ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الحديثية
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #91  
قديم 29-08-06, 09:32 AM
أبو محمود الراضي أبو محمود الراضي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-01-05
المشاركات: 168
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

مرفق لكم إخواني كتاب أخانا الشيخ محمد زياد "الإزهاق لأباطيل الإغلاق" الذي رد به على الرد المهلهل للكاذب الحميري " الإغلاق على المعترضين على الجزء المفقود من مصنف عبد الرزاق "

ولدي بشرى بخصوص هذا الموضوع أسوقها لكم قريباً إن شاء الله حال تحققها.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


تم وضع ما في المرفق داخل المشاركة لتعم الفائدة
## المشرف ##



الإزهاق لأباطيل الإغلاق

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله معزِّ من أطاعه ومذلِّ من عصاه، وأصلِّي وأسلّم على رسوله ومصطفاه، وآله وصحبه ومن اتبع هداهم واقتفاه.
أما بعد:
قال الله تعالى: (إن الذين يفترون على الله الكذب لا يُفلحون)، وقال جلَّ وعلا: (إن الله لا يهدي من هو مُسْرِفٌ كذّاب).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كذب عليّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار)، وقال عليه الصلاة والسلام: (من حدّث بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين).
يقول أفقر العباد محمد زياد:
سبق لي أن كتبتُ بحثاً علمياً مطولاً حول تفنيد القطعة المكذوبة المنسوبة لمصنف الإمام عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت211) رحمه الله، تلك القطعة التي أخرجها المدعو عيسى بن عبد الله بن محمد بن مانع الحميري، وقدّم لها محمود سعيد ممدوح، وفي مقدمتهما تلبيس وتدليس على الناس، وإيهام بصحة تلك القطعة المفتراة، وبيّنت بالأدلة العلمية المتكاثرة بطلان تلك القطعة، وأنها حديثة الوضع.
ثم قيّض الله جماعة من كبار العلماء والباحثين المتخصصين من عدة بلدان فكتبوا نقداً لهذه القطعة، وكانت كلماتهم إجماعاً على أن هذه القطعة مكذوبة مفتراة، وحذّروا منها أشد التحذير.
وبعد هذه البيانات والحجج الواضحة، وفي الوقت الذي كان بعض الناس يترقب اعتذاراً وتوبة وتراجعاً من مُخرج الجزء والمقدِّم له: عاد متولي كِبر إخراجه عيسى الحميري ليضيف إلى رصيد مخازيه سوءةً أخرى عبر ردٍّ أسماه: (الإغلاق على المعترضين على الجزء المفقود من مصنف عبدالرزاق)، أصرَّ فيه واستكبر، وسلك في سبيل تثبيت جزئه المهلهل ضروباً خبيثة من الكذب والجهل والخيانة والتدليس والحيدة، واتَّضح بذلك أنه ليس طالب حق، بل هو ضالٌّ مُضلّ عن سبق إصرار وتعمد، وإنما قصده مخاطبة الجهلة المخدوعين فيه خطاباً يُخدّرهم به ويغرّرهم، حتى تَبْقى للكِذْبة التي أخرجها بقية رواج ونَفاق!
ولم أستغرب تلك المسالك من ذاك المومى إليه، فما زادتنا فيه وفي منهجه المنحرف إلا بصيرة، ولكن استغربت الجرأة البالغة والبجاحة في الكذب والمغالطة، حتى في أمور يعلم يقيناً انكشافها لذوي العقل والمنهج السليمين، ولكن سبق التأكيد على أن كتابته كانت للاستهلاك المحلي بين جماعته فقط، وقد صرّح بذلك في مقدمة إغلاقه قائلا: [أردت بها تثبيت قلوب المحبين الصادقين حتى لا تنطلي عليهم مثلُ تلك الترهات (!)، ولا يُلبس عليهم بزيف العبارات (!!)، فإنني خبرت المخالف (!) لا يقنع، وعن غيه لا يردع، وبغير هواه لا يقنع، ولا لنداء غيره يسمع، ولو كان حقًا من النهار أسطع، إلا ما رحم الله فإنه على الخير يجمع. وها أنا -بفضل الله تعالى- أتقدم لإخواني المحبين..].
وإزاء ذلك، فقد رأيتُ من تمام النُّصح لدين الله وللمسلمين أن أواصل كشف تلك الأباطيل وتعرية صاحبها، وعدم الاكتفاء بالكتابة الأولى، فكانت كتابتي تلك وكتابة المشايخ للتحذير وبيان الحق وتعليم وإرشاد من لم يعلم، وأما هذه فتزيد أنها كشف للمفتري العنيد بأسلوب مختلف يناسب إصراره وغيّه وكذبه المتعمد بعد قيام الحجّة، وليست المسألة في خلاف معتاد، بل هي في ذبّ الكذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكشف الوضع والوضاعين.
وأسميتُ الرد: (الإزهاق لأباطيل الإغلاق) تيمنا بقوله تعالى: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، ولكم الويل مما تصفون).
وقد قسمت الرد إلى فصول أربع يندرج فيها جميع ما في إغلاق الحميري: من تهرباته، ومسلسل كذبه المتعمد الصريح، وجهالاته العريضة، وتدليسه وتلبيسه.
وطريقتي أن أقوم بنقل كلامه كاملا بين معكوفتين، وأميّزه بخط تحته، ثم أبيّن عواره، خلافا لما فعله الحميري في إغلاقه، حيث ينقل كلامي بعد أن يُعيد صياغته عموماً، ويقطع ما يتعلق به غالباً، ليتسنى له تحوير المعنى والتلبيس! وقد أغنانا الله بالحق عن سلوك مسلكه والحمد لله.
وقبل الشروع في الرد أنبه القارئ أن الحميري هذا بقي يحرر ردّه عليّ بضعة أشهر، فبين كتابتي لردي وتاريخ كتابة ردّه قريب من نصف سنة، وعليه فإنه مؤاخذ تماماً بما سيأتي بيانه من كذب ومغالطة وتدليس متعمد، ولا عذر له بالعجلة ونحوها، ومسؤوليته كاملة عن عباراته ودلالاتها، فإنها مراجعة ومحررة من لدنه منتقاة.
كما أود من القارئ ليكون على بيّنة ويفهم السياق أن يراجع كتابتي السابقة حول الموضوع بعنوان:
(دفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم وسنّته المطهرة، وكشف تواطؤ عيسى الحميري ومحمود سعيد ممدوح على وضع الحديث: تفنيد القطعة المكذوبة التي أخرجاها ونسباها لمصنف عبدالرزاق)، فإن فيها غنية للمُنصف وطالب الحق حول الموضوع، ولم يخدش (الإغلاق) فيها شيئا يُذكر ولله الحمد، وقد نُشرت في عدد من المواقع على شبكة المعلومات (الإنترنت)، مثل ملتقى أهل الحديث، ويجد هناك عدداً من بيانات أهل العلم حول الموضوع، وكلها في نفس السياق.
والله المستعان، وعليه التكلان.

وقفة مع التهرب

استهلّ الحميري رده بمحاولة مكشوفة لفك الحصار عليه من علماء الأقطار الذين كتبوا وحذّروا من مصنّفه المكذوب، فهو لا يستطيع أن يرد على جميع العلماء دفعة واحدة، ولا يريد أن يظهر لأتباعه أن صاحبهم يعارض ويخالف كل من تكلم في الموضوع من كبار العلماء والدكاترة المختصين في الحديث ومخطوطاته، فلا بد من تضييق نطاق المعركة إلى أقل ما يمكن، وظن أنه استطاع ذلك بقوله أوائل رده عن المعترضين:
[بيد أن جماعة من المتطرفين وهم في نظرنا على قسمين: متطرفون رغبة في الارتزاق وبسبب العمل والمجاورة، ومتطرفون أصليون، وكلا القسمين ركب مركبًا بعيدًا عن النقد العلمي الصحيح، البعيد عن يسر وسماحة الإسلام، وتحسين الظن بالمسلمين، فأخذوا يكيلون الذم لنا ولأصحابنا بشتى الطرق حتى اتهمونا بالعظائم والشنائع انتصارًا لأهوائهم ولحاجة في أنفسهم ... وكان مركبهم يجدف بمجدافي الغل والحقد من ناحية، والخيانة والبهتان من ناحية أخرى] ..الخ.
ثم أراد أن يُظهر بأني خصمه الوحيد، وجعل يردد في رده: [قال المعترض]، ولا يقصد غيري، ولا يسوق إلا كلامي، إلى آخر ردّه الطويل الهزيل، وما أورد عن غيري شيئاً، اللهم إلا انتقاداً جزئياً واحداً للشيخ الفاضل عمر النشوقاتي (مع كون ردّه طويلاً هو الآخر)، وضرب عرض الحائط بأقاويل سائر العلماء والمختصين الذين اتهمهم بالجملة، وظن بهذا أنه أزاح عن كاهله عبئاً، واختزل مؤنة الرد عليهم!
والواقع أن فعله هذا ليس سوى حَيدة ظاهرة، وهروب جبان من مطارق الحقيقة، فضلاً عن قلة الأدب والتربية، فاتهامُه لجميع من رد عليه بالتطرف والارتزاق لا ينطبق إلا عليه وعلى من معه، فكُلٌّ يرى الناس بمنظار طبعه، وكثيرون يعلمون حال هذا المجرم مع مخالفيه من أهل السنّة في بلده لما كان متنفذاً في إدارة الأوقاف، وإقصاءه وإيذاءه لهم، ومحاربته إياهم بشتى الطرق، وتسخير الجهود والأموال في محاربة السنّة قولاً وعملاً وتأليفاً واستكتاباً وسعياً بشكل لم يُعهد في تاريخ بلاده! وألفاظُه الشنيعة بحقهم في كتاباته معروفة كذلك، بمناسبة وبغيرها (كما في حاشية مصنَّفه ص57)، وهكذا في فاتحة ردّه وأثنائه، مع أنه (تمسكن فيه) لما صار في موقف التهمة والضعف! وصار يمثّل دور الحريص على وحدة الصف الإسلامي وهو أحد هادميه! وينادي بتحسين الظن وهو أحد فاقديه!
ولقائل أن يسأل: من هم هؤلاء الذين حكم الحميري عليهم بالتطرف، وأن جميعهم بين متطرف أصلي أو مرتزق منافق، وأنهم جميعاً ردّوا عليه غلاً وحقداً وبهتاناً وخيانة، وما استثنى من هذا التعميم أحدا؟
والجواب يكون بمعرفة أسامي من كتب رداً على مصنفه، وهم: سماحة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين، والعلامة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك، والعلامة الشيخ محمد الأمين بوخبزة المغربي، والشيخ مساعد البشير الحسيني السوداني، والشيخ عبد القدوس بن محمد نذير الهندي، والشيخ عبد الله بن حمود التويجري، والشيخ سعد بن عبد الله الحميّد، والشيخ سعد بن ناصر الشثري، والشيخ عبدالله بن عبد الرحمن السعد، والشيخ خالد الدريس، والشيخ محمد بن تركي التركي، والشيخ إبراهيم بن حماد الريّس، والشيخ علي بن عبد الله الصياح، والشيخ تيسير بن سعد أبو حيمد، والشيخ عبدالمحسن التخيفي، والشيخ محمد بن موسى آل نصر، والشيخ مشهور بن حسن آل سلمان، والشيخ علي بن حسن الحلبي، والشيخ سليم الهلالي، والشيخ صالح الدرويش، والشيخ عمر بن موفق النشوقاتي الدمشقي، والشيخ عبد العزيز بن فيصل الراجحي، والشيخ أديب الكمداني الشامي، إضافة إلى جماعة من مشايخ الحديث في باكستان كما أخبرني شيخنا العلامة ثناء الله المدني مفتي لاهور.
وممن كذّب الجزء شفاهاً ولا أعلمه كتب فيه: العلامة الشيخ محمد أديب الصالح، والعلامة الشيخ محمد بن لطفي الصباغ، والعلامة الشيخ صبحي البدري السامرائي العراقي، والعلامة الشيخ ثناء الله بن عيسى خان المدني مفتي لاهور، والشيخ مقتدى حسن الأزهري الهندي، والشيخ عبد الله التليدي المغربي، والشيخ الحسن بن الصديق الغماري المغربي، والشيخ محمد عجاج الخطيب الدمشقي، والشيخ عدنان آل عرعور، والعلامة الشيخ عبد الكريم بن عبد الله الخضير، والشيخ عبد العزيز بن محمد السعيد، والشيخ عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي الهندي، والشيخ محمد بن ناصر العجمي الكويتي، والشيخ عثمان بن محمد الخميس الكويتي، والشيخ حمزة المليباري، وجماعة.
إضافة إلى عدد من طلبة العلم المعروفين، مثل الشيخ سعد السعدان، والشيخ صالح العصيمي، والشيخ صلاح الشلّاحي، والشيخ عبد الوهاب بن عبد العزيز الزيد، والشيخ عمر بن سليمان الحفيان، والشيخ بندر الشويقي، والشيخ أحمد بن عبد الملك عاشور المدني، والشيخ رياض بن عبد المحسن السعيد، والشيخ عبد الرحمن بن عمر الفقيه الغامدي، والشيخ بدر بن علي بن طامي العتيبي، والشيخ رياض الخرقي الشامي، والشيخ خالد السباعي المغربي، والشيخ حمزة بن علي الكتاني المغربي، والشيخ بدر العمراني المغربي، وجماعة.
فهؤلاء المسمَّون قريب من خمسين من أهل العلم من مختلف البلدان؛ من الهند شرقاً إلى أقصى المغرب، نحو نصفهم يحمل الشهادة العالية (الدكتوراة) في العلوم الشرعية، وجلُّهم أساتذة جامعات ومتخصصون في الحديث، وفيهم جماعة من كبار العلماء، وكلهم أجمعوا على بطلان الجزء، وأنه موضوع مفترى.
فهؤلاء -وغيرهم- هم الذين اتهمهم الحميري الضال بأنهم جميعهم متطرفون؛ إما أصالة أو نفاقاً وارتزاقاً، فضلاً عن الاتهامات الساقطة الأخرى، على أن فيهم من شيوخه وشيوخ صاحبه ممدوح!
فليت شعري من يصدَّق في قوله؟ أأهل العلم والاختصاص المعروفين هؤلاء؛ أم ذاك الحميري الدَّخيل الذي ثبت تطرفه وجهله وضلالُه؛ بل وكذبه؟
وقفة أخرى:

أوهم الحميري الرد على جميع المعترضين عبر العنوان (الإغلاق على المعترضين)، وأجمل الجميع بالاتهامات الهابطة كالتطرف والارتزاق والغل والبهتان و.. و.. ولكنه -كما أسلفت- إنما رد على معترض واحد فقط، ولم يأت بشيء يُذكر عن غيره! مع أنه عاود التأكيد أنه يرد على جميع المعترضين وعلى جميع إيراداتهم بقوله عنهم أوائل رده: [سأحيط بهم إحاطة السوار بالمعصم في إحباط مطاعنهم]! وكذب في ذلك، فلا هو رد على الجميع، ولا رد على جميع المطاعن من شخص واحد، وهو أنا! فضلا أن يحبطها، فتهرب من جملة طويلة عريضة من الإيرادات والنقاط، وحتى تلك التي رد عليها لا يخلو كثير منها من تهرب -حاشا ما كان رداً بالكذب والجهل المركب!- كما سيأتي.
وقد غرر بالقراء وأظهر أنه حصر النقاط التي أوردتها عليه، معدداً لها: أولا.. ثانيا.. كأنه استوفاها! والعكس هو الواقع!
فمن النقاط التي تعامى عنها ولم يُجب عنها البتة:
* اتهامي له بكتمان حكاية أصل النسخة المزعومة، وأنها احترقت، فهو لم يتطرق لهذا الكتمان البتة في تحقيقه، مع كون ذلك خيانة عظيمة في عالم التحقيق، وكشف الأمر الشيخ أديب الكمداني جزاه الله خيراً، فكيف تصرف الحميري إزاء هذه النقطة الجوهرية؟ جاء وذكر في رده أنه تطرق لأمر النسخة الأصل واحتراقها في مقدمة تحقيقه (وهذا كذب صريح!)، وساق الأمر كأنه من المعلومات المسلّمة عند الكل! ومشّى الأمر بذلك مؤملا أن لا يُتنبه له!
* تجاهل ما ذكرتُه من دوره الأسود في محاربة السنّة مقابل مباركة المنكرات حين تسلطه على إدارة الأوقاف في دبي قبل طرده! وطوى عن ذلك صفحاً، وكأنه يقرّ ذلك!
* تجاهل كذلك ما ذكرتُه عنه وعن صاحبه ممدوح من مناصرة الرافضة، وسكت تماماً عن الوثيقة التي ألحقتُها بالرد عن تورطهما بالتطاول على كبار الصحابة والدعوة للرفض في مزرعة الحميري! ولم ير الحميري هذا الأمر الخطير يستدعي الرد والتبرؤ! وأقره أيضاً!
* تجاهل ما ذكرتُه عن شدة انحراف وضلال البريلوية الذين وضعوا النسخة، وأنهم وضعوا المخطوط ليوافق المسائل التي يدعون إليها هم والحميري، فسكت عما ذكرتُه من غلوهم وسوء حالهم، ويظهر من رده أنه مقرٌّ لهم أيضا!
* تجاهل ما ذكرتُه عن تزوير تاريخ طبع الكتاب، مع أنه عاد ليؤكد التهمة مجدداً ويقول في إغلاقه إن ردي عليه كان بعد شهرين فقط من إخراج كتابه، وردي مؤرخ أوائل سنة 1427!
* تجاهل الرد عن كثيرا مما نقلته -وهو طويل- في إبطال حديث النور الذي أولع به، مثل ما نقلتُه عن اتفاق أهل العلم -ومنهم أسياده الغماريين- في أنه باطل موضوع لا أصل له، ولا سيما تكذيب الشيخ عبد الله الغماري أن يكون في أيٍّ من مصنفات عبد الرزاق، ونقله عن ذلك الكذاب الشنقيطي الذي وضع سنداً آخر على عبد الرزاق للحديث! وكذا موقف الشيخ أبو غدة رحمه الله من الحديث وقد أسنده من طريقه! وما أثبتُّه أن الحديث جاء من قبل الباطنية، علماً أن الحميري خالف اتفاق العلماء وإجماعهم وزعم صحة إسناد الحديث!
وتجاهله لهذه القضية علمياً هو جوهر التجاهلات، لأن جزءه المزعوم مبني على هذا الحديث، وهو صرّح أن سبب إخراجه وبحثه عن المخطوط إنما هو لهذا الحديث لا غير! فما قيمة ردّه وجدواه وقد أغفل أصل الخلاف ولب القضية؟!!
ولا يُقال إنه قد ذكر تكذيب الغماريين للحديث في إغلاقه، فإنه لم يرد عليه ردًّا علميا، بل أجاب بأن للمضعفين شأنهم وله شأن خاص! وتجاهل الكلام العلمي.
* تجاهل ما كشفتُه من تحريفه العمد للمخطوط دون إشارة، فقلت في ردي الأول: [ومن أدلة قولي إن الحميري لا يصدّق في نقوله أنه يغيّر ما في المخطوط (المتقن بزعمه) من عنده! ففي الصفحة الأولى من المخطوطة التي أوردها (ص18): (فسجد خمس مرات، فعُبِّدت علينا تلك السجدات)، فكتبها الحميري في المتن (ص53): (خمس مرات، فصارت علينا)، ولم يُشر إلى تغييره! لعله إخفاء لعُجمة التركيب في الأصل! وعلى كل حال فهذه خيانة في التحقيق لم يظهر لنا منها إلا من القدر اليسير الذي أظهره، فكيف بما أخفاه ولم يورده؟!
وفي حديث جابر في النور (رقم 18) غيّر من أصله المتقن (؟!) وأثبت من نقل قدوته وإمامه محيي الدين بن عربي الحاتمي للحديث!].
ورغم أنه اتهام خطير يُسقط الثقة بعمله مطلقاً إلا أنه تجاهله تماماً ولم يُجب عنه بشيء!
* تجاهل انتقادي الجليّ لتبويبه الذي أضافه في المتن، فقلت: [وفي أول الكتاب وضع عنواناً من عنده: كتاب الإيمان! ولا أصل لذلك لا واقعاً ولا عقلاً، فمتى سمع الناس أن مصنفا يذكر (كتاباً) فيه (باب واحد) فقط، وهو باب تخليق نور النبي صلى الله عليه وسلم؟! ثم هذا محله لو كان يفهم في كتاب الشمائل، لا الإيمان!].
* تجاهل اتهامي له بالتدليس الصريح والهوى في انتقائه كلاماً عاماً للغماريين في أحاديث أخرى ليدافع بها عن حديث النور المخالف لها من وجوه، فيما كتم كلامهم الشديد في إبطال الحديث، مع أنهم أبطلوه بالقواعد التي أراد الحميري نقضها بكلامهم! وهكذا يكون الهوى!
*تجاهل الحميري نقاطاً مهمة كثيرة في نقدي للمخطوط، فأعرض رأساً عما أوردتُه عن غرابة وجود المصنف في بغداد في العصور المتأخرة بالأدلة، وقضية نسخ الكتب المتخصصة، وترجمة الناسخ، والإيراد على كون الناسخ خطاطاً! فلو كان عنده جواباً علمياً عما سبق أو حتى منفذ للتدليس لما تأخر عنه، ولكن!
* تجاهل الحميري ما أثبتُّه من كون كتب الرافضة المتأخرة هي من موارد واضع جزئه! وأن الحديث الأول في جزئه مأخوذ عنهم.
* تجاهل الحميري ما أوردته من مثالين لحديثين وردا في المصنف الحقيقي عن عبد الرزاق مخالفين لسند ومتن ما جاء في جزء الحميري المكذوب، وأنهما مسروقان بلفظهما من مصنف ابن أبي شيبة!
* تجاهل الحميري الرد على مجموعة من الانتقادات التي أوردتها على أحاديث جزئه، من جهة الركاكة والتركيب، وقد انتقى من الأحاديث المنتقدة بعضاً مما ظن أن له إجابة عليها، وترك الباقي، فماذا يسمى هذا إلا التسليم بتلك الانتقادات وعجزه عن الإجابة عنها، ومن ثم الإصرار وعدم الاعتراف بالحقيقة والتدليس على المخدوعين فيه بأن لا شيء يقدح في جزئه المكذوب؟
وهذا المجرم المتعمد للخيانة قال عندما أورد الأحاديث المنتقدة: [زعمه بأن أحاديث هذه النسخة من التراكيب الأعجمية والمتأخرة وهي داخلة في اختلاق المتون مستشهدًا على دعواه بتسع نقاط:
النقطة الأولى : حديث رقم (7) الذي جاء فيه: (وأنورهم لونًا) ، حديث رقم (9) وفيه: (كان أحلى الناس وأجملهم من بعيد).] ثم عدد بقية النقاط.
فأرجو من القارئ أن يقارن بين ردي وبين النقاط التي نقلها الحميري وزعم حصرها، وسيجد عددا من النقاط قفز عنها وتعامى عنها مع وجودها أمام ناظري وجهه! وأولها نقطة جاءت قبل النقطة الأولى عند الخائن الحميري، وهي قولي: [الحديث الأول ركيك جداً كما تقدم، وفيه تسمية مهن متأخرة، ومما فيه: "ومنهم من رأى شفتيه فصار أحسن الوجه ووزيرا.. ومنهم من رأى سنه فصار أحسن الوجه من الرجال والنساء"، ولعل الوضاع الهندي أراد: "حسن الوجه". كذلك فيه: "ومنهم من رأى تحت قدميه فصار ماشيا".]
وبين النقطتين الثانية والثالثة عنده قفز عن واحدة في ردي! وكذلك بين الرابعة والخامسة، بل إنه ترك الإجابة في هذين عن الإيراد في المتن وركاكته وانتقل للكلام في ابن أبي زائدة هو هو يحيى أو زكريا! أما النقطة السادسة فأجاب عن إيرادي بقوله: [أعرضت عنه جانباً]!!!
وهناك أمور وانتقادات كثيرة أهملها وسكت عنها إقراراً في نفسه وعجزاً، مع المكابرة وعدم الاعتراف، (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعُلُوًّا)، ولست أبالغ إن قلت إنه تهرب عن أكثر ردي، مع تظاهره في رده أنه حصر نقاط ردي بقوله: أولا وثانيا.. الخ! ويعرف هذا المنصف العاقل الذي يقارن بين ردي الأول وإغلاقه!
فإذا كان هذا صنيعه معي فكيف بما حاد عنه من جموع (المعترضين!) باعتراضاتهم وردودهم؟ وحسبنا نقد فضيلة الشيخ عبد الله السعد وفقه الله، فقد أورد جملة من الانتقادات القوية حول تركيب الأسانيد، أعرض عنها الحميري رأساً! فأقول لمن لا يزال مغشوشاً بالحميري: هل هذا صنيع من يبتغي الإنصاف والنصح وتتبع الحق؟ ويدعي إحاطة الشبهات إحاطة السوار بالمعصم وإحباطها؟
علماً أنني لم أشأ أن أتتبع جميع ما تهرب منه، وأذره في حال تمادى وعاد، وحينها:
فإن عادت العقرب عُدنا لها *** وكانت النعل لها حاضرة


مسلسل الكذب المتعمد الصريح

بعد أن تجاهل الحميري المعترضين جملة، واكتفى بالرد على واحد تقريبا، وتهرب من كثير من نقده: رصّع هذا الحميري ردّه بمجموعة من الكذبات الصريحة السافرة، فما حيلة من يجابه الحق إلا اللجوء للباطل؟ فمما قال الحميري:
[وفي المجلد الأول عثرت على القطعة المفقودة من المصنف ، وبينت في التحقيق أنها وردت إلي من بلاد ما وراء النهر].
قلت: هذا كذب صراح، ودونكم التحقيق المزعوم، فلن تجدوا أي ذكر -فضلا عن تبيين!- لبلاد ما وراء النهر مطلقاً، وإنما أطلق هذه الكذبة تمهيداً لما سيأتي من زعم أن نسخته المكذوبة منسوخة من بلاد ما وراء النهر، وتأتي مناقشة هذه الكذبة الأخرى، على أن الحميري لم يستطع الثبوت على كذبة واحدة، فحيناً يقول في إغلاقه إن النسخة جاءته من بلاد الأفغان، وحينا من بلاد ما وراء النهر (وهي تركستان الغربية، أو ما يعرف الآن بالجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى)!
وقال: [أولاً: زعمه أن المخطوط مزور من حيث خطه، فخطه ليس من كتابات القرن العاشر بل خطه من جنس خطوط الطبعات الحجرية في القرن الماضي في الهند. جوابه أخي القارئ : ما صرحنا به في المقدمة من ترجيحنا لكون المخطوط منقولاً عن الأصل الذي كتب في القرن العاشر].
قلت: هذا كذب صريح، واستخفاف بعقول القراء، فكأنه يظن أن مقدمته ليست بين أيدي الناس ومن يرد عليه ليراجعوها! فأتحدى من يراجع مقدمته أن يجد إشارة صغيرة -فضلا عن تصريح!- أن مخطوطه منقول عن مخطوط آخر، وسيأتي مزيد بيان حول هذه الكذبة الصلعاء، وسببُها سببُ ما قبلها.
وقال الحميري: [ثم سألت الثقات من أهل العلم والفضل والخبرة من البلاد التي وردتنا منها المخطوطة عن نوعية ورق المخطوط ؟ فأخبروني بأن هذا الورق قد فقد منذ حوالي ثلاثمائة سنة على الأقل ، وأخبروني بأن المخطوط الذي بين يدي منقول عن أصل قديم ، فطلبت الوصول إلى الأصل والحصول عليه أو على صورة منه، فعلمت أن الأصل فقد في الحروب التي وقعت ببلاد الأفغان أخيرًا]
قلت: ولنا هنا أكثر من وقفة، وتجاوزاً لتوثيقه غير المعتبر أقول: هذا الكلام كذب وحماقة معاً، أما الكذب فقد كشفه الشيخ أديب الكمداني حين بيّن أن من جلب المخطوط لم يخبر أنه مأخوذ من أصل آخر، وهو -أعني الشيخ أديب- الذي افترض أن المخطوط لا بد أن يكون مأخوذاً عن أصل آخر؛ نظراً لحداثة ورقه وخطه الذي يتعارض مع تاريخ كتابته المزعوم من خمسمائة سنة، وطلب من الحميري أن يطالب بالأصل، فلما طالب (بعد مدة) أراد البريلوي جالب النسخة أن يقطع الطريق بأن الأصل احترق مأسوفاً عليه في الحرب (على ما نقل عنه الحميري)، ولم يكن الحميري يعلم من ذلك الأصل شيئا. وكل هذا مذكور في بيان الشيخ الكمداني.
ثم دارت الأيام فصار البريلوي مُعلماً للحميري، وصار الحميري عالماً بالأمر منذ البداية، وأنه بعد العلم به طلب الأصل، وكله كذب في كذب!
والعجيب أن بيان الكمداني احتج به الحميري في إغلاقه على عدم تكذيبه في أمر، فكذّبه في هذا!!
أما الكذب والحماقة معاً فهي في حكاية النسخ من أصل آخر، فما دام جالب النسخة الثقة الأمين (عند الحميري) وكذا الحميري؛ يعتقدان أن عمر المخطوط لا يقل عن ثلاثمائة سنة، فما يدريهما أنه نُسخ عن الأصل الفلاني تحديداً؟ ومن أين لهما هذا؟ هل كُتب على المخطوط أنه نُسخ عن نسخة كذا منذ ثلاثمائة أو خمسمائة سنة؟ أم أخبرهما أحد من عُمِّر هذه السنوات (!) أنه شهد النسخ منه؟ أم هما اللذان شهدا ذلك؟ أم ماذا؟ إن هذا إلا تخرص، بل اختلاق!
ثم ما شأن حرب أفغانستان لأن تتلف النسخة في مكان آخر من العالم في بلاد ما وراء النهر التي كانت وقتها تحت حكم الروس؟ فهل أطلق الروس صاروخا من أفغانستان جنوبا على بلادهم شمالا لتدمير النسخة فقط؟ فإن حصل فمن الذي أخبر الحميري بذلك؟ هل هم الروس الذين حرقوا النسخة؟ أم الاستخبارات الأجنبية التي تجسست على الروس وشاهدت اتجاه الصاروخ وحسبت إحداثيات الإطلاق والمدى والهدف والنتيجة؟ أم أحد الأعاجم في بلاد ما وراء النهر كان بجانب المخطوط المدعى ونجا من الغارة بنفسه، واتصل بالحميري ومعه مترجم ليخبره بذلك؟ فيُقال للحميري مجدداً: من أين لك هذا العلم؟ ألم تُعمل عقلك ولو قليلا في الأمر أم أنك ما صدقت أن وجدت الفَرَج من ورطتك بحبل الكذب القصير؟
علما أن ثقته جالب النسخة كتب بخط يده -فيما ألحقه الحميري بإغلاقه- : [وما زلنا نبحث عن الأصل الذي نُسخت منه هذه المخطوطة، وبإذن الله سنجدها قريبا إن شاء الله] وتاريخ كتابته 17/5/1427 [13/6/2006م] وتاريخ كتابة الحميري 23/5/1427 [19/6/2006م] أي بينهما بضعة أيام فقط!! وشهادته تنقض ما يذكره الحميري من احتراق النسخة، إلا إن كانت جمِّعت من الرماد بعد احتراقها وأُعيد ترميمها! كما أن شهادة ثقته تكذّب الحميري في غير ذلك، حيث تقدم قول الحميري: [ثم سألت الثقات من أهل العلم والفضل والخبرة من البلاد التي وردتنا منها المخطوطة عن نوعية ورق المخطوط ؟ فأخبروني بأن هذا الورق قد فقد منذ حوالي ثلاثمائة سنة على الأقل].
بينما قال ثقته بخط يده: [وقد قرر أهل العلم من أهل الاختصاص هناك أن الورق الذي كتبت به المخطوطتان يرجع عمرهما إلى مائة وخمسين سنة تقريباً، وأن هذا الورق اختفى منذ سنين عديدة في تلك المناطق وما جاورها].
لاحظوا الفرق بين النقلين! فإن كان الحميري مصرًّا على ثقة جالب النسخة فقد حكم هذا الحميري على نفسه بالكذب، وسقطت الثقة بعمله هذا وغيره، وإن حكم أنه هو الصادق وجالب النسخة كاذب فقد حكم على مخطوطه أيضا بالسقوط واطراح الثقة، فأحدهما -على الأقل- كذاب بحُكم الحميري نفسه! والنسخة باطلة على الوجهين بنفس الحكم! وكفى الله المؤمنين القتال!
ولا تستغربوا إن حُوصر الحميري في تحديد ممن عرف خبر النسخة الأصل أن يسد الطريق إليه بادعاء أن الأمريكان قتلوه في أفغانستان أو مات في غوانتنامو! كما حاول سد الطريق في أمر تتبع أصل نسخته بأنها عدمت واحترقت!
على أنه قد ثبت لدينا كذب الحميري نفسه وارتجاله الكذب المفضوح الذي يُدان به من كلامه نفسه -كما سبق ويأتي- فأنى يُصدَّق هو ومن يوثقه (!) في مثل هذا الأمر وغيره؟ وإلا فالتركيب بادٍ على الحكاية من أصلها! ولعلنا نعلم بهذا سبب إصرار الحميري على توثيق أخيه في العدالة والاعتقاد!
وهَب أنه كانت هذه النسخة من المصنف فعلا واحترقت في الحرب، لماذا لا تكون النسخة المحترقة هي المنسوخة من أصلهما ذي الثلاثمائة عام على الأقل في زعمه؟
ولماذا لم يفتح الحميري فمه ويذكر قضية النسخة الأصل وقصة الاحتراق في مقدمة تحقيقه، وترك القضية ولم يذكرها إلا حين افتضح أمرها وكشفها غيره من الناس؟ وليت شعري هل تخبئ لنا الأيام أموراً أخرى حرص على كتمانها، ثم لا يذكرها إلا بعد افتضاحها هي الأخرى؟ الله أعلم! ولا يُستغرب من الحميري شيء!
وقال: [عاودت سؤال أهل الاختصاص فأجمعوا على أن المخطوط درة يتيمة في بابها، ومن الأمانة إخراجها].
قلت: وهذه كذبة أخرى، فإن الحميري مع عدم تسميته لأهل الاختصاص هؤلاء قد ثبت لديّ كذبه في دعواه الإجماع، فإنني بالسؤال ما عرفتُ إلا ثلاثة ممن عرض عليهم المخطوط، أولهم الشيخ الكمداني، وثانيهم محمود سعيد ممدوح، فأما الكمداني فقد بيّن في كتابته عن الموضوع الجزم بتزوير المخطوط وحداثة خطه وورقه وكذب ما فيه، وأكّد على ذلك مراراً -شفاهاً وتحريراً- وحذّر الحميري من طبعه، ونقل عن الثاني ممدوح ما يفيد أنه لم يجزم بصحته وإنما كان موقفه رخواً بين رأيه ورأي الحميري، وبيان الكمداني منشور وأحال عليه الحميري بنفسه!
والثالث هو الشيخ محمد مطيع الحافظ، فقد علمتُ بالإسناد إليه أنه قال عن عُمر المخطوط إنه معاصر ولا يصل إلى خمسين سنة كحد أقصى. فصار عندنا اثنان على الأقل يكذّبان الإجماع.
وعلى ما سبق فحتى لو كان هناك آخرون استشارهم الحميري فإن دعواه على الإجماع كاذبة، مع الحاجة إلى معرفة هؤلاء المستشارين، ولا سيما وأنه يعتبر مثل محمود سعيد ممدوح من أهل الاختصاص في المخطوطات! وما له فيه جهدٌ إلا تحقيق قديم لجزء صلاة التسبيح لابن ناصر الدين، وبالمقابلة على المخطوط الذي اعتمد عليه تبيّن في عمله وجود عشرات السقوط -لكلمات وجُمل!- والتحريفات بل والإضافات، مع صغر المخطوط!
ثم قد أشار الشيخ الكمداني في كتابته أن الحميري كان يسأل المختص وغير المختص في شأن المصنف!
على أنه ثبت أن الحميري هذا كذاب في نقله، فمن كتم وحرّف شهادات من سبق من المعروفين فكيف يصدّق على غيرهم من المجاهيل؟
وقال الحميري: [إن المعترض قد بلغ غاية قصوى من البعد والشطط ، فادعى عليَّ وعلى المحدث محمود سعيد ممدوح كذبًا وزورًا، تزويرنا للقطعة المعنية من مصنف عبد الرزاق ، ثم لما تبين له خطؤه البين وتسرعه الفادح تراجع عن هذه الدعوى وتناقض مع نفسه، فأبطل قوله بنفسه].
قلت: هذه كذبة فجة للغاية، وهذا الرجل واحد -على الأقل- من اثنين: إما لا يستحي من الكذب مطلقاً، أو أن عنده مشكلة جادة في الفهم والإمكانات العقلية.
وللقارئ الرجوع إلى كلامي وسيجد أني ذكرت مراراً وتكراراً أن الواضع من بريلوية الهند، فهل يحسب الحميري نفسه وصاحبه ممدوح منهم؟ أم إنها دعوى المريب؟
ولكن بعد مضي الوقت على كتابة ردي الأول تنامى إلى سمعي هذه الدعوى السخيفة التي يحاول الحميري وصاحبه التعلق بها، فقلتُ في بعض ردودي التي رآها:
[أود توضيح عبارتي في مطلع الرد، ونصها: [ويرى الشيخ أديب أن الحميري ليس له علاقة مباشرة في تزوير المخطوط، وأنه كان يجهل وضعه ذلك الوقت، بخلاف محمود سعيد ممدوح] فهنا ثلاث مقاطع نقلتها عن الشيخ أديب الكمداني:
1- أن الحميري ليس له علاقة في تزوير المخطوط. (انتهت هذه الفقرة)
2- وأن الحميري كان يجهل وضع المخطوط ذلك الوقت (وهنا انتهت الفقرة الثانية، واستدركتُ على هذه الفقرة ما جاء في الفقرة الثالثة، وهي):
3- خلافا لمحمود سعيد ممدوح.
فقصدي الواضح: أنه وقت رؤية الكمداني للمخطوط مع ممدوح عند الحميري، كان الحميري جاهلا بوضعه، بخلاف ممدوح الذي لا يخفاه وضعه، ولم يقل الشيخ الكمداني ولا نقلتُ عنه أنه يتهم ممدوح بتزوير المخطوط!
وإنما جرى البيان لأنه بلغني أن ممدوحا حمّل عبارتي أسوأ ما يمكن أن يُفهم، وجعلني أتهمه على لسان الكمداني بتزوير المخطوط، مُعرضا عن السباق واللحاق، فسبق هذا أن اتهام التزوير كان للبريلوية صراحة، ويلحق تأكيدُ ذلك عدة مرات، وذكرُ كلام خاص عن دور ممدوح في الجريمة بنوع تفصيل، وليس فيه اتهامه بتزوير المخطوط.
ونظرا لأن الغريق يتعلق بالقشة، فقد ظن ممدوح أنه وجد هنا شبه ثغرة ليستغلها ضد الشيخ الكمداني وضدي، بأنا اتهمناه بما ليس فيه، وهيهات!
وكم من عائب قولا صحيحاً * * * وآفته من الفهم السقيم!
علما بأن سلوكه لمثل هذه الجادة يثبّت عليه دوره الحقيقي في الجريمة كما ذكرناه، إذ لو كان له مخرج سليم لأتى به؛ وعدل عن مثل هذه الحيلة المكشوفة!
وقد ميّزت النصوص بالألوان تقريبا لفهم بعض الناس! نسأل الله الستر والمعافاة!]
فهذا كان ردي قبل ثلاثة أشهر من الإغلاق، وقد اطلع عليه الحميري، فهل تراه فهم رغم التقريب والتوضيح؟ كلا! بل زاد ضغثاً على إبالة وادعى أن ردّي المنقول آنفا هو تراجع مني عن الاتهام! وللقارئ النظر والمقارنة! وأدعوه إلى الاعتبار بهذا العقل الذي لا يفهم حتى بالتكرار والتوضيح والألوان وتحليل العبارة!
علماً أن المعترض كان ممدوح الذي جعل الاتهام منصباً عليه، ثم وصل الحال بعقل الحميري إلى أن ظن الاتهام فيه هو!
ولعل قائلا يقول هنا: ما كان أغنى الحميري أن يُذل نفسه هكذا ويُظهر نفسه بهذه الحال.
والجواب إن هذه الكذبة والفضيحة العقلية مهمة جدًّا له، لأنه بنى عليها جزءً مهما من الإغلاق، وأراد أن يظهر بمظهر المظلوم الذي يُرمى بما ليس فيه، وأن يحرف مسار الكلام عن التزوير قدر الإمكان عن أيامنا المعاصرة، ليقدر أن يقول إن المخطوط: [كُتب قبل أن أولد قطعًا]!
وحول علاقة الحميري المباشرة بوضع الجزء أسوق ما كتبه أحد أهل الفضل والعقل، وهو الكاتب باسم (خزانة الأدب) في ملتقى أهل الحديث، فقال معقباً على بيان الشيخ الكمداني الذي كذّب فيه الجزء مع تبرئته للحميري وممدوح من المشاركة في تزويره:
[على حدّ علمي لم يتهم أحدٌ الحميريَّ وممدوحاً بتزوير الكتاب، بل هما متَّهمان بما هو واضح وضوح الشمس، وأكده الشيخ أديب الكمداني بكلامه هذا وهو في معرض الدفاع عنهما، فما زادهما إلا تهمةً!! وهو أنهما شريكان في التزوير بنشرهما إياه وشهادتهما لصحته، واستبسالهما في الدفاع عنه، وإعراضهما عن نصيحة كل ناصح يقول لهما إن تزويره كالشمس في رابعة النهار!
بل صار واضحاً أن رغبة الحميري في إيجاد الجزء، وما يقتضيه ذلك من بذل الجائزة الثمينة، هي التي أوحت للمزوّرين بتزويره، وشجعتهم على إيجاده، بدليل أنهم لم يجدوا من يتحفونه بهذا الجزء المزور إلا هذا الحريص على وجوده، الباذل في سبيله كل غال ونفيس!!
فهما شريكان في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما هي حال الرائش وكاتب الربا، ولا يزالان على إصرارهما على هذا الكذب، وإلا فيستطيع الحميري أن يتراجع ويعتذر ويسحب الكتاب من الأسواق. ولكن هذا الكذب وقع على قلبه موقع الماء البارد الزلال، بل هو الذي أوجده وأجاز عليه.
هذه هي التهمة يا شيخ أديب، وقد أكَّدتها بكلامك بارك الله فيك].
انتهى كلامه وفقه الله، وهو كلام سديد، وقد تأكد كلامه وتأيد أكثر لما أخرج الحميري إغلاقه!
وبهذا أيضاً يُعلم المدخل الذي نفاه الحميري بقوله: [إن المخطوط جاءنا من بلاد ما وراء النهر فلا مدخل لنا فيه البتة]!
* قال الحميري: [أما عن ما أورده الإمام الذهبي رحمه الله في سيره في ترجمة الشيخ محيي الدين وإيراده مقالة العز بن عبد السلام عن ابن دقيق العيد في تجريح محيي الدين فهو كلام مردود عري عن الصواب ، وليس هو التحقيق بل التحقيق ثناء ابن عبد السلام على الشيخ الأكبر كما هي عبارة العقد الثمين ، ونفح الطيب ، والشذرات عن مقالة الإمام رحمه الله .]
قلت: هنا تجلّد الحميري على الكذب بوقاحة، فلم يكتف بالكذب على العز بن عبد السلام، بل جاء وكذب على التقي الفاسي صاحب العقد الثمين جهاراً نهاراً! وأحال على كتابه بقلّة حياء، مستخفًّا بعقول القراء، وكأن أحداً لن يرجع ليتأكد من مزاعمه.
فروى الفاسي في العقد الثمين (2/181-182) ما رواه الحافظ ابن سيد الناس عن الحافظ ابن دقيق العيد، عن العز بن عبد السلام قوله في ابن عربي: "شيخ سوء كذاب، يقول بقِدَم العالَم، ولا يحرِّم فرجاً".
وأسند عن ابن سيد الناس به (2/182) قول العز: "شيخ سوء مقبوح كذاب". ضمن قصة.
وهذان صحيحان مسلسلان بأئمة حفاظ، ولم ينفرد بهما الذهبي كما هو مبلغ علم الحميري! وقد رواه غير ابن سيد الناس عن ابن دقيق العيد، كأبي بكر بن سالار (مجموع الفتاوى 2/244) والتقي السبكي (كما سيأتي قريباً).
ثم قال التقي الفاسي (2/182-183): "ولا يُعارِض ما صحَّ عن ابن عبد السلام في ذم ابن عربي: ما حكاه عنه الشيخ عبد الله بن أسعد اليافعي في كتابه الإرشاد والتطريز.."
فذكر حكايته عن العز أنه كان يطعن في ابن عربي ويقول هو زنديق، فقال له بعض أصحابه: أريد أن تريني القطب، أو وليًّا: فأشار إلى ابن عربي.. الخ.
ثم أبطل التقي الفاسي هذه الحكاية في المدح ونقدها من عدة أوجه في ثلاث صفحات! فمما قال (2/183): "وإنما لم يكن ما حكاه اليافعي معارِضاً لما سبق من ذم ابن عربي لأن ما حكاه اليافعي بغير إسناد إلى ابن عبد السلام، وحُكم ذلك الاطِّراح، والعمل بما صحَّ من ذمّه، والله أعلم، وأظن ظنًّا قوياً أن هذه الحكاية من انتحال غُلاة الصوفية المعتقدين لابن عربي، فانتشرت حتى نُقلت إلى أهل الخير فتلقوها بسلامة صدر، وكان اليافعي رحمه الله سليم الصدر فيما بلغنا".. الخ.
ومما قال التقي الفاسي: "وما ذُكر في هذه الحكاية من ثناء ابن عبد السلام على ابن عربي -على تقدير صحته- منسوخٌ بما ذكره ابن دقيق العيد عن ابن السلام في ذمّه لابن عربي".
وحقق التقي الفاسي أن ابن دقيق العيد إنما لقي ابن عبد السلام بعد وفاة ابن عربي، أما حكاية اليافعي -لو صحت!- فهي في حياة ابن عربي بدليل ما فيها من أن العز أراه لمن يسأله عن القطب أو الولي.
الحاصل أن التقي الفاسي صرَّح أكثر من مرة أن تكذيب العز بن عبد السلام وذمّه لابن عربي صحيح، وأن عليه العمل، وأن ما رُوي من مدحه له مطَّرَح مردود، بل يرجّح كونه من وضع وانتحال غلاة الصوفية، وأنه على فرض ثبوته منسوخٌ يقيناً، ويسهب في إبطال المدح في ثلاث صفحات! فهذا هو تحقيقه، وهو فصلٌ في المسألة، ثم يأتي الحميري بعد ذلك كله ويدعي بقلة حياء أن التحقيق عكس ذلك؛ مُحيلاً على نفس الموضع لتأييد تحقيقه؟! أي كذب عمد أبلغ من هذا؟
ومن العجائب أن يحيل الحميري بنفسه لكتاب العقد الثمين للفاسي في باب الثناء على ابن عربي! كيف وترجمة ابن عربي فيه من أهم ما كتبه العلماء في بيان ضلال ابن عربي وزندقته، ولا يستغني عنه الدارس لحاله، وما يوم حليمة بسرّ! فلأهميته أفرده بالطبع فضيلة الشيخ علي بن حسن الحلبي وفقه الله، وذلك في دار ابن الجوزي بالسعودية، وطبع أكثر من مرة، وما أظن الحميري يجهل ذلك!
وأوجّه المخدوع بابن عربي لقراءة الكتاب، وسيجد مسرداً لجماعات من العلماء من شتى المذاهب صرحوا بأن ما في كتب ابن عربي كفر بواح وزندقة، ومنهم من كفّره بعينه وكذّبه.
ومن هؤلاء العلماء الذين ساقهم الفاسي: الحافظ ابن مسدي الأندلسي، والحافظ الذهبي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والقاضي بدر الدين بن جماعة الشافعي، والقاضي سعد الدين الحارثي الحنبلي، والشمس محمد بن يوسف الجزري الشافعي، والقاضي زين الدين الكتاني الشافعي، والشيخ نور الدين البكري الشافعي، والشيخ الشرف عيسى الزواوي المالكي، وشيخ الشافعية السراج البلقيني، والحافظ ابن حجر العسقلاني، والعلامة محمد بن عرفة التونسي، والعلامة ابن خلدون المالكي، والتقي السبكي الشافعي، والحافظ ابن المحب الصامت، والحافظ أبو زرعة العراقي، والحافظ المِزّي، والعلاء القونوي، والإمام الرضي ابن الخياط الشافعي، والشهاب الناشري الشافعي، والحافظ ابن كثير، وشرف الدين إسماعيل بن المقرئ الشافعي.
فهؤلاء أعيان وقتهم في العلم والتحقيق، وكلهم طعنوا في ابن عربي، وهم المذكورون في مصدر واحد فقط، أتيتُ بهم منه لإحالة الحميري عليه كذباً وبهتاناً! وبذلك تتضح كذبته الأخرى بادعاء الإجماع في قوله: [فاعلم أخي القارئ أن الشيخ الأكبر محي الدين رحمه الله أجل من أن يذكر في موطن التجريح أو التعديل لأنه عالي القدر ذائع الصيت بعيد الصوت مجمع على جلالة قدره وعلو كعبه ورسوخ قدمه من أهل التحقيق]!!
وأنا أعلم أن الكلام في ضلال ابن عربي مفروغ منه ومشتهر -خلافاً للحميري الذي يظن أنه يغطي الشمس عن الناس بغربال!- فقد أوسعه العلماء والأئمة نقداً وطعناً، وأفرده بذلك جماعة -كابن تيمية والتقي الفاسي والبرهان البقاعي والسخاوي- والجمهور على التحذير منه، وهم الأكثر عدداً والأجل قدراً والأقوى حجة، ولم يشتهر الغلو في ابن عربي إلا مع انحسار العلم بعد أيام المماليك لما تبنى الأتراك التصوف الغالي وانتشر بحُكمهم، وإلا فالناظر في تراجم ابن حجر والسخاوي يجد أن القلة الذين يعتقدون بابن عربي انتُقدوا وشُنِّع عليهم بهذا، وحتى لو كانوا كثرة فالعبرة بالحق لا بالرجال!
ولكن المقصد هنا إظهار أن الحميري لا يستحي من الكذب المفضوح.
ومثله قوله: [أما عن زعم المعترض بأن حديث جابر مدخول في كتب الشيخ الأكبر مع عدم توثيقه للشيخ محي الدين والطعن في توثيق السادة الغمارية له ، فهذا محض افتراء ، فقد طفحت كتابات الشيخ الأكبر قُدس سره بحديث جابر وتفسيره له كما في كتاب الوعاء المختوم على السر المكتوم والمملكة الإلهية وكتاب الدوائر ، وتلقيح الفهوم وعنقاء مغرب.]
قلت: وهذه كذبة باردة من الحميري! بل هو محض افتراء منه، فلم أقل مطلقاً أن الحديث مدخول على كتب ابن عربي، بل صرَّحتُ أنه في كتبه، وأنه هو منشأ علّته، لا أن غيره ألصقه به وهو بريء! فهذا الحميري إما لا يفهم الكلام العربي، أو يكذب جهاراً نهاراً، أو اجتمع عنده الأمران معاً.
هذا؛ وقد سوَّد هذا الحميري في محاولة الرفع بابن عربي صفحات كثيرة في إغلاقه، كان الأولى أن يصرفها في الرد على الكثير الذي تهرب منه، أو أن يغار على سنّة النبي صلى الله عليه وسلم بمقدار ما غار على ابن عربي إمامه في الضلالة، أو يغار على أئمتنا الصحابة الكرام الذين يطعن فيهم ممدوح أمامه وفي مزرعته بنفس المقدار على الأقل، ولكن الهوى يُعمي ويُصم.
فمما قال الحميري في ذلك: [إن طعن المعترض على توثيق السادة الغمارية لا مسوغ له، فسادتنا الغمارية علماء أفذاذ لا يتحدثون إلا بحجة ودليل ، لا أنهم يهرفون بما لا يعرفون كما يعلمه المعترض وغيره].
وهذا يرد عليه من وجوه، أولها: أن الذي أعلمه ويعلمه الناس أن الغمارية -فضلا عمن هو أجل منهم وأعلم وألزم للسنّة- غير معصومين، وكلٌ يؤخذ من قوله ويُرَدّ، فدعوى الحميري أن عِلْمي فيهم كما ذَكر: كذبٌ معتاد منه.
ثانيا: أنني تعقبت توثيق عبد الله الغماري فقط، وليس كل أشقائه الغمارية، علماً أن تعميم الأحكام والمذاهب على الأشقاء الغماريين غير صحيح -كما بدأ يُشيع ممدوح والحميري- فبين الغماريين من التباين في شتى المسائل (الاعتقادية والفقهية والحديثية والسياسية) شيء عظيم، وبينهم من الردود (القاسية) ما هو مشهور، فادعاء أنهم (مدرسة واحدة) لا يصح أصلا، إلا على هوى فاقدي المرجعية والنسب العلمي من جامعي التناقضات! فكل واحد منهم يناقش كلامُه على حدة، وأرجو أن لا يضطرني الحميري للتوسع أكثر في هذه النقطة!
ثالثا: ما دام الحميري يعتقد أن الغماريين لا يتكلمون بغير حجة فلماذا لم يأخذ حكمهم على حديث النور -عقدة البحث!- بأنه مكذوب لا أصل له عن عبد الرزاق ولا غيره؟ أم أنه لا يأخذ من كلامهم إلا الزلات والسقطات ويترك الحق الذي وافقوا فيه الناس؟
رابعاً: يُتأمل في منع ابن مانع الحميري الباحثين أن يجتهدوا في مسائل الأسانيد بحجة أنه: [قد أغلق بابها لخلو عصرنا من الجهابذة في هذا الفن !!]، بينما يَقبل عقلُه -وهو دكتور الحديث!!- أن يأتي أحد في القرن الخامس عشر ويوثق الرواة -من ثمانية قرون!- من عنده! لا! بل هو يقوم بذلك على جهله، فيقول: [وشرح هذا يطول ويخرجنا عن المقام، وبالجملة فهو عندنا ثقة]! فيُجاب: ومن أنتمُ حتى يكون لكم (عِنْدُ)؟! ورحم الله ابن حجر إذ قال في نزهة النظر (ص192 بتحقيق علي الحلبي): "ولْيَحذر المتكلم في هذا الفن من التساهل في الجرح والتعديل، فإنه إن عدَّل أحداً بغير تثبت كان كالمُثبت حُكماً ليس بثابت، فيُخشى عليه أن يدخل في زُمرة [من روى عني حديثاً وهو يُظن أن كذب]"، وقال (ص190): "ينبغي أن لا يُقبل الجرح والتعديل إلا من عدل متيقظ".
فالحميري -وليس بالعدل ولا المتيقظ- فعل هذا التعديل الباطل، فلا يُقبل منه، مع انتقاض كلامه بما أوردتُه عن ابن عربي من جرح مفسّر ذكره الحفاظ وأثبته التاريخ، وأعيده هنا تذكيراً للقارئ، فقلت: [كذا قال الغماري! ولا أدري من أين جاء بالتوثيق؟! فقد ترك الأئمةُ الرواية عن ابن عربي (كما ذكرتُ في كتابي فتح الجليل ص391)، وثبت أن سلطان العلماء العز ابن عبد السلام كذّبه، كما كذّبه جماعة من العلماء في ادعائه الإذن من رسول الله صلى الله عليه وسلم في إخراج كتابه (سرد فتاويهم التقي الفاسي)، وثبت كذب ابن عربي في ادعاء الرواية عن بعض شيوخه، مثل أبي الخير الطالقاني، واتُّهم في غيره، كأبي الحسن بن هُذيل، وعبد الحق بن عبدالرحمن الأزدي، والحافظ السِّلَفي، بل أبعد ابن عربي فادعى الإجازة من ابن عساكر -وقد توفي سنة 571 قبل السِّلفي- ومعلوم أن هذا متشدد في الإجازة، ولم نقف من إجازاته إلا على النادر جدا، وغالب مؤلفاته تُروى عنه بالسماع، ولذلك لم يُذكر أنه أجاز أهل عصره، وابن عربي ما رحل من الأندلس للمشرق إلا سنة 598 كما ذكر ابن النجار، فأنّى أخذ منه؟ ولهذا وغيره تُرجم ابن عربي في الميزان، واللسان.
ثم حديث النور هذا لم يُسبق إلى سياقه، وفيه اصطلاحات صوفية كما قال الغماري، فالظاهر أن ابن عربي علّته دون غيره.]
وكيف لا يكذب ابن عربي في الحديث وقد كذب على الله جلَّ وعلا إذ قال: "إن الحق أوقفني على ما سطَّره لي في توقيع ولايتي أمور العالم، حتى أَعْلَمني بأني خاتم الولاية المحمدية بمدينة فاس سنة خمس وتسعين، فلما كانت ليلة الخميس في سنة ثلاثين وستمائة أوقفني الحق على توقيع بورقة بيضاء، فرسمتُه بنصِّه: هذا توقيع إلهي كريم من الرؤوف الرحيم إلى فلان، وقد أجزل له رفده، وما خيَّبْنا قصده، فلينهض إلى ما فُوِّض إليه، ولا تشغله الولاية عن المثول بين أيدينا شهراً بشهر، إلى انقضاء العمر". (انظر تاريخ الإسلام للذهبي وفيات 638 ص377 والعقد الثمين 2/189)
وإن شاء المزيد فإن جماعة آخرين نصوا على كذبه، وساقهم شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (2/244 وما بعده)، والتقي الفاسي، والبقاعي، والسخاوي، وغيرهم.
ومِن عَكْس الحقائق عند الحميري الجاهل قوله إن إدراج الذهبي وابن حجر لابن عربي في الضعفاء تغرير منهما! وقال: [وقد انتقد الإمام السبكي ذلك عليهما وتابعه شيخنا العلامة خاتمة المحدثين سيدي عبد العزيز بن الصديق في كتابه السوانح (خ ل495 ب)، وعلاوة على ذلك فسترى أخي القارئ خلاصة رأي الذهبي وابن حجر من خلال كتابيهما المذكورين وغيرهما من الكتب].
قلت: كذا جعل الحميريُّ السبكيَّ متعقبا عليهما -أي الذهبي وابن حجر- وفات هذا الجاهل أن السبكي مات قبل ولادة ابن حجر، فكيف يتعقبه؟ إلا إن بُعث بعد موته بدهر وردّ عليه!
ثم يُقال للحميري: أين تعقبُّ السبكي المزعوم؟ وما نصٌّه؟ ولماذا لم تُحل على مصدر كما هو المعهود عند أهل العلم؟ على أن المعروف الثابت عن السبكي كلامه الشديد في ابن عربي، ونقله عنه التقي الفاسي في العقد الثمين -وهو الكتاب الذي أحال عليه الحميري في عين مبحثنا هذا!- فقال التقي السبكي: "ومَن كان من هؤلاء الصوفية المتأخرين، كابن العربي وأتباعه، فهُم ضُلّال جُهّال، خارجون عن طريقة الإسلام، فضلاً عن العلماء". (العقد الثمين 2/187)
وهذا ما نقله البرهان البقاعي في كتابه تنبيه الغبي (152) قال: "قال شيخنا العلامة محمد بن محمد بن علي بن يوسف، ويعرف بابن الجزري الشافعي، في جواب أجاب فيه بكفره -كما حكاه عنه ابن الأهدل-: ولقد حدثنا شيخنا شيخ الإسلام الذي لم تر عيناي مثلُه عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير من لفظه غير مرة، حدثني شيخ الإسلام العلامة قاضي القضاة تقي الدين أبو الحسن علي بن عبدالكافي السبكي، حدثنا الشيخ العلامة شيخ الشيوخ قاضي القضاة تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي القشيري المعروف بابن دقيق العيد -القائل في آخر عمره: لي أربعون سنة ما تكلمت بكلمة إلا أعددتُ لها جوابا بين يدي الله تعالى- قال: سألت شيخنا سلطان العلماء عز الدين أبا محمد عبدالعزيز بن عبد السلام الدمشقي عن ابن عربي، فقال: شيخ سوء كذاب، يقول بِقَدم العالم، ولا يحرِّم فرجا".
قلت: ثم هب أن السبكي تعقبهما (!) فهو على علمه دون رتبة الحافظين الذهبي وابن حجر -رحم الله الجميع- في معرفة الحديث والرجال والاستقراء والتخصص فيهما، ويُفترض أن يكون الأمر كذلك عند من يكون دكتوراً في الحديث! ولا سيما مع ما قاله أحمد الغماري -المقدس عند الحميري وصاحبه ممدوح- في در الغمام الرقيق (ص227)(1)! وحتى لو كان السبكي فوقهما رتبة فالحجة والبيّنة معهما.
وأما عبد العزيز الغماري فقد علمتُ من شيخنا العلامة بوخبزة وغيره أنه غالٍ في وحدة الوجود مؤتمٌّ بابن عربي، فلا يُستغرب منه انتصاره لهواه، وهو أمرٌ معروف منه سامحه الله، ولا يؤثر انتقاد مثله -فضلا عمن هو أكبر منه- فيمن تكلم عنه الإمامان الذهبي وابن حجر بالحجة.
وأما نعت الحميري (الجاهل في الحديث) للغماري بخاتمة المحدثين فمما يزهدني في أرض أندلسٍ! وأكثر منه تزهيداً تلقيبه لصاحبه ممدوح بسماحة الشيخ!
على أن الحميري لم يسُق ألفاظ الانتقادات المزعومة ليُنظر من أي زاوية هي؟ وعلى فرض ثبوتها ثم عمومها فلا تغلب الساقيةُ البحرَ! وأما فهمُه وأمانتُه فلا يعوَّل عليهما!
وبعد ذلك جاء الحميري فكذب كذبة صلعاء وادعى أن الذهبي وابن حجر نصَّ كلاهما على توثيق ابن عربي!!! وأظهر بجانب كذبه تناقضه مع ما يورد، فإذا كان كلاهما يوثقه فلماذا يرد عليهما السبكي (!) وعبد العزيز الغماري كما زعم؟
كما أظهر جهله التام الممتزج بالتلبيس الخبيث، أما الجهل فإنه اقتص كلاماً للذهبي أنه يجوِّز أن يكون ابن عربي تاب عند الموت وخُتم له بالحسنى، وأن ابن عربي كان صاحب ذكاء وتوسع في الكلام وما أشبهه، وكلاهما ليس توثيقاً أصلاً! فضلا عن أن يكون نصًّا، مع أن دكتور الحديث (!) الحميري لو فهم ما نقل لعلم أن مقتضى التوبة عند الموت أن ما قبله من الآراء والمصنفات هي من الخطايا والرزايا التي تحتاج إلى توبة!! وكم يترجم الذهبي لأناس ينص على ذكائهم وينص على أنهم زنادقة أو ضلال، فليس كل ذكي زكيًّا!
وأما التلبيس الخبيث فهو كتمانه لما رآه ويعرفه من حقيقة موقف الذهبي وابن حجر من ابن عربي، واقتطاع شيء من كلامها وحرفه عن معناه، تماما كمن يقف عند قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة) ولا يُكمل: (وأنتم سكارى)، أو يقرأ: (فويل للمصلين)، ولا يكمل ما بعدها: (الذين هم عن صلاتهم ساهون)!
فأما الذهبي فكلامه واضح في السير وفي التاريخ، وحسبه أن ترجمه في الميزان جارحاً له في روايته وفي ديانته تصريحاً، وأدعو القارئ أن يقف بنفسه على ما سبق ويحكم، علماً أنه أسمع ترجمة ابن عربي في التاريخ إسماعاً خاصًّا كما في هامشه (ص381)، وهو إن كان جوّز في بعض كلامه -تورعاً وتحسينا للظن- أن يموت ابن عربي على التوبة من الزندقة: يصرِّح في الجميع أن كلامه كفر وضلال، والحميري وأضرابه إنما يحتجون بكلام ابن عربي، لا بخاتمته المحتملة!
ولا بأس أن أنقل شيئا من كلام الذهبي تسهيلاً على من يعسر عليه الرجوع لكتبه، وتعجيلاً لفضح كذب الحميري.
فقال الذهبي في ترجمة الزنديق علي بن أبي الحسن الحريري في التاريخ (47/279) بعد أن أورد إنكار الإمام الحافظ سيف الدين بن المجد عليه: "قلت: رحم الله السيف ابن المجد ورضي عنه، فكيف لو رأى كلام الشيخ ابن العربي الذي هو محض الكفر والزندقة؟ لقال إن هذا الرجل المنتظر! ولكن كان ابن العربي منقبضاً عن الناس، وإنما يجتمع به آحاد الاتحادية، ولا يصرِّح بأمره لكل أحد، ولم تشتهر كتبه إلا بعد موته بمدة، ولهذا تمادى أمره.
فلما كان على رأس السبعمائة جدد الله لهذه الأمة دينها بهتكه وفضيحته، ودار بين العلماء كتابه الفصوص، وقد حط عليه الشيخ القدوة الصالح إبراهيم بن معضاد الجعبري؛ فيما حدثني به شيخنا ابن تيمية، عن التاج البرنباري، أنه سمع الشيخ إبراهيم يذكر ابن العربي، فقال: كان يقول بقِدَم العالم، ولا يحرّم فرجاً.
وأنبأنا العلامة ابن دقيق العيد، أنه سمع الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول في ابن العربي: شيخٌ كذاب.
وممن حط عليه وحذّر من كلامه الشيخ القدوة الولي إبراهيم الرقي.
وممن أفتى بأن كتابه الفصوص فيه الكفر الأكبر: قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة، وقاضي القضاة سعد الدين الحارثي، والعلامة ركن الدين عمر بن أبي الحرم الكتاني، وجماعة سواهم".
ومما قال الذهبي في الميزان (3/660): "وكذلك من أمعن النظر في فصوص الحكم أو أنعم التأمل لاح له العجب! فإن الذكي إذا تأمل من ذلك الأقوال والنظائر والأشياء فهو أحد رجلين: إما من الاتحادية في الباطن، وإما من المؤمنين بالله؛ الذين يعدون أن هذه النحلة من أكفر الكفر! نسأل الله العفو، وأن يكتب الإيمان في قلوبنا، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فوالله لأن يعيش المسلم جاهلا خلف البقر لا يعرف من العلم شيئاً سوى سور من القرآن يصلي بها الصلوات، ويؤمن بالله وباليوم الآخر: خير له بكثير من هذا العرفان وهذه الحقائق، ولو قرأ مائة كتاب، أو عمل مائة خلوة".
وقال في تاريخ الإسلام (46/380) بعد أن نقل شيئا من كلام ابن عربي: "تعالى الله عما يقول علواً كبيراً، أستغفر الله، وحاكي الكفر ليس بكافرٍ"، وقال عن العز بن عبد السلام: "ولو رأى كلامه هذا لحكم بكفره، إلا أن يكون ابن العربي رجع عن هذا الكلام، وراجع دين الإسلام، فعليه من الله السلام".
وقال في ترجمة ابن سبعين في التاريخ (49/284): "وله كلام كثير في العرفان على طريق الاتحاد والزندقة، نسأل الله السلامة في الدين! وقد ذكرنا محط هؤلاء الجنس في ترجمة ابن الفارض و ابن العربي وغيرهما، فيا حسرة على العباد! كيف لا يغضبون لله تعالى، ولا يقومون في الذب عن معبودهم تبارك اسمه وتقدست ذاته عن أن يتمزج بخلقه أو يحلّ فيهم! وتعالى الله عن أن يكون هو عين السماوات والأرض وما بينهما، فإن هذا الكلام شرٌّ من مقالة من قال بقِدَم العالم، ومن عرف هؤلاء الباطنية عَذَرني، أو هو زنديق مبطنٌ للاتحاد ويذبُّ عن الاتحادية والحلولية".. الخ.
وقال في ترجمة محمد بن عبد القادر الصائغ في تاريخه (50/166): "ولازم ابن العربي محيي الدين، وكتب جملة من تصانيفه، نسأل الله السلامة! ولكن ما أظن فهم مغزاه".
وقال في ترجمة محمد بن عبد الوهاب الحراني في التاريخ (50/199): "قلت: ما أملح ما مثّل به شيخنا إبراهيم الرقي كلام ابن العربي وابن الفارض! قال: مثله مثل عسل أذيف فيه سمّ؛ فيستعمله الشخص ويستلذ بالعسل حلاوته، ولا يشعر بالسمّ فيسري فيه وهو لا يشعر، ولا يزال حتى يهلكه".
وقال في السير (23/48): "ومن أردئ تواليفه كتاب الفصوص، فإن كان لا كفر فيه فما في الدنيا كفر! نسأل الله العفو والنجاة، فواغوثاه بالله".
والحميري قد رأى بعض ذلك يقيناً، ولكنه -كما هو معهود من أهل الهوى- يمر على كلام الذهبي ويقرأه كله ويرى بأم عينيه موقفه منه، ثم يستل عبارة يُمكن له تحوير معناها وسياقها ثم يذيعها دون سواها، فهل هناك خيانة بعد ذلك؟
وأما ابن حجر فرأيُه أشدّ وأصرح من الذهبي، وقد نقل عنه أصحابه –كالحافظ التقي الفاسي- وتلاميذه –كالإمام البرهان البقاعي والحافظ السخاوي- كلاماً شديداً، فهو الذي سأل عنه شيخه البُلقيني ونقل عنه التصريح بتكفيره عيناً، بل كان ابن حجر يباهل الغلاة بابن عربي على ضلاله، وقد نقل الحافظ التقي الفاسي عن زميله ابن حجر إخباره له بأمر مباهلة أحدهم، وأن ابن حجر طلب المباهلة قائلا: "فقلت له: قُل: اللهم إن كان ابن عربي على ضلال فالعنّي بلعنتك. فقال ذلك. وقلتُ أنا: اللهم إن كان ابن عربي على هدى فالعنّي بلعنتك، وافترقنا. ثم اجتمعنا في بعض متنـزهات مصر في ليلة مقمرة، فقال لنا: مرَّ على رِجلي شيء ناعم، فانظروا! فنظرنا فقلنا: ما رأينا شيئا. قال: ثم التمس بصره فلم ير شيئاً".
وقد ذكر القصة مطولة السخاوي عن شيخه ابن حجر، وزاد بعد ذكر العمى: "وما أصبح إلا ميتا، وكان ذلك في ذي القعدة سنة سبع وتسعين وسبعمائة، وكانت المباهلة في رمضان منها، قال [يعني ابن حجر]: وكنت عند وقوع المباهلة عرَّفت من حضر أن من كان مُبطلاً في المباهلة لا تمضي عليه السنة".
وذكرها بطولها البقاعي في تنبيه الغبي (149-150) مع الزيادة، وقال أولها: "أختم ذلك بحكاية طالما حدثنا بها شيخنا شيخ الإسلام حافظ العصر قاضي القضاة أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن حجر الكناني العسقلاني الأصل المصري الشافعي، ثم رأيتها منقولة عن كتاب الحافظ تقي الدين الفاسي في تكفير ابن عربي وقد أصلح شيخنا بعضها بخطه". وصرّح في مكان آخر (214-216) أن شيخه ابن حجر ضمن أربعين من كبار العلماء -هم أعيان وقتهم- صرّحوا بزندقة ابن عربي.
فيُقال للحميري الكذوب: أترى الحافظ ابن حجر يكفّر ابن عربي؛ ويجرؤ أن يدعو على نفسه باللعنة في مباهلة علنية إن كان ابن عربي على هدى؛ ويترك الرواية عمّن ينتحل نحلته؛ ثم تزعم أنه يوثقه؟
ثم حشر الحميري أسامي بعض العلماء الذين زعم أنهم أثنوا على ابن عربي وعظّموه -وكتم أضعافهم ممن صرَّح بالطعن فيه!- ومن كذباته أنه عدَّ منهم بعض من صرَّح بضلال ابن عربي! كالحافظ ابن مسدي القائل إن شيخه ابن عربي باطني الاعتقاد وطعن في بعض مروياته! وبغض النظر عن مسألة أمانة وفهم الحميري ودقته المعدومة في النقل: فإنه يظن أن مجرد ترجمة الرجل وذكر وصف بالذكاء أو التقدم أو العبادة يعني التوثيق، وهذا جهل عريض منه، فما أكثر الأذكياء والمقدَّمين في بعض الفنون وهم زنادقة وضلّال في الاعتقاد، وما أكثر ما يصرِّح الأئمة بهذا كالذهبي وابن كثير.
ونظراً لكون الحميري أحال في هذا المبحث على العقد الثمين فإننا ننقل منه الردّ عليه في مثل هذا التلبيس الممزوج بالجهل، وأختم به هذا البحث لوجازته وإنصافه، فقال (2/197-198): "وكثير من هذه المنكرات في كلام ابن عربي لا سبيل إلى صحة تأويلٍ فيها، فإذاً لا يستقيم اعتقادُ أنه من أولياء الله، مع اعتقاد صدور هذه الكلمات منه إلا باعتقاد ابن عربي خلاف ما صدر منه ورجوعه إلى ما يعتقده أهل الإسلام في ذلك، ولم يجئ بذلك عنه خبر؛ لأنه لا يرى ما صدر منه موجباً لذلك! ولأجل كلامه المنكر ذمّه جماعة من أعيان العلماء وقتاً بعد وقت.
وأما من أثنى عليه فلفضله وزهده وإيثاره واجتهاده في العبادة، واشتهر ذلك عنه، حتى عرفه جماعة من الصالحين عصراً بعد عصر، فأثنوا عليه بهذا الاعتبار، ولم يعرفوا ما في كلامه من المنكرات لاشتغالهم عنه بالعبادات، والنظر في غير ذلك من كتب القوم لكونها أقرب لفهمهم، مع ما وفقهم الله تعالى له من حسن الظن بآحاد المسلمين، فكيف بابن عربي؟ وبعضُ المثنين عليه يعرفون ما في كلامه، ولكنهم يزعمون أن لها تأويلا، وحَمَلَهم على ذلك كونهم تابعين لابن عربي في طريقته، فثناؤهم على ابن عربي مطَّرحٌ لتزكيتهم معتقدهم.
وقد بان بما ذكرناه سبب ذم الناس لابن عربي ومدحه، والذمُّ فيه مقدَّم، وهو ممن كبّه لسانه، نسأل الله المغفرة".
وأخيراً فإنني أطلتُ شيئاً في الرد على الحميري في هذا المبحث، ولكنني رأيت من الأنسب إيراده في فصل الكذب عند الحميري نظراً لإيراده الأكاذيب الصريحة بالجملة ضمن دفاعه عن إمامه ابن عربي ودعايته الفاشلة له!
*نعود لكذبات الحميري، فقال: [زعمه بأن كلمة (الطاوُس)، وكلمة (الملئكة) ليستا من خط القرن العاشر].
قلت: كذب في نقله هذا عني، فأنا قلت إنهما كتبتا على طريقة الهنود، ولم أتطرق لذكر التاريخ حول هاتين الكلمتين بالذات، ومن شاء فليراجع.
* وقال أيضا: [وليعلم أخي القارئ أن هذه النسخة أخرجتها إثراء للمكتبة الإسلامية واحتياج الباب لها، وهي عندي بمثابة الحديث الضعيف الذي ليس في الباب غيره كما ذكرنا في المقدمة].
قلت: سيأتي مناقشة هذا الكلام وإظهار جهله فيه، ويهمني هنا التنبيه على كذبه في قوله: [وهي عندي بمثابة الحديث الضعيف الذي ليس في الباب غيره كما ذكرنا في المقدمة]، والواقع أنه لم يذكر شيئا من ذلك في مقدمة الجزء، بل ذكر عكسه تماماً، فقال في مقدمته (ص7): "فتبيّن لنا بعد ذلك صحة الحديث الذي يرويه عبد الرزاق عن معمر.." فذكر حديث النور الموضوع، فكيف يصححه وفي نفس الوقت يدعي أنه عنده بمثابة الضعيف الذي ليس في الباب غيره؟! هل يجتمع هذان يا دكتور الحديث؟!
*وقال الحميري: [وقد بينت في كتاب نور البدايات صحة حديث عبد الرزاق دون رواية المصنف].
قلت: كذا قال الحميري هنا، ونسي أنه سبق له القول في مقدمة جزئه المكذوب (ص7): [ومن توفيق الله عز وجل أننا عثرنا في هذه النسخة على حديث جابر مسنداً.. وتبيّن لنا بعد ذلك صحة الحديث الذي يرويه عبد الرزاق..] الخ!
وقال في الصفحة التي تليها: [وقد أوردنا تلك الروايات مخرَّجة في كتابنا نور البدايات وختم النهايات، فليُنظر].
فيُستفاد مما سبق أنه ألّف كتاب نور البدايات أولا، ثم وجد المخطوط ثانيا، ثم تبيّن له صحة الحديث ثالثاً، ثم جاء في الإغلاق رابعا ليمارس عادته من نثر الجهل والكذب، دون اكتراث لتضارب كلامه هنا وهناك!
*قال الحميري: [أيد حديث جابر الإمام المحدث الخركوشي، والديلمي، وجمع من العلماء كما تقدم].
قلت: كذب الحميري عليهما وقوّلهما ما لم يقولاه، فما أحدٌ منهما أيّده، فإن مجرد إيرادهما لما يشابه حديث جابر ليس تأييداً له ولا تقوية، وقد ناقض الحميري نفسه بما أطلقه أن الحفاظ يروون الموضوعات ولا يبينونها! ثم من المعلوم أن روايات الخركوشي والديلمي من أودية الموضوعات، ويكفي انفراد أحدهما أو كلاهما بحديث للحكم عليه بالضعف إن لم يكن الوضع، ويُفترض أن لا يخفى ذلك على دكتور في الحديث (!)، علماً أنهما يوردان الكثير دون إسناد أصلا، وما علمتُ أحداً أسند حديث جابر قط! إلا ما نبّهنا عليه من الفريتين المتأخرتين من الطرقي الشنقيطي وأخيه البريلوي الهندي ومن تابعهما!
*قال الحميري: [شهادة السيد أديب الكمداني التي استدللتم بها ضدي. فجواب ذلك أخي القارئ: إن أديب الكمداني قد رد على المعترضين ونفى عنا اتهامهم الباطل برسالة بعنوان (براءة الشيخ عيسى بن مانع ومحمود سعيد ممدوح مما نسب إليهما)، وقد نشرت في موقع ملتقى أهل الحديث وغيره فلتنظر، والذي أرجوه من أخي أديب أن لا ينجرف وراءكم بالتخبط دون تريث وتعقل، وأن يصون الود الذي بيننا.]
قلت: هكذا زوّر الحميري عمداً عنوان رسالة الكمداني، ولم يستح من هذا الصنيع، بل أحال الناس على موضعه في ملتقى أهل الحديث، وقال: لتُنْظَر! فلما نظرنا حيث أحال وجدنا العنوان الواضح:
"براءة الدكتور عيسى المانع الحميري مِِن وَضْعِ الجزء المفقود مِن مصنف عبد الرزاق"
فهو إنما برّأه من تهمة الوضع المباشر، لا من كلِّ ما نُسب إليه هو وممدوح؛ كما زوّر الحميري في العنوان وكذب على القراء.
ثم إنني أدعو فعلا لقراءة بيان الشيخ الكمداني، وسيجد القارئ فيه تصريحه الواضح بأن المخطوط مزوَّر، وكشفه لملابسات إخراج الجزء، وسيجد فيه عدة نقاط تكشف كذب الحميري المتعمد في إغلاقه، وقد سبق بعض ذلك في هذا الرد.
ثم يُقال للحميري: ما دمت تُوهم القراء أن الشيخ الكمداني قد برَّأك وصاحبك ممدوح من كل ما نُسب إليكما، فما الداعي لقولك: [والذي أرجوه من أخي أديب أن لا ينجرف وراءكم بالتخبط دون تريث وتعقل، وأن يصون الود الذي بيننا]؟ إلا أن يكون الأمر كشفاً لما جاهدتَ لإخفائه من فضائح النسخة وملابسات إخراجها؟
* * *
والحق يقال: إن ثبوت كذب الحميري المتعمد لمرة واحدة كافٍ لإسقاطه وإسقاط مزاعمه في النسخة نهائيا، كيف والكذب متكرر، ولا سيما الكذب في قضية أصل النسخة بين عصابة الجالب والمحقق!
ولكن نأتي فيما يلي على بقايا إغلاقه ليكون الكاذب عبرة للناس إن شاء الله.

جهالات عريضة!

بعد مسلسل التهربات والكذبات بالجملة أحبّ الحميري أن ينوع على القراء ويتحفهم ببعض علمه المستغلق في إغلاقه، فأتى بالمُضحكات -وشر البلية ما يُضحك- وأنتقي في ما يأتي أمثلة تدل على أخواتها:
* قال الحميري: [إن الإمام المزي واضع كتاب الإكمال لرجال الستة فقط].
قلت: دكتور الحديث (!) الحميري يخلط في أشهر وأهم مراجع كتب رجال الحديث، فاسم كتاب المزي تهذيب الكمال، أما كتاب الإكمال فهو لمغلطاي، وأرجو أن لا يكون في ذهنه كتاب ابن ماكولا أو الحسيني! وبإمكانه الرجوع لباعة الكتب ليتأكد بنفسه.
لا تنسوا أنه عكف على رده قريباً من نصف سنة قبل ظهوره، مع مراجعات كثيرة لمن ينعتهم بالمختصين وأهل العلم!
* قال الحميري: [وما زال الأئمة الحفاظ يروون الأحاديث المسندة بل والمعلقة الموضوعة بدون تنبيه عليها، ويكتفون بإبراز الإسناد أو تعليقه فقط، وقد حوت كتب الحفاظ المتأخرين كأبي نعيم الأصبهاني، وأبي بكر الخطيب البغدادي بل من قبلهم كابن عدي والعقيلي والسهمي وغيرهم الكثير من المنكرات والواهيات والموضوعات].
قلت: هذا كلام لا يصدر إلا من جاهل لا يعرف كتب السنّة، فإن المتوسط ومن يقاربه من طلبة الحديث لا يخفاه أن كتابا العقيلي وابن عدي أُلِّفا خصيصاً لكشف الموضوعات، بل ما هو أقل منها من مناكير وضعاف، فكتاب العقيلي اسمه: الضعفاء الكبير، وكتاب ابن عدي اسمه: الكامل في ضعفاء الرجال، ولا بأس أن يُعلّم الحميري -حامل الدكتوراة في الحديث!!- أن العقيلي وابن عدي كلاهما يورِدان ترجمة الراوي المجروح، ويذكران من أحاديثه ما يُنكِران، وقد يُشيرا إلى أن عموم حديثه هكذا، فمجرد إيراد الحديث في كتابهما تنبيه على علته، كيف وهما يصرحان -مع ذلك- في كثير جدا من الأحاديث بضعفها ومنشأ علتها؟
هذا أمر، والأمر الآخر أن أئمة الحفاظ والنقاد -ولا سيما المتقدمين- لا تصح عليهم دعوى الحميري العامة في رواية الموضوعات مع عدم التنبيه، ومَن فعله ممن هو دونهم طبقة ومنـزلة أُنكر عليه ذلك الفعل وانتُقد، وجل من عرفتُه أُنكر عليه ذلك لا تجد عنده الرواية لهذه الموضوعات مطرداً دون تنبيه، فكم في كتب الخطيب من الإعلالات المتينة، والتنبيهات على أوهام الرواة ومناكيرهم، والنقول النادرة في الأحكام على الحديث والرواة؛ يأتي بها احتجاجاً، وكذا أبونعيم ما أكثر ما ينبه على غرابة الطرق (وهذا أمرٌ لا يكلَّف فهمه مثل الحميري)، وكذا ابن الجوزي على تساهله في كتبه نجد له كتاب العلل المتناهية وكتاب الموضوعات وكتاب القُصّاص، وهكذا، مع ملاحظة أن مثل السهمي والخطيب وأبي نعيم في تواريخهم يكون قصدهم من الرواية واضحا، وهو غرض الترجمة وسياق بعض ما للراوي، ومقامه ليس عندهم مقام الاحتجاج فضلا عن النقد والتنبيه بالضرورة، ولا هذا غرضهم في سوق الرواية، ومع ذلك انتُقدوا، ولمّا انتُقدوا على إيراد الموضوعات والمناكير اعتُذر لهم بأنهم أبرؤوا عهدتهم بالإسناد، ومن أسند لك فقد أحالك، مع إقرار أن الخطأ خطأ، فجاء الحميري وعكس المقدمة والنتيجة وجعل الاعتذار هو الأصل الجار، وكتم النقد! مع اتفاق العلماء على تحريم رواية الموضوع إلا مقروناً ببيانه، كما نقل ابن حجر في النزهة وغيره.
الحاصل أن قول الحميري: ما زال الأئمة الحفاظ.. يروون الموضوعات.. ويكتفون بإبراز الإسناد أو تعليق.. وفقط: كله مزاعم غير دقيقة من الناحية العلمية، ولا يصح أن تُطلق هكذا، ولا أن يكتم أن أهل العلم انتقدوا ذلك العمل، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فإن من العار والشنار أن يقارِن الحميري بين تلك المناكير وتلك المرويات وبين موضوعات جزئه المزعوم المركبة من دلائل الخيرات وكتب الباطنية والرافضة، ولذلك لن يستطيع أن يأتي بها حتى عند أكثر المتساهلين توسعاً من الحفاظ، لماذا؟ لأنها لم تكن خُلقت إلا بعد وفاتهم بقرون! ووالله لو كانت هذه الأحاديث التي صححها الحميري في أيامهم لرأى كيف صدّر الحفاظ بها كتب الموضوعات، ومثّلوا بها في كتب المصطلح على وضع الزنادقة، ولكنها لم تكن قد وُضعت بعد! وأقتطف من بيان الشيخ الكمداني الذي أحال عليه الحميري! قوله عنها: [لو رآها يحيى بن معين لأقسم بالله الأيمان المغلظة بأنّ الكتاب مكذوب على شيخه عبد الرزاق، بل وغزا بسيفه ورُمحه من وضعه واختلقه]!
فظهر أن استدلاله الجاهل لا يسلم له من أي وجه! وبذلك يُجاب عن قوله: [غالب الناشرين والمحققين إن لم يكن كلهم لا يملكون أهلية النظر والحكم الصحيح على المتون من خلال الأسانيد]، فيُقال: لعمرك أما فيك فالقول صادقٌ، وأنت أدرى بنفسك، أما غيرك فلا تحكم عليه بجهلك، والخير موجود في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والعلم لم يُقبض حتى تتخذ نفسك رأساً فتفتي وتحكم.
ثم اعجب له وهو يقول: [نعم الإسناد المشرق إذا انفرد به مجهول أو ضعيف أو تالف وكان متنه منكرًا ساقطًا فإن ذلك من علامات الوضع ، وهذا ما لم نجده في نسختنا، ولله الحمد.]
كذا قال فاقد الأهلية في النظر على المتون والأسانيد! وإذا لم يحكم بالوضع على مصنّفه المتفرد -خمسة عشر قرناً!- بأحاديث إسنادها مشرق في الظاهر، والذي استفتح بحديث الطاوس الأعجمي لفظاً وخيالاً ومعنى، فماذا بقي ليحكم عليه الحميري بالنكارة والوضع؟ وهكذا يكون من يتكلم في غير فنّه، حتى لو حمل ورقة مقواة كتب عليها الدكتوراة! ولهذا أكرر ما قلته في ردي الأول: [ويُجاب باختصار: ليس هذا عشك فادرجي! وليس جهلة الطرقية حجة ولا حكاما على أهل الحديث، ولو تُرك الأمر على ذوقهم وحسّهم للنكارة لما بقي حديث موضوع يوافقهم إلا صححوه! وأمامنا شواهد حية على ذلك في هذا الكتاب قبل غيره].
*قال الحميري عن أحد موضوعات مصنفه: [زعم المعترض بأنها لم ترد في كتب الشمائل ! فكونها لم ترد ليس دليلاً على عدم وجودها وإلا لما وجدت زيادات الثقات ، ولما وجدت كتب الغرائب والفرائد في هذا الفن]. وقال أيضا: [وأما الادعاء بأن في الكتاب أسانيد مركبة مستدلاً على دعواه بقوله: (إن الجزء المعني مركب الأسانيد من طريق مالك والزهري ومعمر، وأمثالهم من أئمة الحديث، في القرون الأولى، الذي من شأن هؤلاء وأمثالهم أن يجمع حديثهم ويتسابق طلبة العلم إلى حفظها). أقول لك أخي القارئ: أن العلماء عرَّفوا الحديث الصحيح بأنه ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة، ولم يشترطوا أن لا يكون فردًا مطلقًا أو نسبيًا].
قلت: لا أدري كيف يفهم دكتور الحديث (!) الحميري زيادات الثقات والغرائب والأفراد، فيذكر شيئا لم يرد في أي من كتب الرواية عبر الدهر ثم يعتبر ظهورها في القرن الخامس عشر زيادة ثقة من الأفراد الغرائب الحسان!
ويدّعي دكتور الحديث (!) الجاهل أن العلماء لم يتكلموا في ذلك! وأن ذلك لا يدخل في تعريفهم للصحيح، جاهلاً أنه داخل في مباحث الشذوذ والعلة القادحة المذكوران في التعريف!
ألم يقرأ الحميري مقدمة الإمام مسلم (1/7) -مثلاً- ليعلم أن زيادة الثقة لا تُقبل عمّن يُجمع حديثه من الأئمة، وجزؤه كله غرائب لا تُعرف عن هؤلاء الأئمة، مثل الزهري -الذي مثّل به مسلم- ومالك، ومعمر، فضلا عن الإمام عبد الرزاق؟! ولو كان الحميري يفهم الحديث لعلم أن جزءه باطل بمجرد ذلك! ولكن إلى الله المشتكى من هذا الجاهل المجادل!
ثم اعجب إليه وهو يقول: [وقد انتقدَنا وعرّض بالدكتور محمود سعيد ممدوح عند حديثه عنه اختلاق المتابعات في حديث رقم (20) بأن متابعة الزهري فاتت على المتقدمين والمتأخرين حتى أدركناها، علمًا بأن هذا الأمر لم يغلق بابه حتى قيام الساعة]!
يُشير إلى حديث أبي سعيد في التسمية عند الوضوء؛ الذي نص مثل أحمد وابن عدي على انفراد كثير بن زيد فيه، ولم يخرجه أحد في الدنيا من ذلك الوجه إلا من طريقه، ثم جاء في آخر الزمان متابعة الزهري لكثير في مصنف الحميري!! وانظر كيف ناقشها الحميري دكتور الحديث!!
على كل حال فلن أتكلم عن حد قبول زيادة الثقة من حيث الطبقة والرتبة، وكونها لا تقبل بشكل مضطرد، فلا أشك أن الحميري لن يستوعب الكلام في هذه المسألة الدقيقة -وهو الجاهل بعموميات الحديث وتطبيقات المصطلح كما تجلى للجميع!- وله سلوان بقول الإمام مسلم في مقدمته آنفة الذكر: "فأما عوام الناس الذين هم بخلاف معاني الخاص من أهل التيقظ والمعرفة فلا معنى لهم في طلب الكثير وقد عجزوا عن معرفة القليل".
ثم يقال للحميري: تعال وأرنا أحاديثك هذه في كتب الغرائب والأفراد، بل والموضوعات، ولست أشك أنك أغربت عليها!
* حاول الحميري أن يظهر في بداية رده مثل (المحققين!) فكتب مقدمة مضحكة عن منهجه في تحقيق المخطوط الذي ادعى إجماع (المختصين!) أنه درة يتيمة، فقال:
[وبناء على المعطيات السابقة والاستخارة والاستشارة] لاحظ أن المنهج الآتي ليس مختصا به، بل جاء بعد الاستشارة أيضا، وهذا ينبئك عن حال من يُطلق عليهم (متخصصين)! ويحتج بهم -إن كان صادقاً في النقل عنهم [عزمتُ على تحقيق المخطوط ملاحظاً الأصول العلمية الآتية:
‌أ- جمع النسخ] وهو يصرح أن نسخته درة يتيمة! [والمفاضلة بينها] ومن يدري؟ لعل نسخته اليتيمة تكون مفضولة هنا! [مع اعتبار المتقدمة تاريخيًا من المؤلف]!! [والاعتماد على النسخة الأم] !! [والرمز لها] كأن يقول: في يتيمة الدهر [والمقابلة مع بقية المخطوطات] كالنسخة المترجمة إلى الأوردية [استدراكًا لما قد يقع في النسخة المعتمدة من نقص]. ولماذا يكون فيها نقص؟ وهو صرَّح أنها أدق من المطبوع، وقال في مقدمة تحقيقه إنه لم يجد فيها خطأ لغويا واحداً!
[ب- البحث عن خط المؤلف.] يعني الإمام عبد الرزاق المتوفى سنة 211!
[ج- البحث عن مخطوطة كتبت في عصره وقرئت عليه.] ومن يدري؟ ربما وجد أكثر من نسخة كتبت آخر القرن الثاني أو أول الثالث!
[د- أن تكون على النسخة سماعات.] هو يتكلم عن نسخة المؤلف أو نسخة قرئت عليه، ولم ينتقل في الحديث عن نسخ متأخرة كما في الفقرة التالية، فيكون قصده هنا وجود سماع للإمام أحمد مثلاً، وآخر لابن معين، ثم طبقة سماع أخرى فيها الدبري، وهكذا.
[ه- أن تكون المخطوطة كتبت قريبًا من عصر المؤلف.] كأن تكون بخط أبي داود أو الترمذي في القرن الثالث! ولا مانع أن تتأخر وتكون بخط الطبراني في القرن الرابع! المهم أن لا تصل للقرون المتأخرة، كالقرن الثامن والتاسع، ناهيك عن القرن العاشر، ومن باب أولى أن لا تكون كُتبت من بضع سنوات في القرن الخامس عشر!
[و- وأن يرى في المخطوط آثار المقابلة كمثل دائرة وبها نقطة.] أو كمثل صفحة مصورة من مطبوعة مصنف عبد الرزاق مدبسة بالأصل.
[لكن وجود هذه الشروط ليس مطردًا ولا لازمًا] فلماذا الحشو والمجيء بما لا يُمكن تطبيقه على الدرة اليتيمة؟ [وإذا لم توجد تلك الشروط والحاجة ماسة إلى تلك المخطوطة اكتفي بالموجود؛ فإن ما لا يدرك كله لا يترك جله] وهو ترك كل -وليس جل- الشروط النظرية التي ذكرها في طريقة تحقيق الدرة اليتيمة! فالحاجة -عموماً- تسوغ الوسيلة عنده، فكيف إذا كانت الحاجة ماسة؟
ويُستدرك على منهجه في التحقيق الفقرة (أ) أمران عُرفا باستقراء عمله:
أ (1): نعم، المقابلة على بقية المخطوطات (!!) لاستدراك السقط إن وُجد، وكذلك الرجوع إلى أصول الناسخ لاستدراك التحريفات، مثل أخطائه عند نقله من كتب ابن عربي الحاتمي المتوفى بعد عبد الرزاق بأربعة قرون وزيادة، فيغيّر النص إلى ما جاء عند ابن عربي لأنه الأصل، هذا ما طبّقه الحميري فعلا على حديث النور! وفعل مثله في الحديثين (13 و17) وأصلحهما من أصلهما دلائل الخيرات!
أ (2): في حال كان التعبير في غاية العجمة فتغيّر العبارة دون إشارة حفاظاً على السليقة العربية الأصيلة للقراء، خصوصاً من تُرجم لهم الجزء في باكستان، وهذا ما فعله الحميري عندما حرّف كلمة (عُبِّدَت علينا خمس صلوات) الظاهرة في مخطوطه، إلى: (فصارت علينا)، ولم يُشِر في تحقيقه، ولم يُجب عن هذا في إغلاقه!
فهل هذا المنهج الذي ادعاه؛ والمنهج الواقع الذي كتمه؛ يصدق عليهما قوله: [قمت بالعناية بهذه القطعة حسب أصول التحقيق العلمي التي تعلمتها إبان دراساتي العليا بقسم الحديث بجامعة أم القرى وغيرها]؟ أم أنه كما يقول إخواننا المصريون: استهبال وتهريج؟ لا شك أن الأمر الأول مستبعد!
لذلك قلت له في ردي الأول: ليس هذا عشك فادرجي!
ولكن الحميري يؤكد إعجابه بمنهجه الفريد في تحقيق مخطوطه الوحيد، ويزهو به على الناس، ودليله المفحم هو قوله:
[ولست غرًا في هذا الشأن، بل إن لي فيه صولات وجولات، واشتغلت به زمناً، وتجلى ذلك واضحًا في أعمالي العلمية فقد كانت رسالتي للماجستير ((تحقيق الجزء الخاص بسيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه من كتاب الرياض النضرة في مناقب العشرة للمحب الطبري))، ورسالتي للدكتوراه كانت في تحقيق كتاب (( استجلاب ارتقاء الغرف بحب أقرباء الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ذوي الشرف)) للحافظ السخاوي، إضافة إلى الكتب والبحوث العلمية المحكمة والمقدم لها من كبار أهل العلم ككتاب ((لباب النقول في طهارة العطور الممزوجة بالكحول)) والذي اعتمد من قبل مجمع الفقه الإسلامي، وكتاب التأمل في حقيقة التوسل، وكتاب العقيدة ، والعديد من البحوث والمؤلفات].
فهنا يمدح الحميري نفسه بنفسه، ويبرهن أنه ليس غرًّا في ميدان التحقيق، بأنه صاحب الصولات والجولات فيه، والعمل الطويل منذ زمن، بدليل القائمة الطويلة من الكتب التي حققها منذ غابر الزمان إلى الآن، وهي:
1- تحقيق كتاب للسخاوي حُقق وطُبع أكثر من مرة، ومن ذلك رسالة جامعية في أم القرى التي دَرَس فيها الحميري!
2- تحقيق قطعة من أول كتاب المحب الطبري، وهي نحو ثلث الكتاب.
3- و.. انتهت القائمة! والكتاب والثلث إنما هما لأجل إتمام الشهادة الجامعية الماجستير والدكتوراة.
أما الاستشهاد بخبرته في ميدان التحقيق والمخطوطات بأنه ألّف في الكحول فما أدري ما الرابط بين الأمرين!!
ومثله في البُعد والمفارقة ما يُستحيا من ذكره من تأليفه في التوسل والعقيدة المنحرفة وغيرها، وهي أدلة عليه لا له، وليت الحميري يقنع بالستر في ذلك، فإن جماعته المقربين قبل غيرهم يذكرون من ملابسات تأليف كتبه ما يذكرون!! والحمد لله على السنّة والعافية!
نرجع إلى ما له علاقة بميدان التحقيق من تلكم الشهادة الذاتية (!) بجودة العمل، فأنا لم أطلع من عمليه (في الميدان) إلا على القطعة من الرياض النضرة، ومع كونها رسالة جامعية في تخصص الحديث إلا أن الصنعة الحديثية فيها ضعيفة جداً، ولست أقول ذلك من باب الخصومة معه، حاشا وكلا، ولكن إذا قرأ الحديثيُّ تخريجاته ورأى كيفية مناقشته لها وأحكامه تجلى له ذلك، فهذا حاله في تخصصه (دراسات عليا في الحديث)!
ناهيك عما بيّنتُه في عمليه الأخيرين (الجزء المزعوم، والإغلاق) من تصحيح الموضوعات، وجهل شديد في الحديث وفي الرجال، وكتب السنّة، وغيرها، هذا في تخصصه!
ثم هب أن عمله وتاريخه في الميدان هو الإتقان والعراقة (وليس الأمر كذلك) فنحن نناقش قضية خاصة وهي الجزء المزعوم من المصنف، فيكفي ما فيها من جهل وخيانة في التحقيق والتعليق لإسقاط من قام على ذلك، ناهيك عما جاء في الإغلاق من المخازي العلمية، التي أظهرت علمية الحميري (بعد الخبرة والتاريخ العريق!) بوجهها الحقيقي، وصارت (علة قادحة) تكشف ما سواها مما ظاهره الستر من أعمال المذكور!
* قال الحميري بعد ذكره لمنهجه الفريد في تحقيق درته اليتيمة: [تنـزلا لإظهار ما كان الباب محتاجًا إليه كما هو الحال في الحديث الضعيف إذا لم يوجد في الباب غيره وجرى العمل به، دون إلزام الآخر به، مع التحري المستمر لعدم مخالفة مقاصد الشريعة الغراء].
قلت مسبقا إن الغاية تسوغ الوسيلة عند هذا الرجل، فعنده بابٌ في العقيدة -وليس في الأحكام ولا فضائل الأعمال!- ليس فيه من الصريح إلا موضوعات هذا الجزء المكذوب، الملفق من كتب الباطنية والرافضة وغلاة الطرقية، لهذا فيُمكن عند الحميري (صاحب الدراسات العليا في الحديث!) أن يقيس ما سبق من الكذب في الاعتقاد على مذهب مثل الإمام أحمد وتلميذه أبي داود وغيرهما في الاستشهاد بالضعيف الصالح للاعتبار إذا خلا الباب من سواه من الأثر دون القياس، مع نص الإمام أحمد على التشديد في الأحكام والسنن، ولم يدر في خلد هؤلاء الأئمة -جزماً- أن يأتي في آخر الزمان من يحتج (ولا يستشهد فقط) وفي الاعتقاد (لا الأحكام والفضائل) بالموضوعات الصريحة وما لا أصل له (لا الضعيف ضعفا يسيراً!) وفيما لم يجر عليه عمل، بل جرى عليه النكير، وثبتت فيه المخالفة! ثم يأتي ليختم بالتحري المستمر لعدم مخالفة مقاصد الشريعة الغراء؟!
هذا الدعي يردد عبارات وقواعد للعلماء لا يعي مدلولاتها اللفظية ولا تطبيقاتها المستعملة، بل يوردها ويحاول توظيفها معه وهي ضده لو كان يفهم! (ما ليس في الباب غيره.. جرى عليه العمل.. مقاصد الشريعة.. الخ!) فهل مصادمة القرآن الواقع في حديث النور -الذي صحح إسناده- ليس أمراً مصادماً لمقاصد الشريعة الغراء؟!
حقيقة إن الإنسان يعجب من أهل الهوى كالحميري: لماذا يُتعبون أنفسهم بالاستدلال الباطل، والتصحيح والتضعيف بالجهل والهوى، والتلاعب بقواعد العلم وكلام العلماء؟ أما كان أيسر عليهم اعتقاد ما يهوونه دون ما سبق ويرتاحون ويُريحون الأمة من غثائهم ومناقشة سخائف عقولهم؟
وما دام ابن مانع الحميري ما عنده مانع في الكذب -كما رأينا- فكان بإمكانه أن يحسم قضية نسبة الجزء المفقود من المصنف بطريقة تناسبه، ولعلها أجدى وأنفق عند أمثاله الذين كتب لهم الإغلاق، كأن يقول: رأيتُ في المنام أني بصنعاء اليمن، والإمام عبد الرزاق يربّت على كتفي قائلا: لا تهتم يا بنيّ! فأنا أشكرك على اهتمامك بكتابي، إنه من تصنيفي فعلا! صدّقني! وخُذ ورقة بملاحظاتي وجدول الخطأ والصواب لتصحح نسختك من السقوط والأوهام، وجلّ من لا يسهو!
ولا تستغربوا أن يحصل ذلك من الحميري، ألا ترونه قد أورد في مقدمته للرياض النضرة عدة منامات حوله، بعضها يأمره بتحقيق الكتاب! وبعضها يرى فيها المؤلف المحب الطبري، وغير ذلك؟!
وعلى ذكر هذه المقدمة: فمن شاء أن يعتبر فلينظر إلى ما سطره الحميري هنا، وبين ما كُتب في مقدمة تحقيقه للرياض النضرة (ص51) من تسليمه لما انتُقد فيه المحب الطبري من أنه (ربما) أورد الأحاديث الضعيفة في الأحكام (لا العقائد) ولا ينبّه على ضعفها. كذلك ما ورد فيه (ص124): [أما عن كتاب الرياض النضرة فقد تبين لي بعد أن سبرتُ غوره وأحصيت الأحاديث التي فيها خلاف ما قاله بعض العلماء في حقه: من أنه يُكثر من الأحاديث الموضوعة في كتبه، فحاشا إماما بهذا القدر أن يُقدم على مثل ما ينهى عنه]. وفي نفس الصفحة: [أما الاستدلال بالأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال فأمر مفروغ منه ومعلوم عند جهابذة المحدثين، كالإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وغيره بشروط معلومة].
فهذا موقف الحميري من نفس القضية بين الأمس واليوم، فتأمل!
أما قضية تصحيح الموضوعات كما فعل الحميري فدونكم ما جاء في مقدمة تحقيقه للرياض النضرة (ص125): [أخلص من خلال عملي أن المحب الطبري رحمه الله متساهل في الجرح والتعديل واسع الخطو في الحكم على الأحاديث كالإمام ابن سعد، والحاكم، وابن حبان، ومن سار سيرهم، والله أعلم]! ونقول نحن: ذهب الذين يُعاش في أكنافهم! رحم الله لَبيداً وهؤلاء الأئمة المتساهلين؛ كيف لو أدركوا الحميري هذا؟
* قال الحميري: [أن كلمة ( طاؤس ) بهمزة على الواو قد وردت في كتاب معرفة علوم الحديث للإمام الحاكم النيسابوري رحمه الله ص ( 104 ) ، وكذلك وردت في كتاب فتح المغيث للإمام السخاوي ( 1 / 212 ) . فهل الإمام الحاكم يعترض عليه بمثل ذلك الاعتراض ؟ وهل الإمام السخاوي أعجمي كذلك ؟! أم أن الذين حققوا الكتابين أعاجم؟! ، هذا بهتان عظيم].
قلت: هل أنت جادٌّ في اعتراضك يا حميري؟! قل لي بربّك: هل الكتاب المطبوع للحاكم أو السخاوي مصوّر عن خطِّ أحدهما، أم أن أحدهما أو كلاهما قام بتنضيده وصفّه على الحاسب وأشرف على طبعه وتصحيحه؛ حتى تحتج أنه صنيعُه ولا يجوز الاعتراض عليه!! الحمد لله على نعمة السنّة والعقل!
ثم أزيدك من الشعر بيتاً وأتنـزل لأجيب على سؤالك قائلا: نعم، إن محققي الكتابين من الأعاجم! فمحقق الطبعة التي أحلت عليها من المعرفة للحاكم هو السيد معظم حسين، والطبعة التي أحلتَ عليها من فتح المغيث هي من تحقيق الشيخ الفاضل علي حسين علي المدرس إلى الآن في الجامعة السلفية بنارس، وكلاهما هندي! ألم أقل لك إنها طريقة الهنود في الكتابة؟
وللمفارقة فانظر إلى الكلمتين كيف وقعتا في الطبعتين المحققتين من العرب، ففي تحقيق أخينا الشيخ أحمد فارس السلوم للمعرفة (ص341)، وفي تحقيق شيخنا العلامة عبد الكريم الخضير لفتح المغيث (1/317) وقع رسم الكلمة: طاوس، دون همزة!
وأذكرك قبل الفراغ من هذه النقطة أن رسم المطبوع عندهما ليس من الحاكم ولا السخاوي بالضرورة!
أما كوني قرأتُ الواو في مخطوطك أن عليه همزة فهكذا تظهر في الصورة السيئة التي وضعتَها في مقدمة كتابك، وللقارئ أن يعيد المقارنة ويتأكد، وينظر كيف وضع صورة باهتة وسيئة للمخطوط (الذي بين يديه بألوانه الطبيعية)، ويشاهد وضوح صور المخطوطات الأخرى التي جاء بها للاستدلال على جودة الخط مع أنها ليست عنده! والله أعلم بسبب ذلك! لكن لما اضطر ووضع صوراً ملونة في ذيل إغلاقه ظهرت الضمة فوق الواو لا همزة، وظهر أمر آخر، وهو أن الحبر حديث جداً بشكل فاضح، فعجباً للحميري، يقوم بترقيع أمر فينكشف أمر آخر!
وقال الحميري بعد أن سوّد بحثا ساقطاً من وجوه عن احتمال كون الساقط بين ابن جريج والبراء هو الزهري: [علمًا بأن الزهري قد ولد في سنة ( 51هـ ) وتوفي البراء في سنة (72هـ).
وما أوردت لك ذلك أيها القارئ الكريم إلا ليتضح لديك أن المعترض ليس له مستمسك جلي يعول عليه في سقوط النسخة المعنية حتى يحكم بوضعها، لأن الاحتمال قائم كما بيناه ، والوضع يحتاج إلى جزم لا شك فيه، والأمر إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال]
قلت: لأتجاوز عدم ذكر أحد من العلماء لسماع الزهري من البراء، ولكن انظروا كيف يلوك القواعد دون فهم لمواضعها! فقد ختم بحثه الركيك بقاعدة (علّم عليها الحميري بالحمرة!) تنسف عليه تجويزاته لترقيع الإسناد! وتنسف غيرها من الاحتمالات التي اعتمد عليها في إثبات أركان إغلاقه!
* قال الحميري: [أن أول ما جاء في القطعة التي طبعناها هو أثر وليس حديثًا مرفوعًا، كما ادعى المعترض الذي أراه يهوي مع اعتراضاته المتتابعة، فهذه مسألة يعرفها المبتدئ عوضًا عن الناقد ! ]
قلت: هكذا يقول الحميري دكتور الحديث! فلا هو فهم المسألة من بدايتها، ولا بعد قولي في ردي الأول: [لم تأت النسبة مرفوعة صراحة في الكتاب، لكنها مرفوعة حُكْماً، لذكر النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الأربعة فيها].
ولا حاجة لمزيد تعليق على بقية حماسه المفرط عقب الاعتراض.
*قال الحميري رادًّا على ما أورده من تكذيب ما جاء في مصنفه من قول عبد الرزاق: أخبرني الزهري، وقول ابن جريج: أخبرني البراء بن عازب، وأن كلاهما كذب: [أقول وبالله التوفيق : إن ذلك السقط متوقع إذا كانت النسخة فريدة، فعبد الرزاق يروي بواسطة عن الزهري كما هو معلوم، فيحتمل بلا شك وقوع سقط من الناسخ، والقائل ((أخـبرني)) هو شــيخ عبد الرزاق الذي سقط من الإسناد وذلك محتمل، ثم إن هذا الحديث يقع تحت شرط الخطة التي أوردتها في المقدمة حيث قلت : (إذا لم أجد الحديث مخرجا قمت بدراسة السند والحكم عليه) ا هـ ، وهذا الحديث قد أخرجه العلماء في كتبهم فلم أدرس سنده دراسة تامة بل اكتفيت بالترجمة المبدئية للأعلام فقط لا دراسة الإسناد وتحقيقه .
الإشكال الثاني : قول المعترض أخبرني البراء كذب .
أقول وبالله التوفيق : عطف على بدء في حل الإشكال الأول بأن يقال هنا ما قيل في الإشكال الأول أن النسخة نـادرة، فلا شك أن السقط حصل من الكاتب في الواسطة بين ابن جريج والبراء لا محالة ، ثم إن هذا الحديث يقع تحت شرط الخطة التي أوردتها في المقدمة ما نصه : (إذا لم أجد الحديث مخرجا قمت بدراسة السند والحكم عليه]
قلت: ما شاء الله، وهل كنا ننتظر تفضل الحميري بدراسة الإسناد حتى يتعلل بها، وهو إن تكلم فضيحة أو سكت كذلك؟ ثم عن أي خطة يتكلم؟ فنحن نجده قد تخبط فيها وحكم وتكلم على كثير من الأحاديث التي خرجها من المصادر، وهذا الحديث الثاني قال في حاشيته بمنتهى الجهل: [ابن جريج حافظ ثقة، وكان يدلس، وصرّح هنا بالإخبار]؟! صرح عمّن؟ عن البراء بن عازب!! ثم خرّجه تخريجاً غير علمي، وقال عقبه: [فالحديث صحيح بما تقدم]!!
كذلك في رقم (28) قول عبد الرزاق: (أخبرني الزهري) نعم لم يعلق عليه هنا، لكنه علق على مثيله (رقم 40) الذي ورد فيه: (عبد الرزاق عن الزهري)!! فقال: [هذا الإسناد فيه انقطاع بين عبد الرزاق والزهري] وخرّجه كذلك! على أن الموضع الأول أولى بالتنبيه لأن فيه إخباراً صريحا (وهو كذب) والآخر جاء بالعنعنة التي لا تقتضي الإخبار! فأين الخطة وشرط الحميري؟
أما زعمه هنا أن السقط طبيعي ومتوقع لتفرد النسخة فيُجاب عنه: يا سبحان الله! الحميري يزعم ويؤكد في مقدمة تحقيقه أن النسخة متقنة، بل قال (ص11): [تم مقابلة الجزء المخطوط بالمطبوع فتبين أن النسخة المخطوطة أضبط من النسخة المطبوعة غالباً]، وأورد عدة نماذج لذلك، وجل التصويبات موجود في طبعة أيمن الأزهري للمصنف (!!!)، وصرح (ص13) أن نسخته المخطوطة كشفت عن اضطراب في أصل المطبوع، ثم ختم (ص14) قائلا: [ولم أجد في النسخة خطأ لغويا واحداً بحسب مقابلتي للجزء الأول] ولا خطأ واحد، وفيه القطعة المزعومة!
فبعد هذا يقال إن كل هذا الإتقان المبالغ فيه هو مما اشترك مع المطبوع، وما جاءت السقوط (الطبيعية والمتوقعة!) إلا في الأربعين حديثاً الزائدة التي أفردها الحميري؟! وكأن ناسخ مخطوطه نسخ الأربعين من أصل سيء، والباقي من مطبوعة الأزهري، عفواً!! من أصل آخر متقن جداً؟
فسبحان الله! أنى اتجه الحميري يزداد معه الخرق ويعسر الترقيع!
علماً أن فضيلة الشيخ سعد بن ناصر الشثري -عضو هيئة كبار العلماء في السعودية- كشف عن أمر آخر، وهو أنه وجد على هامش إحدى النسخ من مصنف ابن أبي شيبة زوائد من مصنف عبد الرزاق عليه، وفيها أحاديث من الطهارة ليست في المطبوع من مصنف عبد الرزاق، فهي من القدر (الحقيقي) الساقط منه، لكنها ليست في أبواب الطهارة المزعومة في مصنف الحميري الذي ادعى تكميل الأبواب مع إتقان نسخته! فكونها لم توجد في تكميله دليل آخر على تزوير كتاب الطهارة في نسخة الحميري، أي المخطوط عموماً، إلا أن يقول إن كل ذلك سقط في الجزء المكمل فقط، وأما الباقي الموافق للمطبوع فجيد!!
وأقول أيضاً: هب أنه حصلت سقوط من الناسخ في بداية نسخ الكتاب ثم استقام أمرُه مع بداية المطبوع (!) فماذا يقول الحميري عن الحديث رقم (30) من رواية الزهري عن سفيان بن عيينة (من أصغر تلاميذ الزهري سنًّا!) عن يزيد الرقاشي (والزهري من طبقة قبله!) عن أنس (شيخ الزهري)! فهل يمكن التعلل هنا بالسقط؟ أم إنه تركيب الأسانيد؟
وحول موضوع التركيب أقول عما ناقشني فيه الحميري: لن يمنعني كذبه وتهربه وجهله وتدليسه في سائر إغلاقه من الاعتراف بصوابه ولو ندر، فقد أصاب في ثلاث مسائل، وهي مسألة رواية معمر عن ابن جريج، ورواية سالم عن أبي هريرة، ورواية معمر عن ليث، وأستغفر الله من الخطأ، وسأصلحه في طبعة الكتاب إن شاء الله.
ومع خبرتي بقلة إنصاف أهل الهوى؛ وأنهم ربما طاروا بهذه الجزئيات متجاهلين عشرات الأخطاء والخطيئات الجليّة عندهم، إلا إنني لن أستنكف عن الرجوع للحق، علماً أن هذه الجزئيات لم تؤثر على أصل احتجاجي على وجود التركيبات، فلا تزال بقية إيراداتي عليه قائمة ثابتة.
وأما رواية معمر عن سالم فقد أخطأ في تعقبه عليّ، فما نقله عن التمهيد لابن عبد البر (11/111) من ورودها فيه هو حجة عليه لا له، لأن ابن عبد البر تكلم أن معمراً روى حديثا عن الزهري عن سالم، ثم لما أسنده سقط في المطبوع ذكر الزهري فصار كأنه عن معمر مباشرة، على أن ابن عبد البر نص أن هذه الرواية خطأ على معمر، فحتى لو لم يكن هناك سقط فلا تثبت عن معمر، فبقيت الرواية لا تُعرف إلا في جزء الحميري! وهذا الحميري نفسه يقول إنها منقطعة!
وكذا ما نقله عن المحلى لابن حزم (8/10) من رواية عبد الرزاق عن معمر عن سالم وتصحيحه له، فقد ساقه الحميري دون ذكر المتن، لماذا؟ لأنه بالرجوع للمتن، ثم المقارنة بما في مصنف عبد الرزاق (8/484) -أصل رواية ابن حزم- نجد أنه سقط في مطبوعة المحلى ذكر الزهري بينهما! فرجع الأمر لما قلته، والحميري إن علم بهذا فهو خائن مرتين: في إثبات الرواية، وفي التعمية بعدم ذكر المتن الذي يكشف الموضوع، وأما إن لم يعلم فهل هكذا يكون التحقيق في إثبات مسألة علمية من دكتور (!) في الحديث؛ فيعتمد في إثبات المسائل على السقوط والتحريفات مع وجود الأصول التي تكشفها بسهولة؟
بقيت سائر التركيبات التي ذكرتُها لم يتعقبها بشيء، وكذا لم يتعقب التركيبات التي ذكرها الشيخ المحدّث عبد الله السعد، ولستُ أشك أنه حاول أن يجد فيها شيئا فلم يُفلح! حتى مع الاعتماد على الأوهام والأخطاء المطبعية، فكان عليه أن يناقش تلك الأمور لو كان منصفاً، وأن يعترف بالحقيقة، ولكن!
فلا يزال باب التركيبات وارداً على نسخته في عدة أمثلة جلية.
*قال الحميري: [اللهم إلا إذا اعْتَبَر أن عملنا هذا سخف وهرج ، فلا أقول له إلا قول الله تعالى ردًا على الجاحدين الكافرين الذين تصوروا عبثية الخلق :{ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ، مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } [ الدخان : 38-39] ، وقوله سبحانه وتعالى: { هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ ...} [الجاثية : 29]]
فأقول للحميري: نعم إني أقول عن عملك إنه سخف وهرج، وفوق ذلك هو كذب وتدليس قبيح، ولكن لا يحق لك أن تشبه نفسك بالله؛ وتشبّه جزءك المكذوب وكلامك الباطل بكتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه؛ وتشبّه من رد عليك بمن كفر بالخالق! وأعلم أنك ما ذكرت هذه التشبيهات إلا جهلا منك وغفلة مع الاضطرار، ولكن تعلّم وانتبه مرة أخرى!
وليت شعري! لو كان أحدٌ فعل معك مثل ما فعلتَ كيف كانت ردة فعلك وعباراتك؟!
*قال الحميري: [زعم أن كلمة : (الآل) غريبة عن الصحابة والصدر الأول خارج جلسة التشهد .
فجوابه أخي القارئ : أن دعوى المعترض ضرب من الباطل وجهل بين ، حين زعم أن الصحابة لم يصلوا على آل النبي خارج الصلاة : فاستمع أخي القارئ لما أخرجه البخاري 3/1233: (عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: بل فاهديه لي، فقال: سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف الصلاة عليكم أهل البيت ، فإن الله علمنا كيف نسلم ، قال: (قولوا : اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد )، وقد جاء هذا الحديث بعدة روايات في البخاري ومسلم وغيرهما مطلقًا دون تقييد بالصلاة.
فلا أدري من أين استوحى المعترض ذلك الإشكال ! فتأمل أخي القارئ .
سيما وأن ابن بشكوال قد ساق في كتاب (القربة إلى رب العالمين بالصلاة على محمد سيد المرسلين) روايات عدة في الصلاة على الآل منها : حديث رقم (12) : قالوا يا رسول الله قد علمنا السلام ، فكيف الصلاة وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: (( قولوا اللهم صل على محمد كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد كما باركت على آل إبراهيم )) . وحديث رقم (14) قال : ((قولوا اللهم اجعل صلاتك وبركاتك على محمد وآل محمد .... الحديث)) ، وكلا الحديثين صحيح الإسناد.]
قلت: كدت أقول إن دكتور الحديث (!) لجهله بالسنة لا يدري أن ما نقله عن الصحيحين ورقم (14) من كتاب القربة هو بعض ألفاظ طرق حديث التشهد في الصلاة عن كعب بن عجرة، ثم تبيّن أنه يدري بقوله: [وقد جاء هذا الحديث بعدة روايات في البخاري ومسلم وغيرهما مطلقًا دون تقييد بالصلاة]! فتبيّن أنه أجهل مما توقعت! فهو مع مرور بصره على ما هو حجة عليه لم يستوعبه ولم يفهمه، كما أظهر مجدداً جهله بقواعد العلم، فالحديث الواحد تجمع ألفاظه الثابتة إلى بعض، والمطلق (كما أورد) يرد إلى المقيد، والمجمل يرد إلى المفصل، وحديث كعب مشهور في التشهد! وهو رآه كذلك! ولكن: (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور)!
أما رواية عبد الرحمن بن بشر عن أبي مسعود الأنصاري مرفوعا رقم (13 ط.مدريد) في كتاب ابن بشكوال فتُردّ على الحميري من أوجه:
فالمتوسط في الحديث يعلم أن من المعيب الإحالة على الأدنى مع وجود الأعلى في التخريج! فما عذر دكتور الحديث (!) الحميري وقد عزاه لابن بشكوال المتأخر والحديث في أحد الأصول الستة؟ فقد رواه النسائي في المجتبى (3/47) وفي الكبرى (1210 و9795) بسند البزار -الذي روى ابن بشكوال من طريقه ولم ينبه الحميري!- كما رواه الطبراني في المعجم الكبير (17/250 رقم 696) أيضاً، وهو أقدم من ابن بشكوال، ورواه المزي في التهذيب (16/550) من طريق الطبراني.
ثم إن النسائي أورد الحديث في أبواب التشهد في الصلاة، وكذا عدَّ الأئمة أصل الحديث (من غير هذه الطريق) في الصلاة كذلك، منهم: مسلم (405 أورده في كتاب الصلاة، وبوّب الشارح له بالتشهد)، وأبو داود (980)، ومالك (1/165)، والشافعي (كما في المحلى 4/136 والمعرفة للبيهقي 3/66)، وعبد الرزاق في مصنفه الحقيقي! (2/212)، والدارمي (1349)، وابن خزيمة (711)، وابن حبان (1959)، والدارقطني (354)، والحاكم (1/268)، والبيهقي (2/146 و378)، والضياء في السنن والأحكام (2/113)، وغيرهم.
بل ورد في بعض طرقه :"فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا"؟
وأما حديث كعب بن عجرة فالتبويب عليه كذلك.
فللقارئ الاختيار بين ما فهمه الأئمة ممن سمّيت وغيرهم، أو ما فهم الجاهل الحميري!
وأما تصحيح الحميري لسند هذا الحديث وسند الذي في البخاري (!) فيُقال له مجدداً من حيث التأصيل: ليس هذا عشك فادرجي! وكفاك خوضاً فيما تجهل.
ومن جهة التفصيل فحديث أبي مسعود لا يصح أن يُطلق على سنده الصحة، فإن عبد الرحمن بن بشر إنما ذكره ابن حبان في الثقات، وكان قليل الرواية، ولهذا قال عنه ابن حجر: مقبول، أي إذا لم يُتابَع فليّن، وقال الذهبي في الكاشف: صدوق، فأقصى ما يمكن أن يقال عن السند إنه حسن من حيث الظاهر.
ولكن من جهة الباطن فإن الحديث معلول بالإرسال، وأعله بذلك البزار -ويُفترض أن الحميري رأى كلامه في كتاب ابن بشكوال، ولا يُفترض علمه بأنه للبزار أو فهمه- وكذا أعله بذلك النسائي في الكبرى، والدارقطني في العلل (6/184)، وهكذا رواه إسماعيل القاضي (71-73) من طرق أقوى.
وبعد الانتهاء من تبديد جهالات الحميري عاد الأمرُ كما قلتُ من كونه غير مشهور عن الصحابة والصدر الأول خارج التشهد! وعلم القراء أن الحميري أولى بعبارته: [دعوى المعترض ضرب من الباطل وجهل بيّن]! وأنه أثبت على نفسه ما نفاه بقوله: [أما عن اعتراضه على تخريجاتي الحديثية فتخريجاتي الحديثية على الأصول المعروفة في هذا الفن ، ولا ينكرها إلا جاهل أحمق ، ويصدق عليه المثل العربي : ((ليس هذا عشك فادرجي))!!] وظهر بأن الهاء في [عليه] الأخيرة زائدة، وبحذفها وتشديد الياء يستقيم المعنى!
*قال الحميري: [إن كثيرًا من كتب السنة المشرفة وغيرها والتي طبعت في أوائل وأواسط القرن الرابع عشر بالمطبعة الأميرية بمصر لم تعرف أصولها.]
قلت: ترددت هل أذكر هذه النقطة هنا أو في فصل الكذب، لكن يظهر أن هذا الجاهل المتعالم يسمع الكلمة كقرقرة الدجاجة ثم يزيد عليها ما شاء الله له وينشرها على أنها معلومة موثقة!
فقد سمع أن بعض الطابعين القدماء كانوا يُتلفون أصل الكتاب بعد طبعه في مصر، أو سمع أن أصل بعض هذه المطبوعات غير مشتهر في خزائن المخطوطات الكبرى، فجاء وأطلق الكلام في كتب السنّة المشرفة، وعطف عليها غيرها، وحدد المكان في المطبعة الأميرية (ببولاق)، والزمان أوائل وأواسط القرن الرابع عشر.
ولكي يستفيد القارئ هنا فإن المطبعة الأميرية أنشأها محمد علي باشا لطبع ما يحتاجه الجيش من كتب وقوانين فقط، وظل إنتاجها قليلا جداً ومخصصا لما سبق، ثم دخل نظام آخر في الطبع (وهو الالتزام) حيث يتم الطبع على نفقة الأهالي، ولكن بنظام معقد ومكلف وطويل وشاق، وظلت الكتب الشرعية نادرة الطبع مدة طويلة في هذه المطبعة، كما يُعرف من كتاب "تاريخ مطبعة بولاق" المطبوع فيها من بضع وستين سنة، وخلال تاريخها الطويل فإن طبعها لكتب السنة المشرفة يعد عدًّا.
نعود لدعوى الحميري، فبالبحث والسؤال لم أعرف من كتب السنة المشرفة المشهورة مما طبع فيها خلال المدة المحددة سوى صحيح البخاري، المطبوع بأمر السلطان عبد الحميد بين سنتي 1311 و1313 وكتاب الأم للشافعي المطبوع سنة 1321 وصحيح مسلم المطبوع عام 1329 فهل هذه الكتب لم تُعرف أصولها؟ وهل ما ذُكر يصلح شاهداً لدعواه العريضة (كثير من كتب السنّة المشرفة.. لم تُعرف أصولها)؟ ثم يريد الحميري أن يقرن هذه الكتب الجليلة في هذه الناحية بجزئه المكذوب؟ قليلا من الحياء يا هذا!
*قال الحميري: [أما عن تهكم المعترض وزعمه بأن المتابعات قد فاتت على الحفاظ فهذا تألٍ على العلم ، فالحافظ الزبيدي وقف على متابعات لم يقف عليها الحفاظ، وكذلك حال العلماء قبله، ووقف السادة الغمـارية كالمحدث أحمد بن الصديق على شواهد ومتابعات لم يقف عليها العلماء قبله ، فهل يصدق على هؤلاء ما ألقيته عليّ وعلى المحدث الشيخ محمود سعيد ممدوح؟ هذا بهتان عظيم ، والنسخة كما ذكرنا نادرة يصح فيها مثل ذلك.]
قلت: هذا جهل عريض من الحميري، فلا توجد متابعة واحدة فاتت على الحفاظ جميعاً واستدركها مَن بعدهم، لا الزبيدي، ولا الغماري، ولا من هو أعلم منهما وأوسع اطلاعاً كالإمام الألباني، وغاية ما هنالك أن تفوت بعض الطرق أحد من يتكلم على الحديث ممن أخرجه أو خرّجه من الحفاظ، كأن يقول من أخرجه: لم يروه عن فلان إلا فلان، أو يفوت من خرّجه بعض طرقه، فهذا هو الذي يحصل، وهو استدراك على (أحد) الحفاظ، ولكن من أين سيَستدرك عليهم (جميعاً) مَن بعدهم إلا مِن رواية أو تخريج حفاظ آخرين؟
فلا يصدق قول الحميري إلا في حالة واحدة، أن تكون هذه المتابعات قد اختُلقت بعد حياة الحفاظ (كما هو حال مصنفه)، وهنا يسلَّم له أن هذه المتابعات والطرق لم يقف عليها الحفاظ، وأنها فاتتهم قاطبة!
علماً أن الحميري يعتبر السرقات والتركيبات متابعات! كما أجاب عن اتهامي وغيري لسرقة الأحاديث من مصنف ابن أبي شيبة، فقال: [وأما الادعاء بأن في الكتاب أحاديث نقلت من مصنف ابن أبي شيبة فهذا والله لهوٌ ولعب ، ويمكن أن يقال ذلك عن أي متابعة تامة نقلت من كتاب كهذا، والصواب أن وجود أحاديث في الكتاب بمتابعات معتبرة دليل على الوثوق بالمخطوط الذي بين أيدينا، ولكن المعترض يقلب المدح ذمًا ويفضح نفسه ، وكما قال الشاعر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة *** ولكن عين السخط تبدي المساويا]!!
قلت: الواقع أنه يقلب العلة القادحة شاهداً بالجهل والهوى، فما أحراه ببيت الشعر الذي أورده!
علماً أنني وجدت مثالا آخر -سوى أحاديث الجزء- على شرط الحميري في المتابعات التي تخفى على الحفاظ، فتابعوا النقطة التالية:
*قال الحميري: [وأما عن قول المعترض بأن حديث جابر كحديث عرق الخيل. فجوابه أخي القارئ: أن حديث عرق الخيل فهو من كنانتهم لا من كنانتنا ! ولهم أن يسألوا السجزٍي وأضرابه ينُبؤوهم عنه، واتق الله ولا تقارن حديث جابر بأحاديث الزنادقة والمارقين والمجسمة الحانقين فذلك سخفٌ مشين وظلم عظيم]
قلت: بلغ الحد بالحميري في التصرف بعباراتي إلى أن يكذب، فأنا لم أقرن حديث عرق الخيل مع حديث النور كما زعم مرتين، بل قرنتُه مع الحديث الأول في مصنفه المكذوب، الذي فيه القصة الخيالية عن الطاوس وإنشاء الخلق منه! والذي تهرب الحميري من الجواب عن متنه وعُجمته الصارخة!
وحديث عرق الخيل هو: "قيل يا رسول الله: مم ربنا؟ قال: خلق خيلاً، فأجراها، فعرقت، فخلق نفسه من ذلك العرق"!
فأما دعوى الكنانة وما الكنانة فقد كذب فيها أيضا كالعادة، فقد نص الحفاظ أن المتهم به محمد بن شجاع الثلجي الحنفي (أحد أصحاب قدوة الحميري: بشر المريسي).
وقال ابن عدي عن الثلجي في الكامل (6/291): "وكان يضع أحاديث في التشبيه ينسبه إلى أصحاب الحديث ليثلبهم به! روى عن حبان بن هلال -وحبان ثقة- عن حماد بن سلمة، عن أبي المهزم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله خلق الفرس فأجراها فعرقت ثم خلق نفسه منها". مع أحاديث كثيرة وضعها من هذا النحو، فلا يجب أن يُشتغل به، لأنه ليس من أهل الرواية، حمله التعصب على أن وضع أحاديث يثلب أهل الأثر بذلك".
وقال الذهبي عن الحديث في ترجمة الثلجي في الميزان: "هذا مع كونه من أبين الكذب هو من وضع الجهمية".
ومعلوم أن الحميري جهمي الاعتقاد، وسبق أن وصفتُه بذلك في ردي الأول، ولم يتعقب بشيء، بل سكت مقرًّا!
وبناء على طلب الحميري أن نرجع للسجزي وغيره، فقد أجبته إلى مقصده مع العلو في الإسناد أكثر، ورجعت لأقدم من علمته ساق الحديث، وهو الإمام الحافظ عثمان بن سعيد الدارمي، فقال في نقضه على سلف الحميريِّ بشر المريسي: "واحتج المعارض أيضا لمذهبه الأول بحديث مستنكر تعجب الجهال منه، ويوهمهم أن ما روى أهل السنة من الروايات الصحاح المشهورة؛ ومما ينقض بها على الجهمية؛ في الرؤية والنزول وسائر صفات الله تعالى؛ مستنكرٌ مجهول مهجور مثل هذا الحديث، فزعم أن حماد بن سلمة روى عن أبي المهزم عن أبي هريرة، قال: قيل يا رسول الله: مم ربنا؟ فقال: "من ماء مرور، لا من أرض، ولا من سماء، خلق خيلا فأجراها فعرقت فخلق نفسه من ذلك العرق"! فيقال لهذا المعارض: لو كان لك فهم وعقل لم تكن تذيع في الناس مثل هذا الحديث الذي لا أصل له عند العلماء، ولم يروه عن حماد إلا كل مقروف في دينه، فيظن بعض من يسمعه منك أن له أصلا فيَضل به أو يُضل، وهذا الحديث لا يعرف له أصل في كتاب ابن سلمة، ولا ندري من أين وقع إلى المعارض، ومما يستنكر هذا الحديث أنه محال المعنى، بل هو كفر لا ينقاد ولا ينقاس، فكيف خلق الخيل التي عرقت قبل أن تكون نفسه في دعواك؟ ويحك أيها المعارض! إنا نكفّر من يقول إن كلام الله مخلوق، فكيف من قال نفسه لا جزاك الله خيرا عما تورد على قلوب الجهال مما لا حاجة لهم إليه! فعمن رويته عن حماد؟ وممن سمعته؟ فسمّه لنا نعرفه! فإنا لا نعرف إلا أن الله الأول قبل كل شيء، فكيف كان هذا العرق قبله حتى خلق منه نفسه؟ وهذا الحديث لا يُحتاج إلى تفسيره، فإن الشاهد منه يدل على أنه باطل، ثم لم ترض بما قلت ورويت مما تشنعه حتى ادعيت له تفسيرا عن إمامك الثلجي؛ أنه قال" يحتمل تأويل هذا الحديث أن يكون الكفار سألوا النبي.. " الخ.
فخلصنا إلى أن الحديث لا أصل له عند العلماء، ولا يعرفه جميع الحفاظ! وليس في أصل حماد بن سلمة الذي رُكِّب عليه الحديث! ثم خفيت عليهم الطريق وعرفها ابن الثلجي وبشر المريسي! وهما من أشاعه ونشره بين الناس! ولا مانع ما دام ابن مانع الحميري دكتور الحديث (!) يرى أن الطرق يمكن أن تخفى على جميع الحفاظ وبابها مفتوح إلى يوم القيامة! فيما يمنع الباحثين أن يتكلموا في تركيب الأسانيد!
على كل حال ظهر فيما سبق منشأ الحديث جليًّا، وأنه من كنانة الجهمية سَلَف الحميري والكوثري مشيعه من قبله، وأن خلَفَهم حرصوا كل الحرص على تطبيق ما وُضع الحديث لأجله من التشنيع على أهل السنّة والحديث! والحمد لله على نعمة السنّة.
وعاد الحميري لهذا النهج من التشنيع بعد أن عرَّض بأخينا الشيخ الفاضل المفيد محمد بن ناصر العجمي في تعليقه على الأوائل لابن أبي عاصم، ثم قال في تهجم لا مناسبة له إلا أن الشيخ العجمي لم يخرِّج حديثاً على هواه: [فلم ذلك العداء البين من فرقتكم على حبيب الله صلى الله عليه وآله وسلم]؟
والجواب قد ظهر بما سبق من شنشنة سَلَف الحميري، وليت شعري! هل الذي يخدم كتب السنّة ويدعو للتمسك بالسنّة النبوية وينفي عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الكذب والمُحدَثات يعاديه، أم أنه الذي ينشر الكذب والبدعة ويروّجهما ويطعن في أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأتباعه؟ رمتني بدائها وانسلت!
*قال الحميري: [وأما عن القول بوضع حديث جابر وزعمه بأنه موضوع وأن ألفاظه مركبة كما أبدى ذلك أيضا بعض الحانقين ، ومن لف لفهم ، والاعتراض علينا بحكم بعض علماء الأشراف الغماريين على الحديث . فجوابه أخي القارئ: أن كلامهم على حديث جابر شأن يخصهم ويخص أضرابهم، ولنا شأننا الخاص بنا ومعنا من السادة الأشراف الغمارية والكتانية وجمهور الأمة ممن يؤيدنا في ما ذهبنا إليه كالشيخ الأكبر محي الدين بن عربي..] الخ!
قلت: ما دام للحميري شأن خاص خلاف ما اصطلح عليه أهل الحديث فلماذا يصرُّ على مزاحمتهم بجهل في علمهم وتخصصهم، ويناقش ويصحح ويضعف بالهوى، ويلوك قواعد العلماء بلا أدنى فهم، أما كان أراح واستراح لو ذكر هذا من البداية؟
وهل يقول ذلك الكلام من له أدنى تعلق بعلم الحديث؟ ناهيك عن كونه دكتوراً (!) فيه؟!
هكذا اعترف الحميري في نهاية المطاف وسلّم بمخالفة الحديث لما عليه قواعد الحديث، وطفق يتشبث بغير المحققين فيه، بل بأعدائه كابن عربي، وكلهم لم يصحح الحديث! وإنما جرى ذكره في كتبهم دون تنبيه!
وعهدي بأمثال الحميري أنهم يشددون نظرياً في أمر الاعتقاد وأنه لا يُقبل فيه إلا الحديث المتواتر، ونراه اعتقد ليس بالآحاد فقط، ولا الضعيف، بل بالموضوع الذي لا أصل له! وربما يعتقد بالمنامات! فانظر إلى هذا التناقض في أصل الأصول، ولا عجب إذا كان للحميري شأن خاص به خلاف ما أصّله العلماء!
ولكن ليتأمل القراء في هذيانه إذ دفع بأحكام الغماريين بوضع الحديث، وقال إنهم في نفس الوقت معه على خط الشأن الخاص! ثم يزعم كاذباً أن جمهور الأمة على ضلاله الفلسفي الطرقي! فمثله يستحق أن يعزَّى بعقله! والحمد لله الذي عافانا مما ابتلاه به! فلا يلمني الحميري ثانية بقوله: [زعم المعترض بأني جاهل في علم الرواية وأخبط خبط عشواء]! علماً بأنه القائل أيضاً في حديث النور: [وأرجو أن تستمع لكلام أهل العلم]!! ولم يقصد بهم العلماء الذين تكلموا بالقواعد وأجمعوا على بطلان الحديث (كما قال الغماري!)، وإنما من وافقه على هواه فقط!
وما أحسن قول الإمام مسلم رحمه الله في كتابه التمييز (15/أ-ب، مختصره)، قال: "واعلم - رحمك الله - أن صناعةَ الحديث، ومعرفة أسبابه مِن الصحيح والسقيم إنما هي لأهل الحديث خاصة، لأنهم الحُفاظ لروايات الناس، العارفين بها دون غيرها، إذا الأصل الذي يعتمدون لأديانهم: السُنَن والآثار المنقولة، مِن عصرٍ إلى عصر: مِن لَدُن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا هذا، فلا سبيل لمن نابذهم مِن الناس وخالفهم في المذهب إلى معرفة الحديث ومعرفة الرِّجال مِن علماء الأمصار فيما مضى من الأعصار، مِن نُقّال الأخبار وحُمّال الآثار".
*قال الحميري: [فلو أراد قادرية الهند أو غيرهم التزوير لأتوا بورق قديم من كتاب قديم ولغسلوه وكتبوا عليه].
قلت: وهذا جهل بالغ من الحميري! وقد نبّهت غير مرة أن هذا الحميري يسمع المعلومة فيلوكها دون أن يعيها جيداً، فقد سمع في عالم المخطوطات بالغسل فظن أي شيء يقبله! وإلا فمتى كان الورق يُغسل ليُكتب عليه؟
وأعلم أنه لن يستوعب هذه النقطة إلا بالشرح، فأقول: إن كتابة المخطوطات الإسلامية كان أغلبها إما على الرَّق (الجلد)، أو على الكاغَد (الورق)، فالأول يمتاز بطول بقائه، إلا أن عيبه المحو بالغَسل، أما الورق فهو أقل تعميراً لكن تزويره ينكشف، وأسوق نصاً موضحاً في صبح الأعشى (2/475-476) حيث قال: "وأجمع رأيُ الصحابة رضي الله عنهم على كتابة القرآن في الرَّق لطول بقائه، أو لأنه الموجود عندهم حينئذ، وبقي الناس على ذلك إلى أن ولي الرشيد الخلافةَ وقد كثر الورق وفشا عمله بين الناس: أمر أن لا يكتب الناس إلا في الكاغَد، لأن الجلود ونحوها تقبل المحو والإعادة فتقبل التزوير، بخلاف الورق، فإنه متى ما مُحي منه فسد، وإن كُشط ظهر كَشطه، وانتشرت الكتابة في الورق إلى سائر الأقطار، وتعاطاها من قَرُب ومن بَعُد، واستمر الناس على ذلك إلى الآن".
وما دام الحميري مولعاً بادعاء الرجوع للمختصين المجاهيل فنحيله على أحد المختصين الحقيقيين، فقال خبير المخطوطات أيمن فؤاد سيد في (الكتاب العربي المخطوط وعلم المخطوطات 1/19): "وإذا كان من خواص الرَّق قدرته على البقاء الطويل فإن من أهم عيوبه إمكانية محو ما فيه وإعادة استخدامه مرة أخرى".
ثم نقل بعض النصوص عن ياقوت الحموي في معجم الأدباء، ثم قال في الصفحة التالية: "وتدل هذه النصوص أن الرَّق ظل مستخدماً في الشرق الإسلامي وإلى القرن السادس الهجري، فعملية الغَسل هذه لا يمكن أن تتم إلا إذا كانت الكتابة على الرَّق".
فإذا تبين هذا عُلم ما عليه الحميري من جهل، وعُلمت أشياء أخرى، فأرجو من القارئ أن ينتبه للنص جيداً، فعلمنا منه أنه يُمكن لمن سماهم أن يزوروا المخطوط بغسله (!) وإعادة الكتابة عليه، ونحن نقول إن غسله لا يُمكن، فتبقى المشكلة في الحصول على الورق، وهذا الورق زعم الحميري أنه فُقد من نحو ثلاثمائة سنة في تلك المناطق (أفغانستان في رواية، وفي بلاد ما وراء النهر في رواية أخرى!) بينما كذّب ذلك جالب النسخة بأن عمره مائة وخمسين سنة، معناه أنه لم يختفي من ثلاثمائة سنة! وأنه إنما اختفى منذ سنين عديدة في تلك المناطق وما جاورها، فالسؤال هو: قد اختفى هذا الورق من سنوات في أفغانستان، فهل له بقية في غيرها كالهند مثلا؟ الجواب عند جالب النسخة إذ يقول فيما كتب بخطه: [في حوزتي ورق مثله يرجع تاريخه إلى 400 سنة]!! ولا يهمني كم يدعيه من عمر الورق، فالمهم أن الورق عنده! وأدع الباقي لفطنة القارئ الكريم! ليربطه مع قول الحميري: [وإني لدؤوب قبل هذا البيان في البحث المجد عن قِطع أخرى لذلك الجزء المفقود ، وإنني على وشك العثور عليه بإذن الله تعالى]!
كما أسأل الله أن ينجينا من شرور قول الحميري: [وكوننا لم نعثر على الروايتين في المراجع المذكورة لا يعني أنهما غير موجودتين، لأن (الدلائل) الموجودة للبيهقي بها نقص، وكذلك (المستدرك)]!

التدليس والتلبيس

وبعد ما سبق الإشارة لبعضه من اعتماد الحميري في إغلاقه على الهروب كثيراً، والكذب تارات، والجهل المستغلق كرّات: رأى أنه لا تزال أمامه أمور عالقة لم يتعامل معها أمام جمهوره، فلجأ لمغارات التدليس، ومدّخل التلبيس، عساها تقع موقعاً عند الشريحة المستهدفة من الأغرار والأغمار.
وهأنذا أسوق طائفة منها تنبيها لمن قد يغتر بها وبصاحبها الحميري، علما أن كثيراً منها يتداخل مع الجهل المذكور في الفصل السابق.
فقال الحميري: [توجهت إلى المدينة المنورة والتقيت ببعض خبراء المخطوطات الذين كانوا يعملون بمكتبة عارف حكمت الحسيني فأخبروني بوجود خطوط مشابهة لخط المخطوط الذي بين يدي كتبت في القرن العاشر الهجري ، وأوقفوني على عدد من تلك المخطوطات فاستبشرت خيرًا].
قلت: كالعادة أبهم دكتور الحديث (!) الحميري رجاله، فبذلك لا يمكن معرفة هل هؤلاء خبراء مخطوطات أم جرائد، هذا إن صدق وكان لهم وجود أصلا، ولا سيما أنه نسبهم لمكتبة عارف حكمت، ونقل أنهم أطلعوه على نماذج مشابهة، والظاهر أن هذا الاطلاع حصل في المكتبة لا في بيوتهم! مع أن المكتبة غير موجودة قبل حصول الحميري على مخطوطه بسنين عديدة، فقد هُدمت وضُمَّت إلى مكتبة الملك عبد العزيز في المدينة، وقد سألتُ بعض المتخصصين بالمخطوطات ممن أدرك المكتبة فنفى وجود خبراء فيها أصلا، منهم الشيخان المحققان جمال عزّون وعمار تمالت الجزائريان، والثاني قد عمل متعاونا فيها مدة، وأكد الشيخ عمار أنه لم يوجد فيها خبير أصلا، وهذا من أسباب كون فهرسها -على تأخر عمله- مليء بغرائب الأخطاء التي لا تصدر عن صاحب الخبرة المتوسطة فضلا عن الخبير!
أما مسألة تشابه الخطوط فقد مضى الكلام عليها مفصلا في ردي الأول، وربما أتطرق لها قريبا.
ثم قال: [ثم سألت الثقات من أهل العلم والفضل والخبرة من البلاد التي وردتنا منها المخطوطة عن نوعية ورق المخطوط ؟]
أقول: هنا أبهم الحميري البلاد التي جلب منها، وصرَّح بها في أماكن أخرى أنها أفغانستان، وفي مواضع أخرى أنها من بلاد ما وراء النهر! وهكذا ينكشف الكاذب من تناقض أقواله، وسبق بعض ذلك ويأتي، ولكن لنتجاوز ذلك الآن ونبيّن ما في كلامه من تلبيس على الناس، فيقال للحميري: ما دام المخطوط الأصلي عندك فما الداعي لأن تسأل أُناساً من أعاجم تلك البلاد ربما هم من العوام والطرقيين الجهلة (كما ظهر في أمور أخرى) فيما لا تسأل المراكز المختصة بالمخطوطات؟ ولا سيما وقد أحالك الشيخ أديب الكمداني على مركز جمعة الماجد عندك في دبيّ -وهو مركز عنده إمكانات عالية لتحليل الورق والحبر وفحصهما وغيرهما كما بلغنا-؟ كما أنه صرّح لك هو والشيخ محمد مطيع الحافظ -وربما غيرهما- أن المخطوط حديث؟
وأنا لا أستبعد أن يكون الحميري قد فحصه في مركز جمعة الماجد فعلا، ولكن كتم النتيجة المحققة من تزويره، واستشهد بما يناسب هواه ممن وافقه!
وإنني أتحدى الحميري الذي يملك المخطوط ويدعي سلامته من التزوير أن يعرضه على مركز الملك فيصل بالرياض للمخطوطات، وهو مركز متخصص موثوق، وعنده أجهزة وخبرات جيدة، وأقام منذ فترة قريبة دورة متخصصة لكشف تزوير المخطوطات، وأعلم سلفاً أن الحميري لا يملك الجرأة على الموافقة، لأنه يعلم النتيجة من الآن! ولهذا اكتفى بما ادعاه من شهادة مبهمي ومجاهيل الأفغان وكتم شهادة ذوي الخبرة والشان!
وقارن بين ما سبق وبين قول الحميري: [ما صرحنا به في المقدمة من ترجيحنا لكون المخطوط منقولاً عن الأصل الذي كتب في القرن العاشر، ومع ذلك فإن خطه يشبه بعض خطوط القرن العاشر، وهذا ما رأيناه في مخطوطات مشابهة، وأتينا بصور لها بعد أن أثبتناها في مقدمة التحقيق].
فأقول: تقدم بيان كذبه العمد الصريح في ادعائه ذكر المخطوط الأصل والنقل منه في مقدمة تحقيقه، وأن ذلك لم يكن، فضلا عن الدراسة والترجيح، لكني أتوقف هنا عند النقطة الثانية، في قوله إن مخطوطه الأصل (الذي صار فجأة بقدرة قادر منسوخاً عن الأصل هنا!) يُشبه خطوط القرن العاشر، فهنا يضطرب الحميري في التوفيق بين ثباته على ما نافح عنه من أن ما بين يديه كتب في القرن العاشر جزماً، وبين أنه منسوخ عن القرن العاشر ويشبه خطه، ومرة أن كُتب قبل ولادته جزماً، وهو دون الثلاثمائة جزما!! ومرة أن عمر الورق لا يقل عن ثلاثمائة سنة بشهادة مجاهيل الأفغان، ثم أورد وثيقة تكذّبه بخط ثقته جالب النسخة وفيها: [وقد قرر أهل العلم من أهل الاختصاص هناك أن الورق الذي كتبت به المخطوطتان يرجع عمرهما إلى مائة وخمسين سنة تقريباً، وأن هذا الورق اختفى منذ سنين عديدة في تلك المناطق وما جاورها]، فانظر إلى الكذابين كيف يضطربون ويفضح بعضهم بعضاً!
*قال الحميري: [زعم المعترض بأنه لم يرد في لغة العرب ( أنورهم لوناً ) وأنها أعجمية بحتة ! . وأرجو من القارئ الكريم أن يفتح كتاب لسان العرب ليرى كلمة ( أنور ) ، فقد نقل صاحب لسان العرب 5/ 242 عن هذه الكلمة ما نصه : ( وفي صفة النبي صلى الله عليه وسلم : أنور المتجرد أي نير الجسم . يقال للحسن المشرق اللون : أنور، وهو أفعل من النور ) اهـ]
قلت: الحميري يدور في صنيعه هذا بين الجهل والتدليس الخبيث، فعبارتي في الرد كانت: [وأنورهم لوناً". هذه الصيغة ليست عربية! فاسألوا عنها بريلوية الهند!]، فأنا أتكلم عن (صيغة)، وليس (كلمة) كما حرّف الحميري، فإن كان فهم العبارة -كما يُفترض أن يفهمها العرب!- وأحال على اللسان فقد دلّس بذلك تدليساً خبيثاً، وإن كان لم يفهم فيكون رد بجهل كالعادة، وتأثر بما بين يديه من عجمة! واستشهد بما هو حجة عليه، فقد نص في اللسان أن (أنور) من وزن (أفعل)، وجاء في مصنف الحميري على صيغة التفضيل: (أحسنهم وجها وأنورهم لونا)، فيا حميري راجع كتب اللغة وستجد أنهم منعوا التفضيل من (أنور) التي عندك، ومثلها (أعور) فلا يقال فلان أعور من فلان، ولا فلان هو أعور القوم، وسأدلك على مرجع سهل الفهم قريب:
فقال شيخنا العلامة اللغوي عبد الغني الدقر -رحمه الله- في معجم القواعد العربية (ص35 ط2): [لا يُصاغ اسم التفضيل.. مما الوصف منه على (أَفْعَل) الذي مؤنثه (فَعْلاء) وذلك فيما دلَّ على لون أو عيب أو حِلْية، لأن الصفة المشبّهة تُبنى من هذه الأفعال على وزن (أَفْعل)، فلو بُني التفضيل منها لالتبس بها، وشذّ قولهم: هو أسود من مُقلة الظبي، ويُتوصل إلى تفضيل ما فقد الشروط بـ (أشدّ) أو (أكثر) أو مثل ذلك]. انتهى المراد منه.
والآن بعد أن فهمت -أرجو- فهل سترد على هذا الأمر أم ستسلِّم بالعجمة مع كتم الاعتراف كما فعلت في كلمات وصيغ أخرى واضحة؟
وأما ما أورده بعض من انتصر للحميري بالباطل من مجيء الصيغة في حديث رواه أبونعيم (2/181) والبيهقي (1/298) كلاهما الدلائل وغيرهما من حديث عائشة: فهو استدلال باطل، لأن الحديث منكر واه، وطعن فيه البيهقي وابن كثير في تاريخه (6/34) والعراقي في تخريج الإحياء (2535)، وقد تفرد به صَبيح بن عبد الله الفرغاني عن سند مشهور مع تأخر طبقته، وقال عنه عبد الغني الأزدي: منكر الحديث. وقال البيهقي: ليس بالمعروف. وقال الخطيب: صاحب مناكير.
ووجود هذا التركيب الأعجمي في الحديث علة أخرى فيه! وكان على المنتصر للحميري إن عجز عن تحقيق صلاحية الحديث للاحتجاج أن يكون أمينا في النقل -على الأقل- وينقل كلام البيهقي في تضعيفه، وقد رآه! ولكن أهل الأهواء ينقلون ما لهم ويكتمون ما عليهم!
عوداً على بدء، فربما يُلتمس للحميري عُذر في أنه تكلم في غير اختصاصه -على أنه لما تكلم في اختصاصه ما جاء بأحسن من هذا، والحمد لله على العافية- بيد أن الحميري أغلق على غيره أن يعتذر له في اللغة، فيقول مزكيا نفسه بنفسه:
[أحب أن ألفت نظره بأن يكون على وعي تام في مخاطبة العقلاء ، وأن الذي تخاطبه ليس أعرابيًا ولا حديث عهد على موائد العلم ، بل هو من بيت مشهود له بالتقوى والعلم، اجتمعت فيه خصائص ، لم تجتمع في غيره، فقرابتي لأمي حنابلة المذهب وقرابتي لأبي مالكية المذهب، معظمهم حفظة لكتاب الله ، تربيت في أكنافهم على الفضيلة ، واستننت على سيرة خال أبي العلامة الفقيه اللَّوذعي المحدث الشيخ مبارك بن علي الشامسي، وأصولنا بين أشراف وأنصار وحمير ، ولست من المولدين الذين حذر منهم السلف كما في حديث سنن ابن ماجه ( رقم 56) بسند ضعيف عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : (( لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلا حتى نشأ فيهم المولّدون أبناء سبايا الأمم ، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا))].
قلت: نعم الجدود ولكن بئس ما خلفوا! يا حميري ما دامت أسرتك كما تقول فلماذا عدلت عمّا هم عليه وأسأت لسمعتهم؟ وهل تضليلك لأخوالك الحنابلة وسلفك أئمة الحديث من البر وصلة الرحم في شيء؟
وأقول: ما هذا الاستدلال بالآل بشافعٍ للحميري ولا رافع لخسيسته؛ وقد قال الله تعالى: (كل امرئ بما كسب رهين)، وقال: (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي)!
أما قضية المولَّدين فالذي أعرفه أن الاحتجاج في اللغة أُغلق مع نهاية حكم الأمويين، وقيل سنة 150 ورفعه بعضهم إلى سنة 200 ليدخل الإمام الشافعي، وكل هذا بالنسبة للبادية لا الحاضرة، والحميري ينفي أن يكون أعرابيا! فهل يريد أن يستثنيه اللغويون ويمدون الاحتجاج ثلاثة عشر قرنا مع غض النظر عن البداوة ليحتجوا بكلامه، فقط لأن أصوله [بين أشراف وأنصار وحمير]؟!
وقد شاهدنا من انطلاء العجمة على مصنفه ودفاعه عنه ما لا يدع مجالا لأهل اللغة في استثنائه من قاعدة المولَّدين! هذا من جهة اللغة.
أما من جهة بقية العلوم فلقد رأيناه في تخصصه كيف هو! فهو في غيره أضل سبيلا!
ثم إن الأعراب الذين على الفطرة والصدق خير منه ومن اعتقاده الردي، وكم سجل لنا التاريخ من تمني أئمة الكلام أن يكونوا كالعجائز والعامة والأعراب في سلامة الاعتقاد وبساطة الفطرة.
نعم، إن الحميري احتج بأنه ليس من المولَّدين الذين حذر منهم السلف، ثم احتج بحديث مرفوع لا يصح في ذلك في التحذير من المولدين أبناء السبايا أهل الرأي، فلا هو أحسن الاستدلال (وهو المتخصص بالحديث!) حين احتج بتحذير السلف بقوله: (كما في الحديث)!! فهل هذا تحذير السلف أو تحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم -لو صح؟ ولا هو بالذي يحتج بالسلف أصلاً، بل هو في كتبه يردّ عليهم ويخالف سبيلهم، بل صرَّح في إغلاقه أن لأهل الحديث وأتباع السلف مذهبهم في حديث جابر، بينما له هو وجماعته الطرقية مذهبهم الآخر!
أما الذين جرى عليهم إطلاق المولَّدين وحصل التحذير منهم فذلك في مسائل اللغة بالدرجة الأولى وفي الغالب، وما يحصل من جهلهم بها تبعاً، كالتخليط بين الوعد والوعيد، والاستواء والاستيلاء، ونحو ذلك مما رده أئمة اللغة والسلف، ومثله قريبا أن (أنور) صيغة تفضيل صحيحة عند الحميري!
*قال الحميري: [هناك رسائل كثيرة قد حققت في المحافل العلمية ثم تبين بعد ذلك عدم صحة نسبتها إلى مؤلفيها، هل سمعنا يومًا أن سحبت الرسالة عن المحقق واتهم بالكذب والتزوير هو ومشرفه وجامعته؟! يا له من عجب، يتلوه عجب].
قلت: هذا تلبيس وقياس مع الفارق، فلو جرّب الحميري حظه وقدّم جزءه المكذوب كرسالة في جامعة محترمة وعند مشرف عالم نزيه لرأى كيف كان التعامل معه، ولو كان هو الواضع فرضاً وتواطأ معه مشرفه وجامعته فلا أستغرب أن يحصل ما استبعده وتعجب منه، نعم، لم أسمع بحصول ذلك سابقا، وذلك لأن قضية جزئه المكذوب سابقة في عصرنا، ومن يدري؟ لعلها كرامة اختص بها الحميري ليكون السابق في هذا المجال، والطيور على أشكالها تقع!
وأُجمل ههنا الرد على تلبيساته التي حاول فيها دفع المطاعن عن نسخته، بعد استبعاد ما سبق التنبيه عليه من هروبه وكذبه وجهله:
فمن ضروب تلبيسه المقارنات الفاشلة مع بعض كتب الأئمة التي تفارق جزءه المفترى من وجوه عدة، فاستشهد المسكين بما سمعه من طعون سلفه الكوثري بنسبة بعض ما غص منه من كتب السنة الثابتة عند التحقيق، مثل السنة لعبد الله بن أحمد، وغيرها من الكتب التي عُلم ثبوت تصنيفها من مؤلفيها، واعتمدها الحفاظ، ورووها، وانتشرت عندهم نسخها، واحتجوا بما فيها، ولم تنفرد بالغرائب، بل المرويات هي مرويات مصنفيها، والأسانيد أسانيدهم، وهي أسانيد معروفة لمتون وآثار معروفة توبعوا عليها، وإنما تعلق الكوثري ومن تبعه بمغامز في رجال الإسناد، متجاهلين أن ذلك إنما قد يؤثر في متانة تسلسل رواية الكتاب بالسماع -وربما الإجازة- للمتأخرين، ولا يؤثر من حيث صحة تصنيف هذه الكتب ووجودها، فاتصال المصنفات بالسماع للعصور المتأخرة ليس كاتصال الحديث للمصنفين في عصور التدوين، وهي القرون الثلاثة الأولى.
فلو ساق الحميري إسناده للبخاري من طريق المعمرين -التي يحرص عليها صاحبه ممدوح في أثباته ويفرح بها- لقلنا إن الإسناد للبخاري موضوع، ولكن هل يعني ذلك أن الكتاب صار غير ثابت إلى مؤلفه؟
ولماذا نفترض أمراً وهذا الحميري ساق سنده للمصنف أول تحقيقه، وفيه انقطاع وتخبيط وتحريف، ولا سند لهذا الجزء سوى ما ساقه الحميري، وإلا فأتحداه أن يأتي بنص يعرف فيه راوي (كتاب الإيمان المزعوم)! عن عبد الرزاق، لأن المصنف لم يُرو جملة واحدة، فقد تفرد رواةٌ ببعض أقسامه، فأبطل الحميري جزءه بنفسه من حيث أراد الطعن بكتب الأئمة!
والحميري لم يفهم هذا عندما رددت عليه، وصرَّحت أنه لن يفهمه فقلت: [أما مسألة تفصيل السماع من الإجازة، ومسألة تحديد روايات قطع محددة من المصنف لم تقع من رواية الدبري عن عبدالرزاق فهذه أمور لا يكلّف بها من هو في مستوى الحميري بالرواية، والله أعلم.]
وصدق ظني، فقال الحميري في إغلاقه بعد ستة أشهر: [هذا الاعتراض ضرب من التخريف ، فنحن ذكرنا إسنادنا لمصنف عبد الرزاق كله ، وليس لهذه القطعة فقط]!!
فلا يزال الحميري يظن أن المصنف يُروى كاملا من طريق الدَّبري عن عبد الرزاق، وأنا أكرر له أن لا يصح أن يُروى جميع المصنف عنه، فهناك أبواب منه سقطت على الدَّبري، وأخرى تروى عن غير طريقه، كما تجده عند أئمة الشأن، كابن خير الإشبيلي في فهرسته التي نص الحميري على مطالعتها (127-130)، ولن أفصّل في هذا أكثر، لأنني أكرر أن المسألة فوق مستواه ولا يكلّف بمثلها! ولعل أحداً غيري يتنـزل ويدلّه!
عوداً على مسألة كتب السنة الحقيقية التي طعن فيها الحميري تقليداً وجهلاً، فأقول: أين هذه الكتب مع محتويات جزء الحميري التي ما رآها الحفاظ مروية قط، ولا متابعات لها، وهي محض تخليط في عجمة وتخبيط، وليست أسانيد عبد الرزاق ولا غيره! وهي عارية عن أدنى مقومات التوثيق، ومليئة بالمطاعن التي يكفي أحدها لإبطال الجزء والحكم عليه بالتزوير، فأين هذا من ذاك؟ إن هو إلا التلبيس على الجهلة الأغمار!
وكذا قول الحميري [وكم من كتاب طبع على أصل واحد فقط بل وليس عليه سماعات]، وردُّه لبعض مفردات الطعون بالتجويز والاحتمالات! فنقول: مع فارق القياس فنحن لم نطعن في جزئك بهذه الجزئية فقط يا ذكي، لكن بينّا أن مخطوطك خالٍ من أدنى مقومات التوثيق، تلك التي ذكرتَ بعضها سابقا (مثل خط المصنف! سماعات عليه! دائرة منقوطة!) وهو مع ذلك مليء بالمطاعن التي لا يدفعها أهل العقل والاختصاص! وأزيدك هنا: لو أن صاحبك المزوِّر أتقن مهمته أكثر وزوّر للمخطوط سنداً وسماعات وملأ المخطوط دوائر منقوطة، وختم بنص المقابلة، وبالغ في إتقان التزوير: لما تغير حكم التزوير عند أهل الاختصاص لوجود القوادح الأخرى، فأرح نفسك من عناء التلبيس!
ونحو ذلك ما ذكره في قضية المصنفات، فليس عنده فيها إلا التجويز دون أدنى بينة، ومن المضحك كلامه عن مسألة ثبوت التبويب لكتاب الإيمان أول المصنف، فقد احتج لثبوته في جزئه بأنه واقع جزئه! ففسر الماء بعد الجهد بالماء! أما أنا فذكرت قرائن من فهرسة ابن خير وكشف الظنون تتقوى بالقرائن الأخرى على إبطال التبويب أول المصنف! وهب أنه لم توجد تلك القرائن، فلا تؤثر على الحكم بالبطلان!
ونحو ذلك تعلقه السخيف بقضية التأريخ الهجري، فأنا ما جعلت هذا مطعناً لذاته، بل جعلته ضمن جملة قرائن مجتمعة أهملها واستلّ ذا من بينها وردَّ عليه بالنادر، مع تصريحي في ردي قائلا: [وقد يقول قائل: ما ذكرتموه صحيح، ولكن ألا يمكن أن تُكتب بعض المخطوطات على خلاف الأصول التي ذكرتموها؟ نقول: ممكن أن يقع الاستثناء في أمر أو أمرين، أما هنا فقد تضافرت أمور كثيرة من شأنها أن تضعف الثقة بهذا المخطوط المزعوم].
فهو وجد استثناء في بعض المخطوطات بعد التعب والجهد، وأنا لم يخف عليّ أن ذلك قد يوجد، ولكن على ندرة شديدة، ولذلك قلت إنه غير معتاد، وللتدليل على كلامي فليراجع من عنده تتبع المخطوطات مائة مخطوط عشوائيا في كتب السنّة القديمة أو غيرها، ولينظر كم نسبة ما يجد فيه من تأريخ بالهجرة؟ وأنا واثق أنه سيجد بعدها دقة كلامي واحترازي في العبارة.
وقال الحميري: [وهذا ما رأيناه في مخطوطات مشابهة، وأتينا بصور لها بعد أن أثبتناها في مقدمة التحقيق وهذا المعترض قد هدم ما أتى به علينا فقال ما نصه : (وعليه فإن خطوط القرن العاشر في النسخ والثلث لا تختلف عن خطوطنا نحن اليوم، فلماذا يتحكم الحميري في أن خط المخطوط هو خط القرن العاشر فقط ؟).
فقوله : (لا تختلف عن خطوطنا نحن اليوم) تصريح منه باحتمال كون المخطوط من كتابات القرن العاشر، وهذا متوقع ومحتمل].
قلت: من المتعب أن يلاحق الإنسان من يحب الجدال الجاهل العقيم، ولولا أن هدفي تنبيه العوام الذين قد ينطلي عليهم تلبيس الحميري لاكتفيت بما سبق من إثبات كذبه وهروبه وجهله، فقضية الخط نقضتُها في ردي الأول بشهادة أكثر من رجل من أهل البلد والاختصاص أن الخط هندي معاصر، وأزيد هنا ما نبّه عليه الشيخ عبد القدوس نذير الهندي، فقال: [ما بدأ به ناسخ المخطوطة المزعومة من كلمة دعاء "رب يسر ولا تعسر وتمم بالخير"، فترصيع الكتاب بهذا الدعاء وخاصة كلمة "وتمم بخير" معهود في الهند، لا يكاد يوجد لدى الآخرين، خاصة عند المتقدمين، وكنا نلقَّن هذا الدعاء في الكتاتيب عند افتتاح أي كتاب جديد].
أما قضية أن خط القرن العاشر في النسخ والثلث لا يختلف عما نحن عليه اليوم فقد شرحتُه في ردي الأول، وبيّنت أنه بذلك لا يصح جزم الحميري أن الخط للقرن العاشر تحديداً كما فعل في تحقيقه وكما اضطرب هنا، وأن فعله تحكم محض لا دليل عليه، فجاء الحميري وحوّر معنى عبارتي ليجعلني أُقر احتمال الصواب في تحديده، وهذا لم يحصل، فإنني ذكرتُ في نفس الموضع قرائن أخرى من طريقة رسم بعض الكلمات، واستشهدت بقول أهل البلد وأهل الاختصاص في أن الكتابة معاصرة، فبتر الحميري السياق والمعنى ليدلس كلامي ويُظهره للقراء على خلاف مرادي الواضح، ولذلك ترى الحميري يُكثر من نقل كلامي بعد أن يصوغه هو، وما ذاك إلا ليتسنى له تحوير المعنى والتلبيس، أما أنا فأسوق كلامه كاملاً بين معكوفتين وأميّزه بخط تحته زيادة على ذلك، ثم أناقشه، وهذا الفارق واضح للقارئ المنصف إن شاء الله.
وبعد أن وصل الحميري بشق الأنفس وعبر التدليس والبتر إلى أن المخطوط (يُحتمل!) كونه من كتابات القرن العاشر: جاء ليُسقط استدلاله بنفسه في مكان آخر، فقال رادًّا على نفسه: [ثم إن ما تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال ، فحجته مردودة عليه، وقد رجع الأمر عليه]!
ومن تلبيساته ما أورده من ردَّ اعتراضي على جزئه المختلق بأنه لو كان كل كتاب فيه كذب يُرَدّ: لحكمنا على معاجم الطبراني ومصنفات أبي نعيم والديلمي بالتزوير والاختلاق!
وكذلك وجود طرقٍ لا تُعرف -لأحاديث معروفة- في سائر كتب الحديث إلا في جزئه، وهي بينة التركيب والانقطاع يقول: إن كتب الرواية طافحة برواية المراسيل والمنقطعات، وأنه يلزم باعتراضي إسقاط معظم كتب السنة!! وكأنني كنت أتكلم عن تضعيف مفردات الأسانيد لا الجزء برمّته!
فكل هذه الأمور قياسات جاهلة لجزئه على كتب السنة، وهو لم يفهم أصل اعتراضي حتى يردّ عليه، فهناك فروق عظيمة بين الكتب الحقيقية وبين جزئه المزوّر، تقدّمت الإشارة إلى بعضها، حتى تلك الأحاديث الموضوعة تكون في الغالب موجودة ومروية في مصادر أخرى، وهي معروفة عند الحفاظ وتجد لهم كلاما ونقداً للراوي والمروي، في مثل الميزان واللسان، فضلاً عن كتب الموضوعات والواهيات، أما الضعاف والمناكير المتقدمة فالنصوص فيها أكثر، والمخرجين لها من الوجه ذاته أكثر، والحفاظ يعرفونها على ما فيها، فهل نجد مثل ذلك في موضوعات جزء الحميري التي ليس لها أصل البتة؟ وفيه ما لم يره الحفاظ يقينا على مدى الدهر؟
* ومن تلبيسات الحميري وجهله قوله: [وأما زعم المعترض بتأثر الرواة بالأحزاب الصوفية فانظر حديث (87) من كتاب ابن بشكوال في صلاة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : (( اللهم داحي المدحوات وبارئ المسموكات ، وجبار القلوب على فطرتها، شقيها وسعيدها ، اجعل شرائف صلواتك ونوامي بركاتك ورأفة تحننك على محمد صلى الله عليه وسلم عبدك ورسولك الخاتم لما سبق ، والفاتح لما أغلق ، والمعلن الحق بالحق ، والدامغ جيشات الأباطيل كما حمل ، فاضطلع بأمرك لطاعتك مستوفزًا في مرضاتك بغير نكل في قوم ولا وهي في عزم ، واعياً لواجبك حافظا لعهدك ...)) الحديث ، وهو عند الطبراني في الأوسط (9089) ، وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار ( الجزء المفقود المطبوع، برقم 352) وغيرهم . فما قولك بعد هذا؟ هل هذه الألفاظ صوفية منقولة من دلائل الخيرات ؟ أم هي دعاوى بثها المعترض؟!]
فالجواب عن هذا من وجين:
الأول أن الحميري يحاول صرف أنظار الناس عن أحد أهم مصادر جزئه -وهو دلائل الخيرات للجزولي- بأن يأتي بأحاديث وصيغ ليست في جزئه، وربما ليست في الدلائل أيضا، وهذه لا علاقة لها ببحثنا إطلاقا، نحن نتكلم عن أحاديث مصنف الحميري تحديداً ولا علينا من غيره، وبهذا يُجاب عما أورده أيضا عن علي القاري من أمور خارجة في موضع البحث أصلا! وهذا التلبيس لا أراه إلا لصرف أعين الجهلة المخدوعين فيه من مسألتنا إلى سواها، وأن يُظهر نفسه أمامهم صاحب حجة، ولو كان خارج السياق!
فأما مسألتنا: فقد أثبتُّ في ردي الأول أن ستة آثار من الجزء ساقها واضع الجزء بحروفها تقريبا من دلائل الخيرات، ولم أُلق القول جزافا، بل حددت أماكنها في الدلائل، بل الحميري نفسه أشار لذلك في حاشية تحقيقه قبل أن يحاول التنصل من تلك الفضيحة هنا! وذكرت كذلك أن هذه الآثار لا أصل لها البتة، وأتحدى أن يخرّجها نفسها من كتب الرواية، ولو كان يستطيع لما اضطر في حاشيته أن يحيل في التخريج على دلائل الخيرات!! وللتذكير فإن الكلام على الحديث من شرطه في خطته المزعوم؛ تلك التي تعلل بها سابقا للهروب!!
أما مسألتُه: فإن الأثر الذي أورده لا يصح أصلاً، وهو من رواية نوح بن قيس، عن سلامة الكندي، قال: كان علي يعلم الناس الصلاة.. الخ.
قال الطبراني في الأوسط (279/أ): لا يُروى هذا الحديث عن علي رضي الله عنه إلا بهذا الإسناد، تفرد به نوح بن قيس الطاحي. وقال أبونعيم معناه في تسمية الرواة عاليا عن سعيد بن منصور (18).
وسلامة فيه جهالة؛ ولم يرو عنه إلا أحد إلا نوح، وحديثه عن علي مرسل.
وضعف حديثه هذا: أبوحاتم في الجرح والتعديل (4/300)، والمزي، وابن كثير في تفسيره (3/510)، والهيثمي في مجمع الزوائد (10/164)، وغيرهم.
قلت: وبالبحث لم أجد واسطة بين سلامة الكندي وعلي إلا راويا واحداً، وهو الأصبغ بن نباتة، والأصبغ رافضي متهم بالكذب.
قلت: وشيئٌ يعلّمه علي رضي الله عنه للناس ثم لا يُعرف إلا عن مجاهيل يروون عن كذابين يؤكد عدم حصوله، فأين الناس والمتعلمون عن نقله؟
فهذا الأثر ضعيف جدا ولا يثبت، ومتنه فيه نكارة، ولذلك فرح به الحميري!
وهكذا ما أشار له الحميري في ردّه بعده مما لا يثبت، حتى وإن رواه فلان وفلان ممن لا يقتصر على الصحيح، فعندنا مقياس وميزان للحكم على الأحاديث يُفترض أن يعرفه دكتور الحديث! وأما ما ذكره الحميري من مشابهة الضعاف والموضوعات لأوراد الطرقية فشيء لا نستغربه، فالملاحظ من جلّ أورادهم وأحزابهم -ولا سيما المتأخرة- خلوها تقريباً من الأذكار الصحيحة الواردة في السنّة، بينما تُبنى على مثل ما أورده الحميري من الواهيات والموضوعات وما لا أصل له، بل واستحسانات من لا علاقة له بالسنّة، ناهيك عن المضادة للسنّة والشركيات، ويحرصون ويتواصون عليها دون ما ثبت من هدي خير البشر صلى الله عليه وسلم، وسبحان من يهدي من يشاء ويُضل من يشاء!
وأعود لكلامه لأجيب على سؤاله الأخير قائلا: كلا، ليس هذا الأثر -الخارج عن بحثنا ابتداء- منقولا من دلائل الخيرات، وهو أقل ضعفاً من أوراده بكثير، إلا أن أحاديث مصنفك -المشار إليها- أُخذت من دلائل الخيرات! وهذا بيت القصيد!
*قال الحميري: [أما عن السيادة: فقد زعم بأن السلف لم يعرفوها، فاعلم أخي القارئ أن ذلك محض افتراء، فقد أخرج السخاوي في القول البديع ص126 بتحقيق الشيخ عوامة والحديث حسن كما ذكره المحقق : عن ابن مسعود قال رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إذا صليتم عليَّ فأحسنوا الصلاة، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يُعرَض عليَّ، قولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، عبدك ورسولك، إمام الخير، وقائد الخير، ورسول الرحمة، اللهم ابعثه المقام المحمود يغبطه به الأولون والآخرون))، أخرجه ابن ماجه والقاضي إسماعيل ص58 والطبراني في الكبير (9/115) والبيهقي في الدعوات (57) كما أخرجه الديلمي في مسند الفردوس له هكذا ، ورواه ابن أبي عاصم في حديث التشهد، فهل بتلك المزاعم المفتراة من المعترض تسقط النسخة؟!!]
قلت: استدل الحميري على معرفة السلف أجمعين للسيادة بأثر وحيد، ويجاب عنه بأمور:
أولاً: السخاوي لم يصح أن تقول (أخرج الحديث) لأنه لم يُسنده، وهذا الخطأ البدائي يُفترض أن لا يقع فيه دكتور (!) في الحديث!
ثانيا: ما دام الحميري دكتورا (!) في الحديث فما حاجته أن يقلد غيره في الحكم على الحديث؟ ولو أنه اعتمد فيه على حكم أحد الحفاظ أو من يُحتج بأحكامه لكان له بعض عذر، ومن ذلك فليس الحكم فصلاً، بل هو قابل للمناقشة، كيف وقد اعتمد على معاصر مثله ليس مرجعاً في التصحيح والتضعيف؟!
ثالثاً: إن الأثر الموقوف هذا ليس حسن الإسناد كما زُعم، بل هو ضعيف منكر، فهو من رواية المسعودي، عن عون بن عبد الله، عن أبي فاختة، عن الأسود بن يزيد، عن ابن مسعود موقوفا.
والحديث فيه اختلاف على عون، فرواه جماعة عن المسعودي هكذا، وتفرد بذكر أبي فاختة.
وخالفه عمرو بن مرة فرواه عن عون بن عبد الله، عن الأسود أو رجل من أصحاب عبد الله، عن عبد الله، ولم يذكر أبا فاختة.
ورواه الثوري عن مسعر، عن عون، عن رجل (مبهماً)، عن الأسود.
ورواه عدي بن الفضل عن مسعر، عن عون، عن الأسود بلا واسطة.
(انظر لما سبق علل الدارقطني 5/15-16 وحلية الأولياء 4/271)
ولا شك أن الأقوى فيما سبق رواية الثوري عن مسعر، فالحديث ضعيف الإسناد إلى الأسود لجهالة المبهم، وقد خالف سائر الرواة عن الأسود في صيغته (انظر مثلا مصادر المسند الجامع 11/538-542)، فضلا عن مخالفته للثابت عن ابن مسعود في التشهد، فهو منكر لا يثبت بحال.
والحديث ضعفه البوصيري في مصباح الزجاجة، وغيره، إلا أنهم أعلوه باختلاط المسعودي، ولا يتجه الإعلال بالاختلاط -تحديداً- لرواية بعض القدماء عنه، والصواب إعلاله بما ذكرت.
خامساً: وبعد أن انهدم دليل الحميري اليتيم وثبت ضعفه نورد عليه ما ثبت مما يعارضه، ومنه حديث عبد الله بن الشخير رضي الله عنه، قال: قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في رهط من بني عامر، فسلّمنا عليه، فقالوا: أنت والدنا، وأنت سيدنا، وأنت أفضلنا علينا فضلا، وأنت أطولنا علينا طولا. فقال: "قولوا بقولكم لا تستهوينكم الشياطين". وفي رواية: "قالوا: أنت سيدنا. قال: السيد الله". رواه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود والنسائي في الكبرى وغيرهم، وصححه الضياء وابن مفلح وغيرهما.
وصح عن أنس رضي الله عنه، أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا خيرنا وابن خيرنا، ويا سيّدنا وابن سيّدنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستفزنكم الشيطان، أنا عبد الله ورسوله، وما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلنيها الله". رواه النسائي في الكبرى وأحمد وغيرهما، وصححه ابن حبان والضياء وابن عبد الهادي في الصارم المنكي وابن مفلح في الآداب وغيرهم.
وعن عمر رضي الله عنه مرفوعا: "لاتطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد؛ فقولوا: عبد الله ورسوله". رواه البخاري، وقال شيخه علي بن المديني: هذا حديث صحيح مسند.
قال الحميري: [وأعجب من غمز المعترض لي في اعتراضه بين فينةٍ وأخرى بالمحدث محمود سعيد ممدوح حيث اعتبرني جاهلاً في هذا الفن ، وكأن العمل في المصنف عمل الدكتور محمود سعيد ممدوح ، علمًا بأن سماحة الشيخ لا دخل له في تحقيق المصنف وتوثيقه لا من قريب ولا من بعيد ، ولكنه استشير كما استشير غيره من أهل العلم، فطلبت منه مقدمة فتفضل بها مشكورًا ليس إلا].
قلت: بل هناك (إلا)!! وهو تغرير ممدوح بالقراء وإيهامه ثبوت النسبة وثقة المخطوط المزور، ومدحه لعملك إجمالاً (وقد تبين ما فيه!!)، مع علمه بحال أحاديثه عموماً؛ وبكلام مشايخه الشديد في الحديث الذي بُني عليه الجزء وبسببه خرج خصوصاً! مع أنه ليس من لوازم التقديم النفاق والمحاباة في الباطل وكتمان الحق!
فكان له دخل في توثيقه من قريب لا من بعيد، خلافاً لما زعم الحميري، ونحن إلى الساعة نترقب من ممدوح اعتذاراً وتراجعاً عن هذا، ولكن لا حياة لمن تنادي!
ثم ما هذه المقدمة والنتيجة في كلام الحميري؟ هو يعجب من اعتباري له جاهلاً في هذا الفن، وكأنني أعتبر العمل لممدوح!
فيُفهم من عبارة الحميري أن لو كان العمل لممدوح لكان الاتهام بالجهل في فن الحديث حقيقاً، وليس كذلك، فالعمل ليس لممدوح بل للحميري! فأسقط الحميري صاحبه من حيث أراد إنقاذه! ورحم الله القائل: لا تصحبنَّ الأحمقا.. فربما تمطى!
وإنني لا أعلم أحداً ضرَّ محمود سعيد ممدوح مثل صاحبه الحميري!

الخاتمة

* تلخص مما سبق أن ما يسمى (الجزء المفقود من الجزء الأول من مصنف عبد الرزاق) لم يتغير الحكم عليه بالوضع والتزوير، بل زاد ظهوراً وقوة.
* وأن محققه المدعو عيسى بن عبد الله بن محمد بن مانع الحميري لم يكتف بجريمة إخراجه ونشره مع التغرير بصحته، بل كتب ردًّا على سائر العلماء من شتى البلدان الذين نهضوا للتحذير من هذه السابقة في الوضع والكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، وأسمى رده (الإغلاق على المعترضين على الجزء المفقود من مصنف عبد الرزاق)، أصرَّ فيه واستكبر وعاند.
* وتبيّن أنه بنى ردّه على أربعة أمور: التهرب المقصود، والكذب العمد، والجهل العريض، والتلبيس والتدليس.
* فظهر منه بالتهرب والتدليس فقدانه الإنصاف وعدم اكتراثه بالحق ومقدار دينه وحبه المدعى للرسول صلى الله عليه وسلّم وسنّته.
* وظهر بأنه يرتجل الكذب ولا يستحي منه مطلقاً، بل يورد من كلامه ما ينقضه بنفسه مراراً، مما يدل أنه لا يبالي بالكذب، ويصل الحال إلى أن يكذب على مراجع وكتب ويُحيل عليها إمعاناً في الكذب، ويظن أن أحداً لن يرجع وراءه!
* وظهر منه من غرائب الجهل ما يجعل من الواجب إعادة النظر في كيفية حصول هذا الجاهل بمبادئ العلم عموماً والحديث خصوصاً على الشهادات العليا فيه!
* واعترف في النهاية أن للعلماء شأناً وقواعد في الكلام على الحديث، وأن له شأناً خاصاً مع أناسٍ أولهم ابن عربي الحاتمي صاحب وحدة الوجود.
* ظهر أن جرثومة الهوى والبدعة الغالية هي السبب في وضع الجزء المفترى، وإخراجه، والإصرار عليه بالجدال الباطل، وفي ذلك عبرة للمعتبر.

وأخيراً فإنني أحمد الله الذي يسّر الردَّ على المجرم الحميري مع ضيق الأوقات، ووفَّق للذب عن سنّة الحبيب المصطفى عليه أطيب الصلوات وأزكى التحيات.
وأختم بالنصيحة للحميري وممدوح بإعلان التوبة الصادقة من هذا الجُرم العظيم، فالرجوع للحق خير من التمادي والمكابرة في الباطل، فإن فعلا (فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)، (وإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ).
كما أدعو من اغتر بهما أن يراجع نفسه، وينظر في أي طريق كان يُسار به، فليتركه وليتمسّك بالكتاب والسنة كما فهمهما السَّلف الصالح، فمن فعله نجا من الضلال وأهله، وإلا انزلق حيث ينـزلق أربابُه في الجهل والخطأ والكذب، وليعتبر كيف يغار هؤلاء على مثل محي الدين ابن عربي والغمارية وأضرابهم بينما لا تهتز لهم شعرة في الغيرة على سنّة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويروّجون للكذب على النبي والطعن في صحابته! والله المستعان.
اللهم اجعل هذا العمل وغيره خالصاً لوجهك الكريم، وتقبّله وارحم صاحبه يا غفور يا رحيم.

قال كاتبه محمد زياد بن عمر التُّكلة:
فرغت من كتابته ضحى الاثنين 21 جمادى الآخرة 1427 في مدينة الرياض.
(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)
الملفات المرفقة
نوع الملف: zip الإزهاق لأباطيل الإغلاق محمد زياد التكلة.zip‏ (110.8 كيلوبايت, المشاهدات 30)
رد مع اقتباس
  #92  
قديم 29-08-06, 10:04 AM
شبكة السلف شبكة السلف غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 21-08-06
المشاركات: 12
افتراضي

جزاكم الله خيرا
__________________
شبكة السلف ... ترحب بكم

لدخول المنتدى من هنا

لصفحة التسجيل من هنا
رد مع اقتباس
  #93  
قديم 29-08-06, 11:12 AM
العوضي العوضي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 31-10-02
الدولة: الشارقة - الإمارات
المشاركات: 5,357
افتراضي

وإن شاء الله الكتاب سكون قريباً موجود عندنا بالإمارات ...
__________________
adelalawadi@
لأي خدمة [علمية] من بلدي الإمارات لا تتردد في الطلب
ahalalquran@hotmail.com
00971506371963
رد مع اقتباس
  #94  
قديم 29-08-06, 02:36 PM
أبو محمود الراضي أبو محمود الراضي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-01-05
المشاركات: 168
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم

إخواني الكرام .. أخانا الكريم الشيخ محمد بن زياد التكلة حفظه الله .. السلام عليكم ورحمة الله

نحن إخوانكم في موقع طريق الإسلام (www.islamway.com) .. مشاركة منا في التحذير من هذا الزيف والكذب وكشفه فقد قررت إدارة الموقع نشر التحذير من هذا الجزء الباطل الموضوع في الصفحة الرئيسية للموقع لما لموقعنا المبارك من أعداد زوار ليست بالقليلة ولله الحمد .. وسيظهر التحذير إن شاء الله في الصفحة الرئيسية للموقع قريباً.

إخوانكم في موقع طريق الإسلام
عنهم: أخيكم في الله أبو محمود الراضي
رد مع اقتباس
  #95  
قديم 05-09-06, 06:05 AM
محمد زياد التكلة محمد زياد التكلة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 26-11-04
المشاركات: 3,099
افتراضي

الإخوة المشايخ الكرام:
أشكركم جزيل الشكر على مشاركاتكم ومؤازرتكم.
ولا سيما الأخ الراضي (رضي الله عنه)، فالتحذير في موقع طريق الإسلام أرجو أن يكون له أثره البالغ في التحذير من تلك الأكذوبة التي نُشرت على نطاق واسع بين عوام المسلمين في بعض البلدان مع الأسف.
واستجابة لطلب الأخ العزيز الشيخ خالد بن عمر فإنني أعيد نشر غالب المشاركات التي ذهبت إن شاء الله تعالى.
وأؤيد كلام الأخ أبا راشد عن قضية التصوف في بلاده، والحق يقال إن الحميري (استقدم) الغلو والخرافة لبلده بشكل لم يُعهد من قبل، والله المستعان.
رد مع اقتباس
  #96  
قديم 05-09-06, 06:11 AM
محمد زياد التكلة محمد زياد التكلة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 26-11-04
المشاركات: 3,099
افتراضي الردود التالية جاءت عقب رد الشيخ بدر العمراني

بيان من الشيخ عبد الله السعد
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وبه أستعين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد اطلعت على كتاب زعم محققه أنه هو الجزء المفقود من مصنف عبد الرزاق، وبعد الاطلاع عليه، وجدت أن هذا كذب وليس بصحيح، بل هو عبارة عن متون موضوعة وأسانيد مختلقة ركّبت لهذه المتون، وكل من له تخصص في هذا الفن يعلم ذلك علم اليقين، والأدلة على ذلك كثيرة، منها:

أولاً:
أن المخطوطة المزعومة لهذا الكتاب لم تثبت، فقد ذكر واضعها أنها وجدت في الاتحاد السوفيتي السابق، وأنها قد احترقت(1)، ولاشك أن مثل هذا غير مقبول، وهل يكفي مثل ذلك في نسبة الأحاديث والآثار التي فيها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح من الصحابة وغيرهم! بل إن مثل هذا لا يكتفى به في نسبة كتاب إلى عالم من علماء الأمة، فكيف بالرسول صلى الله عليه وسلم.

ثانياً:
أن متون هذه الأحاديث باطلة، فهي من جهة اللفظ والتركيب ركيكة، ومن جهة المعنى مخالفة للكتاب والسنة. ومن أمثلة ذلك:

( 18 ): عن جابر أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول شيء خلقه الله تعالى، فقال: ( هو نور نبيك يا جابر خلقه الله، ثم خلق فيه كل خير، وخلق بعده كل شيء، وحين خلقه أقامه قدامه من مقام القرب اثني عشر ألف سنة، ثم جعله أربعة أقسام، فخلق العرش و الكرسي من قسم، وحملة العرش وخزنة الكرسي من قسم، وأقام القسم الرابع في مقام الحب اثني عشر ألف ، ثم جعله أربعة أقسام، فخلق القلم من قسم، واللوح من قسم، والجنة من قسم،ثم أقام القسم الرابع في مقام الخوف اثني عشر ألف سنة جعله أربعة أجزاء، فخلق الملائكة من جزء، والشمس من جزء، والقمر والكواكب من جزء، وأقام الجزء الرابع في مقام الرجاء اثني عشر ألف سنة، ثم جعله أربعة أجزاء، فخلق العقل من جزء، والعلم والحكمة والعصمة والتوفيق من جزء، وأقام الجزء الرابع في مقام الحياء اثني عشر ألف سنة، ثم نظر الله عز وجل إليه فترشح النور عرقاً، فقطر منه مائة ألف وأربعة. وعشرون ألف وأربعة آلاف قطرة من نور، فخلق الله من كل قطرة روح نبي أو روح رسول، ثم تنفست أرواح الأنبياء، فخلق الله من أنفاسهم الأولياء والشهداء والسعداء والمطيعين إلى يوم القيامة...) الخ.

(1): عن السائب بن يزيد قال: ( إن الله تعالى خلق شجرة ولها أربعة أغصان، فسماها شجرة اليقين، ثم خلق نور محمد صلى الله عليه وسلم في حجاب من درة بيضاء مثله كمثل الطاووس، ووضعه على تلك الشجرة، فسبح عليها مقدار سبعين ألف سنة، ثم خلق مرآة الحياء، ووضعها باستقباله، فلما نظر الطاووس فيها رأى صورته أحسن صورة وأزين هيئة، فاستحى من الله فسجد خمس مرات، فصارت علينا تلك السجدات فرضاً مؤقتا...) الخ.

(4): عن ابن عباس أنه قال: ( لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ظل، ولم يقم مع شمس قط، إلا غلب ضوءه ضوء الشمس، ولم يقم مع سراج قط إلا غلب ضوءه ضوء السراج).

(10): عن ابن جريج قال: ( كان البراء يكثر من قول: اللهم صل على محمد وعلى آله بحر أنوارك ومعدن أسرارك).

(11): عن الحسن قال: من يكثر من قول: اللهم صل على من تفتقت من نوره الأزهار، زاد ماء وجهه.

(12): عن ابن عيينة عن مالك أنه كان يقول دائماً: اللهم صل على سيدنا محمد السابق للخلق نوره.

(13): عن سليمان بن يسار قال: علمني أبو قلابة أن أقول بعد كل صلاة سبع مرات: اللهم صل على أفضل من طاب منه النجار، وسما به الفخار، واستنارت بنور جبينه الأقمار، وتضاءلت عند جود يمينه الغمائم والبحار.

(14): عن ابن جريج قال: قال لي زياد: لا تنس أن تقول بالغدوة والآصال: اللهم صل على من منه انشقت الأنهار، وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق وتنزلت علوم آدم.

(15): عن ابن عون قال: علمني شيخي أن أقول ليل نهار: اللهم صل على من خلقت من نوره كل شيء.

(16): عن سالم قال: علمني سعيد بن أبي سعيد أن أقول دوماً: اللهم صل على كاشف الغمة، ومجلي الظلمة، ومولي النعمة، ومولي الرحمة.

ثالثاً:
أن أسانيد هذه الأخبار مركبة، وواضعها ليس له معرفة بأسانيد الحديث وطرق الرواية، فالإسناد الثاني من هذا الجزء المزعوم، فيه أن ابن جريج قال: أخبرني البراء _ أي ابن عازب _ وهذا كذب، فابن جريج لم يسمع من البراء، ولا أعلم خلافاً ً بين أهل الحديث في ذلك.

وفي حديث رقم ( 24 ): عن الزهري أنه سمع عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه. و هذا كذب؛ فلم يذكر أحد من أئمة الحديث أن الزهري سمع من عقبة بن عامر.

وفي الحديث رقم ( 22 ): مالك عن يحيى بن أبي زائدة عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه. قلت: مالك لا يروي عن يحيى بن أبي زائدة، بل العكس هو الأقرب؛ فمالك أقدم من يحيى بن أبي زائدة، فبين ولادتهما أكثر من 25 سنة، وهل يحتاج مالك إلى أن يروي عن يحيى عن أبي سعيد وبينهما مفاوز.
ومثله حديث ( 34 ).

وفي حديث (30): الزهري عن ابن عيينة. والزهري لا يروي عن ابن عيينة؛ بل ابن عيينة هو تلميذ للزهري.

وفي حديث ( 13 ): عن سليمان بن يسار قال: علمني أبو قلابة. وهذا غير صحيح؛ فسليمان بن يسار ليس من تلاميذ أبي قلابة؛ بل هما قرينان، ولعل سليمان أقدم، وهو من فقهاء المدينة السبعة.
وغير ذلك من الأسانيد المركبة.

رابعاً:
مما يدل على كذب هذه الأحاديث؛ أن هذه الأحاديث لم يروها أحد من أصحاب عبد الرزاق كالإمام أحمد وإسحاق بن راهويه في مسانيدهم وغيرهم من أصحاب عبد الرزاق ولا ممن أتى من بعدهم، فلم ينسبوها إلى مصنف عبد الرزاق، فأين هم عن هذه الأحاديث حتى تكتشف في القرن الخامس عشر؛ فهذا كافٍ في بيان كذب هذا الجزء، وغير ذلك من الأدلة التي تدل على كذب هذا الجزء المزعوم.

فالواجب على علماء المسلمين إنكار هذه الجريمة القبيحة، وينبغي إحالة من قام بهذا العمل المنكر إلى القضاء الشرعي، حتى يلقى جزاءه، ويكون رادعاً لغيره من المتلاعبين، حماية لجناب الدين، وصيانة للسنة المطهرة من عبث العابثين.
وبالله التوفيق.


كتبه
عبد الله بن عبد الرحمن السعد
12/4/1427

-----------
حاشية:
(1)ينظر ما كتبه الشيخ زياد بن عمر التكلة حول هذا الجزء فقد كفى وشفى ،جزاه الله خيرا.
رد مع اقتباس
  #97  
قديم 05-09-06, 06:16 AM
محمد زياد التكلة محمد زياد التكلة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 26-11-04
المشاركات: 3,099
افتراضي

وهذا رابط لبيان الشيخ حفظه الله، وجزاه خيرا:
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=79718

-------------------------
وكتب: محمد زياد التكلة
-------------------------


وقد اتصلت ظهر اليوم بشيخنا محدّث العراق وخبير مخطوطات كتب السنة: الشيخ صبحي البدري السامرائي حفظه الله تعالى، وأخبرته بأمر الجزء وبعض الأحاديث التي فيه، فقال لي: هذه الأحاديث موضوعة لا أصل لها في مصنف عبد الرزاق، والزعم بأن هذه نسخة متممة للمصنف كذب، ولا أعلم له نسخة كاملة، والنسخة التي طبع عليها شيخنا الأعظمي أنا الذي دللته عليها.

* الشيخ بدر العمراني: جزاك الله خيرا على كلماتك الطيبة ونصرتك للسنة، جعلها الله في ميزان حسناتك.
* المشايخ والإخوة الفضلاء: العبدلي، وخالد بن عمر، وخزانة الأدب، وبقية الزملاء: جزاكم الله خيرا.
* الأخ محمود حامد الأثري: شكرا على لطفك، ولعلك تفيدنا عن رأي الشيخ أديب بعد توضيحي الأخير، لأن بعض المغرضين طار بكلامه الأول -بعد حرفه عن مساره- متعامياً عن التعقيب، مع أنه كُتب بعده بوقت يسير جداً!! وأبلغه سلامي، جزيت خيراً.

-----------------
الأخ المشرف وفقه الله:
عادت مشكلة عدم ظهور الصور في الموضوع بعد انتقال الموقع، للتنبيه.

--------------------
وكتب: عصمت الله:
--------------------


السلام عليكم و رحمة الله
فتحياتي وسلامي إلى الشيخ الفاضل محمد زياد التكلة حفظه الله تعالى
جزاك الله خيرات وحسنات ومرافقة سيدالبشرية في الجنات
فقد أثلجت صدور أهل السنة و ذبيت عن سنة خير البرية بالتعقب على هذه المحاولة اليائسة لترويج العقائد المنحرفة و تزوير النسخ و وضع الأحاديث لها
فقد شوش بعض من لا يهتم بالعلم الصحيح علينا في الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد حيث وزع النسخ المترجمة إلى اللغة الأردية من الكتاب المزعوم
و أنتم شفيتم الصدور
فجزاكم الله أحسن الجزاء

-------------------------
وكتب: محمد زياد التكلة
-------------------------


الأخ الفاضل: عصمت الله.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
لا شكر أخي على واجب.
وقد استوقفني في كلامك أمر خطير: أن الجزء المفترى تُرجم للغة الأردية وطُبع ونُشر ووُزِّع بهذه السرعة؟! وهو إنما طُبع حديثاً جدًّا بالعربية!
أرجو منك أخي أن تفيدنا عن المعلومات في بلدكم ومواقف المشايخ من هذا الجزء، ومن الذي ترجمه، وعلى نفقة من يوزَّع!

يا سبحان الله! كذبة هذا الكذاب الوضاع تطير في الآفاق، والحميري وصاحبه إلى الآن لم يظهر منهما أدنى إنكار لجريمتهما أو تراجع، ولا يباليان بالوزر المترتب على انتشاره في الآفاق بسببهما!
نسأل الله العافية.
رد مع اقتباس
  #98  
قديم 05-09-06, 06:20 AM
محمد زياد التكلة محمد زياد التكلة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 26-11-04
المشاركات: 3,099
افتراضي بيان مركز الإمام الألباني (عُدِّل عما نُشر أولاً بزيادة التوقيعات)

وهذا بيان صاغه فضيلة الشيخ علي بن حسن بن علي عبد الحميد الحلبي وفقه الله تعالى، وخرج باسم مركز الإمام الألباني، الذي يُمثل كبار تلامذة الإمام الألباني في الأردن.
http://www.albanicenter.net/mkalat/12.htm
---------------------------------------------------
الرقم: 1/ أ / 309
التاريخ: 26/3/1427هـ - 25/4/2006م

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله
وصحبه ومن والاه.

أمَّا بعد:

فلقد بَلَغَنا -بِأَسَىً بالغٍ- ما أَحْدَثَتْهُ بعضُ الأَيادي الآثمة مِن أدعياءِ العلم المُعاصرين -مِن المُتَصوِّفة والخُرافيِّين- مِن كذبٍ على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وكذبٍ على التاريخ الإسلاميِّ، وكذبٍ
على التراث العلميّ؛ ذلك في نسبتِهم كتاباً مصنوعاً مُخْتَلَقاً مُفترى -لا خِطام له ولا زِمام- للإمام
عبدالرزَّاق الصَّنعانيّ- المُتوفَّى سنة (211هـ): حيث طبعوه داسِّين فيه مَروياتٍ باطلةً، وأخباراً كاذبةً
-نَاسِبينَها إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-؛ يدورُ جلُّها حولَ زَعْمِ أوَّلِيَّةِ خلقِ نُورِ نبيِّنا محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- على سائرِ الخَلْقِ- أجمعين-، وما أَشبهَهُ مِن خُزَعْبيلات وتُرَّهات؛ تُنافي عظمةَ نبيِّنا -صلى الله عليه وسلم-، ومكانتَه الرفيعةَ السَّامِقةَ . . .

ذلك ما صَنَعَه المَدْعُوُّ (عيسى بن مانع الحميري)، وصِنْوُهُ المَدْعُوُّ (محمود سعيد ممدوح) -بصفاقةٍ
بالغةٍ، وجهالةٍ سابغةٍ- هداهما اللهُ سبيلَ الرشاد-.

وليس يخفى على ذي فِطْنَةٍ ما يُؤدِّي إليه هذا العملُ الباطلُ، والقولُ المنكرُ مِن عقائدَ فاسدةٍ، وآراءٍ
باطلةٍ -تزرعُ الغُلُوَّ، وتحصدُ الحقَّ-.

فمِن باب أداءِ الواجبِ في أَعناقِ أَهْلِ العلم {لَتُبَيِّنُنَّهُ للناس ولا تكتمونَه} أصدرنا هذا
البيان الأمين؛ تحذيراً للمسلمين الصالحين، وكشفاً للأدعياءِ المُبطلين.

واللهُ وليُّ الصادقين.

مركـز الإمـام الألبـاني
سليم بن عيد الهلالي، محمد بن موسى آل نصر، علي بن حسن الحلبي، مشهور بن حسن آل سلمان.
رد مع اقتباس
  #99  
قديم 05-09-06, 06:24 AM
محمد زياد التكلة محمد زياد التكلة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 26-11-04
المشاركات: 3,099
افتراضي

كتب محمد زياد التكلة:
------------------------

البارحة، في قناة المجد العلمية، قام فضيلة الشيخ الدكتور علي بن عبد الله الصيّاح في برنامجه بعَرْض الجزء المزور من المصنف، وتكلم عنه، وأفاد وأجاد، جزاه الله خيراً على إفادته عموم المسلمين بهذا النطاق الإعلامي الواسع، وأجزل له المثوبة.

-------------------------
وكتب محمد زياد التكلة:
-------------------------

يتابع أخونا الشيخ الدكتور علي الصياح -جزاه الله خيرا- إفاداته القيمة، وقد نشر اليوم في موقعه بياناً أملاه عليه الشيخ العلامة عبد الرحمن البراك -حفظه الله تعالى وجزاه خيرا- حول الجزء المكذوب، وهذا هو الرابط في الموقع:

http://www.hadithnet.net/montada/show.php?main=1&id=477

وهذا نصه:


بيان للشيخ البراك يبين فيه بطلان الجزء المنسوب لمصنف عبد الرزاق


الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

مما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله «من كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النَّارِ » وقد كثر الوضاعون الكذابون على رسول الله صلى الله عليه وسلم قديما وحديثا على اختلاف دوافعهم، ولكن لا عذر لأحد في الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم مهما ادّعى أو ادُّعي له من حسن النية!، فأقل أحوال الكاذب على النبي صلى الله عليه وسلم أنه مرتكب كبيرة من كبائر الذنوب.

ومن الأحاديث التي اتفق أهل العلم بالحديث على أنها موضوعة أحاديث النور المحمدي، وأظهرها كذبا حديث جابر بن عبد الله الذي نسبه بعضهم إلى مصنف عبد الرزاق الصنعاني.

ومن وقف على لفظ هذا الحديث وهو يعرف من هو عبدالرزاق يعلم ضرورة أنّ نسبته إليه باطلة فهو أجل من أن يروي هذا الحديث.

وقد أحتال بعض المعاصرين لتصحيح نسبة حديث جابر إلى عبدالرزاق فادعى أنه وجده في القسم الساقط من مصنف عبدالرزاق!، وقد كشف هذه الحيلة أخونا الشيخ محمد زياد التكلة وبيّن من وجوه أنَّ ما نشره الدكتور/عيسى بن عبد الله الحميري زاعما أنه القسم المفقود من مصنف عبدالرزاق باطل وهو افتراء على الإمام عبد الرزاق وأيده على ذلك كل من اطلع على بيانه من أهل الحديث فجزاه الله خيرا.

ولا يخفى أنّه كما يحرم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم تحرم رواية الحديث الموضوع، وأنّ من روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يعلم أنه كذب فهو من الكاذبين عليه صلى الله عليه وسلم كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم قوله «من حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ » ومعناه أنه يتناوله حديث «من كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النَّارِ »،فليحذر كل مسلم من التهاون بهذا الأمر الخطير.

ولا يخفى أنَّ نشر الحديث الموضوع في كتاب أشدُّ خطرا من مجرد روايته في اثناء كلام عابر، والله تعالى قد ضمن حفظ كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ولهذا قيض الله من علماء السنة قديما وحديثا من يميزون بين صحيحها وضعيفها ويفضحون المفترين، فلله الحمد والنعمة.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


أملاه
عبدالرحمن بن ناصر البراك
22/4/1427هـ
رد مع اقتباس
  #100  
قديم 05-09-06, 06:29 AM
محمد زياد التكلة محمد زياد التكلة غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 26-11-04
المشاركات: 3,099
افتراضي

كتب: الجعفري:
----------------

اقتباس:
[المشاركة الأصلية بواسطة عبدالرحمن الفقيه:
جزاك الله خيرا وبارك فيك، وليبشر واضعه بحديث (من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) ]

جزاك الله خيراً

---------------------------------
وكتب أبوعبد الرحمن الدرعمي:
---------------------------------


جزاك الله خيراً شيخنا المبارك /
محمد زياد بن عمر التُّكْلة ....
أسأل الله - جل وعلا - أب يحفظك من كل سوء ، وأن يجعلك ناصراً للسنة ، ذاباً عن حياضها ، قامعاً للبدعة وأهلها .
بارك الله فيك وعليك ....

-------------------------
وكتب محمد زياد التكلة:
-------------------------


الفاضلان: الجعفري، والدرعمي: جزاكما الله خيراً، وبارك فيكما.

وللفائدة: ففي الموضوع على الرابط التالي يُمكن تحميل لقاء الشيخ الدكتور علي الصياح في قناة المجد على هيئة ملف صوتي، وجزى الله الكاتب (أبا صالح) على إفادته:
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=80126

وهذا رابط التحميل المباشر:
http://www.9q9q.net/index.php?f=WsRuyT

-------------------------
وكتب محمد زياد التكلة:
-------------------------


يواصل الأخ الشيخ الدكتور علي الصياح جزاه الله خيرا إفاداته وأياديه البيضاء في نصرة السنة، فإضافة لما سبق ذكره من حمله لواء التحذير من القطعة المفتراة: سعى فضيلته مشكوراً لدى مشايخ الحديث البارزين من أعضاء هيئة التدريس في جامعة الملك سعود، وهذا بيان منهم حول الموضوع، فجزاهم الله جميعاً خير الجزاء على إفادتهم، التي هي إفادة مختصين لهم وزنهم.
وهذا نص البيان كما ساقه فضيلة الشيخ الصياح في موقعه على هذا الرباط:
http://www.hadithnet.net/montada/show.php?main=1&id=591

بسم الله الرحمن الرحيم

بيان من أساتذة الحديث بجامعة الملك سعود
يؤكدون فيه بطلان الجزء المنسوب لمصنف عبدالرزاق بن همام

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

فقد تابع أساتذة الحديث بجامعة الملك سعود باهتمام كبير الحديث الدائر حول «الجزء المنسوب لمصنف عبدالرزاق»، وحيث إنَّ هذا الموضوع داخل في اختصاص الأساتذة الكرام ومحل اهتمامهم فقد شكلت لجنة للنظر في هذا الجزء ودراسته، وبعد الاطلاع على الجزء المذكور، وما كتب حوله من نقد وبيان -خاصةً ما كتبه الشيخ محمد زياد التكلة؛ والذي توسع وبيّن من وجوه أنَّ ما نشره الدكتور/عيسى بن عبدالله الحميري زاعماً أنه القسم المفقود من مصنف عبدالرزاق باطل وهو افتراء على الإمام عبد الرزاق- ظهر للجنة ما يلي:

1- بطلان الجزء المنسوب لمصنف عبدالرزاق بن همام من وجوه عديدة ليس هذا موضع التوسع في ذكرها.

2- وجوب مناصرة العلماء والمشايخ الذين كتبوا في نقد هذا العمل القبيح، وإحالة من قام بهذا العمل المنكر إلى القضاء الشرعي، حتى يلق جزاءه، ويكون رادعاً لغيره من المتلاعبين، حماية لجناب الدين، وصيانة للسنة المطهرة من عبث العابثين.

3- أنّ هذه جريمة لم تعهد في هذا العصر بهذه الصورة مما يجعل للردّ عليها وبيان زيفها أهمية قصوى، وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله «من كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النَّارِ».

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أساتذة الحديث بجامعة الملك سعود:
د.سعد بن عبدالله الحميد
د.خالد بن منصور الدريس
د.محمد بن تركي التركي
د.إبراهيم بن حماد الريس
د.علي بن عبد الله الصياح
د. تيسير بن سعد أبو حيمد
د. عبدالمحسن التخيفي
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:46 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.