ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الحديثية

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 30-11-13, 03:12 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

تَعَالِيقُ الْبُخَارِيِّ عَنْ شُيُوخِهِ
مَعَ الْكَلاَمِ عَلَى حَدِيثِ الْمَعَازِفِ
=========================
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَن لا نبيَّ بعده، وعلى آله وصحبه ومَن تَبِع هديه ... وبعد ،،،

فقد دارت نقاشاتٌ مطوَّلةٌ حول حديث المعازف الذي علَّقه البخاري في صحيحه، وهل هو في حُكم المتصل أم لا. وكنتُ أسهمتُ فيها حينئذٍ بذِكْر أقوال العلماء القائلين بالانقطاع قبل ابن الصلاح، وأقوالِ ابن حجر في شرحه لأحاديث علَّقها البخاري في مواضع ووصلها في أخرى. وطالبني بعض الإخوة حفظهم الله بجَمْع هذه المادة وتنسيقها، وهو مِن حُسن ظنهم بالعبد الفقير، وإلاَّ فقد أوضحتُ غيرَ مَرَّةٍ أنني لستُ مِن أهل العلم ولا مِن بابتهم، وإنما أكتب ما أَقِفُ عليه وأطرحه للنقاش. وقد حاولتُ أن أَقِفَ ما استطعتُ على ما يتعلَّق بمسألتنا هذه، وأرجو مِن الإخوة ألاَّ يبخلوا عليَّ بتنبيهي إلى ما فاتني أو تصويب ما يرونه خطأً.

وكان الداعي إلى خوض غمار هذا الأمر هو ما وجدتُه عند بعض طلبة العلم – وأنا أوَّلهم - مِن الركون إلى الأقوال الشائعة والآراء المألوفة، حتى صارت لديه في عِداد المسلَّمات وصارت هذه القضايا عنده مفروغًا مِنها. فعزمتُ على توسيع دائرة البحث والتحقيق والتفتيش عن الأقوال والآراء الأخرى، مع مزيدِ تأمُّلٍ في صنيع البخاري مع الأحاديث الذي علَّقها عن شيوخه بحسب ما قُدِّر لي مِن فهمٍ متواضع، وهذا فيه مِن ارتياد المسالك الوعرة ما لا يخفى. ومع ذلك، فأنا أرى أنَّ هذا هو الأَوْلَى بطالب العلم أن يُفرغ فيه وسعه ويُعمل نظره ويَدَع المسالك السهلة، سواءٌ أصاب في مسعاه أو أخطأ. وكما قال ابن رشيد السبتي([1]): «والسَّالكون مَضِيقَ التحقيقِ أفذاذٌ قليلون، والكثيرُ يَسلك المسلك السهل الرحب ويَنْكُب عن الصعب الضيِّق. والله المرشد لواضح السبيل بمَنِّه». اهـ نسأل الله أن نكون مِن هؤلاء في يومٍ مِن الأيام.

وقد قسمتُ هذا البُحَيث إلى ثلاثة فصول، خصَّصتُ الأخير مِنها لحديث المعازف والكلام فيه. وأمَّا الفصلان الأوَّلان فهُما عن حُكم تعليق البخاري عن شيوخه، ومذاهب أهل العلم في هذه التعاليق قبل ابن الصلاح وبعده. وقد أُكَرِّر بعض النقاط والأقوال في أكثر مِن موضعٍ إذا وجدتُ فائدةً لهذا، أو يكون تفصيلاً بعد إجمال. والعَزْوُ إلى أرقام الأجزاء والصفحات في الكتب هو وفقًا للطبعات الموجودة في الشاملة، إلاَّ إذا نبَّهْتُ على غير ذلك. ومِن الكتب ما ليس موجودًا في الشاملة. وقد عدتُ أحيانًا إلى النسخ الخطية لتصحيح كلمةٍ أو ما شابه، ونبَّهتُ عليه في موضعه.

هذا ولا أدَّعي الصواب في كل ما أَثْبَتُّه هنا، فإن أصبتُ في شيءٍ فهو بتوفيقٍ مِن الله وفضله، وإن أخطأتُ فمِنِّي ومِن الشيطان. وأسأله سبحانه أن يعلِّمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علَّمنا، وأن يغفر لنا زلاَّتنا ويقيل عثراتنا ويهدينا إلى الصراط المستقيم.

----------------------------------------
[1]- ملء العيبة لابن رشيد، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1988م، 5/330.

المصدر
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 30-11-13, 03:41 PM
أبو مريم طويلب العلم أبو مريم طويلب العلم غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-02-07
الدولة: الجيزة
المشاركات: 1,665
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

سلام عليكم،
فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو،
أما بعد،

فسدد الله خطاك، ووفقك إلى ما يحب ويرضى
آمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــين
__________________
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وكتبه أبو مريم هشام بن محمدفتحي
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 30-11-13, 03:46 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

الفصل الأول: تعليق البخاري وشرط الصحيح

  • - الحديث المعلَّق تعريفه وحُكمه
  • - تعليق البخاري بصيغة الجزم
  • - الفرق بين «قال» و «قال لنا«
  • - أقسام تعاليق البخاري عن شيوخه
  • - أسباب تعليق البخاري عن شيوخه
  • - التعليق وشرط البخاري في الإسناد
  • - التعليق وشرط البخاري في الرواة
  • - خلاصة
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 30-11-13, 03:59 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

الحديث المعلَّق تعريفه وحُكمه


تعريف الحديث المعلَّق
عَرَّفَ ابنُ الصلاح المعلَّقَ مِن الأحاديث بأنه هو([1]) «الذي حُذِفَ مِن مبتدإ إسناده واحدٌ أو أكثر». اهـ وعَرَّف ابنُ حجر التعليقَ الذي يأتي به البخاريُّ في كتابه بأنه هو([2]) «أن يَحذف مِن أوَّل الإسناد رجلاً فصاعدًا معبِّرًا بصيغةٍ لا تقتضي التصريح بالسماع، مثل: (قال) و (رَوَى) و (زاد) و (ذَكَرَ)، أو (يُروى) و (يُذكر) و (يُقال)، وما أشبه ذلك مِن صيغ الجزم والتمريض». اهـ وهو خاصٌّ بالمصنِّفين في كُتُبهم لا بالرواة القدماء، إذ لَمْ يُطلَق هذا الاصطلاحُ على أحدٍ قبلَ البخاري.

وعليه فيمكننا الاعتماد على تعريف ابن حجر فنقول: «الحديث المعلَّق هو الحديث الذي حَذَفَ المصنِّفُ مِن أوَّل إسناده رجلاً فصاعدًا معبِّرًا بصيغةٍ لا تقتضي السماع إمَّا بالجزم وإمَّا بالتمريض». فخرج بقولنا «المصنِّف» الراوي غير المصنِّف، وخرج بقولنا «مِن أوَّل إسناده» ما كان الانقطاع في أثنائه وآخره كالمدلَّس والمرسل، وخرج بقولنا «بصيغةٍ لا تقتضي السماع» ما رواه المصنِّف بصيغة «قال لنا» ونحوها لأنها صريحةٌ في الاتصال.

صاحب هذا الاصطلاح
أوَّل مَن أَطلق على هذا الصنيع اسمَ التعليق هو الدارقطني، فقد وَصَفَ به أحاديثَ أورَدَها البخاريُّ في صحيحه دون أن يُسندها عن رُواتها، فقال غيرَ مَرَّةٍ في كتاب التتبع([3]): «علَّقه البخاري». قال ابن حجر([4]): «فأمَّا تسمية هذا النوع بالتعليق فأَوَّلُ ما وُجد ذلك في عبارة الحافظ الأوحد أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني، وتَبِعَه عليه مَن بَعده». اهـ وقد تَبِعَه على هذا الاصطلاح أبو مسعود الدمشقي في أطرافه، فقد قال الحميدي في أحد الأحاديث([5]): «ذَكَرَ أبو مسعود أنَّ البخاري أخرجه في الدعوات تعليقًا مِن حديث أبي صالح عن أبي الدرداء». اهـ وأَكْثَرَ مِنه الحميديُّ في جَمْعِه بين الصحيحين بقوله([6]): «أخرجه البخاري تعليقًا». وكذلك فَعَلَ أبو علي الغساني في كتابه على الصحيحين، فقال في أحد الرواة([7]): «ذَكَرَ له البخاري حديثًا واحدًا معلَّقًا». اهـ ثم انتشر هذا الاصطلاح لدى المتأخرين، وأكثر ما يرتبط بصحيح البخاري.

سبب هذه التسمية
المعنى الذي قَصَدَه الدارقطنيُّ بلفظة التعليق قد يكون له ارتباطٌ بصورة العُلُوِّ والنزول في الإسناد، وذلك أنَّ السند في هذه الصورة كالحبل المتدلِّي مِن السقف. فإنْ كان الحبلُ قصيرًا بكون رجال السند قليلين، كان طرفُ الحبلِ عاليًا لِقُرْبِه مِن السقف. وإنْ كان الحبلُ طويلاً بكون رجال السند كثيرين، كان طرفُه نازلاً عندك وسَهُلَ عليك الإمساك به. ولذلك كان المحدِّثون الذين يطلبون عُلُوَّ الإسناد يتركون السهلَ إلى الصعب، لأنَّ الإسناد النازل في متناول كل أحد. هذا إنْ كنتَ ممسكًا بالحبل فاتصل سندك. أمَّا إذا لَمْ تمسك به ولم يتصل بك السند، فحينئذٍ صار ذلك الحبلُ المتدلِّي معلَّقًا في الهواء طَرَفُه ليس في يدك. فكذلك الحديث المعلَّق سندُه ليس متصلاً بك.

وقد حاول ابن الصلاح معرفة المعنى اللغوي المقصود مِن هذه التسمية، فقال([8]): «وكأنهم سَمَّوه تعليقًا أخذًا مِن تعليق العتق والطلاق وتعليق الجدار، لِمَا يشترك فيه الجميع مِن قَطْع الاتصال». اهـ والذي أراه أنَّ ذلك المعنى بعيد، لأنَّ التعليق الذي مَثَّلَ به ابنُ الصلاح هنا هو تعليق أمرٍ على أمر، وليس ذلك هو المقصود مِن تعليق السند. وقد اعتَرض بعضُهم على ابن الصلاح في هذا، وبعضهم دافع عنه([9]).

وهذا المعنى الذي ذكرتُه قبلُ لَمْ أَرَه عند أحدٍ مِن المؤلِّفين في الاصطلاح مِمَّن سَلَف، فإنهم قد اكتفوا بنقل كلام ابن الصلاح وبعضهم ذَكَرَ الاعتراض عليه. ولعلَّ أوَّل مَن تفطَّن إلى هذا المعنى مِن أهل عصرنا هو الشيخ نور الدين عتر، فقد قال([10]): «وقد سُمِّي هذا النوع مِن الحديث معلَّقًا لأنه بِحَذْفِ أَوَّلِه صار كالشيء المقطوع عن الأرض الموصول مِن الأعلى بالسقف مثلاً». اهـ فهذا المعنى هو الأشبه بمقصود الدارقطني مِن التعليق.

حُكم الحديث المعلَّق
التعليق باعتباره إسقاطًا لرواةٍ مِن الإسناد هو صورةٌ مِن صور الانقطاع، لأنَّ الإسناد على هذه الحال ليس متصلاً. قال ابن الصلاح([11]): «فإنَّ ما فيه مِن حَذْفِ رجلٍ أو رجلين أو أكثر مِن أوائل الإسناد قاطعٌ للاتصال لا محالة». اهـ وقال العراقي([12]): «التعليق منقطعٌ قطعًا». اهـ ففارَقَ الحديثُ المنقطعُ الحديثَ المسندَ في كونه ليس متصلاً. قال ابن حجر([13]): «والمعلَّق ليس بمسند». اهـ وعليه فالحديث المعلَّق ضعيفٌ لإخلاله بشرط الاتصال. أمَّا تعاليق البخاري خاصةً، فستقف فيما يلي على حقيقة الخلاف فيها مِن حيث الحُكم بالاتصال والحُكم بالصحة.

----------------------------------------
[1]- مقدمة ابن الصلاح ت عتـر ص24.
[2]- تغليق التعليق لابن حجر 2/7-8.
[3]- الإلزامات والتتبع للدارقطني ص125 و221.
[4]- تغليق التعليق 2/7.
[5]- الجمع بين الصحيحين للحميدي 1/466.
[6]- الجمع بين الصحيحين 2/19 وغيرها مِن المواضع التي يسهل الوصول إليها.
[7]- تقييد المهمل وتمييز المشكل للغساني 2/373.
[8]- صيانة صحيح مسلم ص76 ومقدمة ابن الصلاح ص70.
[9]- انظر: نكت الزركشي 2/55 ونكت ابن حجر 2/603.
[10]- منهج النقد في علوم الحديث ص375.
[11]- صيانة صحيح مسلم ص76.
[12]- التقييد والإيضاح للعراقي ص92.
[13]- هدى الساري لابن حجر ص346.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 30-11-13, 04:21 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو مريم طويلب العلم مشاهدة المشاركة
سلام عليكم،
فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو،
أما بعد،

فسدد الله خطاك، ووفقك إلى ما يحب ويرضى
آمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــين
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حفظك الله يا شيخ هشام ورفع قدركم ووفقنا وإياكم. وفي انتظار تعقيباتكم النافعة.
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 30-11-13, 04:33 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

تعليق البخاري بصيغة الجزم

ما علَّقه البخاري بقوله: «قال فلان» وغيرها مِن صِيَغ الجزم، فمعناه أنه قد صَحَّ عند البخاري أنَّ فلانًا قد قال هذا. ولا يَلزم مِن ذلك أن يكون نفسُ الحديث صحيحًا عنده، وإنما العبرة في هذا بصحة الإسناد مِن ذلك الراوي المعلَّق عنه وانتهاءً بالصحابي مع سلامة الحديث مِن الشذوذ والعِلَّة. أي أنه يَسري عليه ما يَسري على غيره مِن الأحاديث مِن توفُّر شروط الصحة.

قال ابن الصلاح([1]): «ما كان مِن ذلك ونحوِه بلفظٍ فيه جَزْمٌ وحُكْمٌ به على مَن علَّقه عنه، فقد حَكَمَ بصحَّته عنه. مثاله: (قال رسول الله r: كذا وكذا)، (قال ابن عباس: كذا)، (قال مجاهد: كذا)، (قال عفان: كذا). (قال القعنبي: كذا)، (رَوَى أبو هريرة كذا وكذا)، وما أشبه ذلك من العبارات. فكُلُّ ذلك حُكْمٌ مِنه على مَن ذَكَرَه عنه بأنه قد قال ذلك ورواه، فلن يَستجيز إطلاق ذلك إلاَّ إذا صحَّ عنده ذلك عنه. ثم إذا كان الذي عَلَّق الحديثَ عنه دون الصحابة، فالحُكم بصحَّته يتوقَّف على اتصال الإسناد بينه وبين الصحابي». اهـ وقال في موضعٍ آخر عن كتابَي البخاري ومسلم([2]): «فلن يَستجيزا فيه الجَزْمَ المذكورَ مِن غير ثبتٍ وثبوت، بخلاف الانقطاع والإرسال الصادرَين مِن غيرهما». اهـ

فقوله: «فقد حَكَمَ بصحَّته عنه» أي عن ذلك المعلَّق عنه، لأنه لو لَمْ تصحَّ عنده نسبةُ ذلك القول إلى قائله لَمَا جَزَمَ بأنَّ فلانًا هذا قد قالَه. وهذا كما ترى ليس حُكمًا بالصحة المطلقة، بدليل قوله بعدها: «إذا كان الذي عَلَّق الحديثَ عنه دون الصحابة، فالحُكم بصحَّته يتوقَّف على اتصال الإسناد بينه وبين الصحابي». وهو ما أكَّده ابن حجر بقوله([3]): «فإنْ جَزَمَ به، فذلك حُكْمٌ مِنه بالصحة إلى مَن علَّقه عنه، ويكون النظر إذ ذاك فيمن أبرز مِن رجاله». اهـ وقال في موضعٍ آخر عن صيغة الجزم([4]): «يستفاد منها الصحة إلى مَن عَلَّق عنه. لكن يبقى النظر فيمن أبرز مِن رجال ذلك الحديث، فمِنه ما يلتحق بشرطه ومِنه ما لا يلتحق». اهـ وأكَّد على هذا المعنى بقوله أيضاً([5]): «مجرَّد جَزْمِه بالتعليق لا يَدُلُّ على صحة الإسناد إلاَّ إلى مَن عَلَّق عنه، وأمَّا ما فوقه فلا يَدُلُّ». اهـ

على أنَّ جمهور المتأخرين قد توسَّعوا في الاعتماد على صيغة الجزم، فجعلوا هذه الصيغة مِن البخاري دليلاً على صحة الحديث ذاته وليس فقط صحة العزو، وبعضهم حَكَمَ لمعلَّقات البخاري عن الصحابة التي حَذَفَ مِنها البخاريُّ جميعَ الرواة الذين بينه وبينهم بأنها صحيحةٌ عنده. وربما ساعدهم على ذلك ما قاله ابن الصلاح: «فلن يستجيزا فيه الجَزْمَ المذكورَ مِن غير ثبتٍ وثبوت».

قال أبو العباس القرطبي([6]): «البخاري لا يُعلِّق في كتابه إلاَّ ما كان في نفسه مسندًا صحيحًا». اهـ وقال ابن دقيق العيد فيما علَّقه البخاري عن شيخه عثمان بن الهيثم([7]): «الحديث صحيحٌ بجزم البخاري أنَّ عثمان بن الهيثم قال». اهـ وقال الكرماني في أحد معلَّقات البخاري عن مالك([8]): «اعلم أنه لَمْ يُدْرِك زمانَ مالك، فهذا تعليقٌ مِنه بلفظٍ جازمٍ، فهو صحيحٌ ولا قدح فيه ... وقد عُرف مِن شرط البخاري وعادته أنه لا يجزم به إلاَّ بتثبيتٍ وثبوت». اهـ وقال العراقي([9]): «والبخاري رحمه الله حيث علَّق ما هو صحيحٌ إنما يأتي به بصيغة الجزم». اهـ وقال ابن الملقن فيما علَّقه البخاري عن أم المؤمنين عائشة([10]): «وهذا التعليق صحيحٌ لأنه بصيغة الجزم». اهـ وعلى هذا قال الزركشي في نكته على ابن الصلاح([11]): «وهذا الذي ذَكَرَه مِن أنَّ صيغة الجزم تدلُّ على صحَّة الحديث والتمريضَ على ضعفه قد تبعه عليه أكثر الناس». اهـ

وقد اعتَرض ابنُ سيد الناس اليعمري على هذا القول وعاب على مَن أَخَذَ به، فقال تلميذُه ابنُ الملقن في أحد الأحاديث([12]): «وذكره البخاري في صحيحه تعليقًا قال: (قال عطاء: أَمَّنَ ابنُ الزبير ومَن وراءه، حتى إنَّ لِلمسجد لَلَجَّة). وهذا تعليقٌ وهو بصيغة جزمٍ، فيكون صحيحًا. وأَنْكَرَ شيخُنا فتح الدين اليعمري على بعض الفضلاء - وعنى به النووي - حيث قال إنَّ مِثل هذا التعليق مِن البخاري يقتضي الصحة، وقال إنه ليس بشيء. ولَمْ يَظهر لي وجه ذلك، فإنَّ هذا مقرَّرٌ في علوم الحديث كما ذكره النووي». اهـ وكذلك اعتَرض مغلطاي على كلام ابن الصلاح، فقال في صيغة الجزم([13]): «قد رأينا البخاري قد خالَف ذلك! فذكر شيئًا مجزومًا به وهو غير صحيحٍ عنده». اهـ

وقد نبَّه ابنُ حجر إلى اغترار المتأخرين بحُكم صيغة الجزم، إذ يصحِّحون بذلك هذه المعلَّقات ظَنًّا مِنهم أنَّ البخاري قد حَكَمَ بصحتها. فقال في أحد التعاليق([14]): «فلا يُغْتَرَّ بقولِ مَن قال: "ذَكَرَه البخاري بالتعليق الجازم فهو صحيحٌ عنده". لأنَّ ذلك لا يفيد إلاَّ الصحة إلى مَن علَّق عنه، وأمَّا باقي الإسناد فلا». اهـ وقال في موضعٍ آخر([15]): «وهذا مِن المواضع التي يُنَبَّه عليها مَن يغترُّ بتعميم قولهم: "إنَّ التعليق الجازم صحيح". فيجب تقييد ذلك بأن يزاد: "إلى مَن علَّق عنه، ويبقى النظر فيما فوق ذلك"». اهـ وما نَصَّ عليه ابن حجر هو الصواب في هذه المسألة.

وهذا الحُكم غير قاصرٍ على الطبقات العالية التي يُعلِّق البخاري عنها، وإنما يشمل أيضًا مشايخه الذين سمع مِنهم. ولذلك أَدْخَلَ ابنُ الصلاح ما عَلَّقه البخاري عن عفان بن مسلم والقعنبي في جملة المعلَّقات المجزوم بها، وهما مِن شيوخه([16]). ونَصَّ عليه ابن حجر صراحةً بقوله([17]): «والمختار الذي لا محيد عنه أنَّ حُكمَه مِثلُ غيره مِن التعاليق». اهـ وبقوله([18]): « فسواءٌ عنده عَلَّقها عن شيخه أو شيخ شيخه، وسواءٌ عنده كان سمعها مِن هذا الذي عَلَّقه عنه أو سمعها عنه بواسطة». اهـ أمَّا سبب عدول البخاري عن إسناد هذه المعلَّقات، وهل هي على شرطه في صحيحه أم لا، فستقف على ذلك في الفصول التالية إن شاء الله تعالى.

----------------------------------------
[1]- مقدمة ابن الصلاح ص24-25.
[2]- صيانة صحيح مسلم لابن الصلاح ص83.
[3]- تغليق التعليق 2/8.
[4]- هدى الساري ص17.
[5]- فتح الباري 1/386.
[6]- كشف القناع عن حُكم الوجد والسماع لأبي العباس القرطبي، دار الصحابة للتراث، طنطا 1992م، ص36.
[7]- نكت الزركشي 2/49.
[8]- الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري للكرماني، دار إحياء التراث العربي، بيروت ط2 1981م، 1/176.
[9]- التقييد والإيضاح ص36.
[10]- البدر المنير لابن الملقن 1/687.
[11]- نكت الزركشي 1/236 فما بعد.
[12]- البدر المنير 4/90.
[13]- إصلاح كتاب ابن الصلاح لمغلطاي، المكتبة الإسلامية، القاهرة 2007م، ص85.
[14]- فتح الباري 3/312.
[15]- فتح الباري 13/159.
[16]- انظر تناقض ابن الصلاح في هذه المسألة وردود بعض العلماء عليه في موضعه مِن الفصل الثاني.
[17]- تغليق التعليق 2/8.
[18]- تغليق التعليق 2/9.
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 30-11-13, 05:02 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أحمد الأقطش مشاهدة المشاركة
فستقف على ذلك في الفصول التالية إن شاء الله تعالى
صوابه: المباحث.
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 30-11-13, 05:45 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

الفرق بيـن «قال» و «قال لنا»

استخدم البخاري في صحيحه كلتا الصيغتين وأضرابهما فيما رواه عن شيوخه، وبعض العلماء قد ساوى بينهما: إمَّا بجَعْل صيغة «قال لنا» في حُكم المعلَّقات، وإمَّا بجَعْل الصيغة المجرَّدة «قال» في حُكم المسندات. إلاَّ أنَّ هاتين الصيغتين ليستا متساويتين لا قوةً ولا حُكمًا، وصنيع البخاري في صحيحه دالٌّ على ذلك.

صيغة «قال لنا» عند البخاري
صيغة «قال لنا» وأضرابها هي صيغةٌ صريحةٌ في الاتصال وليست مِن التعليق في شيء، وإنما وقع الخلاف في تفسير استخدام البخاري لها في صحيحه. وأوَّل مَن وَجَدْتُه تكلَّم عليها هو ابن منده، فقد قال في جزءٍ له في اختلاف الأئمة في القراءة والسماع والمناولة والإجازة([1]): «أخرج البخاري في كتبه الصحيحة وغيرها: (قال لنا فلان) وهي إجازة». اهـ فجَعَلَ ابنُ منده عُدولَ البخاري عن صيغة التحديث إلى هذه الصيغة أنَّ البخاري يستخدمها فيما أخذه عن شيوخه إجازةً لا تحديثًا.

وقال ابن الصلاح في مَعرض كلامه على ما رواه البخاري عن شيوخه بصيغة «قال»([2]): «وبلغني عن بعض المتأخِّرين مِن أهل المغرب أنه جَعَلَه قسمًا مِن التعليق ثانيًا، وأضاف إليه قول البخاري في غير موضعٍ مِن كتابه (وقال لي فلان) (وزادنا فلان). فوَسَمَ كُلَّ ذلك بالتعليق المتصل مِن حيث الظاهر المنفصل مِن حيث المعنى، وقال: متى رأيت البخاري يقول (وقال لي) (وقال لنا)، فاعلم أنه إسنادٌ لَمْ يَذكره للاحتجاج به وإنما ذكره للاستشهاد به. وكثيرًا ما يعبِّر المحدِّثون بهذا اللفظ عَمَّا جرى بينهم في المذاكرات والمناظرات، وأحاديث المذاكرة قَلَّما يحتجُّون بها». اهـ

إلاَّ أنَّ ابن الصلاح رَدَّ قولَ ذلك المغربي، ونَقَلَ عن أبي جعفر بن حمدان النيسابوري ووافَقَه أنَّ البخاري إنما يستخدم هذه الصيغة في العرض والمناولة. فقال: «وما ادَّعاه على البخاري مخالفٌ لِمَا قاله مَن هو أقدم مِنه وأعرف بالبخاري، وهو العبد الصالح أبو جعفر بن حمدان النيسابوري. فقد رُوِّينا عنه أنه قال: كُلُّ ما قال البخاري: (قال لي فلان) فهو عَرْضٌ ومناولة». اهـ فيؤخذ مِن كلام ابن الصلاح هنا أنه لَمْ يَجعل هذه الصيغة لِمَا أخذه البخاري في المذاكرة، بدليل أنه عارَضَ هذا القول بقول ابن حمدان النيسابوري.

على أنه في موضعٍ لاحقٍ قال في طُرُق التحمُّل([3]): «وأمَّا قوله([4]): (قال لنا فلان) أو (ذَكَرَ لنا فلان)، فهو مِن قبيل قوله: (حدَّثنا فلان). غير أنه لائقٌ بما سمعه مِنه في المذاكرة، وهو به أشبه مِن (حدَّثنا). وقد حكينا في فصل التعليق عقيب النوع الحادي عشر عن كثيرٍ مِن المحدِّثين استعمال ذلك معبِّرين به عَمَّا جرى بينهم في المذاكرات والمناظرات». اهـ فأحالَ هنا على كلام ذلك المغربي الذي رَدَّه آنفاً! فكأنَّ ابن الصلاح يفرِّق في هذه الصيغة بين البخاري وغيره.

وقد فَنَّدَ ابنُ حجر كل ما قيل عن الإجازة والمذاكرة ونحو ذلك مِمَّا اعتمدوه في تفسير صنيع البخاري، فقال([5]): «وقد ادَّعى ابن منده أنَّ كل ما يقول البخاري فيه (قال لي) فهي إجازة. وهي دعوى مردودة، بدليل أني استقريت كثيرًا مِن المواضع التي يقول فيها في الجامع (قال لي)، فوجدته في غير الجامع يقول فيها (حدثنا). والبخاري لا يستجيز في الإجازة إطلاق التحديث، فَدَلَّ على أنها عنده مِن المسموع. لكن سبب استعماله لهذه الصيغة ليفرِّق بين ما يبلغ شرطه وما لا يبلغ». اهـ
وقال في نكته على ابن الصلاح([6]): «وأمَّا ما حكاه عن أبي جعفر بن حمدان وأقرَّه أنَّ البخاري إنما يقول (قال لي) في العرض والمناولة، ففيه نظر. فقد رأيتُ في الصحيح عدَّة أحاديث قال فيها (قال لنا فلان) وأوردها في تصانيفه خارج الجامع بلفظ (حدثنا)، ووجدتُ في الصحيح عكس ذلك. وفيه دليلٌ على أنهما مترادفان. والذي تبيَّن لي بالاستقراء مِن صنيعه أنه لا يعبِّر في الصحيح بذلك إلاَّ في الأحاديث الموقوفة أو المستشهد بها، فيخرج ذلك حيث يحتاج إليه عن أصل مساق الكتاب. ومَن تأمَّل ذلك في كتابه وَجَدَه كذلك». اهـ

وقال في مقدمة التغليق([7]): «إذا قال البخاري: (قال لنا) أو (قال لي) أو (زادنا) أو (زادني) أو (ذَكَرَ لنا) أو (ذَكَرَ لي)، فهو وإنْ أَلْحَقَه بعضُ مَن صنَّف في الأطراف بالتعاليق فليس مِنها، بل هو متصلٌ صريحٌ في الاتصال. وإن كان أبو جعفر بن حمدان قد قال إنَّ ذلك عرضٌ ومناولة، وكذا قال ابن منده إنَّ (قال لنا) إجازة. فإنْ صحَّ ما قالاه، فحُكمه الاتصال أيضًا على رأي الجمهور، مع أنَّ بعض الأئمة ذَكَرَ أنَّ ذلك مِمَّا حمله عن شيخه في المذاكرة. والظاهر أنَّ كل ذلك تَحَكُّم، وإنما للبخاري مقصدٌ في هذه الصيغة وغيرها. فإنه لا يأتي بهذه الصيغة إلاَّ في المتابعات والشواهد أو في الأحاديث الموقوفة، فقد رأيته في كثيرٍ مِن المواضع التي يقول فيها في الصحيح (قال لنا) قد ساقها في تصانيفه بلفظ (حدثنا) وكذا بالعكس. فلو كان مِثل ذلك عنده إجازةً أو مناولةً أو مكاتبةً، لم يستجز إطلاق (حدثنا) فيه مِن غير بيان». اهـ

قلتُ: وما قاله ابن حجر هو الأشبه بالصواب، ولا علاقة لهذه الصيغة عند البخاري بطُرُق تحمُّله للحديث، وإنما يستخدمها فيما ليس على شرطه في كتابه. فهذه الأحاديث التي أخرجها بهذه الصيغة هي مِن مسموعاته، وإنما ساقها هكذا ليميِّزها عن سياق الأصول. وهو ما نَصَّ عليه ابن حجر في موضعٍ آخر بقوله([8]): «وهذه الصيغة يستعملها البخاري في الأحاديث الموقوفة وفي المرفوعة أيضًا إذا كان في إسنادها مَن لا يحتجُّ به عنده». اهـ وهذا كما تَرَى موافقٌ لقولِ ذلك المغربي الذي ذَكَرَه ابن الصلاح مِن قبل حين قال: «متى رأيت البخاري يقول (وقال لي) (وقال لنا)، فاعلم أنه إسنادٌ لَمْ يَذكره للاحتجاج به وإنما ذكره للاستشهاد به».

صيغة «قال» أضعف مِن سابقتها
وأمَّا صيغة «قال» فهي صيغةٌ ضعيفةٌ في الاتصال، بل هي لا تدلُّ عليه كما قال الذهبي([9]): «فصيغة (قال) لا تدلُّ على اتصال». اهـ ولذلك ذكروها في آخر ألفاظ الأداء، وهي أضْعَفُ حتَّى مِن العنعنة. قال الخطيب البغدادي([10]): «وأمَّا قول المحدِّث (قال فلان): فإن كان المعروفُ مِن حاله أنه لا يَروي إلاَّ ما سمعه, جُعل ذلك بمنزلةِ ما يقول فيه غيرُه: (ثنا). وإن كان قد يَروي سماعًا وغير سماع، لَمْ يُحْتَجَّ مِن رواياته إلاَّ بما بَيَّنَ الخبرَ فيه». اهـ قال ابن حجر([11]): «قال الخطيب وهو المرجوع إليه في الفن: "إنَّ (قال) لا تُحمل على السماع، إلاَّ مِمَّن عُرف مِن عادته أنه يأتي بها في موضع السماع، مثل حجاج بن محمد الأعور". فَعَلَى هذا ففارقَت العنعنةَ، فلا تُعطَى حُكمَها». اهـ

وقد نَصَّ ابن الصلاح على أنَّ هذه الصيغة أضعف في الاتصال مِن سابقتها، فقال([12]): «وأَوْضَعُ العبارات في ذلك أن يقول: (قال فلان) أو (ذَكَرَ فلان) مِن غير ذِكْرِ قوله (لي) و (لنا) ونحو ذلك». اهـ وقال الزركشي في صيغة «قال لنا»([13]): «والظاهر أنه نَصٌّ في الاتصال، بخلاف (قال فلان). وإنَّ تفرقة البخاري بين (قال لي) مقيدًا وبين قوله (قال) مطلقًا جديرةٌ بإرادةِ ما يتبادر إلى الذهن مِنها: مِن قوة الاتصال مع الإضافة، وضَعْفِها عند الحذف. أو لَعَلَّهُ حيث أَطلق أراد أنه قال له ولغيره في المذاكرة، فلمَّا لَمْ يَخُصَّه أَطلق ولَمْ يُقَيِّد». اهـ والاحتمال الذي أورده الزركشي عن الأخذ في المذاكرة مردودٌ كما سبق، وإنما القول هو ما ذَكَرَه مِن أنَّ البخاري حيث يستخدم هذه الصيغة المطلقة فهي ضيعفةٌ في الاتصال بخلاف الصيغة المقيَّدة.

ولذلك قال ابن حجر رَدًّا على قول المغربي الذي نقله ابن الصلاح في التسوية بين الصيغتين([14]): «لَمْ يُصِبْ هذا المغربيُّ في التسوية بين قوله (قال فلان) وبين قوله (قال لي فلان)، فإنَّ الفرق بينهما ظاهرٌ لا يحتاج إلى دليل. فإنَّ (قال لي) مثل التصريح في السماع، و (قال) المجردة ليست صريحةً أصلاً». اهـ فتبيَّنَ لك أنَّ البخاري إذا روى عن شيخه بصيغة «قال» يكون ذلك أضعفَ عنده مِن صيغة «قال لنا»، وتفريقُه بين هذه وتلك يدلُّ على أنَّ حُكْمَهما ليس واحدًا عنده. فإذا كان ما أخرجه بالصيغة الأقوى لَمْ يَبلغ شرطه، أَفَيَبلغه ما أخرجه بالصيغة الأضعف؟ وستعرف في الفصل الثاني أنَّ ابن حجر ناقَضَ نفسَه في هذه المسألة.

----------------------------------------
[1]- التقييد والإيضاح ص34.
[2]- مقدمة ابن الصلاح ص69-70.
[3]- السابق ص136.
[4]- يعني قول الراوي.
[5]- فتح الباري 1/156.
[6]- نكت ابن حجر 2/601.
[7]- تغليق التعليق 2/10.
[8]- هدى الساري ص399.
[9]- الموقظة للذهبي ص58.
[10]- الكفاية للخطيب البغدادي ص289.
[11]- فتح الباري 10/53.
[12]- مقدمة ابن الصلاح ص136.
[13]- نكت الزركشي 2/54.
[14]- نكت ابن حجر 2/601.
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 30-11-13, 06:12 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

أقسام تعاليق البخاري عن شيوخه

الأحاديث التي علَّقها البخاري عن شيوخه في صحيحه تنقسم إلى قسمين: ما علَّقه عنهم في موضعٍ وأسنده في موضعٍ آخر، وما علَّقه عنهم ولَمْ يصل إسناده. فأمَّا القسم الأول، فهو على ضربين: ما أسنده عنهم سماعًا، وهذه التعاليق يذكرها في المتابعات على سبيل الإشارة. وما أسنده بذِكْرِ واسطةٍ بينه وبين شيوخه، وهذه التعاليق يذكرها في الأصول وفي المتابعات. وأمَّا القسم الثاني فهو المتكلَّم فيه. وقد نَبَّه ابن حجر على هذا التقسيم بقوله([1]): «الذي يورده البخاري مِن ذلك على أنحاء: مِنها ما يُصرِّح فيه بالسماع عن ذلك الشيخ بعينه ... ومنها ما يورده بواسطةٍ عن ذلك الشيخ ... ومنها ما لا يورده في مكانٍ آخر مِن الصحيح». اهـ

تعليق البخاري عن شيوخه ما رواه عنهم سماعًا
الضرب الأول مِن القسم الأول مِن هذه التعاليق هي طُرُقٌ علَّقها البخاري عن شيوخه في موضعٍ، ثم رواها عنهم بلا واسطةٍ في موضعٍ آخر. وهذه التعاليق يأتي بها البخاري في المتابعات لا في الأصول، والغرض مِنها هو التنبيه على اختلافٍ أو زيادة. ومِن أمثلة هذه الأحاديث:
- حديث أبي طلحة في الزكاة على الأقارب. علَّق البخاري بعض طرقه فقال([2]): «وقال إسماعيل وعبد الله بن يوسف ويحيى بن يحيى، عن مالك: (رايح)». فأمَّا رواية إسماعيل فأسندها في التفسير فقال([3]): «حدثني إسماعيل قال: حدثني مالك». وأمَّا رواية يحيى فأسندها عَقِبَ رواية إسماعيل هذه فقال: «حدثني يحيى بن يحيى قال: قرأتُ على مالك». وأمَّا رواية عبد الله بن يوسف فأسندها في كتاب الزكاة فقال([4]): «حدثنا عبد الله بن يوسف: أخبرنا مالك». والظاهر أنَّ البخاري قد وَهِمَ في ذِكر عبد الله بن يوسف مع إسماعيل ويحيى، فإنَّ رواية عبد الله (رابح) بالباء لا بالياء. وقد تداركها البخاري لاحقًا فذكرها على الصواب عَقِبَ رواية إسماعيل في التفسير فقال: «قال عبد الله بن يوسف وروح بن عبادة: (ذلك مالٌ رابح)».
- حديث جابر في البعير. علَّق البخاري إحدى طرقه في كتاب الشروط فقال([5]): «وقال إسحاق، عن جرير، عن مغيرة: (فبعتُه على أنَّ لي فقار ظهره حتى أبلغ المدينة)». وقد أسنده في كتاب الجهاد فقال([6]): «حدثنا إسحاق بن إبراهيم: أخبرنا جرير، عن المغيرة» وذكره.
- حديث زيد بن ثابت في جمع القرآن. علَّق البخاري إحدى طرقه في كتاب التفسير فقال([7]): «وقال موسى، عن إبراهيم: حدثنا ابن شهاب: (مع أبي خزيمة)». وقد أسنده في كتاب فضائل القرآن فقال([8]): «حدثنا موسى بن إسماعيل، عن إبراهيم بن سعد: حدثنا ابن شهاب» وذكره.

تعليق البخاري عن شيوخه ما رواه عنهم بواسطة
وأمَّا الضرب الثاني فهي أحاديث علَّقها البخاري عن شيوخه في موضعٍ، ثم رواها بواسطةٍ عنهم في موضعٍ آخر. ومِن أمثلة هذه الأحاديث:
- حديث جندب في الرجل الذي قتل نفسه. علَّقه البخاري فقال([9]): «وقال حجاج بن منهال». قال ابن حجر([10]): «وقد وَصَلَه في ذكر بني إسرائيل فقال: حدثنا محمد: حدثنا حجاج بن منهال، فذكره([11]). وهو أحد المواضع التي يُستدلُّ بها على أنه ربما علَّق عن بعض شيوخه ما بينه وبينه فيه واسطة». اهـ وقال أيضاً([12]): «وهو مِن المواضع التي يُستدلُ بها على أنه قد يعلِّق عن بعض شيوخه ما لم يسمعه مِنهم». اهـ
- حديث أبي هريرة في الثلاثة في بني إسرائيل. علَّقه البخاري فقال([13]): «وقال عمرو بن عاصم». قال ابن حجر([14]): «وقد أسنده المؤلفُ في أواخر أحاديث الأنبياء في ذكر بني إسرائيل عن أحمد بن إسحاق، عن عمرو بن عاصم([15]). وهو أحد الأحاديث التي يُستدلُّ بها على أنَّ البخاري ربما علَّق عن بعض شيوخه الذين سمع مِنهم ما لم يسمعه مِنهم». اهـ وقال أيضاً([16]): «وقد يَتمسَّك به مَن يقول إنه قد يُطلق (قال) لبعض شيوخه فيما لَمْ يسمعه مِنه ويكون بينهما واسطة». اهـ
- حديث أبي هريرة في محبة الله للعبد. علَّقه البخاري فقال([17]): «وتابَعه أبو عاصم». قال ابن حجر([18]): «وقد وصلها في الأدب عن عمرو بن علي، عن أبي عاصم([19]). وساقه على لفظه هنا. وهو أحد المواضع التي يُستدلُّ بها على أنه قد يعلِّق عن بعض مشايخه ما هو عنده عنه بواسطة، لأنَّ أبا عاصم مِن شيوخه». اهـ
- حديث عمرو بن تغلب في العطاء. علَّقه البخاري فقال([20]): «وزاد أبو عاصم». قال ابن حجر([21]): «وقد تقدَّم موصولاً في أواخر الجمعة عن محمد بن معمر، عن أبي عاصم([22]). وهو مِن المواضع التي تمسَّك بها مَن زعم أنَّ البخاري قد يعلِّق عن بعض شيوخه ما بينه وبينهم فيه واسطة، مِثل هذا. فإنَّ أبا عاصم شيخه، وقد علَّق عنه هذا هنا. ولمَّا ساقه موصولاً، أدخل بينه وبين أبي عاصم واسطة». اهـ
- حديث زيد بن ثابت في صلاة الليل. علَّقه البخاري فقال([23]): «قال عفان». قال ابن حجر([24]): «أسنده في كتاب الاعتصام عن إسحاق، عن عفان به([25]). وهو أحد المواضع التي يُستدلُّ بها على أنه يُعلِّق عن شيوخه ما لم يسمع مِنهم». اهـ
- أثر ابن عباس في معاوية بن أبي سفيان. علَّقه البخاري في تاريخه الكبير فقال([26]): «قال إبراهيم بن موسى فيما حدَّثوني عنه». قال ابن حجر([27]): «وقد رأيته علَّق في تاريخه عن بعض شيوخه شيئًا، وصرَّح بأنه لم يسمعه مِنه. فقال في ترجمة معاوية: (قال إبراهيم بن موسى - فيما حدثوني عنه - عن هشام بن يوسف)، فذكر خبراً». اهـ وهو مِن المواضع التي استأنس بها ابن حجر مِن خارج الصحيح.

تعليق البخاري عن شيوخه مِن غير وَصْلِ حديثِهم
وأمَّا القسم الثاني مِن هذه التعاليق فهي أحاديث علَّقها البخاري عن شيوخه ولَمْ يَصِلْ إسنادها في أيِّ موضعٍ آخر، وقد أوردها في الأصول وفي المتابعات. ومِن أمثلة هذه الأحاديث:
- حديث أبي هريرة في وكالة زكاة رمضان. علَّقه البخاري أكثر مِن مرةٍ فقال([28]): «وقال عثمان بن الهيثم». قال ابن حجر([29]): «هكذا أَوْرَدَ البخاريُّ هذا الحديثَ هنا، ولم يصرِّح فيه بالتحديث. وزَعَمَ ابنُ العربي أنه منقطع». اهـ وقال أيضاً([30]): «هذا الحديث قد ذكره في مواضع مِن كتابه مطوَّلاً ومختصرًا، ولم يصرِّح في موضعٍ مِنها بسماعه إياه مِن عثمان بن الهيثم». اهـ وقال أيضاً([31]): «وعثمان مِن مشايخه الذين سمع منهم الكثير. ولَمْ يُصَرِّح بسماعه مِنه لهذا الحديث، فالله أعلم هل سمعه أم لا». اهـ وقال أيضاً([32]): «وأورده في مواضع أخرى مِنها في فضائل القرآن وفي ذكر إبليس، ولم يقل في موضعٍ مِنها: (حدثنا عثمان). فالظاهر أنه لم يسمعه مِنه». اهـ
- حديث ابن عباس في المرأة الخثعمية. علَّق البخاري إحدى طُرُقه فقال([33]): «وقال محمد بن يوسف». قال ابن حجر([34]): «وهو مِن شيوخ البخاري، وكأنه لَمْ يَسمع هذا الحديثَ مِنه». اهـ
- حديث عمر في لبس الحرير. علَّق البخاري إحدى طُرُقه فقال([35]): «وقال أبو معمر». قال ابن حجر([36]): «وقد أكثرَ عنه البخاريُّ، ولَم يُصرِّح في هذا الموضع عنه بالتحديث». اهـ
- حديث ابن عمر في بول الكلاب في المسجد. علَّقه البخاري فقال([37]): «وقال أحمد بن شبيب». قال أبو نعيم([38]): «رواه البخاري بلا سماع». اهـ
- حديث المعازف. وسنتناول الكلام عليه في الفصل الثالث مِن هذا البحث إن شاء الله تعالى.

----------------------------------------
[1]- فتح الباري 10/53.
[2]- صحيح البخاري 2769.
[3]- صحيح البخاري 4554.
[4]- صحيح البخاري 1461.
[5]- صحيح البخاري عقب 2718.
[6]- صحيح البخاري 2967.
[7]- صحيح البخاري عقب 4679.
[8]- صحيح البخاري 4986.
[9]- صحيح البخاري 1364.
[10]- فتح الباري 3/227.
[11]- صحيح البخاري 3463.
[12]- تغليق التعليق 2/495.
[13]- صحيح البخاري 6653.
[14]- تغليق التعليق 5/198.
[15]- صحيح البخاري 3464.
[16]- فتح الباري 11/540.
[17]- صحيح البخاري 3209.
[18]- فتح الباري 6/309.
[19]- صحيح البخاري 6040.
[20]- صحيح البخاري عقب 3145.
[21]- فتح الباري 6/254.
[22]- صحيح البخاري 923.
[23]- صحيح البخاري عقب 731.
[24]- تغليق التعليق 2/304.
[25]- صحيح البخاري 7290.
[26]- التاريخ الكبير للبخاري 7/326.
[27]- تغليق التعليق 2/9.
[28]- صحيح البخاري 2311 و 3275 و 5010.
[29]- فتح الباري 4/487.
[30]- تغليق التعليق 3/295.
[31]- نكت ابن حجر 1/328.
[32]- هدى الساري ص17.
[33]- صحيح البخاري 4399.
[34]- فتح الباري 8/105.
[35]- صحيح البخاري 5834.
[36]- فتح الباري 10/289.
[37]- صحيح البخاري 174.
[38]- التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن، وزارة الأوقاف، قطر 1429هـ 2008م، 4/250.
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 30-11-13, 08:10 PM
أبو الزهراء الأثري أبو الزهراء الأثري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-05-12
الدولة: فلسطين - حرسها الله -
المشاركات: 1,340
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

مُتابعٌ أيها الفَاضلُ النَبيه ، وأسألهُ تعالى أن يوفقكَ فيما تَروم .
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:34 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.