا القول بالصحة ، حينما قال : ـ " فهو من قبيل مقابل الأصح لا الصحيح "
وقال الشيخ / محمد نجيب المطيعي : ـ
" في شرح مسائل التعليم ، للشيخ / سعيد باعشن على المقدمة الحضرمية / 2 / 107 / أن الرافعي يرى جواز الرمي قبل الزوال "
ونقل ملا القاري في مرقاة المفاتيح أن إمام الحرمين حكي القول بالجواز عن الأئمة ، فقال : ـ
" فلا يجوز تقديم رمي يوم على زواله إجماعا ، على ما زعمه الماوردي ، لكن يرد عليه حكاية إمام الحرمين وغيره الجواز عن الأئمة " .
وهذا مما يدل على إنه ليس رأياَ له وحده ، بل نقله هو عن غيره ووافقهم عليه
بل ذكر الرافعي عن الإمام الجويني ماهو أبلغ من ذلك ، في التوسعة والتيسر والتسهيل ، وذلك عندما تكلم عن تدارك الرمي ، لمن فاته الرمي في أحد أيام التشريق ، وذكر الخلاف الواقع في المذهب ، فمن ذاهب إلى أن التدارك يكون أداء ، ومن ذاهب إلى كونه قضاء ، والأصح أنه أداء ، قال النووي في المجموع : ـ
" وإن قلنا بالتدارك ، فتدارك ، فهل هو أداء أم قضاء ؟
فيه قولان : ـ أصحهما أداء كما في حق أهل السقاية والرعاة "
وهذا الحكم مبني على اعتبار أيام التشريق كاليوم الواحد ، وبناء على ذلك قال إمام الحرمين : ـ
" على هذا القول ، لايمتنع تقديم رمي يوم إلى يوم "
وقال شهاب الدين أحمد البرلسي ( الملقب بعميرة ) : ـ
" قال الإسنوي : ـ إذا قلنا بالأداء جاز تأخير يوم ويومين ليفعله بعد ، ويجوز أيضا تقديم اليوم الثاني ، والثالث ، ليفعله مع اليوم الأول ، كمانقله في الكبير عن الإمام وجزم به في الصغير . انتهى ، والذي صححه الروياني خلافه في التقديم ، وقال النووي : إنه الصواب وبه قطع الجمهور . "
يعني أنه لايمتنع أن يقدم رمي الجمار عن اليوم الثاني عشر مثلا ، مع اليوم الحادي عشر ، باعتبار أن الأيام الثلاثة كاليوم الواحد ، من حيث الرمي ، لكن رد عليه النووي بقوله : ـ
" الصواب الجزم بمنع التقديم ، وبه قطع الجمهور تصريحا ومفهوما "
وليس الغرض هنا بيان الراجح في المذهب ، بل المقصود بيان القول الذي نقل عن إمام الحرمين في العزيز والمجموع لإمامي المذهب الشافعي ، وأقره الإسنوي كما نقله عنه عميرة في حاشيته ، وقد سبق، لكننا ذكرنا الراجح مذهبا لتمام الفائدة .
وهذا القول وسابقه من الأئمة المذكورين ، يدل على أن في المسألة مجالا للاجتهاد ، إذ يبعد على هؤلاء الفحول ، أن يجتهدوا في مسألة ورد فيها نص قطعي الثبوت والدلالة ، فالجويني والإسنوي والرافعي ، هم من هم في المكانة العلمية ، والملكة الفقهية ، وفضلا عن ذلك فإن رأيهم قد بني على أساس صحيح من الدليل والتعليل كما سيأتي .

4 ـ بعض السلف يجوزون الرمي قبل الزوال في اليوم الأول : ـ
ومن هؤلاء : ـ
• ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ : ـ
• روي ابن أبي شيبه في مصنفه ، قال : ـ حدثنا وكيع عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكه ، قال : ـ " رمقت ابن عباس رماها عند الظهيرة قبل أن تزول "

فهذا الأثر الوارد عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ يدل على أنه رمى قبل الزوال ، لكن الراوي لم يصرح في أي يوم كان يرمي هذه الجمرة ، ويمكن حصر ذلك في احتمالات ثلاثة : ـ
• الأول : ـ أنه قد يكون في يوم العيد ، عندما كان يرمي جمرة العقبة ، ورميها في هذا الوقت وقبله جائز ، على خلاف بين المذاهب في بداية وقت رميها ، فبداية وقت رميها عند الأحناف والمالكية من طلوع الفجر الثاني ، وعند الشافعية والحنابلة من بعد منتصف الليل ، والأفضل عندهما بعد شروق الشمس .
• الثاني : ـ أنه قد يكون في الأيام الثلاثة التي تلي يوم النحر ، وهذا الذي نرجحه ، فقد أورد ابن أبي شيبه هذا الأثر في مصنفه تحت عنوان : ـ
( في الجمار متى ترمى ) ، وعقد بعد ذلك بابا آخر عنوانه : ـ
( في رمي جمرة العقبة ) ،
فدل ذلك على أن مقصود ابن أبي شيبة بالعنوان الأول ، أيام التشريق دون يوم النحر ، لأنه خصص له بابا مستقلا .
• الثالث : ـ أنه قد يكون في يوم النفر الثاني ، وقد ذكرنا هذا الاحتمال ، لما ذكر في كتب الأحناف من أن مذهب بن عباس جواز الرمي قبل الزوال في يوم النفر الثاني ، وممن نقل ذلك المرغيناني في الهداية ، والزيلعي في نصب الراية حيث قال : ـ
( ومذهبه مروي عن ابن عباس ، يعني مذهب أبي حنيفة في تقديم الرمي على الزوال بعد الفجر في اليوم الرابع من أيام التشريق )
وهذا الاحتمال فيه قوة أيضاً ، إلا أنه أقل قوة من الذي رجحناه ، ومع هذا فالأثر يبقى محتملاً ، لما فيه من الإبهام ،فلعلنا نجد فيما يستقبل ـ إن شاء الله ـ رواية أخرى تصرح بتحديد اليوم الذي رمى فيه ، وبها يزول الإشكال .
• ابن الزبير : ـ
روى الفاكهي في أخبار مكة قال : ـ ثنا ابن أبي عمر ، ثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، قال : ـ " ذهبت أرمي الجمار فسألت : ـ هل رمى ابن عمر؟ فقالوا : ـ لا ، إنما رمى أمير المؤمنين ـ يعنون ابن الزبير ـ قال عمرو : ـ فانتظرت ابن عمر ، فلما زالت الشمس ، خرج فأتى الجمرة الأولى فرماها "
وهذا يدل على أن ابن الزبير كان يرى جواز الرمي قبل الزوال في أيام التشريق ويفعله ، مخالفا في ذلك ابن عمر كما هو واضح من الرواية .
• لكن روى ابن أبي شيبة في مصنفه قال : حدثنا أبو خالد ، عن ابن جريج ، عن عمرو بن دينار قال : ـ " رأيت ابن الزبير وعبيد بن عمير يرميان الجمار بعد ما زالت الشمس " .
وهذا لا يتعارض مع الأثر السابق ، لأنه لا يدل على أن ابن الزبير يرى عدم جواز الرمي قبل الزوال ، بل غايته الدلالة على أن ابن الزبير صنع هذا وهذا ، وهذا يعني أنه يرى الرمي قبل الزوال مجزئا ، كالرمي بعده ، أو أن الرمي بعد الزوال على سبيل الأفضلية .
* عطاء وطاووس : ـ
روى البخاري من حديث ابن عمر ، حينما سأله وبرة بن عبد الرحمن السلمي متي أرمي الجمار ؟ قال : " إذا رمى إمامك فارمه ، فأعدت عليه المسألة ؛ قال : كنا نتحين ، فإذا زالت الشمس رمينا "
قال ابن حجر : ـ " وفيه دليل على أن السنة أن يرمي الجمار في غير يوم الأضحى بعد الزوال ، وبه قال الجمهور ، وخالف فيه عطاء وطاووس فقالا : ـ يجوز قبل الزوال مطلقاً "
ونقل عنهما مثل هذا العيني في شرحه على البخاري
ونقل عنهما الأطلاق كذلك المباركفوري فقال : ـ " وخالف فيه عطاء وطاووس ، فقالا : ـ يجوز قبل الزوال مطلقا "
وهذا الذي ذكر عنهما في هذه الكتب يبين أنهما أطلقا القول بالجواز في الأيام الثلاثة دون قيد ، وبالنظر في بعض الكتب الأخرى وجدنا أن القول المنقول عن عطاء ليس على إطلاقه ، بل ورد مقيدا عنه بما إذا فعله جاهلا
ففي القرى لقاصد أم القرى : ـ
" وقال عطاء : رمي الجمار بعد الزوال ، فإن رمى قبل الزوال بجهالة أجزأه"
وورود هذا عن عطاء ينفي كون قوله بالجواز على إطلاقه ، بل هو مقيد بالجهل ، وهذا يعني أنه يرى عدم الإجزاء إن كان عن علم وعمد بناء على ما نقله الطبري ، لأنه ثبت عنه أنه قال بعدم جواز الرمي قبل الزوال مطلقاً ، كما سيأتي بيانه قريبا .
* عكرمة : ـ
وقد ذكر القول عنه بالجواز الماوردي ، قال : ـ
" وقال طاووس وعكرمة : ـ يجوز أن يرمي قبل الزوال كيوم النحر " .
* ابن طاووس : ـ
ورد القول عنه بالجواز ، في مصنف ابن أبي شيبة ، وهوعبد الله ، أبوه طاووس بن كيسان ، الذي نقلنا عنه القول بالجواز سابقا ، ولعله أخذ هذا القول عن أبيه ،
روى بن أبي شيبه في مصنفه قال : ـ حدثنا يحيي بن سعيد ، عن ابن جريج ، عن الحسن بن مسلم ، عن ابن طاووس ، قال : ـ" ترمى الجمار إذا طلعت الشمس "

* أبو جعفر محمد بن علي الباقر : ـ
وقد نقل عنه القول بالجوازابن عبد البر في الاستذكار ، وابن رشد في بداية المجتهد ، ومحب الدين الطبري في القرى ، فقال : ـ "وقال أبوجعفر محمد بن علي : ـ رمي الجمار مابين طلوع الشمس إلي غروبها"
وهذا القول يعني أن وقت بدء الجواز من طلوع الشمس ، وهو كذلك عند أكثر القائلين بجوازه قبل الزوال ، ومنهم من قال بجوازه من طلوع الفجر كالحنفية ومن قال بالجواز من الشافعية
5 ـ بعض المعاصرين يوافقون الحنفية أيضا : ـ
• فضيلة العلامة الشيخ / عبد الله بن زيد آل محمود : ـ
وقد ذكر قوله بجواز الرمي في أيام التشريق قبل الزوال في إحدى رسائله ، والتي سماها بـ " الرسالة الموجهة إلي علماء الرياض الكرام في تحقيق القول بجواز رمي الجمار قبل الزوال "
ورسالة(يسر الإسلام في أحكام حج بيت الله الحرام )
• فضيلة الشيخ العلامة / يوسف بن عبد الله القرضاوي .
• فضيلة الشيخ / مصطفى الزرقا : ـ
فقد قال بعد أن عرض أقوال الفقهاء في المسألة : ـ " وعليه يكون في الأيام الأربعة كلها مجال للرمي من الصباح قبل الزوال في مختلف الاجتهادات ، ولو في غير يوم النفر للمستعجل وغيره ، لأن في الرمي قبل الزوال تيسيرا كبيرا على الناس حتى على غير المستعجل لأجل النفر ، فإن الماكث أيضا قد يحتاج إلى التبكير في الرمي تجنبا للزحام الشديد في الحر الشديد ، ولا يخفى أن المكلف عليه أن يتبع أحد المذاهب المعتبرة أيا كان منها ، ويتقبل الله تعالى منه ، فإن الدين يسر بنص الحديث الثابت "
فجميع من ذكرنا وافقوا الحنفية على جواز الرمي قبل الزوال في أول أيام التشريق ، وكذلك الثاني والثالث ، غير ما ورد عن عطاء بتقييد ذلك بالجاهل
ونضيف هنا إضافة أخرى فنقول : ـ
بالنسبة لعطاء ، فقد ورد عنه أنه أفتى بخلاف هذا القول ، كما عمل بخلافه ، ففي مستدرك الحاكم بسنده قال دثنا أبو سعيد محمد بن جعفر الخصيب الصوفي ثنا أبو جعفر محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا العلاء بن عمرو الحنفي ومحمد بن العلاء الهمداني قالا ثنا حميد بن الخوار ثنا بن جريج عن عطاء قال : ـ
" لا أرمي حتى تزيغ الشمس ، إن جابر ابن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ قال : ـ " كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يرمي يوم النحر قبل الزوال فأما بعد
ذلك فعند الزوال " قال الحاكم هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وأقره الذهبي " .
وروى ابن أبي شيبة في مصنفه قال : ـ حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن ابن جريج ، قال سمعت عطاء يقول : ـ
" لا ترمي الجمرة حتى تزول الشمس ، فعاودته في ذلك ، فقال ذلك "
وقد نقل ابن قدامة عنه القول بعدم جواز الرمي قبل الزوال ، وفاقا للمشهور من مذهب أحمد فقال : ـ
" ولا يرمى في أيام التشريق إلا بعد الزوال ، فإن رمى قبل الزوال أعاد ، نص عليه أحمد ، وروي ذلك عن ابن عمر ، وبه قال مالك والثوري ، والشافعي ، وإسحاق وأصحاب الرأي ، وروي عن الحسن وعطاء "
وقال النووي في المجموع : ـ
" لا يجوز رمي جمرة التشريق إلا بعد زوال الشمس ، وبه قال ابن عمر والحسن وعطاء ومالك والثوري وأبو يوسف ومحمد وأحمد وداود وابن المنذر "
وهذا يدل على أن عطاء له في المسألة ثلاث روايات : ـ
1 ـ المنع مطلقا.
2ـ الإجزاء إن كان عن جهل .
3 ـ الجواز مطلقا .
وأما طاووس ، فقد ثبت عنه أنه رمى بعد الزوال ، كما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه أيضا ، قال : ـ حدثنا ابن نمير ، عن محمد بن أبي إسماعيل ، قال : ـ
" رأيت سعيد ابن جبير وطاووسا يرميان الجمار عند زوال الشمس ويطيلان القيام"
ولعل طاووسا رمى بعد الزوال لتساوي الأمرين عنده ، أو لأن الرمي بعد الزوال أفضل ، لا أنه واجب ، جمعا بين هذا الأثر وما ورد عنه في كتب الفقه ، من القول بالجواز مطلقا ، وإنما قلنا بالجمع لأنه لم يثبت عنه الرجوع عن قوله بالجواز ، ومجرد الفعل لا يدل على ذلك ، بخلاف عطاء فإن قوله صريح في عدم الجواز .
فـــــــائــــــــدة
أكثر من ذكرنا ممن قالوا بجواز الرمي قبل الزوال ، مطلقا أو مقيدا ، كانوا يقيمون بمكة ، ويشهدون المناسك ، بل كان منهم من إليه المنتهى في الفتوى في مواسم الحج خصوصا ، وفي سائرالعام ، قال ابن قيم الجوزية : ـ
" ( فصل في المفتين بمكة شرفها الله ) وكان المفتون بمكة ، عطاء بن أبي رباح ، وطاووس بن كيسان ، ومجاهد بن جبر ، وعبيد بن عمير ، وعمرو بن دينار ، وعبد
الله بن أبي مليكة ، وعبد الرحمن بن سابط ، وعكرمة ثم بعدهم أبو الزبير المكي ، وعبد الله بن خالد بن أسيد ، وعبد الله بن طاووس ، ثم بعدهم عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج ، وسفيان بن عيينة ، وكان أكثر فتواهم في المناسك "
ومعلوم أن إمام الحرمين كان مقيما بمكة فترة من الزمان .
وهذا مما يعطي لقولهم قوة ، لأنهم أبصر من غيرهم من العلماء بأحكام الحج ، وأكثر اطلاعا على مناسكه بصورة عملية ، حيث يتكرر الحج أمامهم كل عام وهم شاهدون ، فيجد لهم من المسائل ما لا يجد لغيرهم .
أدلــة هــذا الــقــول
والرد على ما يستحق الرد منها
(1) حمل المروي من فعله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على اختيار الأفضل
وهذا مردود بما ذكرناه من مداومته ـ صلى الله عليه وسلم ـ عليه ، وتحري وقته دون تقديم عليه ، للدلالة على الوجوب .
(2) أن قبل الزوال وقت الرمي في يوم النحر ، فكذا في اليوم الثاني والثالث ، لأن الكل أيام نحر
وهو قياس مع الفارق ، لأن يوم العيد ليس كأيام التشريق من كل وجه ، ولأن البيان في أيام التشريق كان بهذه الصفة ، والبيان في يوم العيد كان بصفة أخرى ، والأخذ بهذا القياس يلزم منه القول بالاقتصار على رمي جمرة العقبة فقط في أيام التشريق قياساً على يوم النحر ، ومعلوم أن هذا قياس باطل .
(3) أن المشروع في هذين اليومين رمي الجمار الثلاث فوجب توسيع وقته لا تضييقه .
يعني أنه في يوم العيد أوجب الله علينا رمي جمرة واحدة ، وهي العقبة الكبرى ، وقد جاز رميها من نصف الليل ، أو بعد الفجر ، فرمي الجمار الثلاث في الأيام التالية أولى بأن يوسع الوقت لها ، وهذا مقتضى قياس الأولى .
وهذا قياس مردود أيضا ، وذلك من جهتين : ـ
(1) أن يوم العيد فيه أعمال كثيرة بخلاف أيام التشريق .
أن البيان حصل في كل يوم على وجه ، فلا يصح قياس هذا على هذا إذ البيان في حكم المنصوص ، ولا قياس مع نص ، وقد سبق ذلك عند الكلام عن البيان للمجمل بالفعل وحكمه .
(4) حديث ابن عباس ـ رضى الله عنه ـ وفيه أن رجلاً سأل النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم العيد فقال : رميت بعد ما أمسيت . فقال : ـ " افعل ولا حرج " ، وهو نص صريح في جواز تقديم رمي الجمار قبل الزوال ،
أوتأخيرها عن هذا الوقت ، فيجوز رميها في أي ساعة شاء من ليل أو نهار ، أشبه النحر والحلق .
(5) أن ترك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الرمي قبل الزوال لا يدل على عدم جوازه فيه ، كما ترك الوقوف بعرفة بعد العشاء إلي طلوع الفجر وهو وقت له .
وهذاالاستدلال ، يُسقطه حديث عروة بن مضرس وفيه أنه قال : ـ
" أتيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالمزدلفة حين خرج إلي الصلاة فقلت : ـ يا رسول الله إني جئت من جبل طيء ، أكللت راحلتي وأتعبت نفسي ، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه ، فهل لي من حج ؟
فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ
" من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع ، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً ، فقد تم حجة وقضى تفثه "
فقد بين هذا الحديث أن الوقوف الذي وقفه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مجزئ ، بل ويجزئ أقل منه ،إذا وقفه في الليل ، لكن إذا وقف بالنهار وجب عليه أن يبقي بعرفة جزءا من الليل ، فجواز الترك لبقية يوم عرفة ، جاءت القرينة ـ وهي الخبرـ فدلت على جواز تركه .
ونظير هذا جميع العبادات المفروضة التي وسع الله وقتها كالصلاة ، فإن العبد يطالب بإسقاطها في أي جزء من وقتها ، لا أنه يطالب بإقامة الصلاة مثلا طوال وقتها ، غير أنه لا يجزئه أن يأتي بها قبل دخول الوقت المحدد لها .
(6) أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رمى يوم النحر ضحى وفي الأيام الثلاثة بعده رمى بعد الزوال ، وهذا إعلام منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ بسعة الوقت ، وأن هذا وهذا
مشروع للأمة فعله ، ولكنه أجل العمل به إلى وقت الحاجة ، فمن قال باختصاص الجواز بيوم العيد فهو مطالب بالدليل .
والجواب على هذا الدليل يتلخص في ثلاث نقاط : ـ
أولاً : ـ
أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ داوم على الرمي بعد الزوال في الأيام الثلاثة ، ولو كان فعله لبيان سعة الوقت ، لرمى في بعض الأيام بعد العصر ، وفي بعضها عند المغرب ، ولكن مداومته على الرمي بعد الزوال تدل على أن مقصوده ليس بيان سعة الوقت ، إذ لو كان المقصود ذلك لفعله مرة ثم رجع إلي الأفضل ، ولكن مداومته عليه تدل على أن هذا هو الواجب وأنه لا يجزئ الرمي قبله .
ثانياً : ـ
يطالب المجيز بالدليل ، وهو معروف ، فالدليل كما سبق أن فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بيان والبيان يتبع المبين في الحكم ، وقد رمى في يوم العيد جمرة العقبة ضُحى ، فكان هذا بيان منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأذن للضعفة أن يرموها قبل ذلك ، وهذا أيضا بيان ، وكذلك ِفعله في أيام التشريق بيان لوقت الرمي في هذه الأيام ، فكان كل رمي بحسبه ، وقد سبق بحث مسألة البيان للمجمل .
ثالثاً : ـ
كيف يطالب المجيز بالدليل ، لإثبات عدم الجواز ، مع أن هذا خلاف القواعد ، فالقواعد تقتضي أنه لا عبادة إلا بنص ، وهذا يعني أن الأصل في العبادات المنع
حتى نجد دليلاً عليها ، لا أننا نطالب بدليل على عدم مشروعيتها ، ومع هذا فقد سبق الدليل على ذلك ، وهو فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
قال عبد الرحمن بن ناصر السعدي في القواعد الفقهية : ـ
وليس مشروعاً من الأمور *** غير الذي في شرعنا مذكور
وقال في شرحها : ـ
( فإن الله خلق الخلق لعبادته ، وبين في كتابه ، وعلى لسان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ العبادات التى يعبد بها ، وأمر بإخلاصها له ، فمن تقرب بها لله مخلصاً فعله فعمله مقبول ، ومن تقرب لله في غيرها ، فعمله مردود ، كما قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد "
وصاحبه داخل في قول الله تعالى : ـ " أم لهم شركاؤ شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله " ) ا . هــ
(7) من كان استناده إلى فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في اليوم الثاني والثالث ، مع إعراضه ، وعدم نظره إلى فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في اليوم الأول ، وقوله لما سئل عن التقديم والتأخير : ـ "افعل ولا حرج " لزمه أن يقول بوجوب طواف الإفاضة في خاصة يوم العيد ، من غير تأخير ، كفعله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكذلك الحلق والتقصير ، على أنه لم يقل بذلك أحد ممن يعتد به .
والجواب في نقطتين : ـ
(1) أنه قد قام الدليل على عدم اختصاص يوم العيد بطواف الإفاضة ، وقد دل على ذلك حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : ـ " حاضت صفية بنت حُيي بعدما أفاضت ، قالت : ـ فذكرت ذلك لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : ـ " أحابستنا هي ؟
قلت : يا رسول الله إنها قد أفاضت وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة ، قال : ـ فلتنفر إذا "
ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان سيجيز لها الجلوس حتى تطهر لطواف الإفاضة ، وقد كان ذلك عندما عزم على السفر ، وهذا لا شك في أنه كان بعد أيام التشريق ، فدل هذا على عدم اختصاص طواف الإفاضة بيوم العيد ، قال في بدائع الصنائع : ـ
" ولأنه لو توقت آخره ، لسقط بمضي آخره كالوقوف بعرفة ، فلما لم يسقط ، دل على أنه لم يتوقت "
ثم إنه لم يقل أحد من العلماء بأن طواف الإفاضة لايجوز تأخيره عن يوم النحر ، لأدلة كثيرة ليس هذا موضع استقصائها ، لكننا سنشير إلى مذاهب العلماء في ذلك ، إتماما للفائدة ،على النحو التالي : ـ
1 ـ مذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة ، أن آخر وقته هو آخر عمر الإنسان ، ولا شيء عليه .
قال النووي : ـ
" يبقى مادام حيا ولا يلزمه بتأخيره دم " ،
وقال في غاية المنتهى : ـ
" وإن أخره عن أيام منى ، جاز ولا شيء فيه كالسعي " ،
وقال في بدائع الصنائع : ـ
" ليس لآخره زمان معين موقت به فرضا ، بل جميع الأيام والليالي وقته فرضا بلا خلاف بين أصحابنا "
2 ـ وقال أبو حنيفة : ـ إذا أخرالطواف عن أيام النحر فعليه دم ، قال في بدائع الصنائع : ـ
" لكنه موقت بأيام النحر وجوبا في قول أبي حنيفة ، حتى لو أخره عنها فعليه دم"
3 ـ ومذهب المالكية أنه يلزمه دم إذا أخره حتى يدخل المحرم ، قال المواق : ـ
" وأما تحديد آخر وقته ، فالمختار عند أصحابنا تمام الشهر ، وعليه الدم بدخول المحرم "

(8) أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما أخره إلى ما بعد الزوال ، لقصد أن يصلي بالناس الظهر بمسجد الخيف من منى ، فيخرج للصلاة وللرمي خروجا واحدا كما فعل ، فإنه لما فرغ من رمي الجمار ، انصرف إلى المسجد ، فصلى بالناس فيه ، وذكرهم أحكام حجهم .
والجواب : ـ
أنه لو كان هذا هو مقصود النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لبينه ووضحه ، لئلا يعتقد الصحابة عدم الجواز قبل هذا الوقت ، لاسيما أن فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا الموضع بيان ، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ، ولو كان هذا قصده ، لأدى الصلاة يوما قبل الرمي ، ويوما بعد الرمي ، ليظهر للناس بذلك أنه لم يؤخر الرمي إلا لأجل صلاة الظهر كما هو مزعوم في الدليل المذكور .
قال الشيخ بن عثيمين ـ رحمه الله ـ : ـ
" الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بادر بالرمي حين زالت الشمس ، فيرمي قبل أن يصلي الظهر ، وكأنه يترقب زوال الشمس ليرمي ثم ليصلي الظهر ، ولو جاز قبل الزوال لفعله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولو مرة بيانا للجواز ، أو فعله بعض الصحابة ، وأقره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهذا هو القول الراجح "
(9) لو كان ما قبل الزوال وقت نهي ، غير قابل للرمي لبينه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بنص جلي قطعي الرواية والدلالة واردا مورد التكليف العام ، إذ لا يجوز في الشرع تأخير بيان مثل هذا عن وقت حاجته .
والجواب : ـ
ماسبق ذكره من أن الأصل في العبادات المنع ، فلا نحتاج إلى دليل لبيان عدم جوازها ، ولكن نحتاج إلى دليل على جوازها ، ومما يدل على هذا ، قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد "
قال الشيخ محمد بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ تعليقا على هذا الحديث : ـ
" فإنه يشمل بعمومه إحداث عبادة لم تعلم من الشرع ،ويشمل بعمومه أيضا فعل عبادة مأمور بها ، لكن فعلها الفاعل في غير وقتها الذي أمر بها فيه كمسألتنا ـ يعني الرمي قبل الزوال ـ ،ويشمل بعمومه فعل عبادة قد أمر بها فيه ، لكن عملها في مكان غير المكان الذي عين أن تفعل فيه ، ونظير ذلك لو فعلها في وقتها الذي أمر أن تفعل فيه ، وفي المكان الذي أمر أن تفعل فيه ، لكن زاد فيها ونقص "
(10) أنه لو كان التقدير بهذا الزمن القصير شرطا ، لسقط للعجز عنه ، أو لجاز تقديمه ، محافظة على أصل فعله ، لأن القول بلزومه يستلزم الحكم بسقوطه في خاصة هذه الأزمان ، مع شدة الزحام .
والجواب : ـ
أن العجز عن فعل العبادة لايؤذن بسقوطها في كل حال ، ولكن يرخص في العمل ببدلها إذا كان لها بدل ، كالعاجز عن القيام في الصلاة ، فإنه يصلي قاعدا أو على جنبه كما صح بذلك الحديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والرمي يدخل تحت نوع العبادات التي يمكن آداؤها عند العجز عنها بطريق الاستنابة ، وهو أمر متفق عليه في الجملة ، بين فقهاء المذاهب الأربعة وغيرهم ، ونجمل ذلك فيما يلي : ـ
1ـ مذهب جمهور العلماء ، من الحنفية والشافعية والحنابلة ، أنه يجوز للعاجز عن الرمي أن يستنيب من يرمي عنه ويجزئه ، قال السرخسي : ـ
" وإن رمى عنه أجزأه بمنزلة المغمى عليه ، فإن النيابة تجري في النسك كما في الذبح "
وقال ابن قدامة في المغني : ـ
" إذا كان الرجل مريضا أو محبوسا أو له عذر ، جاز أن يستنيب من يرمي عنه ، قال الأثرم : ـ قلت لأبي عبد الله : ـ إذا رمى عنه الجمار يشهد هو ذاك ، أو يكون في رحله ؟
قال : ـ يعجبني أن يشهد ذاك إن قدر حين يرمى عنه ، قلت : ـ فإن ضعف عن ذلك ، أيكون في رحله ويرمى عنه ؟
قال : ـ نعم "
وقال الشيرازي في المهذب : ـ
" ومن عجز عن الرمي بنفسه لمرض مأيوس منه أو غير مأيوس جاز أن يستنيب من يرمي عنه ، لأن وقته مضيق ، وربما مات فبل أن يرمي ، بخلاف الحج "
2 ـ مذهب المالكية ، وهو جواز الاستنابة في الرمي للعاجز عنه ، لكن يستحب له أن يشهد الرمي ويكبر ، ولا يسقط عنه الدم بذلك ، قال علي بن أحمد
الصعيدي العدوي المالكي في حواشيه على شرح مختصر الخرشي : ـ
" ويجوز للعاجز الاستنابة في أيام الرمي الثلاثة ، ولو رجا الصحة فيها "
وقال العدوي الدردير في الشرح الكبير : ـ
" ويستنيب العاجز من يرمي عنه ، ولا يسقط عنه الدم برمي النائب ، وفائدة الاستنابة سقوط الإثم ، فيتحرى العاجز وقت الرمي عنه ويكبر لكل حصاة ، كما يتحرى وقت دعاء نائبه ويدعو ، وأعاد الرمي إن صح قبل الفوات الحاصل بالغروب من اليوم الرابع ، فإن أعاد قبل غروب الأول فلا دم ، وبعده فالدم "
أما عن ضيق الوقت وعدم اتساعه ، فليس الأمر كذلك ، لأن جمهور العلماء على جواز الرمي في الليل ، إلى طلوع الفجر ، فيكون وقت الرمي من زوال الشمس إلى طلوع فجر اليوم التالي ، وهذا وقت كاف جدا لرمي جميع الحجيج ، والواقع خير شاهد على ذلك .
(11) القول بتوسعة الوقت للرمي ، هو من المصالح المرسلة ، الملائمة لمقاصد الشرع ، بحيث لاتنافي أصلا من أصوله ولا دليلا من دلائله ، ومتى عرضت حكمتها على العقول ، تلقتها بالقبول ، كيف وقد احتف بها أصل من المنقول .
والجواب : ـ
أن هذا الدليل لا يصلح هنا ، لأن معنى المصلحة المرسلة لا يتفق مع ما ذكره الشيخ ، إذ المصالح ثلاثة أنواع : ـ
(1) المصلحة المعتبرة : ـ وهي التي دل عليها دليل من الشرع باعتبارها .
(2) المصلحة الملغاة : ـ وهي التي دل عليها دليل من الشرع بإلغائها .
(3) المصلحة المرسلة : ـ وهي التي لا دليل على اعتبارها ولا إلغائها .
قال الزركشي في البحر المحيط معرفا المصلحة المرسلة: ـ
" أي سكت الشرع عن اعتباره وإهداره ، وهو المعبر عنه بالمصالح المرسلة ، ويلقب بالاستدلال المرسل ، ولهذا سميت مرسلة أي لم تعتبر ولم تلغ "
فالقول بأن الرمي قبل الزوال من المصالح المرسلة لا يتفق مع تعريفها ، وذلك لأن الأدلة قد دلت على عدم جوازالرمي قبل الزوال ، فالمصلحة هنا ملغاة لا مرسلة ولا معتبرة .

(12) أن الفتوى تتغير بتغير الزمان ، نظرا لاختلاف الأحوال ، وتجدد حاجات الناس ، ومعلوم أن الزحام في هذا الزمان أكثر وأشد من الزمان الماضي ، ولذلك قلنا بتوسيع وقت الرمي .
والجواب : ـ
أن العبادات المؤقتة لايتغير وقتها بتغير الزمان ، كالصلوات الخمس ، والصيام ، وغيرها من العبادات المؤقتة ، قال ابن العربي : ـ
" كل عبادة مؤقتة بميقات ، لا يجوز تقديمها عليه ".
ووقت الزوال هو الذي حددته الأحاديث الواصفة لفعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فتغيير هذا الوقت ليس من اليسر في شيء ، لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن ليشرع لأمته ما يشق عليها ، وهو الموصوف بقوله تعالى : ـ " بالمؤمنين رؤوف رحيم " ، وقد حصل منه الإذن للضعفة بالدفع من مزدلفة آخر ليلة جمع ، ولم يحصل لهم الإذن في رمي الجمار قبل الزوال ، مع قيام مقتضى ذلك ـ وهو الزحام ـ مما يدل على أنه لا رخصة فيه .
لكن يتقوى هذا الدليل ، بمراعاة الحنفية لحاجة الناس في يوم النفر الأول ، حيث أجازوا الرمي فيه قبل الزوال ، وعللوا ذلك بقولهم : ـ
" فلا بأس بأن يرمي في اليوم الثالث قبل الزوال ، وذلك لرفع الحرج ، لأته إذا نفر بعد الزوال ، لا يصل إلى مكة إلا بالليل فيحرج في تحصيل المنزل"
فجعلوا حاجة الناس ودفع الحرج عنهم مناطاً للحكم ، وسببا لجواز الرمي قبل الزوال ، وهذا هو عين الدليل هنا .
( 13 ) أن ما بعد الزوال هو وقت فضيلة ، وما قبل الزوال وبالليل وقت إباحة ، أشبه الوقوف بعرفة ، فإن ما بعد الزوال إلى الغروب هو أفضل ما يوقف فيه ، اقتداء بفعل رسول الله وفعل خلفائه وأصحابه ، والليل كله إلى فجر يوم العيد وقت إباحة للوقوف ، وإن لم يستمر عليه عمل الناس .
ونضيف على هذا الدليل إضافة أخرى توضحه وتقويه ، فنقول : ـ
معلوم في مذهب الحنابلة أن وقت الوقوف بعرفة ، من طلوع فجر عرفة ، إلى طلوع فجر يوم النحر ، قال البهوتي في دقائق أولي النهى : ـ
" ووقته ـ أي الوقوف بعرفة ـ من فجر يوم عرفة ، إلى فجر يوم النحر " انتهى .
وقال في تعليل ذلك : ـ
" لأن ما قبل الزوال من يوم عرفة ، فكان وقتا للوقوف كما بعد الزوال "
وأما الحنفية والمالكية والشافعية ، فوقته عندهم يبدأ بعد الزوال
والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يقف إلا بعد الزوال ، وانصرف بعد الغروب ، ولم يقف إلى الفجر من يوم العيد ، وقول الحنابلة بجواز الوقوف قبل الزوال ، مع مخالفته لفعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخلافا للمذاهب الثلاثة ، انبنى على قياس صحيح ـ كما نقلناه عن دقائق أولي النهى ـ وكأن فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عندهم في بداية الوقوف بعرفة ، لم يفد الوجوب ، وإنما أفاد اختيار الأفضل ، ومسألة رمي الجمار من هذا القبيل ، فيكون حكم بداية الرمي فيه ، كحكم بداية الوقوف في يوم عرفة ، حملا لفعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الأفضلية عند القائلين بجوازه من الفجر ، أو للوجوب عند القائلين بعدم جوازه إلا بعد الزوال ، وكلا الرأيين مأخوذ من فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لكن الخلاف حصل في حمله ، فكما قبلنا الخلاف في بداية وقت جواز الوقوف بعرفة ، فلنقبل الخلاف في بداية وقت جواز رمي الجمار، وهذا في الحقيقة دليل قوي ، وإلزام معقول ومقبول ، فالعقل الصريح يعطي حكم النظير لنظيره ، بل أعمال الخلاف في الرمي أولى ، لأن الجمهور يبطلون حج من اكتفى في الوقوف بعرفة على ما قبل الزوال ، لكنهم لا يبطلون حج من رمى قبل الزوال لأنه يجبر عندهم بدم .
( 14) أن هذه المسألة من مسائل الفروع الاجتهادية ، يوضح ذلك أن الفقهاء من الحنابلة والشافعية قالوا : ـ إنه لو جمع الجمار كلها حتى جمرة العقبة يوم العيد فرماها في اليوم الثالث من أيام التشريق أجزأت أداء ، لاعتبار أن أيام منى كلها كاليوم الواحد .
قال في المغني : ـ
" إذا أخر رمي يوم إلى ما بعده ، أو أخر الرمي كله إلى آخر أيام التشريق ، ترك السنة ، ولاشيء عليه "
وقال أيضا : ـ
" ولنا أن أيام التشريق وقت للرمي ، فإذا آخره من أول وقته إلى لآخره لم يلزمه شيء ، كما لو أخر الوقوف بعرفة إلى آخر وقته , ولأنه وقت يجوز الرمي فيه ، فجاز لغيرهم كاليوم الأول ، قال القاضي : ـ ولا يكون رميه في اليوم الثاني قضاء ، لأنه وقت واحد "
فمتى كان الأمر بهذه الصفة ، وأن أيام منى كالوقت الواحد حسبما ذكروا ، فإذاً لا وجه للإنكار على من رمى قبل الزوال والحالة هذه ، فإن من أنكر الرمي قبل الزوال أو بالليل بحجة مخالفتها لفعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفعل أصحابه ، وقال بجواز رميها مجموعة في اليوم الثالث ، فإنه من المتناقضين الذين يرجحون الشيء على ما هو أولى بالرجحان منه ، فإن رمي كل يوم في يومه ولو قبل الزوال أقرب إلى إصابة السنة ، بحيث يصدق عليه أنه رمى في اليوم الذي رمى فيه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
وهذا الدليل والدليلين قبله والدليلين بعده ، في الحقيقة من أقوى الأدلة التي يتوقف الذهن عندها ، ويعلق ذو الفطنة بها ، وقد تقدم قول الجويني : بجواز تقديم رمي يوم إلى اليوم الذي قبله ، بناء على أن أيام منى كاليوم الواحد .
(15) حديث عبد الله بن عمر في صحيح البخاري ، عن وبرة بن عبد الرحمن السلمي قال : ـ
" سألت بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ متى أرمي الجمار ؟
قال : إذا رمى إمامك فارمه ، فأعدت عليه المسألة ، قال : ـ " كنا نتحين فإذا زالت الشمس رمينا "
قال ابن حجر : ـ
" وكأن بن عمر خاف عليه أن يخالف الأمير فيحصل له منه ضرر ، فلما أعاد المسألة أخبره بما كانوا يفعلونه في زمن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ "
فهذا ابن عمر الذي هو أحرص الناس على اتباع السنة ، قد أحال هذا السائل على اتباع إمامه فيه عند أول سؤاله ، لعلمه بسعة وقته ، ولو كان يرى أنه محدد بالزوال كوقت الظهر لما وسعه كتمانه ، لأن العلم أمانة ، ويبعد على ابن عمر بصفته محتهدا ، فضلا عن كونه صحابيا أن يكتم الحق ، لا سيما إذا كان فعل المخالف باطلاً .
والذي نرجحه أن الإمام كان يرمي في وقت مخالف لما عليه عمل الناس ، وإلا لما سأل وبرة ابن عمر عن وقت الرمي ، ولما خاف عليه ابن عمر ضررا من الأمير ، و في الأثر الذي رواه الفاكهي في أخبار مكة عن عمرو بن دينار مايدل على أن إمام الحج الذي خالف ابن عمر هو ابن الزبير ، وأنه كان يرمي قبل الزوال ، قال عمرو بن دينار : ـ
" ذهبت أرمي الجمار فسألت : ـ هل رمى ابن عمر ؟
فقالوا : ـ لا , إنما رمى أمير المؤمنين ـ يعنون ابن الزبير ـ قال عمرو : ـ فانتظرت ابن عمر ، فلما زالت الشمس ، خرج فأتى الجمرة الأولى فرماها "
ولذلك قال ابن حجر : ـ
" وكأن ابن عمر خاف عليه أن يخالف الأمير ، فيحصل له منه ضرر "
( 16 ) الرمي قبل الزوال مسكوت عنه ، وما سكت عنه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فهو عفو ، ولو كان الرمي غير جائز فيه ، لنهى عنه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما نهى أغليمة بني عبد المطلب عن الرمي قبل طلوع الشمس يوم النحر
وممن ذهب إلى تقوية أدلة القول بجواز الرمي قبل الزوال ، الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ـ رحمه الله ـ حيث قال عن أدلة الشيخ بن محمود : ـ
" فأنت إذا وازنت بين استدلال صاحب الرسالة ـ يعني رسالة عبد الله بن زيد التي سبق ذكرها ـ واستدلال الجمهور رأيتها متقاربة ، إن لم تقل : تكاد أدلته ترجح " انتهى .
وقال أيضاً : ـ
" أما بحث صاحب الرسالة ، واستدلاله بجواز الرمي قبل الزوال وفي الليل فهو بحث علمي ، مثله ودونه وأكثر منه يبحث فيه أهل العلم ، ولا يعد شذوذاً ومنكراً " ا هــ .
والمقصود بصاحب الرسالة هوالشيخ / عبد الله بن زيد آل محمود ـ رحمه الله ـ وقد استدل الشيخ بن سعدي ـ رحمه الله ـ للقول بالجواز بدليلين آخرين فقال : ـ
" ويمكن الاستدلال عليه بقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما كثرت عليه الأسئلة ممن سأل عن التقديم والتأخير والترتيب : ـ " افعل ولا حرج " ، وأحسن من هذا الاستدلال ، الاستدلال ، بحديث بن عباس المذكور حيث قال له رجل : ـ رميت بعدما أمسيت ، قال : ـ " افعل ولا حرج " .
ووجه ذلك أنه يحتمل أن قوله : ـ " بعد ما أمسيت " ، أي بعد ما زال الزوال لأنه يسمى مساء ، ويحتمل أن يكون بعد ما استحكم المساء وغابت الشمس ، فيكون فيه دلالة على جوازه بالليل ، ودليل أيضاً على جوازه قبل الزوال ، لأن سؤاله عن جواز الرخصة في الرمي بعد المساء ، كالمتقرر عندهم جوازه في جميع اليوم ، بل ظاهر حال السائل تدل على أن الرمي قبل الزوال هو الذي بخاطره ، وإنما أشكل عليه الرمي بعد الزوال فلذلك سأل عنه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ .
وصاحب الرسالة لم يتعرض في استدلاله بهذه اللفظة المذكورة في الحديث وهي قوله : ـ " بعد ما أمسيت " .
كما أنه لم يتعرض بالاستدلال بدليل آخر ، ,هو أن أيام التشريق كلها لياليها ونهارها أيام أكل وشرب وذكر لله ، وكلها أوقات ذبح ، ليلها ونهارها ، وكلها ـ على القول الصحيح ـ أوقات حلق ، وكلها يتعلق بها ـ على القول المختار ـ طواف الحج وسعيه في حق غير المعذور ، وإنما يتفاوت بعض هذه المسألة في الفضيلة ، فكذلك الرمي " .
وهناك أدلة أخرى ذكرها الشيخ / عبد الله بن زيد آل محمود ـ رحمه الله ـ في رسالته( يسر الإسلام ) ، وفي مجموع رسائله في المجلد الثالث ، وقد سبق بيان موضعها منه ، ورد عليه فضيلة الشيخ محمد بن إبراهيم ، ونشر رده في الفتاوى والرسائل التي جمعها الشيخ / محمد بن عبد الرحمن بن قاسم ، ضمن الجزء السادس من هذا المجموع ، والملاحظ أن فيها نوع شدة ، دفع الشيخ إليها حبه للسنة وحرصه عليها ، والخوف من تساهل الناس في أحكام المناسك ، بتجديد العمل بقول لم يألفوه ، مع مخالفته لما عليه الجمهور عملا وفتوى ، والله تعالى يهدينا للحق والصواب .
تلخيص ما سبق ذكره في اليوم الأول : ـ
و بعد هذا العرض نخلص إلى أن الأقوال في اليوم الأول من أيام التشريق كالأتي : ـ
(1) ذهب الحنفية في المشهور من ظاهر الرواية ، والمالكية والشافعية والحنابلة إلي عدم جواز الرمي قبل الزوال مطلقاً .
(2) وذهب الحنفية في غير ظاهر الروية ، إلي جواز ذلك مطلقا كما في بعض الكتب كرد المحتار وبدائع الصنائع وفتح القدير .
ومقيداً بيوم النفر كما في بعض الكتب الأخرى كالعناية على الهداية ، وهي رواية عن أبي يوسف .
ووافق الحنفية على ذلك ، عطاء ـ في إحدى الروايتين ـ وطاووس مطلقاً ، كما نقله عنهما ابن حجر والبدر العيني ، ومقيداً بالجهل عن عطاء ، كما نقله عنه محب الدين الطبري في القرى ، وقد ثبت عن عطاء العمل بخلاف ذلك ، كما ثبت عنه القول بعدم الجواز ، وقد أثبتناه في محله ، وهو الراجح لموافقته مانقل عنه مسندا .
ووافق على ذلك أيضا ابن طاووس ، وعكرمة كما في الحاوي ، ومحمد بن علي أبو جعفرالباقر ، وابن الجوزي وابن الزغواني من الحنابلة ،
والإسنوي والرافعي وإمام الحرمين من الشافعية ، وهو المنقول عن ابن عباس وابن الزبير ـ على التفصيل السابق الذكر .
وقد بينا أدلة الفريقين ، وعزونا إلي من نقل عنهم ، مع تحقيق الآثار الواردة ، وبيان درجتها من الصحة .




** المبـحــــــــث الثالــــــــــــــث **
** مقارنـــــــــــة وترجيـــــــــح **
فإن قول الجمهور يعتمد أساسا على أن أفعال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحج بيان للواجب المجمل ، ومسألة بيان المجمل بفعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تحتاج إلى تفصيل ، لما في ذلك من الأهمية بالنسبة لمسألة الحج خصوصا ، فنقول : ـ
إن الحج أخذت أحكامه التفصيلية من فعل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بياناً للآية " ولله على الناس حج البيت من أستطاع إليه سبيلاً "
قال ابن النجار : ـ
" البيان يحصل بالفعل على الصحيح ، وعليه معظم العلماء ، والمراد فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وخالف في ذلك شرذمة قليلون " أ.هـ
والبيان له حكم المبين ، إذا كان البيان لأمر مجمل ، كفعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لبيان آية وجوب الحج ، فهو واجب تبعا للمبين.
وإذا كان المجمل حكمه الندب ، كان حكم البيان الندب كذلك ، كإقامة ثالث أيام التشريق في منى ، وقد قال تعالى : ـ" فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن أتقى "
وإن كان إباحة كان الفعل مباحاً .
يقول القرافي في تنقيح الفصول : ـ
" البيان يعد كأنه منطوق به في ذلك المبين ، فبيانه الحج الوارد في كتاب الله يعد منطوق به في آية الحج ، كأن الله تعالى قال : " ولله على الناس حج البيت " ـ على هذه الصفة ـ ، وكذلك بيانه لآية الجمعة ، فعلها ـ صلى الله عليه وسلم ـ بخطبة
وجماعة وجامع وغير ذلك ، فصار معني الآية "يا أيها الذين أمنواإذا نودي للصلاة " ـ التي هذا شأنها ـ " من يوم الجمعة فاسعوا إلي ذكر الله " وإذا كان البيان يعد منطوقا به في المبين ، كان حكمه حكم ذلك المبين ، إن واجبا فواجب أو مندوبا فمندوب أومباحا فمباح "
وقال ابن النجار في شرح الكوكب المنير : ـ
" أو تُعلم صفة حكم الفعل بوقوعه امتثالاً لنص يدل على حكم من إيجاب أو ندب ، فيكون هذا الفعل تابعاً لأصله الذي هو مدلول النص من ذلك ، فكل فعل من ذلك عُلمت صفة حكمه في حقه ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأمته مثله " أ . هــ
وقال ابن تيمية في شرح العمدة : ـ
" والفعل ـ أي فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الحج ـ إذا خرج مخرج الأمتثال والتفسير ، كان حكمه حكم الأمر ، وهو داخل في عموم قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ " خذوا عني مناسككم"
هذا على وجه العموم ، لكن بعض العبادات المجملة في القرآن والتى حكمها الوجوب ، وجدنا أن بيان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لها يشتمل على الواجب وغير الواجب كالصلاة والحج ، فنجد أن البيان جاء مشتملا على بعض السنن مع الوجبات
، وعلى هذا فلا يصلح ذلك دليلا على أن أفعاله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الصلاة والحج كلها واجبة ، بناء على أنها بيان للواجب . بل أفعاله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هاتين العبادتين مختلطة واجبها بمندوبها غير متميزة ، والعمدة في تمييز ذلك على الأدلة الأخرى ، وينظر في كل فعل بخصوصه ، ومايحتف به من القرائن .
وهذا ما ذهب إليه جمع من العلماء ، وهو أن البيان المشتمل على واجب ومندوب يأخذ حكم فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ المجرد ، فلا نرجح كونه واجبا أو مندوبا إلا بقرينة ، وهذا هو الراجح .
قال محمد سليمان الأشقر : ـ
" فأقصى مايدل عليه الحديث ، أن يدل على مشروعية أفعاله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحج ، أما التفريق بين واجبها ومندوبها فلا بد من المصير إلى وجه آخر في الدلالة على ذلك ، وحكم أفعاله من هذه الناحية حكم سائر أفعاله المجردة "

علما بان حكم الفعل المجرد عن القرينة الوجوب عند الجمهور بشرط أن يقصد به القربة
والحج عبادة محضة ظهر فيها معني القربة .
قال في شرح الكوكب المنير : ـ
" ( فإن تقرب به) أي قصد به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ القربة ( ف ) هو واجب علينا وعليه عند الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ وأكثر أصحابه ، وهو الصحيح عند الإمام مالك ـ رضي الله عنه ـ واختاره ابن السمعاني ، وقال : هو أشبه بمذهب الشافعي"
وذهب جمهور المحققين إلى أننا نتوقف في الفعل المجرد عن القرينة حتى يقوم دليل على حكمه ، قال ابن النجار : ـ
" وعنه ـ يعني الإمام أحمد ـ رواية ثالثة بالوقف ، حتى يقوم دليل على حكمه ، اختاره أبو الخطاب واكثر المتكلمين والأشعرية ، وصححه القاضي أبو الطيب ، وحكي عن جمهور المحققين "
والمقصود بالوقف هنا ، هو عدم القطع بالوجوب أو بالندب أو بغيرهما من الأحكام ، إلا مع وجود قرينة ترجح واحدا منها .
وعلى كلا القولين يكون رأي الجمهور هو الراجح ، فسواء قلنا : ـ إن معتمد الجمهور في عدم جواز الرمي قبل الزوال هو فعل النبي ـ صلي الله عليه وسلم ـ والذي هو بيان للواجب وبيان الواجب يكون واجبا،
أو قلنا : ـ إن أفعال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الحج لها حكم الفعل المجرد ، لأن الفعل المجرد الأصل فيه الوجوب عند الجمهور ، فيكون فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ دالا على الوجوب بمجرده ،
ومذهب جمهور المحققين ، أن الأصل أننا لا نرجح كونه واجبا أو غير واجب إلا بقرينة ، وقد دلت القرينة هنا على الوجوب ، وإنما علمنا ذلك من تحري النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ له ومداومته على ذلك ولو كان جائزاً قبل هذا الوقت لفعله ولو مرة لبيان الجواز ، لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة كما بين وقت رميها في يوم العيد .

ويمكن أن يرد على دليل الجمهور بما ذكرناه في أدلة المجيزين من إلزامات ، وبأن فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لبيان أفعال الحج لا يدل على أكثر من المشروعية أو الندب ، وقد سبق ذكر ذلك عندما تكلمنا عن البيان بالفعل ، وذكرنا اختلاف العلماء في دلالته ، وكان منها هذين الرأيين ، وإن رجحنا الرأي القائل بالتوقف ، و سنذكر بقية مايقوي هذا القول ـ إن شاء الله ـ عند ذكر معتمد المجيزين ، وهو الآتي .
أما أدلة القول الثاني فنجد أنها تعتمد على أمور : ـ
الأول : ـ اعتبار أيام التشريق كاليوم الواحد ، فيجوز رمي الجمار في أي وقت منها ، وبناء على هذا كان رأي إمام الحرمين ، أن رمي الجمار لليومين الأخيرين يمكن تقديمه إلى اليوم الأول .
الثاني : ـ حمل فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في رميه الجمار أيام التشريق على الاستحباب ، وقد مثلنا لهذا الحمل قبل ذلك ، بمذهب الحنابلة في وقت بداية الوقوف بعرفة ، ورأيهم في الأصل مبني على حمل فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على اختيار الأفضل ، وهو عين الدليل الذي ذكره المجيزون للرمي قبل الزوال ، وبهذا يندفع دليل الجمهور ، لأنه مبني في الأصل على حمل فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الوجوب .
الثالث : ـ أن يوم العيد مع أيام التشريق الثلاثة تسمى جميعا أيام نحر، وبناء عليه يكون وقت رمي الجمار فيها واحدا ، وهو جائز في يوم العيد قبل الزوال ، فكذا بقية أيام النحر .
الرابع : ـ أن أفعال الحج مبنية على التخفيف ورفع الحرج ، ومراعاة الزحام ، بدليل قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمن قدم أو أخر عن فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ـ " افعل ولا حرج " ، وفي هذا بيان واضح للناس في أن أفعال الحج مبنية على التخفيف ورفع الحرج ، وهذا هو عين السبب الذي به أجاز الحنفية الرمي قيل الزوال في يوم النفر ، وقد سبق .
الخامس : ـ من خلال النظر في أفعال الحج ، نجد أن كثيرا منها اختلف فيه العلماء ، مابين قائل بالوجوب ، وقائل بالسنية ، رغم أنها جميعا خرجت مخرج البيان لآية الحج ، ومنها مسائل تتصل بالجمار ، وأخرى تتصل ببقية أحكام الحج ، وهي إما مساوية لرمي الجمار من حيث الوجوب ، وإما أن تكون أكثر منها أهمية كأن تكون ركنا ، وسنضرب لذلك أمثلة : ـ

المثال الأول : ـ
اختلف الفقهاء في حكم ترتيب الجمرات الثلاث في الرمي ، في أيام التشريق، على الوجه التالي : ـ
1 ــ ذهب المالكية والشافعية والحنابلة ، إلى وجوب رمي الجمار الثلاث بالترتيب ، الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى ، فمن نكس أعاد مرتبا ، لأن رميه غير مجزىء ، قال العدوي الشهير بالدردير : ـ
" يبدأ بالتي تلي مسجد منى ، ثم بالوسطى ، ويختم بالعقبة ، فإن نكس أو ترك الأولى مثلا ، أو بعضها ولو سهوا ، لم يجزه "
وقال النووي في المجموع : ـ
" يشترط الترتيب بين الجمرات ،فيبدأ بالجمرة الأولى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة ، ولا خلاف في اشتراطه ، فلو ترك حصاة من الأولى ، أو جهل فلم يدر من أين تركها ؟ جعلها من الأولى ، فيلزمه أن يرمي إليها حصاة ، ثم يرمي الجمرتين الأخريين ليسقط الفرض بيقين "
وقال ابن قدامة في المغني : ـ
" والترتيب في هذه الجمرات واجب ، على ما ذكرنا ، فإن نكس فبدأ بجمرة العقبة ثم الثانية ، ثم الأولى ، أو بدأ بالوسطى ، ورمى الثلاث ، لم يجزه إلا الأولى ، وأعاد الوسطى والقصوى ، نص عليه أحمد "
2 ــ وذهب الأحناف إلى أن الترتيب في رمي الجمرات مستتحب ، قال الحصكفي في الدر المختار شرح تنوير الأبصار : ـ
" ( وبعد الزوال ثاني النحر رمى الجمار الثلاث يبدأ ) استنانا ( بما يلي مسجد الخيف ثم بما يليه ) الوسطى ( ثم بالعقبة سبعا سبعا ) "
المثال الثاني : ــ
اختلف الفقهاء في تحديد آخر وقت طواف الإفاضة على النحو التالي : ـ
1 ـ مذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة ، أن آخر وقته هو آخر عمر الإنسان ، ولا شيء عليه .
قال النووي : ـ " يبقى مادام حيا ولا يلزمه بتأخيره دم " ،
وقال في غاية المنتهى : ـ
" وإن أخره عن أيام منى ، جاز ولا شيء فيه كالسعي " ،
وقال في بدائع الصنائع : ـ
" ليس لآخره زمان معين موقت به فرضا ، بل جميع الأيام والليالي وقته فرضا بلا خلاف بين أصحابنا "
2 ـ وقال أبو حنيفة : ـ إذا أخرالطواف عن أيام النحر فعليه دم ، قال في بدائع الصنائع : ـ
" لكنه موقت بأيام النحر وجوبا في قول أبي حنيفة ، حتى لو أخره عنها فعليه دم "
3 ـ ومذهب المالكية أنه يلزمه دم إذا أخره حتى يدخل المحرم ، قال المواق : ـ
" وأما تحديد آخر وقته ، فالمختار عند أصحابنا تمام الشهر ، وعليه الدم بدخول المحرم "
المثال الثالث : ـ
اختلف الفقهاء في حكم طواف الوداع ، وذلك على النحو التالي : ـ
1 ــ ذهب الأحناف والشافعية في الأصح والحنابلة ، إلى وجوب طواف الوداع ، على الخارج من مكة على التفصيل الآتي : ـ قال ابن عابدين الحنفي : ـ
" وهو واجب ، فلو نفر ولم يطف ، وجب عليه الرجوع ليطوف ، ما لم يجاوز الميقات ، فيخير بين إراقة الدم والرجوع بإحرام جديد بعمرة ، مبتدئا بطوافها ثم بالصدر ، ولا شيء عليه لتأخيره ، والأول أولى تيسيرا عليه ونفعا للفقراء "
وقال النووي في المجموع ـ شافعي ـ : ـ
" وفي هذا الطواف قولان مشهوران ، ذكرهما المصنف بدليلهما ( أصحهما ) أنه واجب ( والثاني ) سنة ، وحكي طريق آخر ، أنه سنة قولا واحدا ، حكاه الرافعي ، وهو ضعيف غريب ، والمذهب أنه واجب "
وقال ابن قدامة في المغني : ـ
" فأما الخارج من مكة ، فليس له أن يخرج حتى يودع البيت بطواف سبع ، وهو واجب ، من تركه لزمه دم "
2 ــ وذهب المالكية والشافعية في الصحيح عندهم ، إلى أن طواف الوداع ليس بواجب ، قال النفراوي المالكي : ـ
" ( فإذا خرج ) أي أراد الخروج من كان بمكة ( من مكة ) لكالجحفة ولو لم يكن في أحد النسكين ( طاف للوداع ) على جهة الندب سبعة أشواط "
وقال الشيرازي في المهذب : ـ
" والثاني ـ أي الصحيح مقابل الأصح ـ لايجب ، لأنه لو وجب لم يجز للحائض تركه ، فإن قلنا إنه واجب ، وجب بتركه الدم ، لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ( من ترك
نسكا فعليه دم ) وإن قلنا : لايجب لم يجب بتركه دم ، لأنه سنة ، فلا يجب بتركه دم كسائر سنن الحج "
المثال الرابع : ـ
اختلف الفقهاء في أول وقت طواف الإفاضة على النحو التالي : ـ
1 ــ ذهب الحنفية والمالكية إلى أن أول وقت جواز طواف الإفاضة ، يبدأ بعد طلوع الفجر ، ولا يجوز قبله ، قال الحصكفي : ـ
" ( و ) طواف الزيارة ( أول وقته بعد طلوع الفجر يوم النحر ، وهو فيه ) أي الطواف في يوم النحر الأول ( أفضل ، ويمتد ) وقته إلى آخر العمر "
وقال النفراوي : ـ
" ووقته من بعد فجر يوم النحر "
2 ــ وذهب الشافعية والحنابلة ، إلى أن وقت ابتداء جواز طواف الإفاضة ، بعد منتصف الليل ، قال النووي : ـ
" يدخل وقت طواف الإفاضة بنصف ليلة النحر ، وهذا لاخلاف فيه عندنا ، قال القاضيان أبو الطيب وحسين في تعليقهما ، وصاحب البيان وغيرهم : ـ ليس للشافعي في ذلك نص ، إلا أن اصحابنا ألحقوه بالرمي في ابتداء وقته "
وقال ابن قدامة في المغني : ـ
" وأما وقت الجواز ، فأوله من نصف الليل من ليلة النحر "
تعليق على هذه الأمثلة
ظهر لنا من خلال هذا العرض المبسط لبعض المسائل المتصلة بفريضة الحج ، أن العلماء اختلفوا فيها اختلافا كبيرا ، فمن ذاهب إلى القول بسنية طواف الوداع ، فالذي يتركه لاشيء عليه ، ومن ذاهب إلى القول بوجوبه ، فالذي يتركه عليه دم ، ومن ذاهب إلى القول بأن أول وقت طواف الإفاضة من بعد منتصف الليل ، وقائل بأن أول وقته بعد طلوع الفجر ، فمن طاف قبله لايجزئه عندهم ، كما أنهم اختلفوا في وجوب ترتيب الجمرات ، فالذي يرى الوجوب يبطل فعلها غير مرتبة ، والذي
يرى عدم الوجوب يصحح الفعل ، ولا إعادة عنده ، وقد سبق ذكر الاختلاف في أول وقت الوقوف بعرفة بين الحنابلة القائلين بأنه يبدأ فجر يوم عرفة ، والجمهور القائلين بأنه من زوال الشمس ، وكل هذه المسائل أخذت من فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي هو بيان للواجب ، وكان هذا الخلاف بين العلماء موضع قبول قديما وحديثا ، لعدم وجود نص قطعي الثبوت والدلالة يحسم القضية ، ومسألة رمي الجمار في أيام التشريق دليلها من جنس دليل هذه الأفعال ، والتي لا دليل عليها إلا فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي هو بيان للواجب ، فلم لا تدخل هذه المسألة أيضا ، ضمن الخلاف المعتبر كنظائرها من المسائل المذكورة ؟ !!!!!!!!
بل المسائل المذكورة منها ماهو أقوى من مسألتنا ، فطواف الإفاضة والوقوف بعرفة مثلا من الأركان ، ورمي الجمار من الواجبات ، وكلاهما حصل الخلاف في بداية وقته ، فالنكير على الخلاف في أول وقت طواف الإفاضة والوقوف بعرفة ينبغي أن يكون أولى لركنيتهما ، فمعلوم أن الركن أقوى من الواجب .
و بالنظر الفاحص في مجموع أدلة القائلين بالجواز ، لاسيما الأدلة التي لم نرد عليها ، وهي : ـ ( الدليل الثاني عشر، والثالث عشر ، والرابع عشر ، والخامس عشر ، والسادس عشر ) مع ماذكرناه من الأسس التي اعتمد عليها رأيهم ، نجد أن لها حظا من النظر ، بحيث لايستطيع الفقيه ردها بمجرد سماعها ، بل يتوقف ذهنه عندها ، ويعلق نظره بها ، بما يجعلها من نوع الخلاف المعتبر، وإنما ذكرنا الرد عليها من خلال ماذكره المانعون ، لبيان موقفهم بدليله ، ولأن قولهم أقوى كما ذكرنا ، وقد تركنا الرد على بعض الأدلة لقوتها .
** المبحـــــــــــــــث الرابــــــــــع **
** موقفنا من رأي القائلين بالجواز **
أولاً : ـ ما نقل عن عطاء وطاووس بالجواز مطلقاً : ـ تبين لي بعد البحث الجاد في كتب السنن والآثار والمصنفات ، أن ما ورد عنهما مما تناقلته كتب الفقه لا سند له يعتمد عليه .
ثم وجدت أن أقوالهما تُنقل أحياناً بالجواز مطلقاً ، وأحياناً أخرى بالجواز مقيدا بالجهالة عن عطاءً ، ـ كما سبق ذكره ـ فمن نقله عنهما مطلقاً ابن حجر في الفتح والبدر العيني في عمدة القارئ ، وممن نقله مقيداً بالجهل عن عطاء محب الدين الطبري وقد سيق إيراد الآثار التي تثبت أن عطاء عمل بخلاف المنقول عنه ، كما أفتى بخلافه أيضا ، وأن طاووساً فعل هذا وهذا مما يدل على جواز الأمرين عنده .
ثانياً : ـ ما نقل عن ابي حنيفة في غير ظاهر الرواية : ـ
غير ظاهر الرواية أدنى درجة من المشهور من ظاهر الرواية ، وعلماء المذهب على أنه أدنى اعتبارا من المشهور عند التعارض ، ولذلك جزموا في هذه المسألة بأن المذهب هوالرواية المشهورة ، وأما الرواية غير المشهورة ، فخلاف ما يفتى به في المذهب الحنفي .
وممن لم يعتمدها وشنع عليها أخواجان ، وقد ذكرأن أهل الكتب الموثوقة للحنفية نقلوها من باب الرواية والعلم ، لا من باب اعتمادها و الأخذ بها ، لأنها خلاف المفتى به عندهم ، وقد قال في رده لهذه الرواية مبينا عدم اعتمادها أو العمل بها : ـ
" وقد تقرر في كتبنا أنه لا يُعدل عن العمل بظاهر الرواية إلا إذا صُحّح خلافه في كتاب مشهور تلقته الفحول بالقبول كالهداية والكافي " .
وخلاصة هذا الخلاف عند الأحناف ،هو الأخذ بالمعتمد رواية ومذهباً ، لاسيما وأن غيرالمشهور من ظاهر الرواية اختلف فيه ، فمن ذاهب إلي أنه يشمل جواز الرمي قبل الزوال في جميع الأيام ، ومن ذاهب إلي أن ذلك يختص بيوم النفر كما سبق بيانه ، ولا ننسى أن نذكر هنا أننا نتكلم عن اليوم الأول خاصة ، ولكننا ندخل فيه الكلام عن الرمي قبل الزوال في الجميع ، لضرورة نقل الأقوال من الكتب التى ذكرت حكم الرمي عموماً ، واليوم الأول منها فيشمله حكمها ، ولأن الأحناف اختلفوا في تأويل غير ظاهر الرواية ، اختلافاً يوجب ذكر هذا التفصيل .
ثالثاً : ـ ما روي عن بعض الحنابلة وبعض الشافعية وغيرهم من العلماء : ـ
فقد نقل عن بعض الحنابلة جواز الرمي قبل الزوال كما سبق ومنهم : ـ
(1) ابن الزاغواني في منسكه .
(2) ابن الجوزي .
ولم ينقل عنهم أدلة ذلك ، إلا أن أهل المذهب رفضوا أقوالهم ، واعتبروها خارجة عن المذهب .
ونقل عن بعض الشافعية ومنهم : ـ
(1) الإســــــــــــــنوي .
(2) الرافعـــــــــــــــي .
(3) الإمام ا لجويني .
كما نقل عنهم صاحب التحفة .
ولم يذكر عنهم أدلة كذلك .
ونقل عن غير هؤلاء ومنهم : ـ
(1) أبي جعفر علي بن محمد الباقر .
(2) عكرمة .
(3) ابن طاووس .
(4) عطاء في إحدى الروايتين عنه وطاووس كذلك .
ولعل أدلة هؤلاء هي نفس الأدلة السابقة .
الخلاصة : ـ اجتمع معنا في اليوم الأول على جواز الرمي قبل الزوال إمام من الأئمة الأربعة ، وجمع من علماء المذهب الشافعي ، وجمع من علماء المذهب الحنبلي ، وبعض التابعين العالمين بمناسك الحج ، الذين انتهى إليهم الافتاء في مواسمه ، كعطاء بن أبي رباح ، وطاووس وغيرهما.
وبالرغم من أن أدلة الجمهورأقوى ، إلا أن أدلة غير الجمهور لها حظ من النظر ، بحيث يمكن القول بأنها أخرجت المسألة إلى حيز الخلاف المعتبر ، وقد سبق بيان ذلك في صدر البحث ، حينما ذكرنا الأئمة الذين أوردوا الخلاف في المسألة ، وهذا مما يُعطي مجالاً لاعتبار هذا القول وعدم إهماله ، لاسيما أنه قول عمل به في بعض العصور كما نقله أحد أئمة الحنفية ـ وقد سبق ـ وفي عهد ابن الزبير ، وإن خالفه
ابن عمر ، لورود ذلك صريحا عنه كما في الموطأ بسند صحيح رواه مالك عن نافع عن ابن عمر : ـ
" لا ترمى الجمار في الأيام الثلاثة حتى تزول الشمس ".
ومما يزيد هذا القول قوة ، ما ذكرناه عند الكلام عن البيان ، والذي ثبت أنه يشتمل على الواجبات والمندوبات ، بما يُعطي مجالاً لاحتمال كون الوقت الذي رمى فيه ، رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مندوباً ، وأن جميع الليل والنهار وقت للرمي ، وهذا مقتضى قياس مذهب الحنابلة في جعل كل يوم عرفة صالحاً للوقوف ، وغير ذلك مما ذكرناه عند الكلام عن الأدلة التي اعتمد عليها المجيزون .
وإذا كان الأمر كذلك ، فإن موقفنا من هذه المسألة يتلخص في نقطتين : ـ
الأولى : ـ
مراعاة خلاف القائلين بجواز الرمي قبل الزوال ، لما في بعض أدلته من النظر المعتبر ، الذي يتوقف الذهن عنده ، بحيث يظن المخالف أن الحق قد يكون معه ، وهو ما يسميه العلماء ( قوة المدرك ) قال الجهرزي في المواهب السنية على نظم الفرائد البهية : ـ
" قال التاج السبكي : ـ فأن ضعف ونأى عن مأخذ الشرع كان معدودا من الهفوات والسقطات لا من الخلافيات ، ونعني بالقوة : ـ وقوف الذهن عندها ، وتعلق ذي الفطنه بسببها ، لا انتهاض الحجة ، إذ لو أنتهضت لما كنا مخالفين لها أ. هـ ثم قال :
ـ لا نظر إلى القائل ، بل إلى قوله وقوة المدرك وضعفه ، وهو مما لا تنتهي إلى الإحاطة به إلا الأفراد ، وقد يظهر الضعف أو القوة بأدنى تأمل ، وقد يحتاج إلى تأمل وفكر ، ولابد أن يقع هنا الاختلاف في الاعتداد به ، ناشئا عن أن المدرك قوي أو ضعيف " أ . هــ
فهكذا قرر السبكي أن مراعاة الخلاف مستحبة ، ولو لم تنتهض حجته عند المخالف ، إذ لو لو انتهضت لما حصل خلاف أصلا ، وظهر من كلامه أن الخلاف الذي لا يقف الذهن عنده لا اعتبار به ، كما قال القائل : ـ
وليس كل خلاف في الشرع معتبر ** إلا خـــــــلاف له حظ من النظر
ومراعاة الخلاف تقتضي عدم تجهيل المخالف أواتهامه ببطلان عمله في ذاته ، ولكن يقال له : عملك هذا باطل عندنا ، لأنه يخالف الفعل الواجب في نظرنا ، وإن كان صحيحاً عندك ، وقد كان هذا هو منهج الأئمة ـ رحمهم الله ـ حيث كانوا يقولون : ـ قولنا صواب يحتمل الخطأ ، وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب ، ولذلك قل الشقاق بينهم ، وعذر بعضهم بعضا فيما أداه إليه اجتهاده ، وسنذكر مثالاً على ذلك ، من خلال جواب لابن حجر الهيتمي الشافعي ـ رحمه الله ـ ، على سؤال وجه إليه ، وهذا نصه : ـ
" وسئل رحمه الله تعالى بما صورته : ذكر الإمام النسفي الحنفي في المصفى ، أنه يجب علينا إذا سئلنا عن مذهبنا ومذهب مخالفنا في الفروع أن نجيب ، بأن مذهبنا صواب يحتمل الخطأ ومذهب مخالفنا خطأ يحتمل الصواب ، أي بناءً على أن المصيب في الفروع واحد ، وغيره مخطئ مأجور . فهل صرح أصحابنا بمثل ذلك ؟ وهل منعهم الاقتداء بالمخالف حيث ارتكب مبطلا مقتض لذلك ؟، وهل يسوغ للمفتي أن يفتي بمذهب مخالفه ؟ ، وذلك بأن يفتي الحنفي بعدم وجوب الزكاة في مال موليه ، أو ليس له ذلك ؟ ، بل ولا بالوجه الضعيف المرجوح عند الشيخين ، ويقال : إن بيان الحكم للمستفتي المخالف بنحو ذلك ، إنما هو من الرواية وحكاية مذهب الغير ، لا الإفتاء المتوقف على الاعتقاد ، تفضلوا ببيان ذلك ، وبسط الكلام ونقل مالهم فيه تصريحا وتلويحا فإن المقام قد يخفى على كثير حتى توهم بعض المتفقهة أن القول بخطأ المخالف ، واعتقاد بطلان صلاته مناف لكونه على هدى من ربه عز وجل . فأجاب : ـ نفعنا الله تعالى به بقوله : ـ
( نعم صرح أصحابنا بما يفهم ذلك لا بقيد الوجوب الذي ذكره ففي العدة لابن الصباغ : ـ كان أبو إسحاق المروزي وأبو على الطبري يقولان : ـ إن مذهب الشافعي ـ رضى الله عنه ـ وأصحابه أن الحق في واحد ، إلا أن المجتهد لا يعلم أنه مصيب وإنما يظن ذلك . أ . هـ
وإذا كان المجتهد لا يعلم الإصابة وإنما يظنها ، فمقلده أولى ، ومعلوم أن الظن يقابله الوهم وهو احتمال الخطأ ، فنتج أن المجتهد يظن إصابته ويجوز خطأه وأن مقلده كذلك ، وحينئذ يلزم ما ذكره عن النسفي .
ومما يصرح بذلك أيضا ، مراعاة الشافعي ـ رضى الله عنه ـ وأصحابه خلاف الخصوم في مسائل كثيرة ، فذلك تصريح منهم بأنهم أنما يظنون إصابة ما ذهب إليه إمامهم ، وأنهم لا يقطعون بخطإ مخالفيه ، وإلا لم يراعوا خلافهم ، فلما راعوه علم أنهم يجوزون إصابته الحق ، وإن كان الأغلب على ظنهم أن الحق هو ماذهب إليه إمامهم ، وماأحسن قول الزركشي : قد راعى الشافعي ـ رضي الله عنه ـ وأصحابه خلاف الخصم في مسائل كثيرة ، وهذا إنما يتمشى على القول بأن مدعي الإصابة لايقطع بخطإ مخالفه ، وذلك لأن المجتهد لما كان يجوز خلاف ماغلب على ظنه ، ونظر في متمسك خصمه ، فرأى له موقعا راعاه على وجه لايخل بما غلب على ظنه ، وأكثر من باب الاحتياط والورع ، وهذا من دقيق النظر والأخذ بالحزم .
قال القرطبي : ـ
ولذلك راعى مالك ـ رضي الله عنه ـ الخلاف ، قال : وتوهم بعض أصحابه أنه يراعي صورة الخلاف ، وهو جهل أو عدم إنصاف ، وكيف هذا وهو لم يراع كل خلاف ، وإنما راعى خلافا لشدة قوته " أ هــ .
هذا جزء من جوابه ، وفيه كلام آخر ردا على بعض الإشكالات والاعتراضات ، ضربنا عنها صفحا ، لدلالة المنقول على المقصود .
الثانية : ـ
وهو الخروج من الخلاف، فالخروج من الخلاف مستحب كما صرح بذلك الأئمة الكرام ـ رحمة الله عليهم أجمعين ـ ، والخروج من الخلاف يكون بفعل الأحوط ، والأحوط هو القول الأشد ، قال الزركشي في المنثور : ـ
" يستحب الخروج من الخلاف ، باجتناب ما اختلف في تحريمه ، وفعل ما اختلف في وجوبه ، إذا قلنا : ـ كل مجتهد مصيب ، لجواز أن يكون هو المصيب ، وكذا إذا قلنا : ـ إن المصيب واحد ، لأن المجتهد إذا كان يجوز خلاف ماغلب على ظنه ،ونظر في متمسك مخالفه ،فرأى له موقعا ،فينبغي له أن يراعيه "
وقال السبكي : ـ
" أفضليته ليست لثبوت سنة خاصة فيه ، بل لعموم الاحتياط والاستبراء للدين ، وهو مطلوب شرعا مطلقا ،فكان القول بأن الخروج من الخلاف أفضل ،ثابت من حيث العموم ، واعتماده من الورع المطلوب شرعا "
وقد نظم هذه القاعدة بضوابطها العلامة / السيد أبي الأهدل اليمني الشافعي في الفرائد البهية في نظم القواعد الفقهية فقال : ـ
ومستحب الخروج يا فتى ***** من الخلاف حسبما قد ثبتا
لكن مراعاة الخلاف يشترط ***** لها شروط ولها الأصل ضبط
ألا يكون في الخلاف موقعا ***** ولم يخالف سنة لمن دعا
صحت وكونه قوي المدرك ***** لاكخلاف الظاهري إذ حكي
قال الجرهزي في شرح هذه الأبيات : ـ
" ذكر أئمتنا ـ رحمهم الله أجمعين ، ونظمنا في سلكهم ـ هذه القاعدة ، وقرروها وفرعوا عليها فروعا جمة ، واستنبط التاج السبكي لها أصلا من الكتاب ، وهو قوله تعالى : ـ ( ياأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ) ثم قال : ـ لايخفى أنه أمر باجتناب بعض ماليس بإثم ، خشية الوقوع فيما هو إثم ، فيكون الاحتياط حينئذ أن نجعل المعدوم كالموجود ، والموهوم كالمتحقق انتهى ، قلت : ـ دلائل الاحتياط الحملي كثيرة ،كقوله تعالى ( وخذوا حذركم ) (ولياخذوا أسلحتهم ) وكقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ ( دع ما يريبك إلى مالا يريبك ) "
ومن أبرز الأمثلة على هذا ، ما ذكره الإمام الشافعي في كتابه الأم ، حيث قال : ـ
" فللمرء عندي أن يقصر فيما كان مسيرة ليلتين قاصدتين ، وذلك ستة وأربعون ميلاً بالهاشمي ، ولا يقصر فيما دونها وأما أنا فلا أحب أن أقصر في أقل من ثلاث احتياطا على نفسي " . انتهى .
فهذا الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ يحتاط لنفسه فيترك القصر في المسافة التي رأي قيام الأدلة على صحتها ، ويأخذ بالأحوط ، خروجا من الخلاف .
قال الزركشي في المنثور : ـ
" أفتى فيما قامت الدلالة عنده عليه ، ـ أي من مرحلتين ـ ثم أحتاط لنفسه اختياراً لها " . ا هــ .
وقد ذكر في كتب الفروع كثيراً من الأمثلة على ذلك ، منها ما كرره ابن قدامة مرا راً في المغني ، فقال في أحدها : ـ
" والغسل لكل صلاة أفضل ـ يعني للمستحاضة ـ لما فيه للخروج من الخلاف ، والأخذ بالثقة والاحتياط " . ا هــ .
وقال عزالدين بن عبد السلام في قواعد الأحكام : ـ
" والعزيمة أفضل خروجاً من خلاف العلماء " . ا هــ .
وقال النووي في المجموع : ـ
" قال الشافعي والأصحاب : ـ يستحب غسل النزعتين مع الوجه ، لأن بعض العلماء جعلهما من الوجه فيستحب الخروج من الخلاف" ا هـ .
وقد ذكر النووي هذه القاعدة في مواقع كثيرة من المجموع ، يضيق المقام هنا عن حصرها .
وقال ابن الهمام في فتح القدير : ـ
" والأفضل أن يكون قد حج عن نفسه حجة الإسلام ، خروجاً من الخلاف ـ يعني خلاف من يرى أنها لاتجزىء ـ " . أ هــ .
وحتى لا تكون هذه القاعدة بابا لمخالفة الدليل ، فقد وضع العلماء لها شروطاً وضوابط ، نلخصها فيما يلي : ـ
الأول : ـ ألا يوقع مراعاته في خلاف آخر . ( ووقوعه في مسألتنا بعيد )
الثاني : ـ أن لا يخالف سنة ثابتة . ( ولا توجد سنة ثابتة هنا يخشى من مخالفتها ، بل المسألة موضع اجتهاد )
الثالث : ـ أن يقوى مدركه بحيث لا يُعد هفوة . ( وقد تقدمت أدلة القول بالجواز ، وظهرت قوتها )
الرابع : ـ أن لا تؤدي مراعاته إلى خرق الإجماع . ( وليس في مسألتنا إجماعا كما قدمنا )
الخامس : ـ يضعف الخروج من الخلاف إذا أدى إلى المنع من العبادة . ( وليس في مسألتنا منعا من العبادة )
السادس : ـ أن يكون الجمع بين المذاهب ممكناً. ( والجمع بين المذاهب هنا ممكن )
وببيان هاتين النقطتين يتضح لنا أن الأحوط ترك الرمي قبل الزوال خروجاً من الخلاف ، مع مراعاة القول المخالف لاحتمال كون الصواب معه ، فدليل قولـه له حظ من النظر ، فكان حرياٍ بأن يعتبر ، فلا نصفه بالشذوذ ، أوالابتداع ، ولا نبطل عمله في ذاته ، وإن كان باطلا عند القائل بعدم الجواز ، وهذا هو مقتضى فقه الخلاف ، كما مضى بيانه .
والأولى ألا يلجأ الحاج إلى رمي الجمار قبل الزوال إلا عند الحاجة إلى ذلك ، أخذا بالأحوط ، وعملا بالقاعدة المتقدمة .
** المبحث الخامس **
** اليوم الثاني من أيام التشريق **
وهو اليوم الثاني عشر من ذي الحجة ، أو يوم النفر الأول وقد اختلف العلماء فيه على مذاهب أيضاً : ـ
المذهب الأول : ـ
عدم جواز الرمي قبل الزوال مطلقا ، وهو مذهب الجمهور من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم ، فهو مذهب المالكية والشافعية والرواية المشهورة عند الحنفية ، والرواية الصحيحة عن الإمام أحمد وهي معتمد مذهب الحنابلة .
وقد سبقت النقول من كتبهم عند الكلام على اليوم الأول ، فلا داعي لإعادته ، لكن لهم دليل زائد هنا وهو : ـ
" أنه لا يجوز تركه فيهما ـ يعني في اليوم الأول والثاني ، والمقصود رمي الجمار ـ فبقى على الأصل المروي . "
يعنون أن المروي الرمي بعد الزوال ، ولم يُرخص في ترك الرمي في اليومين الحادي عشر والثاني عشر ، مثل ما رخص في ترك الرمي في اليوم الثالث تبعا لترك المبيت ، فلم يخفف فيهما كما خفف في الثالث ، على ما سيأتي بيانه .
المذهب الثاني : ـ
جواز الرمي قبل الزوال مطلقا ، وهو ما ذهب إليه طاووس وعطاء ( بناء على مانقله البعض عن عطاء ، وقد سبق بيان نهي عطاء عن الرمي قبل الزوال ، وذكرنا
ما فيه من الاحتمالات ) وعكرمة ، وأبو حنيفة في غير ظاهر الرواية على تفسيرها بالإطلاق أو بيوم النفر كما مضى ، وأبو جعفر الباقر وابن الجوزي من مذهب الحنابلة وابن الزاغواني كذلك ، والرافعي والإسنوي والجويني من الشافعية ، وغيرهم ممن قالوا بالجواز مطلقا ، وقد ذكرناهم عند كلامنا على اليوم الأول .
فجميع هؤلاء ذهبوا إلي جواز الرمي قبل الزوال مطلقاً نفر أم لم ينفر ، وأدلتهم هي نفس الأدلة المذكورة في اليوم الأول .
المذهب الثالث : ـ
وهو جواز الرمي قبل الزوال في هذا اليوم ، بشرط أن يكون سينفر فيه ، وهذا ما ذهب إليه أحمد ابن حنبل في رواية ، ولاينفر عنده إلا بعد الزوال ، قال ابن مفلح في الفروع : ـ
" وعنه : يجوز رمي متعجل قبل الزوال ، ؤينفر بعده " وهذا هو قول إسحاق وعكرمة ، وقول أبي حنيفة ـ بناء على تأويل الرواية غير المشهورة على أن المقصود بها جواز الرمي قبل الزوال يوم النفر الأول ـ وهي رواية عن أبي يوسف ويشترط عند أبي حنيفة أن يكون سينفر في هذا اليوم كالرواية المذكورة عند الحنابلة ، لكنهم يجيزون النفر قبل الزوال ، قال ابن نجيم : ـ
" وإنما لايجوز قبل الزوال لمن لايريد النفر ،فمحمول على غير ظاهر الرواية ، فإن ظاهر الرواية أنه لايدخل وقته في اليومين إلا بعد الزوال "
وذكر الزركشي رواية أخرى عن الإمام أحمد يجيز فيها الرمي قبل الزوال والنفر قبله وفاقا لأبي حنفية مطلقا ، فقال : ـ " قال في رواية ابن منصور : ـ إذا رمى عند طلوع الشمس في النفر الأول ثم نفر ، كأنه لم ير عليه دما "
و بذلك قال طاووس ، قال ابن قدامة في المغني : ـ " وقال طاووس : ـ يرمي قبل الزوال ، وينفر قبله "





وممن اعتمدهذه الرواية عند الحنفية، صاحب البحر العميق ، فيما نقله عنه ملا علي القاري في إرشاد الساري ، نقلا عن الإكليل للشيخ عبد الحق الذي ذكره بدوره عن الضوء المنير على المنسك الصغير لقاضي زاده فقال : ـ
" وهذا ـ يعني جواز الرمي قبل الزوال في يوم النفرالأول ـ إنما يتأتي على رواية الحسن ، فهو اختيار منهم لقول الحسن ، فهو قول مختار يُعمل به بلا ريب ، وعليه عمل الناس ، وبه جزم بعض الشافعية حتى زعم الإسنوي أنه المذهب " .


أدلة هذا الرأي
ـ كل ما ذكرناه من أدلة لجواز الرمي قبل الزوال في اليوم الأول يصلح أن يكون دليلا لجوازه في هذا اليوم عند من يرون الجواز في الأيام الثلاثة ، أما من يرون أن الجواز مقيد بيوم النفر فدليلهم : ـ
أن الرمي قبل الزوال يجوز دفعا للحرج ، لأنه إذا رمي بعد الزوال لا يصل إلي مكة إلا بالليل فيحرج في تحصيل المنزل .
المراد بقبل الزوال عند الحنفية : ـ
قال في إرشاد الساري نقلاً عن الشيخ / طاهر سنبل في ضياء الأبصار : ـ
" ويظهر أن المراد بما قبل الزوال على كلٍّ من الروايتين من طلوع الفجر، لأته أول النهار ، ولخروج وقت رمي اليوم الذي قبله "
والحاصل أن الأقوال في هذا اليوم ثلاثة ، أما المذهب الأول والثاني ، فقد سبق الكلام عنهما ، عند الكلام عن اليوم الأول ، وفصلنا القول فيها هناك ، لأن كل فريق منهما يُطلق الحكم بالجواز أو المنع ، وقد رجحنا هناك المنع لقوة دليله ، وللخروج
من الخلاف ، مع القول بالجوازعند الحاجة إليه مراعاة للقول بالجواز، وما معه من أدلة قوي مدركها ، كما سبق ذكرها مفصلة.
أما المذهب الثالث هنا ـ وهو القائل بالجواز في هذا اليوم إذا نفر فيه ـ فهو بلا شك أقوى من المذهب الذي يجيز الرمي فيه قبل الزوال وإن لم ينفر ، لاسيما أنه نُقل العمل به عند الأحناف كما في البحر العميق ـ وقد سبق نقله ـ وقال به الإمام أحمد في رواية ، وبها قال إسحاق وعكرمة وطاووس ، ولأنه يدفع الحرج في تحصيل المنزل ، وللتخفيف فيه وجه ومع هذا فإننا نقول : ـ
خروجاً من الخلاف لا يُلجأ إليه إلا عند الحاجة .
وفي الموسوعة الفقهية الكويتية مايوافق هذا الرأي حيث قال مؤلفوها : ـ " والأخذ بهذا مناسب لمن خشي الزحام ، ودعته إليه الحاجة ، لاسيما في زماننا "
وقد أفتى العلامة بن جبرين بجوازه عند الحاجة ـ كما رجحناه ووفاقا للموسوعة الفقهية الكويتية ـ فقال : ـ " جمهور العلماء أجمع على منع الرمي قبل الزوال مطلقا ، وقبل خمسين عاما رأى الشيخ بن محمود جواز الرمي في جميع الأيام ، ضحى وليلا ، ونقل ذلك عن طاووس وعطاء بن أبي رباح ، وألف في ذلك رسالة بعنوان ( يسر الإسلام ) وقد رد عليه الشيخ / محمد بن إبراهيم آل الشيخ ـ رحمه الله ـ مفتي الديار السعودية ، في رسالة بعنوان (تحذير الناسك مما أحدثه ابن محمود في المناسك ) وبعد ذلك رخص مشايخنا في الرمي ليلا ، وحيث إن هناك رواية في مذهب الإمام أحمد بجواز الرمي قبل الزوال لمن تعجل في يومين ، كما ذكرها الموفق في المغني ، والمرداوي في الإنصاف ، والزركشي في شرح مختصر الخرقي ، فأرى جواز العمل بهذه الرواية للمتعجل إذا كان معه نساء يخشى عليهن الزحام ، أو كان له موعد محدد في المطار ، أو مع حافلة يخشى فواتها ، فلا بأس والحالة هذه أن يرمي في الضحى ، والأفضل ألا يخرج إلا بعد الزوال ، وإن احتاج إلى الخروج قبل الزوال جاز له ذلك ، والله أعلم "







**المبحـــث الســـــــادس **
** اليوم الثالث من أيام التشريق **
وهو اليوم الرابع من أيام النحر ، الثالث عشر من ذي الحجة ، وقد اختلف العلماء فيه على مذاهب أيضاً .
المذهب الأول : ـ
عدم جواز رميها قبل الزوال مطلقا ، وهو مذهب الصاحبان من الحنفية ، وهو معتمد المذهب عندهم ؛ قال المرغيناني : ـ " وقالا لا يجوز اعتبارا بسائر الأيام " ، وقد سبق وبينا تأويل الرواية عن أبي حنيفة بما فيه كفاية .
ومذهب المالكية .
ومذهب الشافعية .
ومذهب الحنابلة .
وأدلتهم في ذلك هي نفس الأدلة التي ذكرناها عند الكلام عن المذهب القائل بعدم جوازالرمي للجمار في الأيام الثلاثة إلا بعد الزوال ، وقد سبق ذكرها ، ويزيد عليها دليل الصاحبين من الحنفية وهو : ـ
" أنه لايجوز رميها قبل الزوال اعتباراً بسائر الأيام "

المذهب الثاني : ـ
جواز رميها قبل الزوال ، ويجوزله أن ينفر قبله ، وقد قال بهذا الإمام أبو حنيفة ، قال البابرتي : ـ
" وإن قدم الرمي في هذا اليوم ـ يعني اليوم الرابع ـ قبل الزوال بعد طلوع الفجر جاز عند أبي حنيفة ـ رحمه الله ـ وهذا استحسان ، وقالا ـ يعني الصاحبان ـ : ـ لايجوز اعتبارا بسائر الأيام "
وهي رواية ثالثة عن أحمد ، كما نقلها الزركشي في شرحه على الخرقي فقال : ـ
" والثالثة كالثانية إلا أنه إن نفر قبل الزوال لاشيء عليه " ، ونقلها ابن قدامة عن طاووس ، كما في المغني : ـ
" وقال طاووس : ـ يرمي قبل الزوال ، وينفر قبله "
وبها قال كل من أطلق القول بالجواز في الأيام الثلاثة ، كما ذكرناه مفصلا في اليوم الأول .
ومن حجج هذا القول كما قال في الهداية عن مذهب أبي حنيفة : ـ
" ومذهبه مروي عن ابن عباس ـ رضى الله عنهما ـ ولأنه لما ظهر أثر التخفيف في هذا اليوم في حق الترك فلأن يظهر في جوازه في الأوقات كلها أولى ، بخلاف اليوم الأول والثاني حيث لايجوز الرمي فيهما إلا بعد الزوال في المشهور من الرواية ، لأنه لايجوز تركه فيهما ، فبقي على أصل المروي "
وقال الزيلعي في نصب الراية : ـ
" ومذهبه مروي عن ابن عباس ، يعني مذهب أبي حنيفة في تقديم الرمي على الزوال بعد الفجر في اليوم الرابع من أيام التشريق ، قلت : ـ رواه البيهقي عنه : ـ إذا انتفخ النهار من يوم النفر ، فقد حل الرمي والصدر ، انتهى . في مسند طلحة بن عمر ، وضعفه البيهقي ، قال : ـ والانتفاخ : ـ الارتفاع "
وقال السرخسي في المبسوط مستدلا لأبي حنيفة : ـ
" لأن الرمي في اليوم الرابع يجوز تركه أصلا ، فمن هذا الوجه يشبه النوافل ، والتوقيت في النفل لايكون عزيمة ، فلهذا جوز الرمي فيه قبل الزوال ، ليصل إلى مكة قبل الليل "
وقد ذكر الجصاص وجها آخر ، يستدل به لأبي حنيفة ومن وافقه ـ رحمهم الله ـ فقال : ـ
" وقال أصحابنا : ـ إنه إذا لم ينفر حتى غابت الشمس ، فلا ينبغي له أن ينفر حتى يرمي جمرة اليوم الثالث ، ولايلزمه ذلك إلا أن يصبح بمنى ، فحينئذ يلزمه رمي
اليوم الثالث ، ولايجوز تركه ، ولا نعلم خلافا بين الفقهاء أن من أقام بمنى إلى اليوم الثالث ، أنه لايجوز له النفر حتى يرمي ، وإنما قالوا : ـ إنه لايلزمه رمي اليوم الثالث بإقامته بمنى إلا أن يمسي ، من قبل أن الليلة التي تلي اليوم الثاني هي تابعة له ، حكمها حكمه ، وليس حكمها حكم الذي بعدها ، أَلا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ الرَّمْيَ فِي الْيَوْمِ الأول رَمَاهُ فِي لَيْلَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ مُؤَخِّرًا لَهُ عَنْ وَقْتِهِ ؟ لأَنَّهُ عليه السلام ( رَخَّصَ لِلرُّعَاةِ أَنْ يَرْمُوا لَيْلاً ) , فَكَانَ حُكْمُ اللَّيْلَةِ حُكْمَ الْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهَا وَلَمْ يَكُنْ حُكْمُهَا حُكْمَ
الَّذِي بَعْدَهَا ; فَلِذَلِكَ قَالُوا : إنَّ إقَامَتَهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي بِمِنًى إلَى أَنْ يُمْسِيَ بِمَنْزِلة إقَامَتِهِ بِهَا نَهَارًا , وَإِذَا أَقَامَ حَتَّى يُصْبِحَ مِنْ الْيَوْمِ الثَّالِثِ لَزِمَهُ الرَّمْيُ بِلا خِلافٍ. وَهَذَا مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي تَجْوِيزِهِ
رَمْيَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ قَبْلَ الزَّوَالِ ; إذْ قَدْ صَارَ وَقْتًا لِلُزُومِ الرَّمْيِ , وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ وَقْتًا لِوُجُوبِهِ ثُمَّ لا يَصِحُّ فِعْلُهُ فِيهِ " .
ودليل أبي حنيفة هنا هو ما يسمى عند الأحناف بدلالة النص
وقد صرح بأن دليل أبي حنيفة فيها دلالة النص ، إرشاد الساري نقلاً عن أخواجان ، : ـ
" وإنما أجازه في اليوم الرابع بدليل دلالة النص لا بالقياس "
وبيانه كالتالي : ـ
المنطوق به : ـ جواز ترك اليوم الثالث كله ، لقوله تعالى : ـ " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه " ومنه ترك الرمي .
المسكوت عنه : ـ جواز ترك رمي الجمار فيه .
فيكون جوازه في جميع الأوقات قبل الزوال أوبعده أولى من جواز تركه كلية .
ومنهم من ذهب إلي أن دليل أبي حنيفة هنا الاستحسان ، كالبابرتي في العناية على الهداية ، حيث قال : ـ
" وإن قدم الرمي في هذا اليوم ـ يعني اليوم الرابع ـ قبل الزوال بعد طلوع الفجر ، جاز عند أبي حنيفة ـ رحمه الله ـ وهذا استحسان "
وقال السرخسي : ـ " وإن صبر إلى اليوم الرابع ، جاز له أن يرمي الجمار فيه قبل الزوال استحسانا في قول أبي حنيفة ـ رحمه الله تعالى ـ "
ونقله عنه صاحب القري فقال : ـ
" وقال أبو حنيفة يجوز الرمي في اليوم الثالث قبل الزوال استحساناً "

المذهب الثالث : ـ
جواز رميها قبل الزوال ولا ينفر إلا بعده ، وبهذا قال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ في رواية وإسحاق وأصحاب الرأي ، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني ، حيث قال : ـ
" إلا أن إسحاق وأصحاب الرأي ، رخصوا في الرمي يوم النفر قبل الزوال ، ولا ينفر إلا بعد الزوال ، وعن أحمد مثله ، ورخص عكرمة في ذلك أيضا "

وقال الخرقي : ـ
" والرواية الثانية : ـ إن رمى في اليوم الآخر قبل الزوال ، أجزأه ولاينفر إلا بعد الزوال "
وعلى كل حال فالقول بالجواز في اليوم الثالث أقوى من اليومين السابقين ، لاسيما أنه اتفق على جواز تقديم الرمي فيه على الزوال إمامان جليلان ، وهما الإمام أحمد والإمام أبو حنيفة ـ وإن اختلفا في وقت النفر ـ مع من قالوا بالجواز مطلقا، ومعهم على ذلك أدلة قوية ، كدلالة النص التي استدل بها الحنفية ، أو الاستحسان على قول بعضهم ، وإن كان الأحوط أيضاً الخروج من الخلاف كما سبق وبيناه ، فلا يلجأ إليه إلا عند الحاجة ، وسنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحب إلينا .
** المبحـــــــث السابـــــع **
** اقتراحـــــــــات **
لفعل الأحوط خروجا من الخلاف ، وتجنبا للزحام .
الاقتراح الأول : ـ
يمكن للحاج أن يختار الوقت المناسب للرمي ، وذلك بسؤال أهل الخبرة بالحج ، ونحن على يقين من أنه سيجد الوقت الذي يستطيع أن يرمي فيه من غير مشقة ، وذلك لأن الوقت من زوال الشمس إلى طلوع الفجر يكفي لرمي جميع الحجاج ويزيد عليهم ، لكنهم يتزاحمون في أوقات معينة ، كبعد الزوال مباشرة ، حتى قرابة الغروب ، تحريا لوقت السنة في الرمي من بعضهم ، وخروجا من خلاف القائلين بأن آخر وقت الرمي هو غروب الشمس ، من البعض الآخر ، ومعلوم أن جمهور الفقهاء أجازوا الرمي في الليل ، كما هو مذهب الحنفية ، ووجه عند الشافعية.
الاقتراح الثاني : ـ
يمكن للقائمين على الحج أن ينظموا سير الحجاج إلى رمي الجمرات ، فيتم تقسيم منى إلى قطاعات ، بحيث يكون لكل قطاع وقت معين لايخرج قبله ، ويتم ذلك برصف طرق وعمل بوابات للسير الإجباري ، وهذا من حق أمير الحج أو المسؤل عن تنظيمه ، فتصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة .
الاقتراح الثالث : ـ
أن يتم تنظيم الطرق الؤدية إلى الجمرات ، عن طريق إعادة هندستها ، وعمل الكباري العلوية اللآزمة لذلك ، بما يسهل دخول الحجاج وخروجهم ، من وإلى الجمرات .
الاقتراح الرابع : ـ
زيادة عدد طوابق الرمي ، بنسبة تتوازن مع أعداد الحجيج في كل عام ، مع ملاحظة إخلاء المنطقة المحيطة بالجمرات من الحجاج الذين يتخذونها مكانا للإقامة ، ووضع

اللوحات الإرشادية المناسبة التي يستطيع الحجاج قراءتها ، ولا يتأتى ذلك إلا إذا كانت بلغات مختلفة .
الاقتراح الخامس : ـ
من كان عاجزا عن الرمي ، فليستنب من يرمي عنه ، وذلك جائز في الجملة عند أهل المذاهب الأربعة وغيرهم ، كما سبق ذكره

خــــــــــــــاتـــــــــــمــــــــة
نسأل الله حسنها
وبعد هذا العرض لأقوال الفقهاء ، أشكر الله أولا على إتمامه ، وأسأله سبحانه أن يجعله لي ذخرا عند لقائه ، وأن ينفع به أينما كان ، وأدعو المعتنين بالعلم الشرعي أن ينظروا في المسألة بأفق واسع ، وأن يحكموا براهين الشرع ، التي أسس العلماء قواعدها ، ووضعوا أصولها ، وألا يهملوا الاجتهاد فيما يجد من أمور تحتاج إليها الأمة ، ومعلوم أن كل إنسان يؤخذ من قوله ويترك ، إلا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لكننا نعلم أن علماء سلف الأمة ماوضعوا قاعدة ، ولا أصلوا أصلا ، إلا وقد بني على دليل من المنقول أو المعقول ، كما أسأل إخواني المسلمين ألا يبخلوا علي بالنصيحة ، فإنها عندي مقبولة مرغوبة ، وما كان من صواب في هذا البحث المتواضع فهو من ربي وخالقي ومولاي ، وماكان فيه من خطإ ، فمن نفسي والشيطان ، والله ورسوله منه براء ، وحسبي أنني لم أخرج عن أقوال العلماء ، ولم أحد عن طريقهم ،
هم البدور ولكن لا أفول لهــــــم هم الشــــــــمــــــوس وقد فاقوا بنورهــــم
لم يبق للشمس من نور إذا أفلت ونورهم مشرق من بعد رمســـــــهــــــــــــم
اللهم صل على محمد ، وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم ، وعلى آل إبراهيم ، إنك حمبد مجيد . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
رد مع اقتباس
  #53  
قديم 08-08-05, 02:30 PM
الحمادي الحمادي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-02-03
المشاركات: 560
افتراضي


مرحباً بكم يا شيخ علي في ملتقى أهل الحديث.



وبارك الله فيكم وجزاكم خيراً على هذا البحث.
ويبدو أنَّ إفرادَه في موضوعٍ مستقلٍ أفضل، وذلك في المنتدى الشرعي التخصصي.

مع وضع نسخة منه على الوورد، في خزانة الكتب والأبحاث.
__________________

قال الإمام أبو بكر الآجُرِّي:
(وعند الحكماء أنَّ المراءَ أكثره يغيِّر قلوبَ الإخوان، ويورثُ التفرُّق بعد الألفة، والوحشةَ بعد الأنس).

رد مع اقتباس
  #54  
قديم 08-08-05, 02:54 PM
الحمادي الحمادي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-02-03
المشاركات: 560
افتراضي

كتبتُ مشاركتي السابقة قبل علمي بوضعكم نسخةً من البحث في خزانة الكتب.
__________________

قال الإمام أبو بكر الآجُرِّي:
(وعند الحكماء أنَّ المراءَ أكثره يغيِّر قلوبَ الإخوان، ويورثُ التفرُّق بعد الألفة، والوحشةَ بعد الأنس).

رد مع اقتباس
  #55  
قديم 09-08-05, 01:48 PM
علي محمد ونيس علي محمد ونيس غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 06-08-05
المشاركات: 33
افتراضي علي ونيس

بارك الله فيك يا أخ ( الحمادي ) ونسأل الله لنا ولك التوفيق والسداد في الأمر كله ، والله يغفر لنا ولك .
ولا تنسنا من دعائك .
رد مع اقتباس
  #56  
قديم 09-08-05, 04:31 PM
أبو عبدالله الأثري أبو عبدالله الأثري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-06-05
الدولة: الكويت
المشاركات: 1,626
افتراضي

وممن رجح جواز الرمي قبل الزوال في اليوم الثاني عشر شيخنا الشيخ عبدالله بن صالح العبيلان حفظه الله كما في كتابه: ( النكت العلمية على الروضة الندية ) فلعل أحد الإخوة ينقله, أو أنقله أنا فيما بعد.
__________________
قال ابنُ أمِّ عبدٍ رضي الله عنه وأرضاه: " من أراد الآخرة أضرَّ بالدنيا، ومن أراد الدنيا أضرَّ بالآخرة، يا قوم فأضروا بالفاني للباقي " السير 1/496
قال الإمام الذهبي - رحمه الله - : " ولو أنَّا كلما أخطأ إمامٌ في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفوراً له, قمنا عليه وبدَّعناه, وهجرناه, لما سَلِمَ معنا لا ابن نصر ولا ابن مندة ولا من هو أكبر منهما, والله الهادي إلى الحق, وهو أرحم الراحمين, فنعوذ بالله مِن الهوى والفظاظة " السير 14/40

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا *** و يأتيك بالأخبار من لم تــــزود
رد مع اقتباس
  #57  
قديم 26-08-05, 07:54 AM
ابن وهب ابن وهب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 21-04-02
المشاركات: 6,958
افتراضي

......
__________________
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(لو أن أهل عمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك
رد مع اقتباس
  #58  
قديم 17-11-05, 01:08 AM
أحمد المحيل أحمد المحيل غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 13-11-04
المشاركات: 56
افتراضي


مبحث قيم :

التسهيل لما ورد في وقت الرمي من التيسير

أ.د. فيحان بن شالي المطيري

2/2/1426

http://www.islamtoday.net/questions/...183&artid=5271
رد مع اقتباس
  #59  
قديم 06-01-06, 02:03 PM
أبو عبد الله مصطفى أبو عبد الله مصطفى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 02-01-06
المشاركات: 457
افتراضي

جزاكم الله خيرا ، ورزقنا و إياكم العلم النافع
رد مع اقتباس
  #60  
قديم 14-01-06, 11:35 PM
شريف مراد شريف مراد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-05-05
المشاركات: 520
افتراضي

الأخوة الأفاضل
لعلكم علمتم ما حدث في حج هذا العام 1426 هـ من سقوط مئات القتلى من الحجيج رحمهم الله تعالى بسبب الزحام والتدافع الرهيب عند الرمي بعد الزوال في يوم 12 ذي الحجة

فتدبروا الأمر !
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:23 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.