ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى اللغة العربية وعلومها
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 07-09-16, 03:13 AM
محمد ابن الشنقيطي محمد ابن الشنقيطي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 20-08-08
المشاركات: 787
افتراضي النحو العربي .. والحِمى المستباح(1) (2 )

النحو العربي .. والحِمى المستباح(1) (2 )
من أمثال العرب الشائعة قولهم : "ذكَّرتَني الطعن وكنتُ ناسياَ"، ويضرب في
الحديث يستذكر به حديث غيره ، كما قال الزمخشري .
وقال أبو هلال العسكري : يضرب مثلأ للشيء ينساه الِإنسان وهو محتاج إليه.
وقد ذكرت ذلك حين قرأت في جريدة الأهرام 26/ 6/ 1996 م مقالة للأستاذ
الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي ، عنوانها : "حين يستوي الصمت والكلام " وقد
أعاد في هذه المقالة كلامأ قديماً عن اللغة والنحو، كان قد كتبه في الأهرام أيضأ
بتاريخ 4/ 3/ 1992 م و 26/ 8/ 1992 م ، وكنت قد رددت عليه في عددين من
الهلال (نوفمبر - ديسمبر 1992 م) . (راجع ما مضى ص 6 0 2 ، 4 1 2) .
ويقول الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي في كلمته الأخيرة هذه : "وبعض
الناس يظنون أن اللغة معناها النحو ، ولهذا قد يستغربون هذه الضجة التي نثيرها ؟ لأن
القيامة في رايهم لن تفوم إذا أخطأ أحدنا او أخطأنا جميعاً، فجعلنا الفاعل منصوباً
او حتى مجروراً بدلاً من ان نجعله مرفوعاً كما يطالبنا النحاة به ، والحقيقة أن هذا
فهم بالغ السذاجة ، فاللغة ليست النحو، والمبالغة في الاهتمام بالنحو ليست دائماً
دليلاً على نهضة أدبية أو حاسة لغوية يقظة ، بل ربما كانت بالعكس دليلاً على ضعف
السليقة وانحطاط الملكة.
( 1 ) مجلة "الهلال " ، سبتمبر 996 1 م .
437
هكذا رأينا أن عصور الانحطاط التي شهدتها الاداب اليونانية في المرحلة
الهفَينية أو السكندرية كانت مصحوبة بنشاط واسع لعلماء النحو والعروض ، وكذلك
في عصور الانحطاط التي شهدتها روما في القرن الرابع الميلادي ، وكذلك في عصور
الانحطاط التي شهدها الأدب العربي في العصر المملوكي ، ففي ذلك العصر الذي
تراجع فيه الشعر وتدهورت الكتابة ظهر ابن منظور وابن هشام " .
هكذا قال الأستاذ حجازي ، وقد قرأت كلامه هذا اكثر من مرة ، واعطيته حظه
من النظر والتأمل ، ثم ففبته ظهراً لبطن ، والتمست لكاتبه المعذرة ، فما استقام على
وجه ، ولا كشف عن جديد مما يكتبه الأستاذ حجازي ، وما يكتبه غيره الآن عن
النحو ، هذا العلم الذي هو مِلاك العربية وقِوامها، والذي يقول عنه أبو العباس ثعلب
أحد ائمة العربية في القرن الثالث : "لا يصح الشعر ولا الغريب ولا القرآن إلا
بالنحو ، النحو ميزان هذا كله " ، (مجالس ثعلب ص 0 31) .
وكان ينبغي على أبي العباس ثعلب أن يضيف : "ولا الفقه " ، فقد قال ابو بكر
الشنتريني من علماء القرن السادس : "ولقد رايت جماعة من الفقهاء المتقدمين الذين
لم يبلغوا درجة المجتهدين قد تكلموا في مسائل من الفقه فأخطأوا فيها ، وليس ذلك
لقصور افهامهم ، ولا لقلَّة محفوظاتهم ، ولكن لضعفهم في هذا العلم - يعني علم
النحو - وعدم استقلالهم به " ، تنبيه الألباب على فضائل الِإعراب ص 63 .
كتاب سيبويه والقياس :
ورُوي ان أبا عمر الجرمي - من نحاة القرن الثالث - قال : " انا مذ ثلاثون سنة
أفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه " ، فحدَّث ابن شُقَير بهذا الحديث المبرد، على
سبيل التعجب والِإنكار! فقال المبرد : "انا سمعت الجرمي يقول هذا - وأومأ بيديه
إلى اذنيه - وذلك ان أبا عمر الجرمي كان صاحب حديث ، فلما علم كتاب سيبويه
تفقه في الحديث ، إذ كان كتاب سيبويه يُتعفَم منه النظر والتفتيش " ، (كتاب سيبويه
1/ 5)، وروى ياقوت هذا الخبر برواية أخرى ، " قال الجرمي : أنا منذ ثلاثين سنة
أفتي الناس في الفقه من كتاب سيبويه ، فقيل له : وكيف ذاك؟ قال : أنا رجل مكثر من
438
الحديث ، وكتاب سيبويه يعلمني القياس ، وأنا أقيس الحديث ، وافتي به" ، (معجم
الأدباء ص 43 4 1 ، طبعة د . إحسان عباس ) ، وهي أصج الطبعات .
هذا وقد روى الزجاجي قصة تؤكد هذا الخبر ، قال : " وكان أبو عمر الجرمي
يوماً في مجلسه ، وبحضرته جماعة من الفقهاء، فقال لهم : سلوني عما شئتم من
الفقه ، فإني أجيبكم على قياس النحو ، فقالوا له : ما تقول في رجل سها في الصلاة ،
فسجد سجدتي السهو فسها؟ فقال : لا شيء عليه ، قالوا له : من اين قلت ذلك ؟ قال :
أخذته من باب الترخيم ، لأن المرخَّم لا يُرخم )) .
ورويت هذ 5 القصة أيضاَ عن ابي زكريا الفراء ، بإجابة أخرى شبيهة بالسابقة،
وذلك قوله : "اخذته من كتاب التصغير؟ لأن الاسم إذا صُغِّر لا يُصغَّر مرة اخرى "،
(مجالس العلماء للزجاجي ص 251 ، 252) .
ومما ينبغي التنبه له أن بعض علماء الفقه كانوا يلجأون إلى بعض علماء النحو؟
ليضبطوا لهم بعض مسائلهم الفقهية ، ومن ذلك ما ذكره ال!رخسي صاحب كتاب
المبسوط ، في أثناء شرحه لكتاب السير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني صاحب
الِإمام ابي حنيفة ، قال : "اعلم باًن أدق مسائل هذا الكتاب وألطفها في ابواب
الأمان ، فقد جمع بين دقائق علم النحو ودقائق أصول الفقه ، وكان - اي محمد بن
الحسن ، يشاور فيها عليّ بن حمزة الكسائي رحمه اللّه تعالى ، فإنه كان ابن خالته،
وكان مقدماَ في علم النحو" ، شرح السير الكبير 1/ 252 .
وفي مكتبتنا العربية كتاب حاشد، يدور حول ربط الففه بالنحو، هو كتاب :
"الكوكب الدري في تخريج الفروع الفقهية على المسائل النحوية " لجمال الدين
الِإسنوي ، من علماء القرن الثامن.
ولا اظنني بحاجة إلى الاحتشاد والاستشهاد على سلطان النحو على سائر علوم
العربية ، ودورانه في نسيج الثقافة العربية ، فهذا شيء مسطور في الكتب ، ومحفوظ
في صدور الذين أُوتوا العلم ، لكن لا باًس من الِإشارة إلى بعض الأمثلة التي تؤكد
سلطان النحو على اللغة وعلى الفكر والفن معاَ، وهذه الأمثلة التي تاًتيك أيها
439
القارىء الكريم مما لا يتنبه له كثير من الناس ؟ لأنها مطروحة في أخبار لا يقف الناس
عندها كميراً: حكى المسعودي قال : "وذكر عمرو بن بحر الجاحط في كتابه في
تفضيل صنعة الكلام - وهي الرسالة المعروفة بالهاشمية - أن الخليل بن أحمد من
أجل إحسانه في النحو والعروض وضع كتاباً في الِإيقاع وتراكيب الأصوات " ، مروج
الذهب 4 / 4 32 .
ارأيت أيها القارىء العزيز، كيف قاد الِإحسان في النحو والعروض إلى
الموسيقى ؟ ولعل هذا خير تفسير لما قاله الأستاذ الكبير الدكتور مصطفى ناصف،
فيما نقله الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف في كتابه الجيد : النحو والدلالة ، مدخل
لدراسة المعنى النحوي الدلالي . يقول الدكتور مصطفى ناصف : "فالنحو ليس
موضوعاً يحفل به المشتغلون بالمثل اللغوية ، والذين يرون إقامة الحدود بين
الصواب والخطأ، أو يرون الصواب رأياً واحداً، النحو مشغلة الفنانين والشعراء،
والشعراء أو الفنانون هم الذين يهتمون بالنحو ، أو هم الذين يبدعون بالنحو ، فالنحو
إبداع " .
نعم النحو إبداع ، ولا يعرف هذا إلا من قرأ القرآن الكريم قراءة تبصر
وإحسان ، ثم اطال النظر في كلام العرب : نثرها وشعرها، وصبر نفسه على قراءة
الكتب وال!ير في دروبها ، وحمل تكاليف العلم وأعبائه.
ونعم إن في النحو مناطق فن وإبداع ، فإذا انت تركت نحو الصنعة المتمثل في
التعريفات والِإخراج بالمحترزات والحدود والقوالب والنظام والاطّراد، وما تقتضيه
القسمة العقلية التي تفترض أشياء لا وجود لها؟ لاستواء الصنعة النحوية ليس غير،
وسائر هذه الأمور التي جعلت أبا سعيد السيرافي يقول : " النحو منطق ولكنه مسلوخ
من العربية ، والمنطق نحو ولكنه مفهوم باللغة "، (الِإمتاع والمؤانسة لأبي حيان
التوحيدي 1 / 15 1 ) .
اقول : إذا أنت تركت هذا كله ، وجئت إلى نحو التراكيب وبناء الجملة العربية
وجدت ذلك النحو العربي الشامخ القائم على رعاية المعاني والدلالات ، التي
440
خرجت بالنحو من دائرة القوالب والنظام والاطراد ، إلى العلاقات بين أجزاء الكلام ،
وتلك المنادح الواسعة ، من التقديم والتأخير، والحذف والتقدير، والِإضمار
والفصل ، والاتساع والحمل ، والتضمين والجوار ، والاستغناء ورعاية الظاهر واعتبار
المحل ، ومعاني الحروف والأدوات ووقوع بعضها موقع بعض ، وتبادل وظائف
الأبنية ، ثم لغة الشعر التي يسمونها الضرائر.
مقتضى المعنى وحق الِإعراب :
وحين انفسحت هذه الافاق أمام النحاة الأوائل فطنوا إلى ما قد يكون من
تعارض بين مقتضى المعنى وحق الِإعراب ، الذي هو أبرز شيء في الصنعة النحوية،
فحاولوا الِإبقاء على الصنعة والنظام ، مع إعطاء المعاني والدلالات حفها، وكان
أبو الفتح ابن جني أسبق النحاة إلى هذا التوفيق ، وقد عالجه في غير موضع من كتبه،
وفي مقدمتها كتابه الفذ "الخصائص" ، فعقد في ص 279 من الجزء الأول منه بابا
سفَاه : (باب في الفرق بين تقدير الِإعراب وتفسير المعنى ) قال فيه : "الا ترى إلى
فرق ما بين تقدير الِإعراب وتفسير المعنى ، فإذا مر بك شيء من هذا عن أصحابنا،
فاحفظ نفسك منه ولا تسترسل إليه ، فإن أمكنك أن يكون تقدير الِإعراب على سمت
تفسير المعنى ، فهو ما لا غاية وراءه ، وإن كان تقدير الِإعراب مخالفاَ لتفسير المعنى،
تقبلت تفسير المعنى على ما هو عليه ، وصححت طريق تقدير الِإعراب ، حتى لا يشذ
شيء منها عليك ، وإياك ان تسترسل فتفسد ما تؤثر إصلاحه " .
وقال في (باب تجاذب المعاني والِإعراب) الخصائص 3/ 255 : " هذا موضع
كان أبو علي - الفارسي - رحمه اللّه ، يعتاده ويلم كثيراً به ، ويبعث على المراجعة
له ، وإلطاف النظر فيه ، وذلك أنك تجد في كثير من المنثور والمنظوم ، الِإعراب
والمعنى متجاذبين ، هذا يدعوك إلى امر، وهذا يمنعك منه ، فمتى اعتورا كلامأ
امسكت بعروة المعنى ، وارتحت لتصحيج الِإعراب " .
ثم كانت القفزة الثانية في ربط معاني الكلام ودلالته بالنحو على يد الشيخ
عبد الفاهر الجرجاني في كتابه العظيم " دلائل الِإعجاز" ، وكانت نظريته المعروفة في
441
النظم هي مجلى ذلك الربط ، وبتامل هذه النظرية نستطيع أن ندرك أن المنهج العقلي
المحكم الذي سار عليه عبد القاهر "هو الذي قاد 5 إلى اعتماد النحو التقعيدي (نحو
الصنعة ) اساساً لِإدراك القيمة الحفيقية للصياغة ، وما يمكن أن يتيحه هذا النحو من
إمكانات تركيبية تقترب من الِإنسان ومقاصده الواعية "، كما قال الدكتور محمد
عبد المطلب في كتابه قضايا الحداثة عند عبد القاهر الجرجاني ص 286 .
ومما ينبغي التنبه له أن عبد القاهر الجرجاني هذا مع شهرته الواسعة في البلاغة
بكتابيه دلائل الِإعجاز وأسرار البلاغة ، يُعرف عند الأقدمين بعبد القاهر النحوي .
فهذا النحو القائم على رعاية التراكيب والدلالات في الكلام العربي ا اصلفوظ
والمكتوب هو النحو الذي ينبغي معرفته وتأمله والاسكتثار منه ؟ لأنه بهذا المفهوم
مِلاك العربية وقِوامها، بل إنه كان يعبر عنه أحياناً في القديم بالعربية ، حكى ابن جني
عن أبي العباس ثعلب ، قال : "وكان يعقوب - يعني ابن السكيت - وضيئاً عظيم
الخَلْق ، وكان ذكياً حافظاً عالماً بالشعر واللغة ، صالج المعرفة بالعربية ، وكان ابن
قادم وغير 5 من أصحابنا يحتاجون إليه في الشعر واللغة ، ويحتاج هو إليهم في
العربية "، (الخاطريات ص 198)، وكذلك عبر ابن خلدون عن النحو بعلم العربية.
(انظر : مقدمة ابن خلدون ص 532) .
وجهان للفعل الواحد:
ومن الشواهد على سلطان النحو على اللغة ما ذكر 5 أبو حيان التوحيدي قال :
"سمعت في مجلس أبي سعيد - يعني المص يرافي - شيخا من أهل الأدب يقول : ومن
الأفعال ما له وجهان ، كشيء ينصرف على معنيين : مثل : أصاب عبدُ الله مالاً،
وأصاب عبدَ الله مالٌ ، إذا أصابه مال من قسمة ، ووافق زيد حديثَنا، إذا صادفهم
يتحدثون ، ووافق زيداً حديثُنا، إذا سر 5 وأعجبه ، وأحرز زيدٌ سيفَه ، إذا صانه في
غمده ، وأحرز زيداً سيفُه ، إذا خلّصه من الفتل وشبهه . ولو قلت : أحرز امرؤ أجلَه لم
يجز؟ لأن الرجل لا يحرز اجله ، ولكن أجله يُحرزه ، إلا أن تذهب إلى قولك:
أحرزت أجلي بالعمل الصالج.
442
ثم يقول أبو حيان : انطر - فديتك - إلى أثر النحو في هذا القدر اليسير،
وتعجب عنده من ابي حنيفة الصوفي حين قال لك : إن اللّه عزَّ وجل أمرنا بالطاعة
والِإيمان ، وإنه لم يأمرنا بالنحو ، وإلا فهاب أنه يدل على أنه أمرنا بأن نتعلم "ضرب
عبد الله زيداَ"، وقد رأيت روغانه عن تحصيل الحجة في معرفة ذلك : الا يعلم أ ن
الكلام كالجسم والنحو كالحلية وأن التمييز بين الجسم والجسم إنما يقع بالحلى
القائمة والأعراض الحالّة فيه ، وأن حاجته إلى حركة الكلمة بأخذه وجوه الِإعراب
حتى يتميز الخطأ والصواب ، كحاجته إلى نفس الخطاب ، وليس على كلامه قياس ،
ولا في ركاكة بني جنسه التباس ، وإنما غرَّه من هو أنقص منه فطرة ، وأخس نظراَ
وفكرة ، أتراه يصل إلى تخليص اللفظ المبني على معنى دون اللفط المبنى على معنى
آخر ، إلا بحفظ الأسماء وتصريفها؟ أو تراه يقف على تحصيل المعنى المدفون في
هذا اللفظ دون المعنى المدفون في هذا اللفظ إلأَ بتمييز وجوه حركات اللفط؟"،
(البصائر والذخائر 1/ 179 - 180 ) .
وفي هذا النص - فوق ما اوردته له - إشارة إلى ضيق بعض الناس بالنحو من
قديم ، وهذا مما يرجع إلى ضعف الهمم وقصور الخطى ليس غير ، على نحو ما قال
ربنا عزَّ وجل : " وَإِذ لَتم يَقتَاواْ بِهِءفَسَيَفُو!ونَ هَذَآ إِفْك قَدِيص "بر.*ا" أ الأحقاف : 1 1 ) ، فما
ينبغي أن يتخذ مثل ذلك حجة على اطراح النحو أو إهماله.
على أن مثل "أبي حنيفة الصوفي " هذا لا ينبغي أن يهتم برايه في النحو
واستصعابه له ، وذلك لجهالة شأنه وخفوت ذكره ، أما أن يأتي شاعر ضخم مثل
الفرزدق فيسخر من قواعد النحو، فيما أجاب به عبد اللّه بن ابي إسحاق الحضرمي،
في الفصة المشهورة ، وقوله : "علينا أن نفول وعليكم أن تتأولوا" ، أو ان يؤثر عن
الفيلسوف الشهير "ابن الراوندي - على زندقته وإلحاده - طعن في النحو ونقض
على النحويين ، فهذا الذي ينبغي الوقوف عنده والاحتفال به ، وقد قلت رأيي في
قصة الفرزدق تلك ، في الهلال (ديسمبر 1992 م)، وانتهيت يومئذ إلى أن قول
الفرزدق وقول سواه من الشعراء الذين أظهروا سخطهم على النحو وقواعده إنما هو
443
من باب المعابثة والاستطالة بالذكاء، وكأنهم يريدون أن يقولوا : إن نحوكم أيها
النحاة صنعة ، ونحونا فطرة ، وآية ذلك أن شعرهم الذي حمل سخريتهم من النحاة
ليس فيه شيء خارج عن النطام النحوي ، أو خارق لقواعده ، وكأنها سخرية بالنحاة
لا بالنحو.
ومع هذا المأثور عن الفرزدق من استخفافه بالنحاة وخروجه أحياناً قليلة عن
النظام النحوي ، فقد بقي جمهور شعره على الجادة النحوية ، وظل مدداً ثرئاَ للنحاة،
ينتزعون منه شواهدهم في الدرس النحوي واللغوي والصرفي والصوتي.
وأما "ابن الراوندي " احمد بن يحيى بن إسحاق (298 هـ) الفيلسوف
المعروف ، والزنديق المجاهر بالِإلحاد، فقد عرف عنه الطعن على النحويين ، وذلك
ما ذكره أبو حيان التوحيدي قال! : "وأما قوله - يعني أبا حنيفة الصوفي - : فقد
نقض على النحويين ابن الراوندي نحوهم ، فإنه ذاهب بهذا القول عن وجه الرشد؟
لأن ابن الراوندي لا يلحن ولا يخطىء، لأنه متكلم بارع ، وجهبذ ناقد، وبحاث
جَدِل ، ونظار صبور، ولكنه استطال باقتداره على علل النحويين ، ورآها مفروضة
بالتقريب ، وموضوعة على التمثيل ؟ لأنها تابعة للغة جيل من الأجيال ، ومقترنة بلسان
أمة من الأمم ، فلم يكن للعقل فيها مجال إلا بمقدار الطاقة في إيضاح الأمثال
وتصحيح الأقوال " ، (البصائر والذخائر 1 / 181 ) .
وهذا النص مهم جداَ، وهو شاهد صريح على ما قلته أنا منذ أربع سنوات
بمجلة الهلال ، من ان الذين يهاجمون النحو قديماَ لا يلحنون ولا يخطئون ، وإنما
هو الضيق بنحو الصنعة ليس غير ، و "علل النحويين " التي ذكرها ابو حيان ، إنما هي
من ابرز نحو الصنعة ، ومن التوافق العجيب أن هذا النص الشاهد لما قلته قد جاء فيه
لفظ " الاستطالة " أيضاَ ، وقد استعملته أنا وصفاَ لموقف الفرزدق من النحاة ،
واستعمله أبو حيان وصفاَ لموقف ابن الراوندي من النحاة أيضاً.
وضج إذن ان النحو نحوان : نحو الصنعة ، ونحو التراكيب ، فالأول هو النظام
444
والفواعد والتعريفات والقوالب ، وما صحب ذلك كله من العلة والعامل ، ولبعض
خلق النّه الحق في ان يضيقوا بالنحو على هذا الوصف ؟ لأن فيه أحيانأ ما يكد الذهن
ويصدع الرأس ، مع ما في بعض النحويين قديما وحديثاً من ثقل وغثاثة ، ولكنه على
كل حال علم ينبغي أن يعرف ويحاط به.
والنحو الثاني : نحو التراكيب ، وهو الذي اتكأ على النظام وانطلق منه إلى
إدراك العلائق بين اجزاء الكلام ، وتلك المنادح الواسعة التي ذكرتها من قبل ، وهذا
تستطيع أن تدركه من أول كتاب سيبويه إلى النحو الوافي لعباس حسن ، على تفاوت
بين النحاة في ذلك ، وتستطيع أن تدركه أيضاً في كتب أعاريب القرآن وتوجيه
القراءات السبع والعشر والشواذ، وشروح الحديث النبوي وفي شروح الشعر وكتب
الأمثال وعلوم البلاغة . والنحو بهذا الوصف لا يصج أن يُطعن فيه او يُنتقص منه،
لأن الطاعن فيه منتقص للعربية كلها ، ذاهب عنها جميعها.
ومن أعجب العجب أننا لا ننتبه لمناطق العظمة في تراثنا إلا إذا نئهنا إليها غيرنا
من الطارئين على ثقافتنا وفكرنا، وهم طائفة من المستشرقين الجادين الذين عملوا
بإخلاص وتفان في الكشف عن كنوزها وإبرازها ، فحين التفتوا إلى ابن جني وعبقريته
الفذة التفتنا نحن أيضا إليه ، ويوم ان خرج اللغوي الأمريكي المعاصر "تشومسكي"
بنظريته في النحو التحويلي التوليدي ، وما قاله عن " البنية العميقة " و " البنية السطحية"
فرح كثير من المشتغلين بالدراسات النحوية عندنا، وقالوا : إن ذلك يتشابه مع كثير
مما قدمه النحويون العرب القدماء في معالجتهم لتفسير الجمل في العربية ، وجهد
بعضهم في المقارنة بين جهود عبد القاهر الجرجاني وجهود تشومسكي في هذا
السبيل ، ويرد الدكتور محمد حماسة عبد اللطيف ذلك فيفول : " ومهما تكن أسباب
هذا التشابه او التقارب في اسس المعالجة فإنه ينبغي ألا نعد ذلك من جانبنا شهادة
للنحو العربي ، بل قد أبالغ فأقول وبغير تواضع كاذب او ادعاء خاح إن العكس هو
الصحيح ، أي ان هذا التقارب او التشابه قد يعد شهادة لنظرية تشومسكي "، (من
الأنماط التحويلية في النحو العربي ص 6) .
445
اللغة ليست هي النحو:
وإذ قد فرغت من التفرقة بين نحو الصنعة الذي هو النظام ، ونحو التراكيب
الذي هو التراكيب والعلاقات بين أجزاء الكلام ، أعود إلى ما كتبه الأستاذ الشاعر
احمد عبد المعطي حجازي ، واول ما يلقانا من كلامه - حفظه اللّه - قوله : " وبعض
الناس يظنون ان اللغة معناها النحو ، ولهذا قد يستغربون هذه الضجة التي نثيرها ؟ لأن
القيامة في رأيهم لن تقوم إذا اخطأ أحدنا أو أخطأنا جميعاً، فجعلنا الفاعل منصوبا
أو حتى مجروراً ، بدلاً من أن نجعله مرفوعاً ، كما يطالبنا النحاة " .
وأقول : اما أن اللغة ليست هي النحو، فهذا صحيح ، وقد قاله اهل العلم من
قديم ، ومن أقرب ما قاله القدماء قول أمير المؤمنين يحيى بن حمزة العلوي اليمني
(745 ط ، قال في كتابه الطراز 442/3: "إن المقاييس النحوية تابعة للأمور
اللغوية ، فيجب تنزيلها على ما كان واقعاً في اللغة ، فإذا ما ورد ما يخالف الأقيسة
النحوية من جهة الفصحاء، وجب تأويله ، ويُطلب له وجه في مقاييس النحو ، ولا
يجوز رده لأجل مخالفته للنحو" .
ومع استقلال اللغة عن النحو وتبعيته لها، فإن له سلطاناً بضوابطه الِإعرابية
على دلالات اللغة ، وقد مر بك كلام ذلك الأديب ، الذي حكاه أبو حيان .
اما قول الأستاذ حجازي عن بعضهم : "إن القيامة لن تقوم إذا جعلنا الفاعل
منصوباًاو حتى مجرورا ، بدلا من أن نجعله مرفوعاً كما يطالبنا النحاة "، فالأمر في
العلامة الِإعرابية لي! بهذه السهولة وذلك اليسر ، والذين يقولون هذا إنما يستشهدون
بجملة مثل "جاء محمد" ويقولون : إن الفاعل معروف ، سواء سكَّنَا الدال او رفعناها
أو نصبناها أو جررناها، وهو كلام ركيك ، لأن جملة كهذه لا تكاد توجد، لا في
الفصحى ولا في العامية ، فالذي يستعملها فصيحة لا بد أن يضم الدال ، ولا يُسَكَنها إلا
إذا وقف على الدال ، أما في العامية - وبخاصة العامية المصرية - فلا يكاد الناس
يستعملون في هذا الموضع إلا الجملة الاسمية " محمد جه " وعلى لهجة أهل دمياط وما
حولها " إجَهْ " وفيها قلب مكاني ، مثل جذب وجبذ ، وارانب وأنارب ومسرح ومرسج.
446
والعلامة الِإعرابية هي قضية القضايا في النحو العربي بقسميه : نحو الصنعة
ونحو التراكيب ، وقد أكثر الدارسون القدامى والمحدثون من الكلام عنها، وعن
العامل الذي جلبها، وهل هو عامل لفظي او معنوي ، مما لا يتسع المقام هنا لبسطه
وشرحه ، ومن اجمع ما كتب فيها كتاب : "العلامة الِإعرابية في الجملة بين القديم
والحديث " ، للدكتور محمد حماسة عبد اللطيف.
وهذه العلامة هي إحدى القرائن النحوية ، ومهما اختلف الدارسون في وضع
هذه العلامة مع الفرائن الأخرى ، سبقاَ أو توسطاً أو تأخراَ، فلن يستطيع الدارس
المستند إلى قراءة واسعة في كتب النحو وفي غير كتب النحو، أن يغفل أثر هذه
العلامة ، وانها أحياناً تكون حاسمة في تحديد المعاني والدلالات ، لا يشركها معها
غيرها، ولا يقوم شيء مقامها، وأمثلة ذلك مما يطول به الكلام جدأ، وأظن أنه
لا يخفى على القارىء اختلاف الدلالة في قوله تعالى : "أَنَّ أدلَّهَ بَرِ!ءُ كرُ اَئمُشْركِين
وَرَسُولُة " 1 التوبة : 3)، برفع اللام وجرها من (رسوله) وكذلك اختلاف تقدير عدد
النسوة في قولنا: "جاء سبعة رجال ونسوة " بين جر "نسوة" ورفعها، فإذا قلنا
و "نسوة " بالجر ، كان عددهن سبعاً، لأن "نسوة " حينئذ تكون معطوفة على " رجال "
وهم سبعة ، وإذا قلنا "نسوة " بالرفع ، كانت على الابتداء ، والخبر محذوف ، وتقدير
الكلام " ونسوبر لا يعلم عددهن " .
سأترك هذا واشباهه لأذكر مثالين اثنين على الِإعراب وأثره في توجيه المعنى،
وعلى المعنى وأثره في توجيه الِإعراب ، وإنما ذكرت هذين المثالين لأن الناس
لا تلتفت إليهما ولا تقف عندهما.
الفرق بين الرفع والنصب:
المثال الأول ، ذكره ابن هشام في المغني 528/2 : "قال الشَلوْبين (654 هـ):
حُكي لي أن نحويّاَ من كبار طلبة الجُزُولي سُئل عن إعراب (كلالة) من قوله تعالى:
" وَإِن كاَتَ رَجُل يُورَثُ !نَلَةَ أَوِ أفرَأَب! " 1 النساء : 12 )، فقال : أخبروني ما
447
الكلالة ؟ فقالوا : الورثة إذا لم يكن فيهم أب فما علا، ولا ابن فما سفل . فقال : فهي
إذن تمييز" . قال ابن هشام : "وتوجيه قوله أن يكون الأصل : وإن كان رجل يرثه
كلالة ، ثم حُذف الفاعل وبُني الفعل للمفعول ، فارتفع الضمير واستتر، ثم جيء
بكلالة تمييزاَ" ، ثم عقب ابن هشام برايه في المسألة.
اما المثال الثاني : فهو ما ذكر 5 معربو القراَن الكريم في الفرق بين الرفع
والنصب في جواب " ماذا" من قوله تعالى : " وَإِذَا ملَ لَهُم مَّاذَا أَنزَل! رَلُبهُ! قَالوُاْ أَشَطِيرُ
اَلأَؤلِينَ لىص ظ)" أ النحل : 4 2) ، وقوله تعالى : !وَقِيلَ لِفَذِينَ اَتَقَؤاْ مَاذَا أَنزَلَ رَتبهُئم قَالُوأ
ضَةيم " 1 النحل : 30) ، وواضج هنا ان سياق الايتين واحد ، في (قيل ) المبني
للمجهول ، ثم في صورة السؤال (ماذا أنزل ربكم )، ومع ذلك فقد جاء الجواب في
الَاية الأولى برفع (أساطير) ، وفي الثانية بنصب (خيراً) .
وتوجيه الرفع في (أساطير) أنه خبر لمبتدا محذوف ، تقديره "هو" ، اما توجيه
النصب في (خيراً) فهو أنه مفعول به لفعل محذوف ، تقدير 5 "أنزل " .
قال المعربون : وإنما قُدر في الأول "هو" ولم ولعدر " أنزل " ، لأن الاية إخبار
عن الكافرين ، والكافر جاحد لِإنزال القرآن ، وإنما هو عنده كذب وأساطير ، كما
حكى القرآن عنهم في قوله تعالى : " وَقَالوأ)شَطِيُر اَلاولِب ا!تَتَبَهَافَ!لضُكَ
عَلتهِ بُؤ وَأَصِثيلأ !ة ،)" أ الفرقان : ه )، وقدَر في الثاني " انزل" لائه من جواب
المؤمنين بأن القرآن منرل من عند اللّه.
قال الزمخشري عقب تلاوة الَايتين : "فإن قلت : لِمَ نصب هذا ورفع الأول ؟
قلت : فصلاً بين جواب المُقِز وجواب الجاحد ، يعني أن هؤلاء لصا سُئلوا لم
يتلعثموا ، واطبقوا الجواب على السؤال بيناَ مكشوفاً مفعولاً للِإنزال فقالوا خيراَ : أ ي
أنزل خيراَ ، واولئك عدلوا بالجواب عن السؤال ، فقالوا : هو أساطير الاولين ، وليس
من الِإنزال في شيء" ، (الكشاف 2/ 07 4 ) .
فهذا أثر العلامة الِإعرابية في تحديد الدلالة والفصل بين المعاني ، وسوف تقوم
448
القيامة فعلاً في هذا ونحوه لو رفعنا ما حقه النصب ، أونصبنا ما حفه الرفع . وترى
لذلك نظائر كثيرة في الشعر ، وفي غيره من مأثور كلام العرب .
ثم يقول! الأستاذ الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي : " والمبالغة في الاهتمام
بالنحو ليست دائما دليلاً على نهضة أدبية أو حاسة لغوية يقظة ، بل ربما كانت
بالعكس دليلاً على ضعف السليقة وانحطاط الملكة ، هكذا رأينا أن عصور الانحطاط
التي شهدتها الاداب اليونانية في المرحلة الهللينية أو السكندرية كانت مصحوبة
بنشاط واسع لعلماء النحو والعروض ، وكذلك في عصور الانحطاط التي شهدتها
روما في القرن الرابع الميلادي . . . " ، ويجيء بعد ذلك كلام نستبقيه إلى حين.
ضعف الحجة:
وهذا كلام غريب حقاً، وبدءة ذي بدء، فليس صحيحاً ولا عدلاً أن نضع نحو
اولئك القوم وعروضهم بإزاء نحونا وعروضنا، فالجهة منفكة كما يقول! اهل
المنطق . فإن الأمر على نحو ما قال! أبو عمرو بن العلاء : "ما لسان حِمْير وأقاصي
اليمن اليوم بلساننا ولا عربيتهم بعربيتنا" .
على ان الزج بهذه الكلمات : الآداب اليونانية ، والمرحلة الهللينية
والسكندرية ، وروما في القرن الرابع . . . كل ذلك وأشباهه مما يلقيه الكاتب إلى
القارىء أو السامع -وبخاصة المبتدىء- فيهزه هزاً، ثم يدهشه ويرعش عقله
ويخيفه (ويخضه) فتضعف حجته في الرد عليه أو دفعه لو وجد إليهما سبيلأ، على ما
جاء في الحديث الذي اخرجه البخاري ومسلم وغيرهما : " ونصرت بالرعب مسيرة
شهر".
ئم نعود إلى كلام الأستاذ حجازي الذي يقول! إن المبالغة في الاهتمام بالنحو
ليست دائماً دليلاً على نهضة أدبية . . . إلى آخر ما قال! وانتهى إليه من أن الاهتمام
بالنحو دليل على ضعف السليقة وانحطاط الملكة.
وليس بيننا وبين الأستاذ حجازي إلا التاريخ نلوذ به ونحتكم إليه : تاريخ نشأة
449
النحو وتاريخ الاهتمام به ، ولنترك ونحن بسبيل ذلك القرن الأول وما قيل عن وضع
النحو على يد ابي الأسود الدؤلي بإشارة من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، ففي
تلك الحقبة بعض غموض لا يُفضي إلى الاطمئنان إلى راي ، ولنقفز إلى القرن
الثاني ، حيث نلقى الخليل بن أحمد، عبقري العربية ، وتلميذه سيبويه الذي ترك لنا
كتاباً مكتملاً محكماً لا سبيل إلى الطعن فيه أو الغض منه . وتوفي سيبويه على
الأرجج سنة (180 هـ) فكان هذا القرن الثاني هو بداية التصنيف النحوي الذي مهد
لما بعده ، فجرى الناس في اثره ، ولنأخذ القرنين التاليين : الثالث والرابع وننظر في
حال النحو في هذه القرون الثلاثة معاً : تأليفاَ ومدارسة واهتماماً، وإنما اخترت تلك
القرون الثلاثة لأنها تمثل البداية والتدرج والنضج ، وسوف ننظر بعد ذلك في حال
اللغة والأدب في تلك القرون الثلائة أيضاً، لنرى أثر الاهتمام بالنحو فيها علواَ
او انحطاطاً وفق رؤية الأستاذ حجازي .
على أنه مما ينبغي التذكير له انه كان هناك اهتمام بالنحو في القرنين الأول
والثاني قبل ظهور كتاب سيبويه ، ولكنه كان اهتماماً بالنحو ، لا من حيث هو علم ذ و
قوانين وضوابط ، ولكن من حيث الاستعانة به في محاصرة اللحن الذي بدا يطغى
ويفشو نتيجة اختلاط اللسان العربي بغيره من ألسنة الأمم الوافدة على المجتمع
العربي ، ونستطيع أن نقول : إن النحو في تلك الفترة المبكرة كان نحو السليقة
والفطرة العربية المتوارثة ، وهي تلك السليقة التي عبر عنها الشاعر بقوله:
ولستُ بنحوي يلوك لسانَه ولكن سليقيٌّ أقول فأُعربُ
وأخبار التصدي للحن ومحاصرته في ذلك الزمان المبكر كثيرة ، من ابرزها
خبران يتصلان بلحنين وقعا من شخصيتين كبيرتين ، لم يمنع مركزهما الاجتماعي من
تنبيههما على ما وقعا فيه من خطأ:
الخبر الأول : ما وقع من الحجاج بن يوسف الثقفي "وقد سأل يحيى بن
يعمر : أتسمعني ألحن ؟ قال : حرفاً، قال : أين؟ قال : في القرآن ، قال : ذلك اشنع
له ! فما هو؟ قال : تقول : " قُلْ إن كاَنَ ءَابَاؤكتُم وَأَئنَاَؤُ!ئم وَإجوَنُكُئم وَأَزْوَجُ! وَعَشِيَرتُ!
450
وَأَموَلم اقتَرَهتُوهَا وَصتخرَةُ تَخْشَؤنَ كَسَادَهَا وَمَشَكِنُ تَرض!ونَهَاَ أحًمث اليَم شِفَ اَطَهِ
وَرَسُودِ" ]التوبة : 24) - قرأها برفع (أحسبُئ وحقها النصب لأنها خبر كان - قال
الحجاج : لا جَرَم ، لا تسمع لي لحناَ ابداَ، فألحقه بخراسان "، (طبقات فحول
الشعراء لابن سلام ص 13 ) ، كأن الحجاج غَضبَ فنفا 5 .
والخبر الثاني : عن الأخفش ، قال : كان أمير البصرة يقرأ : " إِنً اَطَهَ وَمَلَححَضَ!
يُصَحلُونَ كَلَ اَلنبئ " ]الأحزاب : 56)، برفع (وملائكتُه)، فمضيت إليه ناصحاَ له،
فزبرني وتوعدني ، وقال : تُلَخَنون امراصكم.
وفي رواية أن اللاحن كان محمد بن سليمان الهاشمي أمير البصرة أيضاَ ، وانه
رضي عن الأخفش لتنبيهه إيا 5 ، وأجاز 5 . (إنبا 5 الرواة للقِفطي 2/ 1 4 ) .
وقد قلت إن القرون (الثاني والثالث والرابع ) تمثل بداية التأليف في النحو
وتدرجه ونضجه ، ففي القرن الثاني ظهر كتاب سيبويه الرائد، وفي القرن الثالث جاء
ابو بكر بن السراج بكتابه الأصول ، الذي قيل فيه : "كان النحو مجنوناً حتى عقَله ابن
السراج بأصوله ". وفي القرن الرابع جاء العَلَم الضخم أبو علي الفارسي ، إمام
الصناعة النحوية ، وتلميذ 5 العبقري ابو الفتح ابن جني ، وفي وسط هؤلاء الأعلام
ظهر نحاة كثيرون ، في البصرة والكوفة وبغداد والشام ومصر والأندلس.
وفي تلك القرون الثلاثة ظهر النحو ظهوراً بيناً على ساحة الفكر العربي،
واخذ الاهتمام به أشكالاَ كثيرة : تآليف في النحو خالصة ، وأعاريب للقرآن الكريم،
وكتباَ في توجيه قراءاته والاحتجاج لها، مثل : معاني القرآن للفراء (207 هـ)-
والمعاني في ذلك الوقت يراد بها الِإعراب - ومجاز القرآن لأبي عبيدة (210 هـ)
ومعاني القرآن للأخفش (215 هـ) ومعاني القرآن للزجاج (311 هـ) وإعراب القرآن
للنحاس (238 هـ) والحجة للقراء السبعة لأبي علي الفارسي (377 هـ) والمحتسب
في تبيين وجوه شواذ القراءاب لابن جني (392 هـ) .
ثم تجلى الاهتمام بالنحو ايضاً في شروح الشعر الجاهلي والِإسلامي ، وقد
451
عُنِيت هذه الشروح عناية فائقة بالنحو، مثل شروح الأصمعي ، وأبي نصر الباهلي
وابن ال!كّيت وابي العباس ثعلب ، وأبي العباس الأحول ، وأبي بكر بن الأنباري ،
وأبي سعيد السكري .
مظاهر الاهتمام بالنحو:
ومن وراء ذلك كله كان هناك مظهر رابع للاهتمام بالنحو ، وهو تلك المجالس
التي كانت تعقد بين عالمين او اكثر من علماء النحو واللغة ، وقد عُرفت بالمجالس
النحوية ، ومن اشهرها مجلس سيبويه مع الكسائي ، حول المسألة الزنبورية : "كنت
اظن ان العقرب أشد لسعة من الزنبور ، فإذا هو هي ، او فإذا هو إياها"، وقد حضرها
هارون الرشيد.
وقد جمع هذه المجالس - التي بلغت 156 مجلساً - ابو القالمم الزجاجي،
في تأليف مستقل ، باسم : مجالس العلماء ، نشرها شيخنا عبد السلام هارون ، برَّد اللّه
مضجعه.
أرأيت اهتماماً بالنحو أكثر من هذا؟
البفية في المقال القادم .
الاهتمام بالنحو كان متزامناً مع النهضة العامة التي كانت آخذة في النمو
والاتساع ، في علوم العرب وفنونها في ذلك الزمان ، لكن التركيز هنا يكون على
النهضة اللغوية والنهضة الأدبية اللتين يرى الأستاذ حجازي أنهما لا يجتمعان مع
الاهتمام بالنحو:
فالعلماء الرواة يغدون ويروحون لمشافهة الأعراب في البوادي ، وكذلك رواة
الشعر وجامعوه في نشاط دائب ، واللغة تدوَّن في تلك الرسائل الصغار القائمة على
الأجناس ، مثل كتب خَلْق الِإنسان والبهائم والحشرات والخيل والِإبل والنخل
والنبات والمطر والسحاب واللبن ، والمذكر والمؤنث ، ثم تظهر المعاجم في ذلك
الوقت المبكر، مثل العين للخليل بن أحمد أو الليث بن المظفر، وكتاب الجيم
لأبي عمرو الشيباني.
ثم يتجه التأليف اللغوي وجهة أخرى ، فينهض العلماء إلى تنقية
اللغة ، فيما عُرف بلحن العامة ، وقد جاء ذلك صريحاً فيما صنفه الكسائي
من " لحن العامة " أو ما جاء ضمناً كالذي صنعه ابن السكيت في " إصلاح
( 1 ) مجلة " ا لهلال " ، أكتوبر 6 9 9 1 م .
453
المنطق "، وما صنعه ابن قتيبة في "أدب الكاتب ".
أما النهضة الأدبية المواكبة لذلك الاهتمام النحوي في القرون الثلاثة
المذكورة ، فلست أعرف سبيلاَ للتدليل عليها ، ولا احسب أن الأستاذ حجازي يخفى
عليه مكان هذه الكتب واجتماع النحو واللغة والأدب فيها : البيان والتبيين للجاحظ،
وعيون الأخبار لابن قتيبة ، والكامل للمبرد، وامالي ابي علي القالي ، ويبرز كتاب
الكامل من بين هذه الكتب ، بعنايته الفائقة بالنحو.
اما الشعر والشعراء فلا يخفى تألفهما في تلك الفرون الثلاثة التي اهتم فيها
أهل العلم بالنحو ، وهاتان قائمتان بأبرز النحاة وابرز الشعراء الذين تعاصروا في
ذلك الزمان ، أسوقهما تذكرة للمبتدئين ، أما اهل العلم فهم أقدر مني على معرفة
ذلك:
النحاة : سيبويه ( 0 8 1 هـ) ، ا لكسا ئي ( 9 8 1 هـ) ، ا لفراء ( 7 0 2 هـ) ، ا لمبرد
(286 هـ)، ثعلب (291 هـ)، الزجاج (311 هـ)، ابن السراج (316 هـ)، السيرافي
(368 هـ) ، ابو علي الفارسي (377 هـ) ، ابن خالويه ( 370 هـ) ، ابن جني (392 هـ) .
الشعراء: بشار بن برد (167 هـ)، أبو نواس (198 هـ)، مسلم بن الوليد
المعروف بصريع الغواني (08 2 هـ) ، ابو العتاهية ( 1 1 2 هـ) ، أبو تمام ( 231 هـ) ، ابن
الرومي (283 هـ)، البحتري (284 هـ)، ابن المعتز (296 هـ)، المتنبى (354 هـ)،
ابو فراس الحمداني (357 هـ) ، الشريف الرضي (6 0 4 هـ) .
ومن المعروف أنه كانت هناك خصوصية بين بعض هؤلاء النحاة وبعض
هؤلاء الشعراء، أذكر منها ما كان بين ابي العباس المبرد والشاعرين البحتري وابن
الرومي ، فالبحتري يدعو المبرد إلى حضور مجلسه على النهر، في قصيدة يقول
فيها:
ودوام المُدام يُدْنيك مفَن كأت تهوى وإن جفاك الحبيبُ
فائتنا يا محمد بن يزيد في استتار كي لا يراك الرقيبُ
454
ثم يمدحه بشعر اَخر، يقول فيه:
ما نال ما نال الأمير محمد إلا بيمن محمد بن يزيد
ديوان البحتري ص 132 ، 774 (تحقيق حسن كامل الصيرفي ) .
وابن الرومي يمدح المبرد أيضاَ في قصيدة طويلة ، بلغت عدة ابياتها (98)
بيتاَ ، يفول في اولها:
طرقت اسماء والركبُ هُجودُ والمطايا جُنْجُ الأوزارِ قُودُ
ديوان ابن الرومي ص 751 (تحقيق د . حسين نصار) .
ثم أذكر ايضاَ الخصوصية التي كانت بين ابن خالويه وابي فراس الحمداني،
وقد شرح ابن خالويه ديوانه الذي نشره الدكتور سامي الدهان .
ومن اشهر الصلات بين نحوي وشاعر ما كان بين أبي الفتج ابن جني
وابي الطيب المتنبي ، فقد اجتمعا معاَ في بلاط سيف الدولة بن حمدان بحلب،
وفي مجلس عضد الدولة بن بويه بشيراز، وكانا يتبادلان الِإعجاب ، ويتقارضان
الثناء ، وكان المتنبي يقول عن ابن جني : "هذا رجل لا يعرف قدره كثير من الناس "،
وكان إذا سئل عن شيء من دقائق النحو والتصريف في شعره يقول : " سلوا صاحبنا ابا
الفتح " ، ئم كان إذا سئل عن معنى قاله ، أو توجيه إعراب حصل فيه إغراب دل عليه،
وقال : "عليكم بالشيخ الأعور ابن جني فسلوه ، فانه يفول ما اردت وما لم أرد" .
ا لاستشهاد بالشعر:
واما ابن جني فقد كان يُجلُّ المتنبي ، وهو أول من شرح ديوانه ، وقد شرحه
شرحين : أحدهما كبير يسقَى : "الفسر" اي التفسير، وقد طبع جزء منه بتحقيق
الدكتور صفاء خلوصي ، والشرح الَاخر صغير يسفَى : "الفتح الوهبي على مشكلات
المتنبي " ، وقد طبع في جزء واحد بتحقيق الدكتور محسن غياض .
ومن وراء ذلك فقد كان ابن جني يثني على أبي الطيب ويستشهد بشعره ،
متجاوزاَ بذلك ما حدده متشددو النحاة من الوقوف بالاستشهاد عند الشاعر
455
إبراهيم بن هَرْمة (176 هـ) ومما قاله ابن جني في ذلك عندما استشهد بشعر المتنبي:
"ولا تستنكر ذكر هذا الرجل -وإن كان موتَداً- في أثناء ما نحن عليه من هذا
الموضع وغموضه ولطف متسربه ، فان المعاني يتناهبها الموتدون كما يتناهبها
المتقدمون " الخصائص 1/ 24 ، ومن اقواله فيه أيضاً : " وحدثني المتنبي شاعرنا،
وما عرفته إلا صادقاً" ، الخصائص 239/1، "وذاكرت المتنبي شاعرنا نحواً من
هذا" ، الخصائص 2/ 03 4 ، وكان يفاوضه في امور من النحو والصرف ، منها قوله:
" ودار بيني وبين المتنبي في قوله " وقلنا للسيوف هَلُفُنا" كلالم فيه طول" سر صناعة
الِإعراب ص 722 .
وحين مات المتنبي رثا 5 ابن جني بفصيدة أولها:
غاض القريض واودت نضرة الأدب وصوَّحت بعد ريّ دوحة الكتب
فهل تصدق بعد ذلك ما يقال عن عداوة ومُدابرة بين النحاة والشعراء؟
ثم هل بقي بعد ذلك موضع لقول الأستاذ الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي :
"والمبالغة في الاهتمام بالنحو ليست دائماً دليلاً على نهضة ادبية أو حاسة لغوية
يقظة ، بل ربما كانت بالعكس دليلاً على ضعف السليقة وانحطاط الملكة "، هل بقي
موضع لهذا الكلام ؟ إلا أن يكون الأستاذ حجازي يريد نحواً آخر ، وأدباً آخر غير
اللذين يعرفهما الناس في تراثنا العربي.
كلام فظيع جداً:
ثم نأتي إلى أخطر شيء في كلام الأستاذ الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي ،
وهو قوله في سياق الحديث عن عصور الانحطاط التي يسود فيها الاهتمام بالنحو
والعروض ، يقول : "وكذلك في عصور الانحطاط التي شهدها الأدب العربي في
العصر المملوكي ، ففي ذلك العصر الذي تراجع فيه الشعر وتدهورت الكتابة ظهر ابن
منظور وابن هشام " . انتهى كلام الأستاذ حجازي بنصه وفصِّه ، وهو كلام فظيع جداً،
مفزع جداً، وهو فظيع جداً، ومفزع جداً؟ لأنه دال بصريج اللفظ على ان ابن منظور
456
وابن هشام آيتان من آيات الضعف ، ومظهران من مظاهر الانحطاط .
وأنا أسأل الشاعر الكبير ، وأقول له : من أنبأك هذا؟ ثم ما هي جريرة ابن منظور
وابن هشام عندك حتى تهوي بهما إلى مكان سحيق من التخلف والانحطاط ؟ اهو
شيء استنبطته أنت بقراءاتك ، وقامت لك شواهده ، ولمعت أمامك أدلته ، فنبئنا
بتأويله ؟ أم هو كلام سقط إليك مما نقرأه من البلايا التي تصب علينا هذه الأيام ، تريد
ان تغتال تاريخنا اغتيالاً، تحت شعار : تنوير العقل العربي ؟ فدُلَّنا على مصدر هذا
الكلام ، واخرج من العُهدة فيه.
وابن منظور هنا: هو جمال الدين أبو الفضل محمدبن مكرم بن علي
الأنصاري الِإفريقي المصري ، ينتهي نسبه إلى الصحابي الجليل رُوَيْفع بن ثابت،
والِإفريقي في نسبه معناها التونسي ، فقد كانت إفريقية في ذلك الزمان يراد بها تونس
الان .
ولد ابن منظور يقيناً بالقاهرة سنة 630 هـ، ونشأ بها وتعلم وصنّف ، وتوفي بها
أيضاً سنة 711 هـ، وخلاصة أمره أنه كان مشتغلأ بالأدب نظماً ونثراً، مع معرفة
بالنحو واللغة والتاريخ ، وتولى وظيفة كاتب الِإنشاء بالدولة ، وكان كثير النسخ ذ ا
خط حسن.
وقد عُرف ابن منظور باختصاره للكتب ، فاختصر كتاب الأغاني ، وهذبه ورتبه
على الحروف ، وقد طبع هذا المختصر في ثماني مجلدات .
ومن الكتب التي اختصرها ابن منظور أيضاً : الحيوان للجاحط ، وزهر الاداب
للحُصري، ويتيمة الدهر للثعالبي ، والذخيرة لابن بسام ، ونشوار المحاضرة
للتنوخي ، وتاريخ بغداد للخطيب ، والذيل عليه لابن النجار، وصفة الصفوة لابن
الجوزي ، ومفردات ابن البَيطار، وسرور النفس بمدارك الحواس الخمس للتيفاشي،
نشره الدكتور إحسان عباس ، وتاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ، ويقوم على تحقيقه
الَان الدكتور رضوان السيد الأستاذ بالجامعة اللبنانية.
457
وقد تغئا ابن منظور من تأليف معجمه هذا غايات ، أبَنْت عنها في مقالة لي
بالهلال (مارس 1992 م)، لكني أستأذن قارئي الكريم في أن أعيد ذكر غاية واحدة
من تلك الغايات - لاتصالها بموضوعنا الآن - وهي غاية قومية وطنية ، باعثها الغَيرة
على العربية والعصبية لها ، بعد ان اطرح بعض الناس الحديث بالعربية وهجروها إلى
اللغة الأعجمية ، وهي التركية في ذلك الزمان .
اختلات الألسنة:
يقول ابن منظور في مقدمة اللسان : "وذلك لما رأيته قد غلب في هذا الأوان
من اختلاف الألسنة والألوان ، حتى لفد أصبج اللحن في الكلام يعد لحناً مردوداً،
وصار النطق بالعربية من المعايب معدوداً، وتنافس الناس في تصانيف الترجمانات
في اللغة الأعجمية ، وتفاصحوا في غير اللغة العربية ، فجمعت هذا الكتاب في زمن
أهله بغير لغته يفتخرون ، وصنعته كما صنع نوح الفُلك وقومه منه يسخرون " .
فهذا حديث ابن منظور ، سقته على سبيل الوجازة والاختصار.
أما حديث ابن هشام فمُجمل القول فيه أنه : جمال الدين أبو محمد عبد اللّه بن
يوسف بن احمد. . . ابن هشام الأنصاري المصري ، ولد بالقاهرة سنة (708 ط
وتوفي بها سنة (761 ط ، حصّل علوم العربية ، واشتغل بالتدريس والِإقراء ، وصنف
تصانيف كثيرة ، جمهورها في علم النحو ، وقد بلغت تآليفه فيه نحو ( 30) مصنفاَ، ما
بين رسالة صغيرة ، إلى كتاب كبير، ومن اشهرها : الِإعراب عن قواعد الِإعراب،
وقطر الندى وبل الصدى ، وشذور الذهب ، وأوضج المسالك ، وشرح ألفية ابن
مالك ، المسمَى أوضج المسالك . ويأتي على رأس مصنفاته النحوية كلها : كتابه
الماتع : "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب"، وهو الذي يقول عنه ابن خلدون :
"ووصل إلينا بالمغرب لهذه العصور ديوان من مصر منسوب إلى جمال الدين بن
هشام من علمائها، استوفى فيه أحكام الِإعراب مجملة ومفصلة ، وتكلم على
الحروف والمفردات والجمل ، وحذف ما في الصناعة من المتكرر في أكثر أبوابها،
وسمَاه بالمغني في الِإعراب " .
458
وكان ابن خلدون قد وصف أمر ابن هشام على الجملة ، فقال وهو يتحدَّث عن
صعوبة تحصيل علم من العلوم من جميع جهاته ، والِإحاطة به كله ، ومثَّل لذلك بعلم
العربية ، وهو علم النحو، فقال في سياق حديث طويل : "كيف يُطالَب به المتعلم
وينقضي عمره دونه ، ولا يطمع أحد في الغاية منه إلا في القليل النادر ، مثل ما وصل
إلينا بالمغرب لهذا العهد من تأليف رجل من أهل صناعة العربية ، من اهل مصر،
يعرف بابن هشام ، ظهر في كلامه فيها انه استولى على غاية من ملكة تلك الصناعة،
لم تحصل إلا لسيبويه وابن جني واهل طبفتهما لعظم ملكته وما أحاط به من اصول
ذلك الفن وتفاريعه وحس تصرفه فيه ، ودل على أن الفضل ليس منحصراَ في
المتفدمين " ، المقدمة ص 532 .
(تحقيق) :
شاعت عن ابن خلدون في حق ابن هشام كلمة تناقلها مترجموه ، وهي قوله:
"ما زلنا ونحن بالمغرب نسمع انه ظهر بمصر عالم بالعربية ، يقال له ابن هشام ، انحى
من سيبويه " ، ولم أجد هذه الكلمة بسياقها هذا وحروفها في مقدمة ابن خلدون ، وإن
كان الكلام الذي نقلته من المقدمة يؤول إليها ويدلُّ عليها. وقد تتبعت الكلمة
فوجدت ان الذي ذكرها بهذا النسق والسياق : هو ابن حجر العسقلاني ، في ترجمة
ابن هشام من الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة 416/2 ، ويلاحظ أن ابن حجر
صدَّر هذه الكلمة بقوله : "قال لنا ابن خلدون " فهو سماع إذن ، وقد ذكر شمس الدين
السخاوي في الضوء اللامع لأهل الفرن التاسع 148/4 ، ان ابن حجر اجتمع بابن
خلدون مراراَ ، وسمع من فوائده .
تعمق مذهب النحاة :
ويفول استاذنا الدكتور شوفي ضيف عن ابن هشام : " وقد تحوَّل يتعمَّقُ مذاهب
النحاة ، وتمثلها تمثلاَ غريباَ نادراَ، وهي مبثوثة في مصنفاته مع مناقشتها وبيان
الضعيف منها والسديد، مع إثارته ما لا يحصى من الخواطر والَاراء في كل ما يناقشه
وكل ما يعرضه " ، ويقول ايضاَ عن مصنَّفاته : " وهو يمتاز فيها جميعاَ بوضوح عبارته،
459
مع الأداء الدقيق إلى أبعد حدود الدقة ، مسهباَ مطنباَ، أو موجزاَ مجملاً" ، المدارس
النحوية ص 346 ، 347 .
فهذا ابن هشام يرا 5 الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي مظهراَ من مظاهر
الضعف والانحطاط ، ويرا 5 ابن خلدون وشوفي ضيف : محيي صناعة النحو في تلك
العصور الوسطى بعدما كادت تؤذن بالذهاب ، وأنه قرين سيبويه وابن جني ، وأنه قد
تعمق مذاهب النحاة وتمثلها ثم أحسن عرضها ومناقشتها . . . وهذا على نحو ما قال
ربنا عزَّ وجل : " إِنَهُخ يَرَؤنَإُ بحَيدَا رب)، وَنَرَله فَريا (!ص7بم" 1 ا لمعا رج : 6 ، 17 .
وهذا ابن منظور يرا 5 الأستاذ حجازي مظهراَ من مظاهر الانحطاط والضعف
أيضاَ، ويرا 5 أهل العلم بالعربية صاحب أول معجم عربي كبير ، جمع جذور اللغة
العربية بمناهج المعاجم المختلفة " لسان العرب " تذكر 5 ولا تصفه ، لأنه أحد معالم
حضارتنا العربية.
على ان للقضية وجهاَ آخر، هو ما ذكره الأستاذ حجازي ويذكر 5 غيره من
الدارسين الجامعيين وغير الجامعيين ، من وَسْم العصر المملوكي بالانحطاط
والتخلف لضعف الأدب والشعر فيه . ورد هذا الكلام ونقضه في غير هذا المكان ،
لكني أشير هنا إلى أنه لولا ما صنعه ابن منظور وابن هشام ومن إليهما من لغوص!
ونحاة وعلماء القرن الثامن (وهو العصر المملوكي ) من هذه الأعمال الموسوعية
لضاع علم كثير ، ولضعفت ذاكرة الأمة العربية ثم تلاشت ، وهو (الدور) العظيم الذي
اضطلعت به مصر والشام في ذلك الوقت غداة سقوط بغداد، وإيذان شمس الأندلس
بالغروب ، فكانت القاهرة ودمشق ملاذاً وملجاً لعلماء بغداد والأندلس ، فواصلوا
المسيرة التي بدأوها في بلدانهم قبل ان تغشاها النوائب ، وشاركوا قرناءهم من علماء
مصر والشام في تلك الأعمال التجميعية الضخمة ، كابن منظور وابن هشام وصلاح
الدين الصفدي ، وشمس الدين الذهبي ، وشيخ الِإسلام ابن تيمية ، وأبي الحجاج
المزي ، وابي حيان الأندلسي ، وابن سيد الناس اليعمري ، وشهاب الدين النويري ،
صاحب "نهاية الأرب في فنون الأدب " الذي يقول فيه المستشرق فازيليف : " إن نهاية
460
الأرب على الرغم من تأخر عصره يحوي اخبارا خطيرة عن صقلية ، نقلها عن
مؤرخين قدماء لم تصل إلينا كتبهم ، مثل ابن الرقيق وابن رشيق وابن شداد وغيرهم " .
فما ينبغي أن تكون بعض مظاهر الضعف في الشعر والكتابة الأدبية في العصر
المملوكي ، صارفة الأنظار عن مظاهر الحضارة العربية في ذلك العصر ، فلنكف إذن
عن ثَلْب هذا العصر وتجريحه . ومرة اخرى : لولا ابن منظور وابن هشام وأشباههما
من الحَفَظة لضاع الِإرث والورثة ، ولم يجد الأستاذ حجازي عربية يقيم بها لسانه،
وينسج بها شعره .
وليعلم الشاعر الكبير ان مكانته العالية التي اقتعدها في دنيا الشعر في زماننا هذا
ليست مؤهلة له لأن يذهب هذه المذاهب في دنيا اللغة والنحو ، فاللغة بحر لا ساحل
له ، والنحو صعب وطويل سُفَمه ، ولست آمن إذا ظل الشاعر الكبير ماضيا في هذا
الطريق : طريق الجرأة على اللغة والنحو ، لست آمن أن يقوم له أحد المعيدين الصغار
الذين تخصصوا في هذين العلمين ، فيقعد له كل مرصد، ويأتيه من كل مكان ، حتى
ينفض كلامه عُروة عُروة ، "وأول راض سنة من يسيرها" كما يقول خالد بن زهير
الهذلي.
هجوم وازدراء :
على أن هذا الذي ذكره الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي عن النحو العربي
إنما هو نفخٌ في نار خامدة ، شبَت في العقود الأخيرة من هذا القرن ثم طَفِئَت ، ثم
شبت ثم طفئت . . . وهكذا، على نحو ما قال ربنا سبحانه : "!ثَمَاخَبَت دفِدئهُوْ
سَعِيرا ؟بنبمَ) " 1 الِإسراء : 97 ، .
وإذا كانت ثقافة هذه الأمة العربية كلها قد تعرضت للتنقص والتجريح ، كقولهم
في تفسير القرآن إن به إسرائيليات ، وقولهم في الحديث إن به وضعا وضعفاَ ، وإن في
الشعر انتحالاً ، وفي الأدب ذاتية ، وفي البلاغة تكلفاَ وزخارف واصباغا . . . إلى آخر
هذا الكلام المعاد المموج ، فإن النحو العربي قد ذهب بالهجوم كله وبالازدراء كله.
461
على ان أغرب ما في الأمر انه قد صار (مَلْطَشَة) يتكلم فيه من يعرف ومن
لا يعرف ، فإن بعض الذين يكتبون عن النحو الان لا صلة لهم به ، لا من قريب ولا
من بعيد، وإنما هي نُقُول ومتابعات ينفلها لاحق عن سابق ، ثم ينسبها إلى نفسه
ويتنفَّخ بها على خلق الله ، وهذا هو الزور بعينه ، على ما جاء في الحديث الصحيح
الذي اخرجه البخاري ومسلم وغيرهما : "المتشبّع بما لم يُعْطَ كلابس ثوبي زور"،
وهكذا تسير الأمور ، وكأن الأمر في الكتابة عن النحو قد صار (على المشاع ) .
ومن ذلك ما كتبه الأستاذ بدر نشأت في الأهرام 1996/7/5 م بعنوان : "بين
فصحى نعرفها وعامية نجهلها"، وفي هذه الكلمة ترديد لأقوال السابقين ، مع تخليط
كثير، وجرأة عجيبة ، من مئل قوله : "إن القراءة الصحيحة السليمة تفتقد السرعة
والمباشرة ، فالقراءة بالتنوين تطيل الوقت ، وتضاعف جهود النطق ، وهي امور ما
عادت تتفق وإيقاع العصر وتتعارض مع النزوع البشري المطرد إلى الاقتصاد في
الجهد والوقت ، فاللغة كائن حي ، لا بد لها من ان تلاحق إيقاع الحياة وتتكيف
معه".
وأنا لا أفهم معنى القراءة بالتنوين هذ 5؟ هل التراكيب النحوية كلها تجري في
نطقها على التنوين ؟ فما بال الأسماء التي لا يجتمع معها التنوين ، مثل الأسماء
المعزفة بأل ، والأسماء المعربة المضافة ، والأسماء المبنية ، والأسماء الممنوعة من
الصرف ، والمثنى والمجموع ؟ ثم ما بال الأسماء الموقوف عليها؟
ويقول الأستاذ بدر نشأت أيضاً: "ويجب ان يعلم النحويون عندنا ان علم
النحو العربي يحتاج في كثير منه إلى صياغة جديدة ، فقد قام على رؤية معيارية،
وعمد إلى الافتراض ، واستنباط القواعد التي تضبط الجانب الكتابي ، واهمل
الجانب الصوتي الذي هو موطن اللغة الأصلي ، وهو ما أدى إلى ما نشكو منه اليوم
من تعقيد في اللغة العربية " .
وهذا كلام مكرور ومُعاد، أعرف منابته ومغارسه ، كما قالت العرب في
462
امثالها : "شِنْشِنَة اعرِفها من اخْزَم " ، ولا تغرنك هذه العبارات : "إيقاع العصر ، واللغة
كائن حي ، وصياغة النحو صياغة جديدة . . ." ، أفبعد أربعة عشر قرناَ من جهود
الرجال الكبار تطلب للنحو صياغة جديدة ؟ (صياغة إيه يا راجل ؟ وحِّد اللّه وصل على
اللي حيشفع فيك !) .
ولا بأس علينا إن شاء اللّه من الِإلمام بشيء من العامية ، فإنها تحلو في هذا
الموضع ، ولا تقوم الفصحى مقامها ، وايضاَ فإن ذلك من باب المناسبة
او المشاكلة ، كما يقول علماء البلاغة ؟ لأن الأستاذ بدر نشأت قصاص بارع ، ومكانه
في الأدب معروف ، وما زلت اذكر مجموعته القصصية الجيدة التي نشرها في
الخمسينات "مساء الخير يا جدعان "، وقد مزج فيها بين الفصحى والعامية مزجاً
رائعاً، مع تطويعه العامية المصرية لبعض المحسنات البديعية ، كالجناس والتورية،
على نحو ما كان يفعل الشاعر العظيم فؤاد حداد، رحمه الله ، لكن ان يسلُك الأستاذ
بدر نشأت تلك الدروب الضيقة في النحو والصرف واللغة ، فهذا ما لا يجمل به ، ولا
يحسن منه.
أقول قولي هذا ، وأنا أعلم يقيناًاننا جميعأ أصحاب هذه اللغة ، لنا ان نتحاور
حولها ، وأن نبدي الرأي فيها ، لكن الأمر مشروط بتقدم الاهلية وامتلاك الأدواب،
كما قالت العرب في أمثالها : "ثَئت نَسَباً واطلُبْ ميراثاً" .
ويبدو لي أن مجال الحديث مع من يهاجمون النحو العربي ينبغي ان يأخذ
منحى آخر ، ففي نيتي إن شاء الله ان اسأل من يكتب عن النحو الان جملة من
الأسئلة ، فمثلاً أقول له : ماذا تعرف عن نشأة النحو وتاريخ أشهر النحاة ؟
ماذا قرأت من كتب النحو الاولى ؟ وماذا في مكتبتك الخاصة منها؟ ثم
اسأله عن طائفة من المصطلحات النحوية التي تدور في كتب القوم ، وبعد ذلك
اضع امامه بعض ابيات من الشعر وقطعة من النثر، وأطلب إليه ان يقرا هذا وذاك
قراءة صحيحة أو مقاربة ، فإن جاءت الِإجابة على ذلك كله وَفق المراد ، قلت : أجل
ونعمى عين ، هات ما عندك ، ومددت حبال الحديث بيني وبينه ، وإن تعثر وكبا
463
قلت : حسبك فقد سفطت مؤونة الكلام بيني وبينك ، فأنت غريب المحل ، ناء عن
ا لد يا ر .
ثم ازيدك عجباً أيها القارىء الكريم - ومن يعش ير عجباً ، كما قالت العرب -
ان النحو العربي الان يهاجم أيضاً من بعض الِإسلاميين الذين يصرخون ليل نهار،
دفاعاَ عن الِإسلام وخوفاَ عليه ، ولكن كيف يهاجم هؤلاء النحو؟ سمعت كبيراً منهم
في محفل عام يقول : "إن المسلمين الأوائل شُغلوا بإعراب القرآن عن تطبيقه " ، وقد
غَفَل هذا الغبي - نستغفر الله من فاحش القول - عن ان كثيراً من كلام ربنا عزَّ وجل
لا يُفهم ولا يطبق إلا إذا عُرف وجهه النحوي الصحيح ، والأمثلة من ذلك كثيرة
لا اريد ان اطيل بذكرها ، وقد ذكرت شيئاً منها في صدر كلمتي.
وما بقي إلا الِإشارة إلى أن النفخ في نار الهجوم على النحو العربي في هذه
الأيام ، إنما خرج من كير الزميل العزيز الدكتور احمد درويش ، الذي كتب خمس
مقالات بجريدة الأهرام ايضاً، اختار لها عنواناً جذاباً هو "انقذوا اللغة من أيدي
النحاة " ، وفي هذا العنوان من الِإثارة وفتح الشهية ما ترى .
وأخطر ما في كلام الزميل العزيز أنه استطال فيه بذكائه ، واحتشد له بتلك
المصطلحات والتراكيب التي تخطف بصر القارىء وتهزه هزاً وتخيفه و(تَخُضُّه) على
ما وصفت من كلام الأستاذ احمد عبد المعطي حجازي من قبل . وهو نمط من الكلام
إن اعجب بعض الناس فإنه عند كثير منهم خفيف هين ، كما قال الشاعر : "وخمرُ
ابي الزَوْقاءِ ليست تُسْكِر" .
وليس من همي هنا ان انقض كلام الزميل العزيز أو ارده ، فلذلك موضع آخر،
لكني أريد ان اذكره فقط بان هذا النحو القديم الذي سخر منه ومن اعلامه ، ثم دعا
إلى إنقاذ اللغة منه ومنهم : هو الذي أنطق لسانه وفجَر بيانه ؟ فإن الزميل العزيز ممن
ينتمون إلى جيل الحفظة : حفظة المتون ، فقد التقى وهو في طراءة الصبا ثم في ميعة
الشباب بالتحفة السنية شارحة الاجرومية ، وتنقيج الأزهرية وقطر الندى وشذور
464
الذهب وابن عقيل وأوضح المسالك ، ولو ان زميلنا العزيز تعلم النحو بعيداَ عن هذ5
الكتب ، ووفق منهجه الذي يقترحه اليوم لما استقام له بيان ، ولا نهضت له حجة.
وهذا الِإعلال والِإبدال الذي يهزأ به زميلنا العزيز : هو الذي أعانه على معرفة
المعجم العربي ، بمعرفة الزوائد والأصول في الأبنية العربية ، ولولا هذا الِإعلال
والِإبدال ما عرف أن "تراث " من "ورث" وأن ميناء من "وَنَى"، وأن "تترى" من
" وتر" . . . وهلم جرّاَ . فهذا موضع المثل " أكلاَ وذماَ" .
وما ينبغي أن يكون في تسويغ الزميل العزيز لكلامه انه يغار على النحو
العربي ، وأنه يريد له أن ينهض من كبوته ، ويقوم من عثرته ، لا ينبغي ان يقول هذا؟
لأنه نَقَب نقباَ واباح حمى ، فاتكأ بعض الناس على ما قاله في مقالاته الخمس،
واندفع يميناَ وشمالاً، يحارب بسيفه وينزع عن قوسه ، فالزميل العزيز شريك في هذه
الحملة الشرسة على النحو العربي ، شاء أم أبى ، على ما قال الشاعر:
فإلاَّ يكونوا قاتليه فإنه سواء علينا مُمْسِكاهُ وضارِبُه
ولو لم يكن إلا الوفاء لهذ 5 السنوات التسع التي قضاها الأستاذ الدكتور احمد
درويش بالأزهر الشريف ، فملأت شرايينه بدم العربية ، وكست عظمه لحم الفصحى،
لكان في ذلك ما يزعه عن الهجوم على النحو العربي ، الذي هو ملاك العربية
وسلطانها.
إن الأيام الاولى عزيزة علينا ، نحرص عليها ، ونذود عنها ، ونفخر بها ، اليس
كذلك يا دكتور؟
ولشد ما يعجبني ويؤنسني كلام الأستاذ الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة ، الذي
ما يفتأ يذكر فضل الأزهر عليه ، وعلى لسانه ، فيقول : "كانت دراستي قي الأزهر قد
أمدتني بفيض من الأبيات المتناثرة في كتب النحو والبلاغة ، واصبح الشعر هم الليل
والنهار"، تجربتي مع الِإبداع (الهلال يونيه 1994 م)، وأشار إلى مثل هذا ايضاَ في
الأهرام 25/ 6/ 1996 م .
465
وبعد...
فقد كتب الأستاذ الشاعر احمد عبد المعطي حجازي كلامه هذا الذي أدرت
عليه مفالتي ، بجريدة الأهرام ، يوم 1996/6/26 م ، وتأخر ردي عليه إلى هذا
الوقت ، لأني كنت اريد أن امهد له العذر، لعله يستدرك ما فرط منه ، او يفسر ما
أشكل على الناس من كلامه ، ولم يفعل الأستاذ حجازي شيئاَ من ذلك ، ولكنه على
العكس حشد في صفحته في الأسابيع التي اعفبت مقالته ، طائفة من كتابات القراء:
رِضا عما كتب ، وحفاوة بما قال ! وللّه الأمر من قبل ومن بعد.
كلم ه!كلئي
466
طا ادلّكم على تجارة ؟(1)
مؤسسة الفرقان للتراث الِإسلامي بلندن - وراعيها معالي الشيخ احمد زكي
يماني - ومركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي ، وجائزة الملك فيصل العالمية،
وجائزة محمد حسن فقي الشعرية ، وجائزة سلطان بن علي العويس بالشارقة،
ومؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للِإبداع الشعري بالكويت ، وجائزة الشيخ
عبد اللّه مبارك الصباح للآداب والفنون بالكويت : نجوم تلألأب في سماء الثقافة
العربية ، فبددت ظلمة غشيت امتنا العربية ، أطبقت عليها زمناَ، وصيحات دوب في
سمع الدنيا ، فحركت جسداَ خامداَ ظنوا أنه ميت وما هو بميت ، ولو قدر لهذه الجهود
الطيبة الراشدة أن تنمو وتطرد ، وألا تقف في اوائل الطريق او منتصفه لكان الحال غير
الحال .
ولما كانت هذه الشموس قد طلعت في أفق الجزيرة العربية ودول الخليج
العربي ، فقد يسرع إلى الخاطر أن هذا البذل وذلك السخاء مرتبطان بتلك الثروة
البترولية التي أفاءها اللّه على القوم في العقود الخمسة الأخيرة ، وهذا سبب معين بلا
شك ، ولكن ليس هو كل الأسباب ، فإن اللّه جلت قدرته وعظمت حكمته حين يشَر
لتراث العربية من نذروا أنفسهم لتصنيفه وجمعه وتسجيله ، في جهاد دائب لم تشهده
أمة من الأمم ، ولم تعرفه ثقافة من الثقافات ، قد تمم الفضل وأكمل النعمة بأن هيأ
لذلك التراث أيضاَ من عملوا على نشره وإذاعته ، وتكريم أهله ، والأخذ بأيديهم،
لا يضنون بجهد أو مال ، فقد وقف كثير من أهل اليسار والسعة وراء أهل العلم،
( 1 ) مجلة " ا لعر بي " ، ا لعدد 8 5 4 ، ينا ير 7 9 9 1 م .
467
وجعلوا من اموالهم نصيباَ مفروضاَ لطبع الكتب وتعميم النفع بها.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 15-09-16, 12:33 AM
محمد يسلم بن الحسين محمد يسلم بن الحسين غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-10-11
الدولة: الجمهورية الإسلامية الموريتانية
المشاركات: 406
افتراضي رد: النحو العربي .. والحِمى المستباح(1) (2 )

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد ابن الشنقيطي مشاهدة المشاركة
النحو العربي .. والحِمى المستباح(1) (2 )
يقول الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي في كلمته الأخيرة هذه : "وبعض
الناس يظنون أن اللغة معناها النحو ، ولهذا قد يستغربون هذه الضجة التي نثيرها ؟ لأن
القيامة في رايهم لن تفوم إذا أخطأ أحدنا او أخطأنا جميعاً، فجعلنا الفاعل منصوباً
او حتى مجروراً بدلاً من ان نجعله مرفوعاً كما يطالبنا النحاة به ،.
مثل هذا الكلام لا يستحق الرد ولا يصدر عمن له أبسط إلمام بعلوم اللغة قديمه أو حديثه؛ فكل لغة قائمة على بنية ونظام صارم يفرض نفسه على المتكلم ولا يصح الفهم والإفهام إلا بمراعاة ذلك النظام الذي له مستويات بعضها يتعلق بعلم الصرف وبعضها بعلم النحو ولكل لغة صرفها ونحوها الذي إذا اختل نظامه فسد الكلام وحصل اللبس وهذا أمر بدهي ومعروف في علم اللغة الحديث... ولكن غرض هؤلاء هو تحطيم الفصحى بإفساد قواعدها وتشريع اللحن للجاهلين وهي دعوة قديمة قادها المستشرقون وتلامذتهم وانخدع بها الكثير تحت عناوين تجديد النحو وتيسير العربية وكنت قد كتبت بحثا في ذلك أقطتف منه الفقرة التالية لعلاقتها بهذا الموضوع: يقول إبراهيم أنيس :: "وهكذا أصبح هؤلاء النحاة رقباء على كل إنتاج أدبي يتسقطون الهفوات، حين يبدل أديب حركة مكان حركة، ثم لا يكادون يعبأون بحسن نسج الكلام، أو بما فيه من معان سامية، أو صور رائعة". «يقول إن النحاة أصبحوا رقباء على كل إنتاج أدبي... وهل وضع علم النحو أصلا إلا لحفظ اللغة وصيانتها من اللحن وعبث الجاهلين، وهل أنشئت المجامع اللغوية الحديثة لغير هذا الهدف؟ ثم كيف يكون للكلام نسج حسن، أو غير حسن، إذا كان خارجا عن نظام اللغة نفسها؛ أليست كل لغة تفرض نظامها على متكلمها؟! ولكن هؤلاء المجددين لا يعبأون بنظام اللغة العربية، ولا يعبأون بتبديل حركة مكان حركة، ويجهلون أو يتجاهلون ما يترتب على ذلك من إفساد للمعنى، فمجاهِد بكسر الهاء اسم فاعل، ومعناه مسلم يضحي بنفسه في سبيل الله عز وجل، ومجاهَد بالفتح اسم مفعول، ومعناه مختلف عن معنى الأول، وجَلسة بفتح الجيم مصدر مرة، وبكسرها مصدر هيأة، ويكرم بكسر الراء مسند للمعلوم، وبفتحها مسند للمجهول.... وإذا قلت ضرب خالد زيدا، أو ضرب زيدا خالد، أو زيدا ضرب خالد، فقد شهدت لزيد باعتداء خالد عليه، بينما إذا رفعت زيدا ونصبت خالدا انعكس المعنى في جميع الجمل الثلاث، وإذا قلت هذه دراهمُ صالحةٌ بضم التاء فقد وصفت الدراهم بالصلاح، وإذا قلت هذه دراهمُ صالحةٍ بكسر فقد حكمت بأن الدراهم لامرأة اسمها صالحة أو امرأة توصف بالصلاح، وإذا قلت: هؤلاء حواجُّ بيتِ الله فإن كسر التاء دل على أنهن قد أدين الحج في الماضي، وإذا فتحت دل على الزمن الحاضر أو المستقبل. والأديب هو من يفطن لهذه المعاني، ويعرف أسرار لغته، ووجوه تصرف الكلام فيها، وإليك بعض الشواهد من ذلك، قال الأصمعي: سمعت مولى لآل عمر بن الخطاب يقول: أخذ عبد الملك رجلاً كان يرى رأي الخوارج فقال: ألست القائل: ومنا سويد والبطين وقعنب ومنا أميرُ المؤمنين شبيبُ فقال الرجل: إنما قلت: ومنا - أميرَ المؤمنين - شبيب بالنصب، أي يا أمير المؤمنين، فخلى سبيله؛ قال ابن قتيبة: أما ترى تيقظه ونقله الكلام بالإعراب عن سبيل هلكته إلى سبيل نجاته؟ وروي أن أعرابياً سمع مؤذناً يقول: أشهد أن محمداً رسول اللهِ فنصب رسولَ، فقال الأعرابي: ويحك! ماذا يفعل؟ لأنه إذا رفع كان خبراً، وإذا نصب كان وصفاً فاحتاج الكلام إلى خبر. وقال رجل لأعرابي: كيف أهلَك؟ بفتح اللام، فقال الأعرابي: صلباً، ظن أنه سأل عن هلكته كيف تكون، وإنما سأله عن حال أهله. وقال الوليد بن عبد الملك لأعرابي شكا إليه صهرا له، فقال: من ختنك؟ ففتح النون، فأجاب الأعرابي: معذر في الحي، إذ لم يشكّ في أنه إنما يسأله عن خاتنه، لا عن ختنه.»
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:40 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.