ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الحديثية

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #41  
قديم 02-12-13, 05:14 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

قول ابن الصلاح

مذهب العلماء قبل ابن الصلاح كما رأيتَ هو انقطاع ما عَلَّقه البخاري عن شيوخه، وأنه ليس على شرطه في الصحيح. وأمَّا ابن الصلاح ومَن وافَقَه مِمَّن جاء بعده فقد جَعَل تعليقَ البخاري له حُكم الاتصال وإن كانت صورته صورة الانقطاع، مع اضطرابهم أحيانًا في تقرير المسألة كما سيتبيَّن لك. وليس كلُّ مَن جاء بَعد ابن الصلاح موافقًا له، بل خالفه البعضُ في جميع ما قَرَّر أو بعضِه كما سنذكر.

ابن الصلاح [ت 643 هـ]
اضطرب ابنُ الصلاح في مسألتنا هذه مِن حيث يدري أو لا يدري، فقد قَرَّر أولاً أنَّ الأحاديث التي علَّقها البخاري في صحيحه أسانيدُها غير متصلةٍ لأنه حَذَفَ مِن أولها راويًا أو أكثر، لا فرق في ذلك بين ما علَّقه عن شيوخه وما علَّقه عمَّن فوقَهم. وإنما حَكَمَ لها ابنُ الصلاح بالصحة لا مِن جهة اتصال أسانيدها، وإنما مِن جهةِ جَزْمِ البخاري بثبوتها عمَّن قالوها وإنْ لَمْ يَذكر هو إسنادَه إليهم. على أنَّ ابن الصلاح عاد فقال إنَّ تعاليق البخاري عن شيوخه محمولةٌ على الاتصال وليست منقطعةً لأنَّ البخاري قد لقي هؤلاء الشيوخ وسمع مِنهم، فنَقَضَ قولَه الأول.

يقول ابن الصلاح في النوع الأول مِن علوم الحديث([1]): «ما أسنده البخاري ومسلم رحمهما الله في كتابيهما بالإسناد المتصل، فذلك الذي حَكَمَا بصحته بلا إشكال. وأمَّا المعلَّق وهو الذي حُذف من مبتدأ إسناده واحدٌ أو أكثر - وأغلب ما وقع ذلك في كتاب البخاري، وهو في كتاب مسلم قليلٌ جدًّا - ففي بعضه نظر. وينبغي أن نقول: ما كان مِن ذلك ونحوه بلفظٍ فيه جَزْمٌ وحُكْمٌ به على مَن علَّقه عنه، فقد حَكَمَ بصحَّته عنه. مثاله: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذا وكذا)، (قال ابن عباس: كذا)، (قال مجاهد: كذا)، (قال عفان: كذا)، (قال القعنبي: كذا)، (رَوَى أبو هريرة: كذا وكذا)، وما أشبه ذلك من العبارات. فَكُّلُ ذلك حُكْمٌ مِنه على مَن ذَكَرَه عنه بأنه قد قال ذلك ورواه، فلن يستجيز إطلاق ذلك إلاَّ إذا صحَّ عنده ذلك عنه». اهـ

قلتُ: عفان والقعنبي اللذان مَثَّلَ بهما ابنُ الصلاح لتعاليق البخاري هما مِن شيوخه الذين حَدَّث عنهم([2])، فَدَلَّ ذلك على أنَّ البخاري قد حَذَفَ إسناده إليهم كما فَعَلَ مع الطبقات الأعلى مِن الرواة سواءً بسواء. وإلاَّ فما وَجْهُ إدخالِ ابنِ الصلاح روايةَ البخاري عن شيوخه بهذه الصيغة في المعلَّقات التي لم يُسندها؟ ما كان لابن الصلاح أن يَذكرها إنْ لَمْ يكن في إسنادها حَذْفٌ أيضًا. فهذا صريحٌ مِنه في تحقُّق الانقطاع بين البخاري وبين شيوخه في تلك الأحاديث، كما هو الحال بينه وبين مَن عَلَّقَ عنهم ولَمْ يُدركهم.

إلاَّ أنَّ ابن الصلاح قد خالَف ذلك لاحقًا، فقال في النوع الحادي عشر بأنَّ تعليق البخاري([3]): «صورته صورة الانقطاع، وليس حُكْمُه حُكْمَه. ولا خارجًا ما وُجد ذلك فيه مِنه مِن قبيل الصحيح إلى قبيل الضعيف، وذلك لِمَا عُرف مِن شَرْطِه وحُكْمِه على ما نبَّهْنا عليه في الفائدة السادسة مِن النوع الأول. ولا التفات إلى أبي محمد بن حزم الظاهري الحافظ في رَدِّه ما أخرجه البخاري مِن حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري، عن رسول الله r: «ليكوننَّ في أمتي أقوامٌ يستحلُّون الحرير والخمر والمعازف» الحديث. مِن جهة أنَّ البخاري أورده قائلا فيه: (قال هشام بن عمار) وساقه بإسناده. فزعم ابن حزم أنه منقطعٌ فيما بين البخاري وهشام، وجعله جوابًا عن الاحتجاج به على تحريم المعازف. وأخطأ في ذلك من وجوه، والحديث صحيحٌ معروف الاتصال بشرط الصحيح. والبخاري رحمه الله قد يفعل ذلك لكون ذلك الحديث معروفًا مِن جهة الثقات عن ذلك الشخص الذي علَّقه عنه، وقد يفعل ذلك لكونه قد ذَكر ذلك الحديث في موضعٍ آخر مِن كتابه مسندًا متصلاً، وقد يفعل ذلك لغير ذلك مِن الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع.

ثم إنَّ لفظ التعليق وجدته مستعملاً فيما حُذف مِن مبتدإ إسناده واحدٌ فأكثر، حتى إنَّ بعضهم استعمله في حَذْفِ كل الإسناد. مثال ذلك قوله: (قال رسول الله r: كذا وكذا)، (قال ابن عباس: كذا وكذا)، (روى أبو هريرة: كذا وكذا)، (قال سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: كذا وكذا)، (قال الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي r: كذا وكذا). وهكذا إلى شيوخ شيوخه. وأمَّا ما أورده كذلك عن شيوخه، فهو مِن قبيل ما ذكرناه قريبًا في الثالث مِن هذه التفريعات». اهـ قلتُ: وهذا الموضع الأخير الذي أحال إليه هو ما قال فيه إنَّ رواية الراوي غيرِ المدلِّس عن شيخه محمولةٌ على الاتصال بأيِّ لفظٍ كان، سواء قال «قال» أو «ذَكَرَ» أو غير ذلك([4]): «فكل ذلك محمولٌ ظاهرًا على الاتصال، وأنه تلقَّى ذلك مِنه مِن غير واسطةٍ بينهما». اهـ

وقال ابن الصلاح في صيانة صحيح مسلم([5]): «لا انقطاع في هذا أصلاً مِن جهة أنَّ البخاري لقي هشامًا وسمع مِنه. وقد قرَّرنا في كتاب معرفة علوم الحديث أنه إذا تحقَّق اللقاءُ والسماعُ مع السلامة مِن التدليس، حُمل ما يرويه عنه على السماع بأيِّ لفظٍ كان، كما يُحمل قول الصحابي: (قال رسول الله r) على سماعه مِنه إذا لم يَظهر خلافه، وكذا غير (قال) مِن الألفاظ». اهـ

قلتُ: فهذا الذي قاله ابنُ الصلاح آخرًا لا يستقيم مع ما قاله أولاً: لأنه قرَّر هنا أنَّ البخاري إذا روى عن شيوخه بلفظ «قال» ونحوها مِن غير صيغة التحديث، فهو محمولٌ على الاتصال وأنه سمعه مِنهم ولا انقطاع فيه أصلاً. بينما هو نفسه قرَّر أولاً أنَّ قول البخاري «قال فلان» وفلانٌ مِن شيوخه أنه تعليقٌ كغيره مِن التعاليق وَقَعَ حَذْفٌ في أول إسناده! وقد نَبَّه على هذا التناقض غيرُ واحدٍ مِن العلماء.

فقال الزركشي في نكته على ابن الصلاح([6]): «اعتُرض عليه في التمثيل بعفان والقعنبي فإنَّ كليهما مِن شيوخ البخاري الذين سمع مِنهم، فما رواه عنهم محمولٌ على الاتصال. وقد ذكره على الصواب في النوع الحادي عشر». اهـ وقال أيضًا([7]): «وقد خالَف المصنِّفُ هذا في مثالٍ مَثَّلَ به في السادسة مِن الفوائد في النوع الأول في قوله: (قال القعنبي: كذا)، حيث مَثَّلَ به لِمَا سَقَطَ مِن أول إسناده واحدٌ. وقد بَيَّنَّا هناك أنَّ القعنبيَّ شيخُ البخاري حَدَّث عنه في صحيحه، فيكون قوله (قال القعنبي) محمولاً على الاتصال كالحديث المعنعن». اهـ وقال أيضاً([8]): «الذي ذَكَرَه هناك تفصيلٌ لا يوافِق ما أَطْلَقَه هنا، فليُتأمَّل». اهـ

وقال زين الدين العراقي([9]): «وقد ذَكَرَ المصنِّفُ فيما تقدَّم في النوع الأول في أمثلةِ تعليقِ البخاري: (قال القعنبي)، والقعنبي مِن شيوخ البخاري. فَجَعَلَه هناك مِن باب التعليق، وخالف ذلك هنا». اهـ وقال أيضاً([10]): «فقوله: (قال عفان كذا) (قال القعنبي كذا) في أمثلةِ ما سَقَطَ مِن أول إسناده واحدٌ مخالفٌ لكلامه الذي قدمناه عنه، لأنَّ عفان والقعنبي كلاهما شيخُ البخاري حَدَّثَ عنه في مواضع مِن صحيحه متصلاً بالتصريح». اهـ

وقال ابن حجر([11]): «إذا عَلَّق الحديثَ عن شيوخه الذين سمع مِنهم، فقد ذَكَرَ الشيخ أبو عمرو بن الصلاح أنَّ حُكمَ (قال) حُكمُ (عن)، وأنَّ ذلك محمولٌ على الاتصال. ثم اختلف كلامه في موضعٍ آخر، فمَثَّلَ التعاليق التي في البخاري بأمثلةٍ ذَكَرَ مِنها شيوخ البخاري كالقعنبي». اهـ

قلتُ: فتبيَّنَ أنَّ ما قرَّره ابنُ الصلاح أولاً في مسألة الاتصال هو أنَّ ما علَّقه البخاري ليس بمسندٍ سواء علَّقه عن شيوخه أو مَن فوقَهم، لأنَّ في أوَّل إسناده حَذْفًا. ثم لَمَّا تكلَّم على حديث المعازف الذي علَّقه البخاري عن شيخه هشام، إذا به يَحكم له بالاتصال، فخالَفَ ما سَبَقَ وقرَّره. والظاهر أنَّ ابن الصلاح حاوَلَ التوفيق بين كلا القولين بالانقطاع والاتصال، فاخترع لذلك حكايةَ صورةِ التعليق وحُكمِه في تفريقٍ لا أعلم أحداً قَبْلَه أتى به. ولكنه مع ذلك تناقَضَ في ذات الفقرة الواحدة: إذ تجده يقول في بدايتها: «صورته صورة الانقطاع»، ثم يقول في آخرها: «لا يصحبها خلل الانقطاع»! ثم يجزم به في الموضع الآخر بقوله: «لا انقطاع في هذا أصلاً»!

وما أراه هو أنَّ الذي اختلط على ابن الصلاح فجَعَل قولَه في هذه المسألة مشوَّشًا هو عدم فَصْلِه بين الحُكم بالاتصال والحُكم بالصحة. فأمَّا الاتصال، فالمسألة على النحو التالي: بما أنَّ الانقطاعَ هو سقوط راوٍ أو أكثر مِن الإسناد، والتعليقَ هو إسقاط راوٍ أو أكثر مِن مبتدإ الإسناد. إذن فالحديث المعلَّق منقطع. وأمَّا الصحة، فالمسألة على النحو التالي: بما أنَّ الحديث المنقطع هو نوعٌ مِن أنواع الحديث الضعيف، إذن فالمعلَّق حُكْمُه الضعف. فيمكن أن يقال هنا: إنَّ تعليق البخاري وإن كان انقطاعًا مِن حيث الظاهر، إلاَّ أنَّ حُكْمَه الصحةُ لأنَّ البخاري جَزَمَ بثبوت هذا الحديث عن الراوي الذي علَّقه عنه، وهو متصلٌ مِن غير طريق البخاري. وحينئذٍ فلا يَلزم مِن الإقرار بانقطاع السند الإقرار بضعف الحديث، لِمَا عَلِمْتَ مِن جَزْمِ البخاري به وإنْ لَمْ يُسنده. فبمثل هذا السياق قد تستقيم المسألة لابن الصلاح، فإنَّ هذا هو قول أبي العباس القرطبي على ما ستعرف. إلاَّ أنَّ ابن الصلاح في سبيل نَفْيِ الضعف عن هذا التعليق نَفَى انقطاعَه أيضًا بعد إذ أَقَرَّ به! فأُتي مِن ههنا.

----------------------------------------
[1]- مقدمة ابن الصلاح ص24.
[2]- وقد ذهل الشيخ الجديع في تحرير علوم الحديث 2/850 حين قال عن تعليق البخاري عن عفان: «وهو ابن مسلم الصفار، لَمْ يُدركه البخاري وإنما يَروي عنه بالواسطة». اهـ قلتُ: قال البخاري في صحيحه 1368: «حدثنا عفان بن مسلم هو الصفار». اهـ والبخاري يَروي بعض الأحاديث عنه، وبعضها بواسطةٍ عنه.
[3]- مقدمة ابن الصلاح ص67-68.
[4]- السابق ص65.
[5]- صيانة صحيح مسلم ص83.
[6]- نكت الزركشي 1/234.
[7]- السابق 2/51.
[8]- السابق 2/45.
[9]- التقييد والإيضاح ص92.
[10]- شرح التبصرة والتذكرة 1/144.
[11]- تغليق التعليق 2/8.
رد مع اقتباس
  #42  
قديم 02-12-13, 06:36 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

أقوال العلماء بعد ابن الصلاح

جمهورُ المتأخرين قد تَبِعوا ابنَ الصلاح في الحُكم على تعاليق البخاري عن شيوخه بالاتصال، كالنووي([1]) وابن تيمية([2]) وابن عبد الهادي([3]) وابن رجب([4]) وغيرهم، ولا حاجة إلى إيراد أقوالهم لكونها معتمدةً عليه. وإنما سنذكر فيما يلي مَن خالَف ابنَ الصلاح، أو وافقه في شيءٍ وخالفه في شيء، أو وَقَعَ في التناقض مِثله.

أبو العباس القرطبي [ت 656 هـ]
أَوْرَدَ أبو العباس القرطبي – عَصْرِيُّ ابنِ الصلاح - حديثَ المعازف الذي علَّقه البخاري في صحيحه ورَدَّ على مَن أعَلَّه بالانقطاع، فقال في رسالته في السماع([5]): «وعلى هذا فلا يُلتفت إلى ما قيل في حديث البخاري مِن أنه منقطع، لأنَّ البخاري لا يُعلِّق في كتابه إلاَّ ما كان في نفسه مسندًا صحيحًا. لكنه لَمْ يُسنده ليُفرِّق به بين ما كان على شرطه في أصل الكتاب وبين ما ليس كذلك». اهـ وكلام أبي العباس القرطبي لا ينفي وجود الانقطاع، بدليل أنه قال «لَمْ يُسنده». إلاَّ أنه لَمْ يَجعل هذا الانقطاع سببًا لِرَدِّ الحديث، بل حَكَمَ له بالصحة لأن البخاري جَزَمَ به. ومع ذلك فقد أَقَرَّ القرطبيُّ بأن هذه التعاليق ليست على شرط البخاري في الصحيح، ولذلك فَرَّق البخاريُّ بين هذه الأحاديث والأحاديث المسندة التي هي موضوع الكتاب. ومعنى هذا أنَّ القرطبي مع حُكمه لهذه التعاليق بالصحة، يرى أنها قد تخلَّفت عن شرط البخاري. وهذا كما ترى مخالفٌ لقول ابن الصلاح: «معروف الاتصال بشرط الصحيح».

ابن دقيق العيد [ت 702 هـ]
يرى ابن دقيق العيد أنَّ ما رواه البخاري عن شيوخه بغير صيغة التحديث فهو معلَّقٌ غير متصل، ولكنه حَكَمَ له بالصحة مِن حيث إنَّ البخاري قد جَزَمَ به في صحيحه. وقوله هذا موافقٌ لقول أبي العباس القرطبي في التمييز بين الحُكم بالاتصال والحُكم بالصحة. يقول ابن دقيق العيد في حديث المعازف([6]): «أخرجه البخاري تعليقًا، وأبو داود والإسماعيلي متصلاً». اهـ فجَعَلَ التعليقَ في مقابل الاتصال، فلو كان الحديثُ متصلَ السند عنده لَمَا نبَّه على كونه معلَّقًا. قال الزركشي في حديث أبي هريرة في الوكالة الذي علَّقه البخاري عن شيخه عثمان بن الهيثم([7]): «وسئل الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد عن هذا، فصوَّب مقالة الحميدي. قال: لكن الحديث صحيحٌ بجزم البخاري أنَّ عثمان بن الهيثم قال». اهـ وقال ابن حجر([8]): «وقد جَزَمَ العلامة ابن دقيق العيد بتصويب الحميدي في تسميته ما يذكره البخاري عن شيوخه تعليقًا، إلا أنه وافق ابنَ الصلاح في الحكم بالصحة لِمَا جَزَمَ به». اهـ

شرف الدين الدمياطي [ت 705 هـ]
يرى الدمياطي أنَّ تعليق البخاري عن شيوخه ليس مِن باب الرواية عنهم، وإنما هو حوالة. قال ابن حجر([9]): «سَمَّى الدمياطيُّ ما يعلِّقه البخاري عن شيوخه حوالةً، فقال في كلامه في حديث أبي أيوب في الذكر: "أخرجه البخاري حوالةً فقال([10]): (قال موسى بن إسماعيل: ثنا وهيب، عن داود، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي أيوب)"». اهـ وهذا الموضع يدلُّ على أنَّ الدمياطي قَصَدَ ما عَلَّقه البخاري في المتابعات عَقِبَ إخراجه الأصل، إذ الغرض مِن ذِكْرها هو إبراز الاختلافات على سبيل الإشارة لا بقصد الرواية. وقد يقصد المعنى الذي ذَكَرَه الحاكم في نَفْيِ السماع بقوله([11]): «عامة حديثِ مكحولٍ عن الصحابة حوالة». اهـ وعلى هذا فيكون البخاري عنده لَمْ يَسمع هذه الأحاديث مِن شيوخه.

ابن الوكيل [ت 716 هـ]
نَصَرَ صدرُ الدين بن الوكيل مذهبَ المتقدِّمين في اشتراط السماع، بل ذَهَبَ إلى أنَّ الراوي ما لَمْ يُصرِّح بالتحديث عن شيخه فحديثه غير محمولٍ على السماع لاحتمالِ أَخْذِه عمَّن ليس بمَرْضِيٍّ أو وَقَعَ له وجادةً. ومَثَّل لهذا بحديث المعازف الذي علَّقه البخاري عن شيخه هشام بن عمار، وجَعَلَ هذا مستندَ ابنِ حزم في رَدِّه إياه. يقول ابن الوكيل في كتاب الإنصاف([12]): «الذي أراه أنه لا يُحمل على السماع وإنْ ثبتَ اللقاءُ: لِجوازِ أن يكون بَلَغَه مِن عَدْلٍ عِنده لو ذَكَرَه لنا لَعَرَفْنا فِسْقَه، أو رآه في كتابه فيكون وجادةً. وبهذا رَدَّ ابنُ حزم حديثَ البخاري في المعازف لقوله فيه: (قال هشام بن عمار)، مع أنه شيخ البخاري». اهـ

المزي [ت 742 هـ]
فَرَّقَ المزيُّ بين ما أخرجه البخاري مسندًا وما أخرجه تعليقًا، فجَعَلَ لكل نوعٍ مِنهما علامةً خاصةً به للتمييز بينهما. وقد رَمَزَ في أطرافه([13]) لحديث المعازف الذي علَّقه البخاري عن شيخه هشام بن عمار بعلامة التعليق (خت)، وقال عنه في التهذيب([14]): «استشهَدَ البخاري بحديث عبد الرحمن بن غنم، عن أبي عامر أو أبي مالك الأشعري». اهـ وكذا فَعَلَ مع حديث الوكالة الذي علَّقه البخاري عن شيخه عثمان بن الهيثم([15])، وحديث بول الكلاب في المسجد الذي علَّقه عن شيخه أحمد بن شبيب([16]). فهذا صريحٌ مِن المزي في أنَّ تعاليق البخاري عن شيوخه شأنها شأن غيرها مِن التعاليق، ولابد مِن تمييزها عن المسند.

قال الزين العراقي([17]): «وعلى هذا عَمَلُ غيرِ واحدٍ مِن المتأخرين، كابن دقيق العيد والمزي فجَعلا حديثَ أبي مالك الأشعري الآتي ذِكرُه مثالاً لهذه المسألة تعليقًا». اهـ وقال ابن الوزير اليماني([18]): «وأمَّا إذا رَوَى عن شيخه بصيغة الجزم ولم يقل (حدثنا) ولا (أخبرنا)، فمتصلٌ حُكمُه كحُكم الإسناد المعنعن كما يأتي. كذا عند ابن الصلاح واختاره الزين، خلافًا لبعض المغاربة والمزي وابن منده». اهـ وهذا صريحٌ في أنَّ مذهب المزي في ذلك هو مذهب المتقدِّمين على ابن الصلاح، وفيه رَدٌّ على قول السخاوي([19]): «وعلى الحُكم بكونه تعليقًا مَشَى المزيُّ في أطرافه، ولَمْ يَقُلْ إنَّ حُكمه الانقطاع». اهـ فإنَّ كلام المزيِّ في التعليق جارٍ على الأصل وهو الانقطاع، فما لَمْ يَنُصَّ على خلافِه فهو باقٍ على أصله وليس العكس.

----------------------------------------
[1]- شرح صحيح مسلم 1/18.
[2]- الفتاوى الكبرى 6/38.
[3]- المحرر في الحديث 1/287.
[4]- نزهة الأسماع، مجموع رسائل ابن رجب 2/449.
[5]- كشف القناع عن حُكم الوجد والسماع ص36. ونَقَله الزركشي في نكته 1/253.
[6]- الإلمام بأحاديث الأحكام 1/260.
[7]- نكت الزركشي 2/49.
[8]- نكت ابن حجر 2/602.
[9]- السابق 1/332.
[10]- صحيح البخاري 6404.
[11]- معرفة علوم الحديث ص111.
[12]- نكت الزركشي 2/43.
[13]- تحفة الأشراف 12161.
[14]- تهذيب الكمال 34/246.
[15]- تحفة الأشراف 14482.
[16]- السابق 6704.
[17]- شرح التبصرة 1/144-145.
[18]- توضيح الأفكار للصنعاني 1/135-136.
[19]- فتح المغيث 1/79.
رد مع اقتباس
  #43  
قديم 02-12-13, 07:00 PM
ابن العيد ابن العيد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-01-06
المشاركات: 1,500
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

جزاكم الله خيرا
رد مع اقتباس
  #44  
قديم 02-12-13, 07:03 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

الذهبي [ت 748 هـ]
ما علَّقه البخاري عن شيوخه ولَمْ يصله في أي موضعٍ آخر فحُكمه الانقطاع عند الذهبي لأنَّ البخاري لَمْ يَذكر فيه سماعًا، فخالَف بذلك مذهبَ ابن الصلاح. يقول الذهبي في حديث المعازف([1]): «رواه البخاري عن هشام تعليقًا». اهـ وقال في موضعٍ آخر([2]): «أخرجه البخاري عن هشام عن غير سماع». اهـ فقوله «عن غير سماع» أَصْرَحُ في الانقطاع مِن قوله «تعليقًا»، لأنه نَصَّ بذلك على عدم سماع البخاري للحديث مِن شيخه. وهذا التفريق بين التعليق والسماع يؤكِّده أيضًا قولُه في ترجمة العباس بن عبد العظيم العنبري([3]): «روى له البخاري تعليقًا، والباقون سماعًا». اهـ ولذلك قال السخاوي([4]): «وقال الذهبي: "حُكمه الانقطاع". ونحوه قول أبي نعيم: "أخرجه البخاري بلا رواية"». اهـ وهذا صريحٌ مِن السخاوي في أنَّ قولَ الذهبي في هذه المسألة موافقٌ لقول أبي نعيم، وهو مذهب المتقدِّمين كما علمتَ.

مغلطاي [ت 762 هـ]
تعاليق البخاري عن شيوخه عند مغلطاي منقطعةٌ غير محمولةٍ على السماع، لأنه عَلَّق أحاديث عنهم ثم لَمَّا أسندها أَدْخَلَ واسطةً بينه وبينهم. فهذا مِمَّا يُرجِّح مذهبَ ابن حزم في هذه المسألة، إذ الأصل فيها هو الانقطاع ما لَمْ يَظهر خلاف ذلك. يقول مغلطاي متعقِّبًا ابنَ الصلاح([5]): «وذَكَرَ أنَّ البخاري إذا قال عن شيخٍ له في كتابه الصحيح: (وقال فلان)، أَخَذَه عنه مذاكرةً. انتهى كلامه. وليس جيدًا، فإنَّ البخاري قال في أواخر كتاب الجنائز: (وقال حجاج بن منهال: ثنا جرير بن حازم) فذَكَرَ حديثَ الرجل الذي كان به جراحٌ فقتل نفسه. ثم إنه خرَّجه بعدُ في أخبار بني إسرائيل فقال: (ثنا محمد قال: ثنا حجاج بن منهال: ثنا جرير) به. فهذا كما ترى قال عن شيخه: (وقال)، ثم رواه بعدُ عنه بواسطة. وهذا يُقوِّي ما ذَهَبَ إليه ابن حزم في حديث المعازف». اهـ وقال في موضعٍ آخر بعد أن ذَكَرَ نفس الحديث وصنيعَ البخاري فيه([6]): «فقد بَيَّنَ أنه إذا أتى بهذه الصيغة تكون عنده منقطعة، إلاَّ أن يظهر خلافها بأمرٍ واضحٍ لا محيص فيه». اهـ

ومِن ثَمَّ اعترض مغلطاي على ابن الصلاح في جَعْلِه تعاليق البخاري على شرط الصحيح، فقال([7]): «ولَمَّا أعاد ذِكْرَ التعليق بقوله: "صورته صورة الانقطاع، وليس حُكمُه حُكمَه. ولا خارجًا ما وُجد ذلك فيه مِنه مِن قبيل الصحيح إلى قبيل الضعيف، وذلك لِمَا عُرف مِن شَرْطِه". انتهى. الذي عُرف مِن شرط البخاري يَرُدُّ هذا القولَ، وهو قوله: (المسند الصحيح). وهذا ليس بمسندٍ، فلا يكون صحيحًا». اهـ وهكذا خالَفَ مغلطاي ابنَ الصلاح في تعاليق البخاري عن شيوخه في كونها محمولةً على الاتصال، وفي كونها على شرط البخاري في صحيحه. ومغلطاي هو أَوَّلُ مَن وقفتُ عليه قد نَقَضَ مذهب ابن الصلاح وانتصر لابن حزم.

الكرماني [ت 786 هـ]
اضطرب الكرمانيُّ في اتصال تعاليق البخاري عن شيوخه، فتارةً يحملها على الاتصال وأنَّ البخاري أخذها عنهم مذاكرةً، وتارةً يشير إلى أنَّ الأمر على الاحتمال. هذا مع إقراره بأنَّ صيغة التعليق أضعف في الاتصال مِن صيغة التحديث، حيث قال في تعليق البخاري عن شيخه أحمد بن شبيب([8]): «الحديث نَقَلَه البخاري بلفظ (قال) لا بلفظ (حدثني) ونحوه، فهو مِن نوازل الدرجات». اهـ

قال الكرماني في شرحه لحديث المعازف([9]): «المشهور عند المحدِّثين أنه يقال (حدثنا) و (أخبرنا) إذا كان الكلام على سبيل النقل والتحميل، وأمَّا إذا كان على سبيل المذاكرة يقال (قال)». اهـ فجَعَلَ صيغة «قال» عند البخاري لِمَا أخذه مذاكرةً بلا واسطة. لكنه في موضعٍ لاحقٍ جَعَلَ الأمر على الاحتمال، فقال في طريقٍ علَّقها البخاري عن شيخه موسى بن إسماعيل([10]): «وإنما قال بلفظ (قال) لأنه تحمَّل مِنه البخاري مذاكرةً لا تحديثًا ونقلاً، أو هو تعليق». اهـ فَلَمْ يَسْتَبْعِدْ حَذْفَ البخاريِّ للراوي الذي سمع مِنه الحديث عن شيخه، فجَعَلَه أحد الاحتمالين. وهذا يَجعل جَزْمَه الأوَّل غيرَ مُسَلَّم.

وقد رَدَّ الكرمانيُّ على ابن حزم في قوله بانقطاع تعاليق البخاري بأنَّ ما علَّقه البخاري محكومٌ بصحته لأنه لا يجزم إلاَّ بما هو ثابتٌ عنده، وبالتالي فهو على شرطه في صحيحه أيضًا. فقال في حديثٍ علَّقه البخاري عن إمام دار الهجرة([11]): «اعلم أنه لَمْ يُدْرِك زمانَ مالك، فهذا تعليقٌ مِنه بلفظٍ جازمٍ، فهو صحيحٌ ولا قدح فيه. قال ابن حزم الظاهري: إنه قادحٌ في الصحة لأنه منقطع. وليس كما قال، لأنه موصولٌ مِن جهاتٍ أُخَر صحيحةٍ، ولَمْ يَذكره لشهرته. وكيف وقد عُرف مِن شرط البخاري وعادته أنه لا يجزم به إلاَّ بتثبيتٍ وثبوت. فإن قلتَ: هل يصدق عليه اسم المنقطع باصطلاح المحدِّثين؟ قلتُ: نعم، لأنَّ المنقطع ما لم يتصل إسناده على أي وجهٍ كان. لكنه منقطعٌ حُكْمُه حُكْمُ المتصل في كونه صحيحًا، لِمَا عُلِم مِن شرط البخاري وشرط الكتاب». اهـ

فقوله: «موصولٌ مِن جهاتٍ أُخَر صحيحةٍ» يعني خارج الصحيح مِن غير طريق البخاري، كأنْ يصله الإسماعيلي وغيره، فهو متصل الإسناد مِن هذه الحيثية. إلاَّ أنه عاد فقال: «لكنه منقطعٌ حُكْمُه حُكْمُ المتصل في كونه صحيحًا»، وهو يعني أنَّ الحديث المعلَّق وإنْ لَمْ يوقَف على سنده عند غير البخاري فهو محكومٌ له أيضًا بالاتصال لكون ما جَزَمَ به البخاري صحيحًا. فأَدْخَلَ بذلك الكرمانيُّ الحُكمَ بالاتصال في الحُكم بالصحة، وزاد عليه بأنْ جَعَلَ هذه المعلقات على شرط البخاري كالأحاديث المسندة سواء بسواء.

الزركشي [ت 794 هـ]
لَمَّا نَقَلَ الزركشيُّ اعتراضَ البعضِ على ابن الصلاح في إيراده عفان والقعنبي في جملة مَن عَلَّق البخاري عنهم، نَصَرَ الزركشيُّ صنيعَ ابن الصلاح في ذلك. فقال([12]): «وتمثيلُ ابنِ الصلاح صحيح: وذلك لأنَّ عفانًا روى عنه البخاري تارةً شفاهًا وتارةً بالواسطة، والقعنبي روى عنه مسلم أيضًا كذلك. فإذا رأيناه ذكره بصيغة (قال) دون صيغة التحديث والإخبار، احتمل الاتصال وعدمه لثبوت الواسطة. والاتصالُ مشكوكٌ فيه، فالتحق بالتعليق لأنه القَدْر المحقَّق. والوصلُ زيادةٌ تحتاج إلى ثبوتٍ، وتوقَّف عنها عدوله عن صيغة الاتصال إلى هذه العبارة». اهـ فتعليق البخاري عن شيوخه بصيغة «قال» غير محمولٍ عند الزركشي على السماع إذا كان يَروي عن هؤلاء الشيوخ تارةً بلا واسطة وتارةً بواسطة، فيكون الاتصالُ حينئذٍ مشكوكًا فيه ويَبقى التعليقُ على انقطاعه لعدم تيقُّن السماع.

وهذا الدفاع مِن الزركشي عن صنيع ابن الصلاح لا يستقيم وما حَكَم به هنا، لأنَّ كلامه هذا إنما ينطبق على عفان بن مسلم دون القعنبي. فعفان قد روى عنه البخاري بواسطةٍ وبلا واسطة، فإذا علَّق عنه صار الأمر على الاحتمال كما قال. وأمَّا القعنبي فَلَمْ يُجِبْ عنه الزركشي بشيء، بل العجيب أنه أحال على صنيع مسلم وليس البخاري! وذِكْرُ ابنِ الصلاح للقعنبي يخرم قاعدة الزركشي هذه، لأنَّ البخاري لَمْ يَرْوِ عنه بواسطةٍ كما فعل مع عفان. فصار حُكْمُ الجميع واحدًا، سواء كان البخاريُّ يُدخل واسطةً بينه وبين هؤلاء الشيوخ أو لَمْ يكن يُدخِل. ولَزِمَ الزركشيَّ على هذا أن يَحكم بنفس الحُكم على سائر تعاليق البخاري عن شيوخه لنفس تلك الأسباب، لأنَّ الاتصال محتملٌ وغير متحقق، ولا استدلال مع احتمال.

على أنك ستجد الزركشي يناقض نفسه لاحقًا، فإنه قد تعقَّبَ ابنَ الصلاح فيما انتَصَرَ له فيه مِن قبل! فقال([13]): «وقد خالَف المصنِّفُ هذا في مثالٍ مَثَّل به في السادسة مِن الفوائد في النوع الأول في قوله: (قال القعنبي كذا)، حيث مَثَّل به لِمَا سقط مِن أول إسناده واحد. وقد بَيَّنَّا هناك أنَّ القعنبي شيخُ البخاري حَدَّث عنه في صحيحه، فيكون قوله: (قال القعنبي) محمولاً على الاتصال كالحديث المعنعن. وهذا هو الصواب في كل ما يقول البخاري فيه (قال) عن مشايخه». اهـ فانظر إلى قوله أولاً: «وتمثيل ابن الصلاح صحيح»، ثم انظر إلى قوله هنا: «وقد خالَف المصنِّفُ هذا في مثالٍ مَثَّل به»! وانظر إلى قوله أولاً: «والاتصالُ مشكوكٌ فيه، فالتحق بالتعليق لأنه القَدْر المحقَّق»، ثم انظر إلى قوله هنا: «محمولاً على الاتصال كالحديث المعنعن»!

بل إنَّ الزركشي هنا قد حَكَمَ لجميع ما علَّقه البخاري عن شيوخه بالاتصال، فلَمْ يَعُدْ هنالك مدخلٌ للاحتمال في صيغة «قال» عنده طالما أنَّ البخاري قد لقي هؤلاء المشايخ وسمع مِنهم. فأَطْلَقَ بذلك ما كان قَيَّدَه مِن قَبْل بثبوت الواسطة. قال الزركشي([14]): «هشام بن عمار أحد شيوخ البخاري حَدَّث عنه بأحاديث، وعُدُولُه هنا عن التصريح بالتحديث إنما هو ليُفَرِّق بين ما أخذه عن مشايخه في مجلس المذاكرة وبين ما يأخذه في مجلس التحديث». اهـ وقال أيضاً([15]): «وهذا كله مردود، فإنَّ عثمان بن الهيثم أحد شيوخ البخاري الذي حَدَّث عنهم في صحيحه وسمع منهم. وقول البخاري في مثله: (قال فلان) محمولٌ على سماعه مِنه واتصالِه، فإنَّ الله تعالى بَرَّأه مِن التدليس. وليس ذلك بتعليق، إنما المعلَّق ما أسقط البخاري منه شيخه أو أكثر». اهـ ثم قال([16]): «والحاصل أنَّ قول البخاري عَمَّن لَقِيَه مِن شيوخه: (وقال فلان) ليس حُكمه حُكم التعليق، بل هو مِن قبيل المتصل كما سبق في الإسناد المعنعن، والشروط السابقة موجودةٌ هنا، وهذا المذكور هنا هو الصواب». اهـ

العجيب أنَّ الزركشي بعد أنَّ قَرَّر هنا اتصال حديث المعازف وغيرِه مِمَّا علَّقه البخاري عن شيوخه وأنه محمولٌ على السماع، نَقَضَ ذلك بما ذَكَرَه هو نفسُه في شرحه لصحيح البخاري. فإنه لَمَّا تكلَّم هناك على حديث المعازف، أَثْبَتَ واسطةً بين البخاري وبين هشام بن عمار! يقول الزركشي([17]): «اعلم أنَّ معظم رواة البخاري يذكرون هذا الحديث معلَّقًا تحت الترجمة، فيقول: (وقال هشام بن عمار). وقد أسنده أبو ذر عن شيوخه فقال: (قال البخاري: حدثنا الحسين بن إدريس قال: حدثنا هشام). وعلى هذا يكون الحديث صحيحًا على شرط البخاري، وبذلك يُرَدُّ على ابن حزم دعواه انقطاع الحديث». اهـ فانظر إلى هذا التعارض .. ينفي الواسطةَ هناك ثم يُثبتها هنا!

على أنَّ قوله هذا بناه على فهمٍ خاطئٍ لإسناد أبي ذر في روايته، وليس للبخاري ناقةٌ ولا جملٌ في هذا الإسناد. وقد نَبَّه على هذا الوهمِ ابنُ حجر فقال([18]): «وذَهَلَ الزركشيُّ في توضيحه([19]) فقال: "معظم الرواة يَذكرون هذا الحديث في البخاري معلَّقًا. وقد أسنده أبو ذر عن شيوخه فقال: (قال البخاري: حدثنا الحسين بن إدريس: حدثنا هشام بن عمار). قال: فَعَلَى هذا يكون الحديث صحيحًا على شرط البخاري، وبذلك يُرَدُّ على ابن حزم دعواه الانقطاع". اهـ وهذا الذي قاله خطأٌ نشأ عن عدم تأمُّل! وذلك أنَّ القائل (حدَّثنا الحسين بن إدريس) هو العباس بن الفضل شيخ أبي ذر لا البخاري». اهـ

ابن الملقن [ت 804 هـ]
تضارَب قولُ ابن الملقن في تعاليق البخاري عن شيوخه هل هي على السماع أم لا. فقد وجدتُه في شرحه لصحيح البخاري يَذهب إلى أنَّ البخاري يَستخدم هذه الصيغة فيما أخذه عن شيوخه مذاكرةً. فقال في الحديث الذي علَّقه([20]) عن شيخه عبد الله بن رجاء([21]): «يشبه أن يكون أخذه عنه مذاكرةً». اهـ بل قال في تعليق البخاري([22]) عن أبي كامل الجحدري([23]): «ويجوز أن يكون البخاري أخذه عن أبي كامل بغير واسطة، فإنه غالبًا يستعمل مثل ذلك فيما أخذه عرضًا أو مناولة، وهما صحيحان عند جماعةٍ يجب العمل بهما». اهـ وهذا ذهولٌ مِنه، فإنَّ أبا كامل مِن شيوخ مسلم وليس البخاري. وقال في حديث المعازف([24]): «وهذا أيضًا على شرط الصحيح، وكأنَّ البخاري أخذه عن هشام مذاكرةً». اهـ

فالعجب مِن ابن الملقن .. يَحمل هذه التعاليق على السماع وأنَّ البخاري أخذها عن شيخه مذاكرةً بلا واسطة، ثم يَستدلُّ في موضعٍ آخر بحديث جندب - الذي علَّقه البخاري عن حجاج وأسنده بعد ذلك بواسطةٍ عنه - على ضَعْفِ هذا القول نفسه! فيقول([25]): «وحديث جندب المعلَّق خرَّجه في أخبار بني إسرائيل فقال: (حدثنا محمد: ثنا حجاج بن منهال). وهو يُضَعِّف قولَ مَن قال إنه إذا قال عن شيخه (وقال فلان) يكون أخذه عنه مذاكرة». اهـ ويقول عن حديث المعازف إنه على شرط الصحيح، ثم يقول في مكانٍ آخر إنَّ البخاري استشهد به! فقد قال ابن الملقن في عطية بن قيس راوي هذا الحديث([26]): «وعلَّم له الصريفيني فيما رأيته علامة البخاري أيضًا، وهو كما علَّم له لأنه استشهد به». اهـ فانظر إلى هذا التضارب!

وقد حَكَمَ ابن الملقن بالصحة لعامة تعاليق البخاري التي جَزَمَ بها أيًّا كانت طبقةُ المعلَّقِ عنهم، فقال في أحد معلَّقات البخاري عن أم المؤمنين عائشة([27]): «وهذا التعليق صحيحٌ لأنه بصيغة الجزم». اهـ وكَرَّر هذا كثيرًا في البدر المنير محتجًّا به. ثم نَقَلَ اعتراضَ شيخِه ابنِ سيد الناس على ذلك، واستغربه لمخالفته ما هو مقرَّرٌ في علوم الحديث. فقال في أحد الأحاديث([28]): «وذكره البخاري في صحيحه تعليقًا قال: (قال عطاء: أَمَّنَ ابنُ الزبير ومَن وراءه، حتى إنَّ لِلمسجد لَلَجَّة). وهذا تعليقٌ وهو بصيغة جزمٍ، فيكون صحيحًا. وأَنْكَرَ شيخُنا فتح الدين اليعمري على بعض الفضلاء - وعنى به النووي - حيث قال إنَّ مِثل هذا التعليق مِن البخاري يقتضي الصحة، وقال إنه ليس بشيء. ولَمْ يَظهر لي وَجْهُ ذلك، فإنَّ هذا مُقَرَّرٌ في علوم الحديث كما ذكره النووي». اهـ وقد حَكَمَ ابن الملقن لتعاليق البخاري عن شيوخه - فضلاً عن صحتها - بأنها على شرطه في الصحيح، كما نَصَّ على ذلك صراحةً في حديث المعازف. فساوَى بذلك بين ما علَّقه البخاري عنهم وما أسنده، مع أنَّ البخاري نفسه لَمْ يُساوِ بينهما.

----------------------------------------
[1]- سير أعلام النبلاء ط الحديث 15/348.
[2]- تذكرة الحفاظ 4/88.
[3]- سير أعلام النبلاء 10/26.
[4]- فتح المغيث 1/79.
[5]- إصلاح كتاب ابن الصلاح ص83.
[6]- السابق ص128.
[7]- السابق ص126.
[8]- الكواكب الدراري 3/11.
[9]- السابق 20/147.
[10]- السابق 22/183.
[11]- السابق 1/176.
[12]- نكت الزركشي 1/236.
[13]- السابق 2/50-51.
[14]- السابق 2/46.
[15]- السابق 2/48.
[16]- السابق 2/50.
[17]- التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح للزركشي، مكتبة الرشد، الرياض 1424هـ 2003م، 3/1111.
[18]- فتح الباري 10/52.
[19]- صوابه: «تنقيحه». ولعلَّ ابن حجر سها فذَكَرَ اسمَ شرح ابن الملقن.
[20]- صحيح البخاري عقب 5835.
[21]- التوضيح لشرح الجامع الصحيح 27/665.
[22]- صحيح البخاري 1572.
[23]- التوضيح لشرح الجامع الصحيح 11/266.
[24]- السابق 27/127.
[25]- السابق 10/135.
[26]- البدر المنير 2/431.
[27]- السابق 1/687.
[28]- السابق 4/90.
رد مع اقتباس
  #45  
قديم 02-12-13, 07:48 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

زين الدين العراقي [ت 806 هـ]
تعقَّبَ العراقيُّ ابنَ الصلاح في ذِكْرِه عفان بن مسلم والقعنبي فيمَن عَلَّقَ البخاريُّ عنهم، فقال([1]): «قوله في أمثلةِ ما حُذف مِن مبتدأ إسناده واحدٌ أو أكثر: (قال عفان كذا، قال القعنبي كذا): ليس بصحيح، ولَمْ يَسقط مِن هذا الإسناد شيء. فإنَّ عفان والعقنبي كليهما مِن شيوخ البخاري الذين سمع مِنهم، فما رَوَى عنهما ولو بصيغةٍ لا تقتضي التصريح بالسماع فهو محمولٌ على الاتصال». اهـ فنَفَى العراقيُّ هنا الانقطاعَ عمَّا عَلَّقه البخاري عن شيوخه، سواءٌ كان يروي عنهم بواسطةٍ أم لا.

على أنه ناقَضَ نفسَه بعد ذلك حين صرَّح بأنَّ تعليق البخاري عن شيوخه منقطعٌ وأنَّ هذه التعاليق إنما يُحكم باتصالها خارج الصحيح مِن غير طريق البخاري! فقال في موضعٍ لاحِق([2]): «وقد اعتُرض على المصنِّف في قوله: (وقد يفعل ذلك لغير ذلك مِن الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع) بأنَّ حديث جندب الذي ذكر في الجنائز صَحِبَه خَلَلُ الانقطاع، لأنه لَمْ يأخذه عن حجاج بن منهال. والجواب عن المصنِّف أنه لَمْ يُرِدْ بقوله (لا يصحبها خلل الانقطاع) أي في غير الموضع الذي عَلَّقه فيه، فإنَّ التعليق منقطعٌ قطعًا. وإنما أراد أنه لا يصحبها خلل الانقطاع في الواقع، بأن يكون الحديثُ معروفَ الاتصال إمَّا في كتابه في موضعٍ آخر كحديث جندب، أو في غير كتابه كحديث أبي مالك الأشعري فإنه إنما جزم به حيث عَلِمَ اتصاله وصحَّته في نفس الأمر». اهـ فنَصَّ بقوله: «فإنَّ التعليق منقطعٌ قطعًا» على انقطاع سند البخاري في ذلك الموضع مِن صحيحه، وبقوله: «أو في غير كتابه كحديث أبي مالك الأشعري» على اتصال حديث المعازف خارج الصحيح.

ثم إنه لَمَّا تعرَّض لقول ابن منده بأنَّ تعليق البخاري عن شيوخه تدليس، أَبْطَلَه ووَهَّاه قائلاً([3]): «وهو مردودٌ عليه، ولَمْ يوافقه عليه أحدٌ علمتُه. والدليل على بطلان كلامه أنه ضَمَّ مع البخاري مسلمًا في ذلك. ولَمْ يَقُلْ مسلم في صحيحه بعد المقدمة عن أحدٍ مِن شيوخه: (قال فلان)، وإنما روى عنهم بالتصريح. فهذا يَدُلُّك على توهين كلام ابن منده. لكن سيأتي في النوع الحادي عشر ما يَدُلُّك على أنَّ البخاري قد يَذكر الشيء عن بعض شيوخه، ويكون بينهما واسطة، وهذا هو التدليس». اهـ وقد استدلَّ العراقي في ذلك الموضع المذكور بأنَّ البخاري في بعض تعاليقه عن شيوخه قد أَدخل واسطةً بينه وبينهم في مواضع أخرى مِن صحيحه، فتبيَّن أنه لَمْ يسمعها مِنهم وصار إسقاطُه للواسطة تدليسًا. فوافَقَ العراقيُّ بذلك ابنَ منده بعد إذ أَنكر عليه!

يقول العراقي متعقِّبًا ابنَ الصلاح([4]): «قوله: (وأمَّا ما أورده - أي البخاري - كذلك عن شيوخه، فهو مِن قبيل ما ذكرناه قريبًا في الثالث مِن هذه التفريعات). انتهى. يريد أنَّ ما قال فيه البخاري: (وقال فلان) وسَمَّى بعضَ شيوخه أنه محكومٌ فيه بالاتصال كالإسناد المعنعن. ويشكل على ما ذكره المصنف هنا أنَّ البخاري قال في صحيحه في كتاب الجنائز في باب ما جاء في قاتل النفس: (وقال حجاج بن منهال: حدثنا جرير بن حازم، عن الحسن قال: حدثنا جندب في هذا المسجد فما نسيناه وما نخاف أن يكذب جندب على النبى صلى الله عليه وسلم قال: "كان برجلٍ خراجٌ فقتل نفسه") الحديث. فحجاج بن منهال أحد شيوخ البخاري قد سمع مِنه أحاديث، وقد عَلَّق عنه هذا الحديثَ ولَمْ يَسمعه مِنه. وبينه وبينه واسطة، بدليل أنه أورده في باب ما ذكره عن بني إسرائيل فقال: (حدثنا محمد: حدثنا حجاج: حدثنا جرير، عن الحسن قال: حدثنا جندب) فذكر الحديث. فهذا يدلُّ على أنه لَمْ يَسمعه مِن حجاج، وهذا تدليس. فلا ينبغى أن يُحمل ما عَلَّقه عن شيوخه على السماع مِنهم». اهـ

فانظر إلى هذا التضارب .. يقول أولاً عن شيخَي البخاري: «فما رَوَى عنهما ولو بصيغةٍ لا تقتضي التصريح بالسماع فهو محمولٌ على الاتصال»، ثم يقول آخرًا: «فلا ينبغى أن يُحمل ما عَلَّقه عن شيوخه على السماع مِنهم»! وانظر إلى اعتراضه على ابن منده في دعواه تدليس البخاري بقوله: «وهو مردودٌ عليه»، ثم انظر إلى قوله في صنيع البخاري: «وهذا هو التدليس»!

وقد حاوَلَ العراقيُّ الاعتذار عن صنيع البخاري هذا بقوله([5]): «ويجوز أن يقال: إنَّ البخاري أخذه عن حجاج بن منهال بالمناولة أو في حالة المذاكرة، على الخلاف الذى ذكره ابن الصلاح، وسمعه مِمَّن سمعه مِنه. فَلَمْ يَستحسن التصريحَ باتصاله بينه وبين حجاج لِمَا وقع مِن تَحَمُّلِه، وهو قد صَحَّ عنده بواسطةِ الذى حدَّثه به عنه. فأَتَى به في موضعٍ بصيغة التعليق، وفي موضعٍ آخر بزيادة الواسطة. وعلى هذا فلا يُسَمَّى ما وقع مِن البخاري على هذا التقدير تدليسًا». اهـ وهو كما ترى توجيهٌ ليس بالقوي كما تَدُلُّ عليه عبارة العراقي نفسه ابتداءً. ومِمَّا يوهنه أنَّ البخاري في موضعٍ قد يعلِّق عن مشايخه بقوله: «قال فلان»، ثم يُسنده عنهم بلا واسطةٍ في موضعٍ آخر فيقول: «حدثنا فلان». فلو كان إنما علَّقه لكونه أخذه عن ذلك الشيخ مناولةً أو مذاكرة، فكيف استجاز أن يُصرِّح بالتحديث عنه في ذلك الموضع الآخر؟

ومع أنَّ العراقي قد تناقَضَت أقواله في اتصال هذه التعاليق، إلاَّ أنه حَكَمَ لها في النهاية بالصحة لكون البخاري قد جَزَمَ بها في صحيحه. فقال([6]): «وعلى كل حالٍ فهو محكومٌ بصحته لكونه أَتَى به بصيغة الجزم». اهـ

ابن حجر [ت 852 هـ]
صَرَّحَ ابنُ حجر بمذهبه في تعاليق البخاري في مقدمة كتابه تغليق التعليق، فقد قَرَّرَ فيها أنَّ ما عَلَّقه البخاري عن شيوخه حُكمه كحُكم غيره مِن التعاليق. وأنه لا يُجزَم بأنَّ البخاري سمع ذلك مِنهم، بدليل أنه لَمَّا أَسند بعضَ هذه التعاليق أَدْخَلَ واسطةً بينه وبينهم. ولا يَلزم مِن ذلك أن يكون البخاري مدلِّسًا، لأنَّ صيغة التعليق هذه هي اصطلاحٌ خاصٌّ به فلا يُحاكَم إلى اصطلاحِ غيرِه. لكنه مع ذلك حَكَمَ بصحة هذه المعلَّقات وأنها على شرط البخاري وإن لَمْ يُسندها.

يقول ابن حجر([7]): «إذا ما عَلَّقَ الحديثَ عن شيوخه الذين سمع مِنهم، فقد ذَكَرَ الشيخ أبو عمرو بن الصلاح أنَّ حُكمَ (قال) حُكْمُ (عن) وأنَّ ذلك محمولٌ على الاتصال. ثم اختَلف كلامُه في موضعٍ آخر، فمَثَّلَ التعاليق التي في البخاري بأمثلةٍ ذَكَر مِنها شيوخ البخاري كالقعنبي. والمختار الذي لا محيد عنه أنَّ حُكْمَه مِثلُ غيره مِن التعاليق، فإنه وإنْ قلنا يفيد الصحة لِجَزْمِه به، فقد يُحتمل أنه لَمْ يسمعه مِن شيخه الذي علَّقه عنه. بدليل أنه علَّق عدة أحاديث عن شيوخه الذين سمع مِنهم، ثم أسندها في موضعٍ آخر مِن كتابه بواسطةٍ بينه وبين مَن علَّق عنه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في مواضعه. وقد رأيتُه علَّق في تاريخه عن بعض شيوخه شيئًا وصرَّح بأنه لم يسمعه مِنه، فقال في ترجمة معاوية: (قال إبراهيم بن موسى - فيما حدثوني عنه - عن هشام بن يوسف) فذكر خبرًا.

فإن قلتَ: هذا يقتضي أن يكون البخاري مدلسًا، ولَمْ يَصِفْهُ أحدٌ بذلك إلا أبو عبد الله بن منده وذلك مردودٌ عليه! قلتُ: لا يَلزم مِن هذا الفعل الاصطلاحي له أن يوصف بالتدليس. لأنَّا قد قدَّمنا الأسباب الحاملة للبخاري على عدم التصريح بالتحديث في الأحاديث التي عَلَّقها، حتى لا يسوقها مساق أصل الكتاب. فسواءٌ عنده عَلَّقها عن شيخه أو شيخ شيخه، وسواءٌ عنده كان سمعها مِن هذا الذي عَلَّقه عنه أو سمعها عنه بواسطة. ثم إنَّ (عن) في عُرف المتقدمين محمولةٌ على السماع قَبل ظهور المدلسين، وكذا لفظة (قال) لكنها لَمْ تشتهر اصطلاحًا للمدلسين مثل لفظة (عن). فحينئذٍ لا يَلزم مِن استعمال البخاري لها أن يكون مدلسًا. وقد صَرَّح الخطيب بأنَّ لفظة (قال) لا تُحمل على السماع إلاَّ إذا عُرف مِن عادة المحدِّث أنه لا يُطلقها إلاَّ فيما سمع». اهـ

فابن حجر خالَفَ ابنَ الصلاح ولَمْ يَجعل لتعليق البخاري عن شيوخه حُكْمَ العنعنة، بل اعتضد بقول الخطيب البغدادي في أنَّ صيغة «قال» غير محمولةٍ على السماع. وهذا يعني عنده أنَّ هذا التعليقَ انقطاعٌ صريحٌ في أول الإسناد، سواءٌ كان المعلَّقُ عنهم شيوخًا للبخاري أو مِن الطبقات الأعلى. فهذا هو مذهبه في تلك المسألة كما أكَّده بقوله «والمختار الذي لا محيد عنه». ثم أكَّده أيضًا بما ذَكَرَه في مقدمةِ شَرْحِه لصحيح البخاري بأنه لا يُجزَم بسماع البخاري هذه المعلَّقات عن شيوخه، بل الأمر فيها على الاحتمال.

يقول في مقدمته عمَّا عَلَّقه البخاري ولَمْ يُسنده([8]): «فالسبب في كونه لم يوصل إسناده إمَّا لكونه أَخرج ما يقوم مقامه، فاستغنى عن إيراد هذا مستوفى السياق، ولَمْ يُهمله بل أورده بصيغة التعليق طلبًا للاختصار. وإمَّا لكونه لَمْ يَحصل عنده مسموعًا، أو سمعه وشَكَّ في سماعه له مِن شيخه، أو سمعه مِن شيخه مذاكرةً. فما رأى أنه يسوقه مساق الأصل، وغالب هذا فيما أورده عن مشايخه. فمِن ذلك أنه قال في كتاب الوكالة: (قال عثمان بن الهيثم: حدثنا عوف: حدثنا محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "وكَّلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بزكاة رمضان") الحديث بطوله. وأورده في مواضع أخرى مِنها في فضائل القرآن وفي ذكر إبليس، ولَمْ يَقُل في موضعٍ مِنها: (حدثنا عثمان)، فالظاهر أنه لَمْ يَسمعه مِنه.

وقد استَعمل المصنِّفُ هذه الصيغة فيما لَمْ يَسمعه مِن مشايخه في عدة أحاديث، فيوردها عنهم بصيغة (قال فلان)، ثم يوردها في موضعٍ آخر بواسطةٍ بينه وبينهم. وسيأتي لذلك أمثلةٌ كثيرةٌ في مواضعها. فقال في التاريخ: (قال إبراهيم بن موسى: حدثنا هشام بن يوسف) فذكر حديثاً ثم قال: (حدثوني بهذا عن إبراهيم). ولكن ليس ذلك مُطَّردًا في كل ما أورده بهذه الصيغة. لكن مع هذا الاحتمال، لا يَجْمُل([9]) حَمْلُ جميعِ ما أورده بهذه الصيغة على أنه سمع ذلك مِن شيوخه. ولا يَلزم مِن ذلك أن يكون مدلِّسًا عنهم، فقد صرَّح الخطيب وغيره بأنَّ لفظ (قال) لا يُحمل على السماع إلاَّ مِمَّن عُرف مِن عادته أنه لا يُطلق ذلك إلاَّ فيما سمع. فاقتضى ذلك أنَّ مَن لَمْ يُعرف ذلك مِن عادته، كان الأمر فيه على الاحتمال». اهـ

ويتلخَّص كلام ابن حجر في الآتي: عَدَمُ تصريح البخاري بالسماع في هذه الأحاديث عن شيوخه دَلَّ على أنها عنده ليست كالأحاديث المسندة، ولذلك لَمْ يَسُقْ هذه سياقَ تلك. وسبب ذلك إمَّا أنه لَمْ يَسمعها مِن شيوخه في مجالس التحديث، وإنما أخذها عنهم في مجالس المذاكرة التي يُتسامح فيها أو لَمْ يسمعها أصلاً وأخذها بواسطةٍ عنهم، أو يكون شَكَّ هل سمعها مِنهم أم لا. وقد ثبت في مواضع مِن صحيحه أنَّ بعضَ ما علَّقه عن شيوخه قد أسنده في مواضع أخرى بواسطةٍ عنهم، وبعضها صرَّح بالتحديث بلا واسطة. فصار الأمر حينئذٍ على الاحتمال، وصار حَمْلُ هذه التعاليق على السماع ليس بجيدٍ لأنَّ الانقطاع محتملٌ أيضًا. وهذا لا علاقة له بالتدليس الاصطلاحي، إذ ليس رَدُّ تهمة التدليس بمُبَرِّرٍ أن يُحكَم لهذه التعاليق بالاتصال، لأنَّ ثبوت الانقطاع لا يعني ثبوت التدليس.

ولذلك أجاب ابنُ حجر على قول العراقي([10]): «وليس البخاري مدلِّسًا» - وسبقه إليه الزركشي - بقوله([11]): «لا يَلزم مِن كونه يُفرِّق في مسموعاته بين صيغ الأداء مِن أجل مقاصد تصنيفه أن يكون مدلسًا. ومَن هذا الذي صَرَّح أنَّ استعمال (قال) إذا عَبَّر بها المحدِّثُ عَمَّا رواه أحدُ مشايخه مستعملاً لها فيما لَمْ يَسمعه مِنه يكون تدليساً؟! لَمْ نَرَهُمْ صرَّحوا بذلك إلاَّ في العنعنة. وكأنَّ ابن الصلاح أخذ ذلك مِن عموم قولهم إنَّ حُكم (عن) و (أنَّ) و (قال) و (ذَكَرَ) واحدٌ. وهذا - على تقديرِ تسليمِه - لا يَستلزم التسوية بينها مِن كُلِّ جهة، كيف وقد نَقَلَ ابنُ الصلاح عن الخطيب أنَّ كثيرًا مِن أهل الحديث لا يُسَوُّون بين (قال) و (عن) في الحكم. فمِن أين يَلزم أن يكون حُكمهما عند البخاري واحدًا؟! وقد بَيَّنَّا الأسباب الحاملة للبخاري على التعاليق. فإذا تقرَّر ذلك، لم يَستلزم التدليسَ لِمَا وَصَفْنا». اهـ

وقد أعاد هذا الجواب في شرحه لحديث المعازف، فقال([12]): «وأمَّا قول ابن الصلاح إنَّ الذي يورده بصيغة (قال) حُكمه حُكم الإسناد المعنعن والعنعنةُ مِن غير المدلِّس محمولةٌ على الاتصال، وليس البخاري مدلسًا فيكون متصلاً: فهو بحثٌ وافقه عليه ابن منده والتزمه فقال: "أخرج البخاري (قال) وهو تدليس". وتعقَّبه شيخُنا([13]) بأنَّ أحدًا لَمْ يَصِف البخاريَّ بالتدليس. والذي يَظهر لي أنَّ مراد ابن منده أنَّ صورته صورة التدليس لأنه يورده بالصيغة المحتملة ويوجد بينه وبينه واسطة، وهذا هو التدليس بعينه. لكن الشأن في تسليم أنَّ هذه الصيغة مِن غير المدلِّس لها حكم العنعنة، فقد قال الخطيب - وهو المرجوع إليه في الفن - إنَّ (قال) لا تُحمل على السماع، إلاَّ مِمَّن عُرف مِن عادته أنه يأتي بها في موضع السماع مثل حجاج بن محمد الأعور. فَعَلَى هذا ففارقَت العنعنةَ، فلا تُعطَى حُكمَها ولا يترتَّب عليه أثرها مِن التدليس، ولا سيما مِمَّن عُرف مِن عادته أن يوردها لغرضٍ غير التدليس». اهـ

وما قرَّره ابنُ حجر نظريًّا طبَّقه عمليًّا عندما تعرَّض لأمثلةٍ مِن هذه الأحاديث: ففي المواضع التي وصل فيها البخاري إسناده بواسطةٍ عن الشيوخ الذين عَلَّقَ عنهم، تراه يقول غيرَ مَرَّة([14]): «وهو مِن المواضع التي يُستدلُ بها على أنه قد يعلِّق عن بعض شيوخه ما لم يسمعه مِنهم». اهـ وهذا الضرب مِن الأحاديث يُبطل قول القائلين بأنَّ جميعَ تعاليق البخاري عن شيوخه محمولةٌ على السماع، ولذلك قال ابن حجر في موضعٍ آخر([15]): «ففيه رَدٌّ على مَن قال: كل ما يعلقه عن مشايخه محمولٌ على أنه سمعه مِنهم». اهـ وهو رَدٌّ قويٌّ جاء كما ترى متسقًا مع ما قَرَّره مِن قبلُ، وقد سبقه إليه شيخُه العراقي ومِن قَبلهما مغلطاي.

وكذلك فَعَلَ مع التعاليق التي لَمْ يُسندها البخاري في أي موضعٍ مِن صحيحه، فقال في حديث أبي هريرة في الوكالة الذي علَّقه عن عثمان بن الهيثم كما سَلَفَ قريبًا: «ولَمْ يَقُل في موضعٍ مِنها: (حدثنا عثمان)، فالظاهر أنه لَمْ يَسمعه مِنه». اهـ وقال في حديث ابن عباس في المرأة الخثعمية الذي علَّق البخاري إحدى طُرُقه عن الفريابي([16]): «وهو مِن شيوخ البخاري، وكأنه لَمْ يَسمع هذا الحديثَ مِنه». اهـ فهذا صريحٌ مِنه في أنَّ هذه التعاليق غير محمولةٍ على السماع، على الرغم مِن أنَّ البخاري معروفٌ بالرواية عن هؤلاء الشيوخ ولَمْ نَجِدْهُ يروي عنهم بواسطة! وهو ما يؤكِّد أنَّ هذا الحُكم غير خاصٍّ بالشيوخ الذين يَروي عنهم سماعًا تارةً وبواسطةٍ تارةً كعفان بن مسلم، بل هو عامٌّ فيمَن رَوَى عنهم بهذه الصيغة. وهذا يَرُدُّ ما ذَهَبَ إليه الزركشي فيما اعتذر به عن ابن الصلاح.

ولذلك لَمَّا تكلَّم ابن حجر على حديث المعازف، لَمْ يتشاغل بإثبات سماع البخاري هذا الحديث مِن هشام، بل جَعَله أمرًا غير مؤثر في صحة الحديث كما يرى. يقول ابن حجر([17]): «وأمَّا كونه سمعه مِن هشام بلا واسطةٍ وبواسطةٍ فلا أثر له، لأنه لا يجزم إلاَّ بما يصلح للقبول ولا سيما حيث يسوقه مساق الاحتجاج». اهـ وقد عَوَّلَ ابنُ حجر في الحُكم بصحة الحديث على أمرين: أحدهما أنَّ البخاري علَّقه بصيغة الجزم، والثاني أنه جاء متصلاً مِن غير طريق البخاري. فقال([18]): «وقد تقرَّر عند الحفاظ أنَّ الذي يأتي به البخاري مِن التعاليق كلها بصيغة الجزم يكون صحيحًا إلى مَن عَلَّق عنه ولو لَمْ يكن مِن شيوخه. لكن إذا وُجد الحديث المعلَّق مِن رواية بعض الحفاظ موصولاً إلى مَن علَّقه بشرط الصحة، أزال الإشكال». اهـ على أنَّ ابن حجر وإنْ لَمْ يَحمل تعاليق البخاري عن شيوخه على السماع، إلاَّ أنه جعلها على شرطه في الصحيح. فإنه لَمَّا تكلَّم عن صيغة الجزم قال([19]): «يُستفاد مِنها الصحة إلى مَن علَّق عنه. لكن يَبقى النظر فيمن أبرز مِن رجال ذلك الحديث، فمِنه ما يلتحق بشرطه ومِنه ما لا يلتحق. أمَّا ما يلتحق ... وغالب هذا فيما أورده عن مشايخه». اهـ

فيُستغرب مِن ابن حجر إلحاقه ما عَلَّقه البخاري عن شيوخه بشرط الصحيح مع إقراره بأن صيغة «قال» غير محمولةٍ على السماع، بينما لَمْ يُلحِق به ما رواه البخاري عن شيوخه بصيغة «قال لنا» الصريحة عنده في الاتصال! وقد فَرَّق ابنُ حجر بين هاتين الصيغتين أيَّما تفريقٍ حينما قال([20]): «لَمْ يُصِبْ هذا المغربيُّ في التسوية بين قوله (قال فلان) وبين قوله (قال لي فلان)، فإنَّ الفرق بينهما ظاهرٌ لا يحتاج إلى دليل. فإنَّ (قال لي) مثل التصريح في السماع، و (قال) المجرَّدة ليست صريحةً أصلاً». اهـ ومع وضوح هذا الفرق، تجده رَفَعَ هذه الصيغة المجرَّدة فوق الصيغة الصريحة.

يقول ابن حجر([21]): «وقد ادَّعى ابن منده أنَّ كل ما يقول البخاري فيه (قال لي) فهي إجازة. وهي دعوى مردودة، بدليل أني استقريت كثيراً مِن المواضع التي يقول فيها في الجامع (قال لي)، فوجدته في غير الجامع يقول فيها (حدثنا). والبخاري لا يستجيز في الإجازة إطلاق التحديث، فَدَلَّ على أنها عنده مِن المسموع. لكن سبب استعماله لهذه الصيغة ليفرِّق بين ما يبلغ شرطه وما لا يبلغ». اهـ وقال أيضاً([22]): «والذي تبيَّن لي بالاستقراء مِن صنيعه أنه لا يعبِّر في الصحيح بذلك إلاَّ في الأحاديث الموقوفة أو المستشهد بها، فيخرج ذلك حيث يحتاج إليه عن أصل مساق الكتاب. ومَن تأمَّل ذلك في كتابه وَجَدَه كذلك». اهـ فالعجب مِن ابن حجر .. يَجعل ما أخرجه البخاري بصيغة «قال لي» ليس على شرطه مع كونها صريحةً في السماع وليست تعليقًا، ثم يَجعل ما أخرجه بالصيغة الأضعف مِنها وهي «قال» على شرطه وأنه ساقه على طريق الاحتجاج!

ومِمَّا يُستغرب أيضًا أنه في هذه المواضع وغيرها قد أَبْطَلَ ما قَرَّره البعضُ أنَّ البخاري يستعمل صيغة «قال لي» في المذاكرة والإجازة وغير ذلك، ثم هو يعتمده في صيغة التعليق! فقد قال في مقدمة الفتح في أسباب التعليق([23]): «أو سمعه مِن شيخه مذاكرةً». اهـ وذَكَرَه أيضًا في نكته على ابن الصلاح بقوله([24]): «إمَّا كونه لَمْ يحصل له مسموعًا، وإنما أخذه على طريق المذاكرة أو الإجازة». اهـ فانظر كيف أَمْكَنَ عنده أن يكون ما علَّقه البخاري عن شيوخه بصيغة «قال» أخذه مذاكرةً أو إجازةً، ثم انظر كيف استبعد ذلك مع صيغة «قال لي» الصريحة في الاتصال!

----------------------------------------
[1]- التقييد والإيضاح ص33.
[2]- السابق ص92.
[3]- السابق ص34.
[4]- السابق ص91.
[5]- السابق ص91.
[6]- السابق ص91.
[7]- تغليق التعليق 2/8-9.
[8]- هدى الساري ص17.
[9]- وردت هذه الكلمة في طبعة السلفية التي أعتمد عليها وكذلك في تحقيق الفاريابي 1/30 هكذا «يحمل» بالحاء، وعلَّق الفاريابي في الهامش بأنها في النسخة (د) هكذا: «يحل» مِن غير ميم. اهـ والتصويب مِن مخطوطة الأزهرية (11/ب)، وهو ما يدلُّ عليه السياق أيضًا.
[10]- التقييد والإيضاح ص34.
[11]- نكت ابن حجر 2/601-602.
[12]- فتح الباري 10/53.
[13]- هو الحافظ العراقي، وقد سَبَقَ إيراد كلامه.
[14]- تغليق التعليق 2/495. وقد مَرَّت عليك أقواله في هذه الأحاديث في الفصل الأول.
[15]- فتح الباري 6/310.
[16]- السابق 8/105.
[17]- السابق 10/53.
[18]- نفس الموضع السابق.
[19]- هدى الساري ص17.
[20]- نكت ابن حجر 2/601.
[21]- فتح الباري 1/156.
[22]- نكت ابن حجر 2/601.
[23]- هدى الساري ص17.
[24]- نكت ابن حجر 1/325.
رد مع اقتباس
  #46  
قديم 02-12-13, 08:55 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو مريم طويلب العلم مشاهدة المشاركة
ودمت في توفيق من الله وسداد
أحسن الله إليكم وزادكم مِن فضله. وسأعود إلى هذه التعقُّبات بعد أن أفرغ مِن إنزال البحث إن شاء الله تعالى. فلا تبخل علينا بما يفتح الله به عليك.

رد مع اقتباس
  #47  
قديم 02-12-13, 08:59 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة ابن العيد مشاهدة المشاركة
جزاكم الله خيرا
وجزاكم خيرًا وبارك فيكم.

رد مع اقتباس
  #48  
قديم 02-12-13, 10:27 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

خــلاصـــة

رأيتَ كيف أنَّ العلماء قبل ابن الصلاح كانوا يحكمون بالانقطاع على ما علَّقه البخاري عن شيوخه، وأنه لا فرق بينه وبين ما علَّقه عمَّن لَمْ يُدركهم. ومذهبهم هذا هو بحُكم الأصل في التعليق، ويشهد له صنيع البخاري في كتابه. وكان أوَّل القائلين بهذا هو الإسماعيلي في مستخرجه، فكان يصف تعليق البخاري عن شيوخه وعمَّن فوقَهم بقوله: «أخرجه بلا خبر» سواء بسواء. وما يخرجه البخاري على هذا النحو فليس هو على شرطه، سواء علَّقه عن شيوخه أو عن الطبقات الأعلى. والبخاري إذا لَمْ يُسند تعاليقه عن شيوخه فهي مِمَّا لَمْ يسمعه مِنهم، وإنما أخذها عنهم بواسطةِ مَن ليس على شرطه في الصحيح. وحُقَّ لهذا المذهب أن يُنسَب للإسماعيلي لا لابن حزم.

وقد سَمَّى ابنُ منده صنيعَ البخاري هذا تدليسًا، لأنه في هذه التعاليق قد أَسْقَطَ الواسطةَ بينه وبين مشايخه. وكان الكلاباذي أَلْطَفَ عبارةً مِنه، فقد سَمَّى تعليق البخاري عن شيوخه إرسالاً مع أنه أدركهم وسمع مِنهم، وإنما قَصَدَ الكلاباذي أنه لَمْ يَذكر إسناده إليهم. وكان أبو نعيم يقول في مستخرجه عن هذه التعاليق: «أخرجه البخاري بلا رواية»، وصرَّح به في أحد المواضع فقال: «أخرجه بلا سماع». ونَصَّ المهلب بن أبي صفرة على عدم اتصال هذه التعاليق لأنَّ البخاري لَمْ يُسندها عن شيوخه. وبهذا قال ابن حزم، ولَمْ يَخْترع هذا المذهبَ كما يزعم كثيرٌ مِن المتأخرين. وهذا هو ما صرَّح به أبو الوليد الباجي، فإنه قال في حديثٍ علَّقه البخاري عن أحد شيوخه: «لَمْ يسمعه البخاري». وأَكْثَرَ مِن التنبيه عليه الحميديُّ في الجمع بين الصحيحين بقوله: «أخرجه البخاري تعليقًا»، وأكَّده بقوله في حديثٍ علَّقه البخاري عن أحد شيوخه: «أخرجه تعليقًا بلا إسناد». وعلى هذا المذهب أيضًا ابن العربي، فإنه حَكَمَ صراحةً على هذه التعاليق بالانقطاع. ونبَّه عبد الحق الإشبيلي إلى أنَّ البخاري لَمْ يصل سنده بهذه الأحاديث. ولَمْ يتردَّد ابنُ القطان في إخراج جميع تعاليق البخاري مِن شرطه في الصحيح، لأنه إنما يُعتدُّ بما أسنده البخاري لا ما علَّقه.

حتى جاء ابن الصلاح، فحَكَمَ لتعاليق البخاري عن شيوخه بالاتصال وبالصحة بل وبأنها على شرط الصحيح. وتَبِعَه في هذا جمهور المتأخرين. إلاَّ أنَّ أبا العباس القرطبي قد حَكَمَ بانقطاع هذه التعاليق عند البخاري وبأنها ليست على شرطه، وإن حَكَمَ بصحتها. وكذا حَكَمَ ابن دقيق العيد والكرماني والزركشي وابن الملقن والعراقي وابن حجر بصحتها، ووافَق جلُّهم ابنَ الصلاح في كونها على شرط الصحيح. إلاَّ أنَّ ابن دقيق العيد حَكَمَ بانقطاعها عند البخاري. وخالَفَ ابنَ الصلاح الدمياطيُّ والمزي والذهبي ومغلطاي فحكموا على هذه التعاليق بالانقطاع وبأنَّ البخاري لَمْ يسمعها مِن شيوخه، وصَوَّبَ مغلطايُ قولَ ابن حزم في هذه المسألة.

وبهذا يتبيَّن أنَّ مَن يقول الآن إنَّ تعاليق البخاري عن شيوخه ليست على شرط الصحيح بل هي منقطعةٌ وأنه قد لا يكون سمعها مِنهم: لَمْ يأتِ منكرًا مِن القول وزورًا، وإنما هذا هو مذهب الأئمة المتقدِّمين على ابن الصلاح، وقال به بعض المتأخرين أيضًا، وهُم في حيِّز الصواب بادي الرأي. والشأنُ في هذه المسائل ألاَّ يُحاكَمَ هؤلاء الأئمةُ إلى تقعيد ابن الصلاح، بل كلامُ هؤلاء مقدَّمٌ عليه فإنهم أَرْسَخُ قدمًا مِن المتأخرين. وبهذا يتبيَّن أنَّ مَن شنَّع على مَن خالَفَ مذهبَ المتأخرين معتبرًا رأيه شاذًّا فقد جانبه الصواب وحادَ عن الجادَّة: فإنه إن كان هذا المشنِّعُ قد وَقَفَ على أقوال هؤلاء الأئمة وعَلِمَ مذهبهم، فكيف استجاز أن يرمي رأي مخالفه بالشذوذ؟ وإن كان لَمْ يقف على أقوالهم ولَمْ يحرِّر مذهبهم، فكيف استجاز أن يطعن في رأي مخالفه قبل أن يتحرَّى الصوابَ في المسألة؟ هذا والله أعلى وأعلم.
رد مع اقتباس
  #49  
قديم 03-12-13, 11:24 AM
أبو مريم طويلب العلم أبو مريم طويلب العلم غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-02-07
الدولة: الجيزة
المشاركات: 1,665
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

سلامٌ عليكم،
فإني أحمدُ إليكم الله الذي لا إله إلا هو،
أما بعد،

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو مريم طويلب العلم مشاهدة المشاركة

فلو أن المسألة قاصرة على اﻻنقطاع لكان الخطبُ هينا، إذ أن أبا داود قد روى الحديث في السنن عن هشام بن عمار،

والبخاريُّ أكبر من أبي داود وأقدمُ سماعا،
قلت: لم يروه أبو داود عن هشام، إنما رواه من طريق أخرى،

والصواب في العبارة : فلو أن المسألة قاصرة على اﻻنقطاع لكان الخطبُ هينا، إذ أن الحسين بن عبد الله القطان قد روى الحديث قال: حدثنا هشام بن عمار، وعنه ابن حبان في صحيحه(الترتيب 6754)، ورواه أبو بكر اﻹسماعيلي عن الحسن بن سفيان حدثنا هشام

والبخاريُّ أكبر من الحسين بن عبد الله القطان والحسن بن سفيان وأقدمُ سماعا،

وذكر الحافظ ابن حجر طرقا أخرى إلى هشام ساقها في التغليق(ج5/ ص 17 وما بعدها)

ويبدو لي أن عامة من سمعوا الحديث من هشام سمعوه منه بأخرة، والله تعالى أجل وأعلم
__________________
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وكتبه أبو مريم هشام بن محمدفتحي
رد مع اقتباس
  #50  
قديم 03-12-13, 03:33 PM
عبدالله العفري عبدالله العفري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 24-09-12
المشاركات: 105
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

بانتظار .. باقي البحث .. اخي الحبيب ..
لنطبعه ونقراه .. ونطرح ما لدينا من اشكالات ها هنا ..

زادك الله علما ونفع بك ... :))

اخوك المحب
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 06:20 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.