ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الحديثية
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #91  
قديم 09-10-08, 12:19 PM
القرشي القرشي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-07-05
المشاركات: 1,449
افتراضي

الشيخ ماهر : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
هل يوجد فرق بين قولهم : (( ليس بالقوي )) وقولهم : (( ليس بقوي )) ؟والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الجواب :
ذكر بعض أهل العلم أن ثمة فرق بين عبارة : (( ليس بقوي )) وعبارة : (( ليس بالقوي )) ، قال المعلمي في " التنكيل " 1/232 - تعقيباً على زعم الكوثري أن النسائي قال في الحسن بن الصباح : ليس بقوي - :
(( عبارة النسائي : ليس بالقوي ، وبين العبارتين فرق لا أراه يخفى على الأستاذ ولا على عارف بالعربية ، فكلمة : ليس بقوي تنفي القوة مطلقاً وإن لم تثبت الضعف مطلقاً ، وكلمة : ليس بالقوي إنما تنفى الدرجة الكاملة من القوة ، والنسائي يراعي هذا الفرق ، فقد قال هذه الكلمة في جماعة أقوياء فيهم عبد ربه بن نافع وعبد الرحمان بن سيلمان بن الغسيل فبين ابنُ حجر في ترجمتيهما من مقدمة الفتح أن المقصود بذلك أنهما ليسا في درجة الأكابر من أقرانهما ... )) .
وقال ابن حجر في " هدي الساري " : 565 - بعد نقل قول النسائي : ليس بالقوي - : (( هذا تليين هين )) .

المصدر : http://www.hadiith.net/montada/showt...6733#post36733
__________________
اللهم اجعلني ممن يخدم القرآن خدمة عظيمة باقية
رد مع اقتباس
  #92  
قديم 12-10-08, 04:30 AM
ماهر ماهر غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-08-02
المشاركات: 2,822
افتراضي

جزاكم الله خيراً علي كل مجهوداتكم العلمية و نفع الله بكم الامة و زادكم الله علما ورفع قدركم في الدارين أمين
سؤالي شيخنا الفاضل عن رأيكم في منهج العلامة أحمد شاكر في التصحيح و التضعيف و حينما يقال صححة العلامة أحمد شاكر هل نأخذ الحديث كما يقولون بعض المشايخ عندما يسردون حديثاً فيقولون مثلاً رواه الترمذي و صححة العلامة أحمد شاكر كما يقال صححة العلامة الألباني
فما رأيكم ؟
وما رأيكم عن منهج الشيخ الألباني في التصحيح حيث دندن كثير من المشايخ في منهجه في التصحيح و التضعيف فكانوا يقولون عندما يضعف يؤخذ منه الكلام دون نظر أما في التصحيح فينظر في تصحيحه ولا يؤخذ دون نظر ؟
ومن من المحدثين المعاصرين من أرتقي لدرجة الإجتهاد في صناعة الحديث حتي وصل لدرجة التصحيح و التضعيف وكان ممن إعتمد علي حكمه في التصحيح و التضعيف علي منهج الأوائل رحمهم الله ؟
وهل لا يزال باب الإجتهاد مفتوح في الصناعة الحديثية كما هو مفتوح في الصناعة الفقهية حتي لو تم الحكم من قبل الأوائل علي الأحاديث ؟
وكما تعلمون البون الشاسع بين منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين في هذة الصناعة فهل هناك باب كما إجتهد الأوائل وخاصة لأن هناك كثير لم يحقق تحقيقاً دقيقاً وخاصة كتب التواريخ المطولة حيث سمعت من أحد المشايخ يقول أن كتب التاريخ الإسلامي تحتاج إلي رجال وذلك لسعة حجمها وكثرة الأثار بها .
الرجاء إيضاح لنا كل هذه النقاط لأنها تعتبر منهج و ترتيب للأفكار
وسؤالي موجه لكل من كان له رأي في هذة المسألة وخاصة شيوخنا الأفاضل الشيخ الصياح و الدريس وكل مشايخنا الكرام ومشرفين المنتديات لكي تعم الفائدة و يوجد إثراء فكري .


الجواب :
ابتداءً أشكرك على دعائك ، وأسأل الله لي ولك ولجميع المسلمين السداد والثبات والرشاد .
فيما يتعلق بالعلامة المحدث الشيخ أحمد شاكر –طيب الله ثراه – فقد سبق أن أجبت على سؤال لأحد الأخوة في ذلك ، ولعلي أنقله هنا :
إذا أردنا أنْ نتكلم عن الشيخ فيما يتعلق بشخصه فهو لا يسأل عنه ، وهو من أعظم من نشر العلم والسنة في هذه المئة سنة الأخيرة ، مع إسهامه العظيم في الاجتهاد ، ومحاربة البدع والدعوة إلى السنة والوحي ؛ فرحمه الله ما أحسن طريقته وأجود مسلكه ، مع جودة عالية في نصرة الحق ومقالته ، وخاصة ونحن نعيش زمناً كثرت فيه المداهنة ، وانتشرت فيه الخيانة ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
وتحقيق الشيخ لجامع الترمذي رديء من حيث النص ، وبديع من حيث التحقيق العلمي ، أما الأحكام على الأحاديث فقد كانت على طريقة المتأخرين ، مع تساهل كبير في جانب علم العلل ، خاصة فيما يتعلق بزيادة الثقة ، والاختلاف في الرفع والوقف والوصل والإرسال والاتصال والانقطاع وغيرها من دقائق علم العلل ، ومن يطالع تلك الأحكام للشيخ يجد أنَّه ينحو مع رغبة جامحة في تكثير السنة ، ولو على حساب توثيق كثير من الضعفاء أو تقوية الخطأ بالخطأ ، وكما قلت : فإنَّ تلك الانتقادات لا توثر في شخص الشيخ شاكر– يرحمه الله – وذكر مثل تلك الانتقادات من باب الدين النصيحة ، قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في شرح الحديث السابع من جامع العلوم والحكم : (( ومن أنواع النصح لله تعالى وكتابه ورسوله - وهو مما يختص به العلماء -
ردُّ الأهواء المضلة بالكتاب والسنة ، وبيانُ دلالتهما على ما يُخالف الأهواء
كلها ، وكذلك ردُّ الأقوال الضعيفة من زلات العلماء ، وبيانُ دلالة الكتاب والسنة على ردِّها ، ومن ذلك بيان ما صحَّ من حديث النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، ومالم يصح منه بتبين حالِ رواته ومَنْ تُقْبَلُ رواياته منهم ومن لا تُقبل ، وبيان غلط مَنْ غلط من ثقاتهم الذين تقبل روايتهم )) .


أما سؤالك عن منهج الشيخ الألباني فلا يختلف عاقلان أنَّه علامةٌمحدثٌ معاصرٌ ، وهو إمامٌ من أئمة المسلمين ، وكان له دور عظيم في نصرة السنة وقمع البدعة ، بل إنَّ هذه النهضة الحديثية التي يشهدها العالم هي أثر مم آثاره ، وحسنة من حسناته ، وليعلم كل منصف أنَّ الشيخ قضى عمره ووقته في نصرة الحق ، واتباع الدليل ، والسير على منهج السلف ، ونبذ التقليد . وهو بشر من البشر له اجتهادات في الفقه والحديث والرجال أصاب في كثير وأخطأ في كثير ، وما أخطأ فيه فلا يُعد عيباً عليه ، فقد بذل الجهد واستفرغ الوسع وهو مأجور – إن شاء الله – وكثير من التقنية التي بين أيدينا الآن لم تكن بين يدي الشيخ آنذاك ، وطالب العلم – بل المنهج الذي رسمه الشيخ الألباني وغيره من المجتهدين المجددين – يأخذ الحق ويتبع الدليل ، ولا يقلد أحداً ، ونحن لو أخذنا بجميع أحكام الشيخ مسلّمين لها فنكون مقلدين لم نسر على منهج الشيخ الذي رسمه وأراده ودعا إليه ، وأفنى عمره فيه تأصيلاً وعملاً . وخذ مثالاً على ذلك ابن القيم لما خالف شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية في كثير من المسائل ، فلو أنَّه قلده في الجميع لما كان قد سار على منهجه في الاجتهاد واتباع الدليل ، بل إنَّ التقليد والتعصب شأن الجامدين العاطلين .
ومن الدليل على الكلام المذكور آنفاً أنَّ الشيخ نفسه قد تراجع عن كثير من أحكامه السابقة على الأحاديث والرواة وغير ذلك مما يتعلق بعلم الحديث ، وهذا ننتفع منه إنصاف الشيخ واتباعه للحق حتى ولو خالف نفسه ، وأنه بشر يخطيء ويصيب .

وأما سؤالك : ((ومن من المحدثين المعاصرين من أرتقي لدرجة الاجتهاد في صناعة الحديث حتى وصل لدرجة التصحيح و التضعيف وكان ممن اعتمد علي حكمه في التصحيح و التضعيف علي منهج الأوائل رحمهم الله ؟)) .
فالجواب : هناك كثير من المعاصرين ممن يعمل في خدمة الحديث ولكن لا تطيب نفسي لأحكام أحد من الأحياء إلا للشيخ عبد الله السعد والشيخ سليمان العلوان وغيرهم لا يرقى إلى مرتبتهم .
أما قولكم : (( وكما تعلمون البون الشاسع بين منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين في هذه الصناعة فهل هناك باب كما اجتهد الأوائل وخاصة لأن هناك كثير لم يحقق تحقيقاً دقيقاً وخاصة كتب التواريخ المطولة حيث سمعت من أحد المشايخ يقول أن كتب التاريخ الإسلامي تحتاج إلي رجال وذلك لسعة حجمها وكثرة الأثار بها .)) فالجواب عن هذا مما يحزن ، فإنَّ الأخطاء التي في أسانيد كتب التاريخ ليست خاصة بها ، بل إنَّ كثيراً من كتب الحديث فيها من التصحيف والتحريف والسقط والزيادات المقحمة ما الله وحده به عليم وكثير من دور النشر ، بل أغلبها لا يعتنون بذلك ، وقد كتبت قبل أيام خطاباً إلى مكتبة الرشد أنبههم فيه على بعض التصحيفات والتحريفات الواردة في بعض منشوراتهم ، وهناك أدعياء للتحقيق ومرتزقة كتب ، ولهم معامل للتحقيق ، أسهموا في إخراج عدد من كتب السنة بصورة مشوهة ؛ إذ آثروا العاجل على الآجل ، ولم يكن من وكدهم العلم النافع ، والنصح للسنة .
أما باب التصحيح والتضعيف فهو مفتوح لمن تمكن في الفن وقويت معرفته ، وابن الصلاح لم يغلق باب الاجتهاد في التصحيح والتضعيف لكن من جاء بعده لم يفهم مراده ، وإنما هو أراد أن هذا العلم دين وأن قضية التصحيح والتضعيف قضية دينية تترتب عليها تبعات كبيرة أمام الله تعالى ، وهو إنما أراد التشديد والتعسير وأن الأمر لا يستطيعه كل أحد .

وفي الختام أقول لنفسي ولإخواني أن النصيحة للدين من أفضل الواجبات وأعظم القربات ، وتلك وظيفة العمر وهو جهاد الأمة وواجب الجميع ، ومن ذلك طلب العلم والعمل به والدعوة إليه ، وللإنسان في ذلك فرص شتى ، ومن تلك الفرص تعلم هذا العلم وتعليم الآخرين وخدمته تدريساً وتأليفاً وإرشاداً وتوجيهاً .
وليعلم طالب الحديث أن هذا العلم بحر لا ساحل له ، يفني عمر الإنسان ولا تنقضي دقائقه ، فليجد في الطلب ولا يمل من كثرة القراءة والكتابة والبحث والسؤال والتنقير .

المصدر : http://www.hadiith.net/montada/showt...6826#post36826
__________________
انشر الخير تكن من أهله
https://www.youtube.com/channel/UCpy...mTEXh_uvkomiiw
رد مع اقتباس
  #93  
قديم 12-10-08, 05:51 AM
القرشي القرشي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-07-05
المشاركات: 1,449
افتراضي

شيخنا الحبيب الشيخ ماهر حفظكم الله ..
إني أحبكم في الله ..

سؤالي هو ما حكمكم على هذا الحديث شيخنا :
في سنن الترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا، فقال لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا أحسن مردوداً منكم، كنت كلما أتيت على قوله تعالى: فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد.

الجواب :
هذا الحديث في جامع الترمذي كما ذكرت ( 3291) والترمذي أعل الحديث إذ قال عقبه : (( هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد ، قال أحمد بن حنبل : كأن زهير بن محمد الذي وقع بالشام ليس هو الذي يروي عنه بالعراق كأنه رجل آخر قلبوا اسمه لما يروون عنه المناكير ، وسمعت محمد بن إسماعيل يقول : أهل الشام يروون عن زهير بن محمد مناكير وأهل العراق يروون عنه أحاديث مقاربة )) .
أقول الحديث من رواية الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد عن محمدبن المنكدر عن جابر ، وقد صرّح الوليد بن مسلم بالسماع من زهير عند الحاكم في المستدرك 2/472 ، ثم إن الوليد متابع عند البيهقي في الدلائل 2/232 ، وقد سكت عليه ( ويراجع شرطه في الكتاب 1/47)
والحديث له شاهد من حديث ابن عمر أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الشكر ( 68) والطبري في تفسيره 22/190ط. التركي والخطيب في تأريخ 5/493 ط. دار الغرب ، وفيه يحيى بن سليم الطائفي ، وفيه مقال .
والحديث بإسناديه الأول والثاني حسنه العلامة الألباني في السلسة الصحيحة (2150) ، وكذلك مثل به العلامة السعد في شرح الموقظة للحسن لغيره .

المصدر : http://www.hadiith.net/montada/showt...6828#post36828
__________________
اللهم اجعلني ممن يخدم القرآن خدمة عظيمة باقية
رد مع اقتباس
  #94  
قديم 13-10-08, 04:44 AM
ماهر ماهر غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-08-02
المشاركات: 2,822
افتراضي

من البداهة بمكان ألا يعرف تقوية الحديث بالمتابعات والشواهد الصحيحة ، والمحتملة الضعف فحسب ،بل لزم التنبيه على عدة أخطاء شائعة كتيرا ما نقع من المشتغلين من أهل صناعة الحديث بتحقيق الأسانيد والتي هي من أدق المسائل الني يجب أن يوليها المحققون عناية خاصة ، إذ ليست كل متابعة ، أو كل شاهد يصلح للتقوية ..

1ــ التقوية بالطرق شديدة الضعف :
..وإنما خص أهل العلم التقوية بالطرق ذات الضعف المحتمل ، وأما الطرق شديدة الضعف فلا يحصل بها تقوية ، بل هي لا تزيد الحديث على هذه الصفة إلا وهنا على وهن .
قال ابن الصلاح ـــ رحمه الله ــ [ص:34]
" ليس كل ضعيف في الحديث يزول بمجيئه من وجوه ، بل ذلك يتفاوت ، فمنه ضعف يزيله ذلك ، بأن يكون ضعفه ناشئا من ضعف راويه ، مع كونه من أهل الصدق والديانة ، فإذا رأينا ما رواه قد جاءمن وجه آخر عرفنا أنه مما قد حفظه ، ولم يختل فيه ضبطه له ، وكذلك إذا كان ضعفه من حيث الإرسال ، زال بنحو ذلك ، كما في المرسل الذي يرسله إمام حافظ ، إذ فيه ضعف قليل يزول بروايته من وجه آخر .

و من ذلك ضعف لا يزول بنحو ذلك ، لقوة الضعف ، وتقاعد هذا الجابر عن جبره ومقاومته ، وذلك كالضعف الذي ينشأ من كون الراوي متهما بالكذب ، أو كون الحديث شاذا "

وقد علق العلامة أحمد شاكر ـ رحمه الله ــ على هذا الكلام في الباعث الحثيث : [ص:38]:
" وبذلك يتبين خطأ كثير من العلماء المتأخرين في إطلاقهم أن الحديث الضعيف إذا جاء من طرق منعددة ضعيفة ارتقى إلى درجة الحسن أو الصحيح، فإنه كان ضعف الحديث لفسق الراوي أو اتهامه بالكذب ، ثم جاء من طرق أخرى من هذا النوع ،ازداد ضعفا إلى ضعف ، لأن تفرد المتهمين بالكذب أو المجروحين في عدالتهم بحيث لا يرويه غيرهم يرفع الثقة بحديثهم ، ويؤيد ضعف روايتهم ، وهذا واضح ."

وقال الشيخ الألباني ــ رحمه الله ـ في مقدمة " تمام المنة ": [ص31]
من المشهور عند أعل العلم أن الحديث إذا جاء من طرق متعددة فإنه يتقوى بها ، ويصير حجة ، وإن كان كل طريق منها على انفراده ضعيفا ، ولكن هذا ليس على إطلاقه ، بل هو مقيد عند المحققين منهم بما إذا كان ضعف رواته في مختلف طرقه ناشئا من سوء حفظهم ،لا من تهمة في صدقهم أو دينهم ، وإلا فإنه لا يتقوى مهما كثرت طرقه ...و على هذا فلا بد لمن يريد أن يقوي الحديث بكثرة طرقه أن يقف على رجال كل طريق منها حتى يتبين له مبلغ الضعف فيها ، ومن المؤسف أن القليل جدا من العلماء من يفعل ذلك ، و لا سيما المتأخرين منهم ، فإنهم يذهبون إلىتقوية الحديث لمجرد نقلهم عن غيرهم أن له طرقا دون أن يقفوا عليها ، ويعرفوا ماهية ضعفها ."

0 ــ ومن الأمثلة على هذا الخطأ الشائع :
حديث النوسعة على العيال في عاشوراء ، فإنه حديث منكر ، ولا يعرف له طريق صحيح ، ولا حسن ولا حتى محتمل .
ولكن وجدت البيهقي قد ذكر طرقه في "شعب الإيمان "[3/366]ثم قال : هذه الأسانيد وإن كانت ضعيفة فهي إذا ضم بعضها إلى بعض أخدت قوة "

2ــ تقوية رواية مجهول العين أو المبهم بغيرها ، أو تقوية غيرها بها :
من الأخطاء الشائعة في التقوية بالمتابعات والشواهد تقوية مجهول العين ـــ وهنا أفتح قوس ــشسخي الكريم ، هل صحيح "لا أصل للتقسيم إلى جهالة العين وجهالة الحال عند السبف ، إذ أنني وجدت في كتاب الديات للدراقطني في المجلد الثالث ...وقد أشار إلى أن الراوي إذا روى عنه إثنان فصاعدا فمقبول ، وإذا روى عنه راو أنه معلول ...هل هي قاعدة كلية أم لا؟؟ أريد جوايا من شيخي الفاضل ..
ثم ومن حكمه كالمبهم ــ بالمتابعة ، أو تقوية غيره به ، وهذا خلاف ما تقرر في المصطلح علم الحديث .
فإن جهالة العين من أسباب الضعف الشديد ، بل كثيرا ما يكون الراوي مجهول العين لا وجود له ، وإنما نشأ اسمه عن تصحيف ، أو وهم من أحد رواة الحديث ...
ولم أجد أحدا من أهل هذا الشأن ممن نص على التقوية بالمتابعة يذكر أن التقوية تكون بحديث مجهول العين ، وإنما خصوا ذلك ــ فيما يتعلق بالجهالة ــ بحديث المستور ومجهول الحال ..
وقد نقل غير واحد من أهل العلم الإتفاق على رد رواية مجهول العين إلا ماكان من احتجاج أبي حنيفة برواية بعضهم من التابعين .
ولذا قال الحافظ ابن كثير في اختصار علوم الحديث "[ص:92]:
[ أما المبهم الذي لم يسم ، أو من سمي ولا تعرف عينه، فهذا ممن لا يقبله أحد علمناه ، ولكنه إذا كان في عصر التابعين والقرون المشهود لهم بالخير فإنه يستأنس بروايته ، ويستضاء بها في مواطن ]

قلت : بل الراجح ترك الإحتجاج برواية هذا الصنف مطلقا ، وترك التعضيد له أو به .

ومن الأمثلة على هذا الخطأ الشائع :
ما أخرجه أحمد [3/ 444،428]، وأبوداود [862] ، والنسائي [2/ 214] ، وابن ماجه [1429]من طريق :

تميم بن محمود ، عن عبد الرحمن بن شبل ، قال :
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن نقرة الغراب ، وافتراش السبع ، وأن يوطن الرجل المكان كما يوطن البعير .
وله شاهد من حديث عثمان البتي ، عن عبد الحميد بن سلمة عن أليه مرفوعا بنحوه.
أخرجه أحمد [5/447،446]

وهذا الحديث قد حسنه الألباني ــ رحمه الله ــ في الصحيحة [1168]بمجموع الطريقين .
وبدارسة الطريقين نجد :

أن في الطريق الأول : تميم بن محمود ، وقال فيه البخاري : " في حديثه نظر " وضعفه العقيلي ، والدولابي وابن الجارود ، وقال العقيلي : " لايتابع على حديثه "
وفي الطريق الثاني : عبد الحميد بن سلمة ، وأبوه ، قال فيهما الدراقطني : "لا يعرفان "

وقال الشيخ الألباني ــ رحمه الله ــ
" عبد الحميد هذا مجهول كما في التقريب "

قلت : قد تفرد بالرواية عنه عثمان البتي ، وليس له راو عنه غيره ، فالجهالة هنا تنصرف إلىجهالة العين ، لا سيما وأنه قد اختلف عليه في هذا السند كما في ترجمته من "التهذيب "
فإذا تقرر ذلك ، فلا يصح تقوية حديثه بالطريق الأول ، إذ لو أننا سلمنا جدلا بأن الضعيف في الطريق الأول ضعف محتمل ، فالطريق الثاني قد تفرد به مجهول عين ، ومن ثم فلا يقوى به ...

3ـــ تقوية بالشواذ والمناكير :

ومن المعلوم بداهة أن من شروط الصحة انتفاء الشذوذ والنكارة ، وكذا هو من شروط الحسن ...فإن الشذوذ والنكارة من أسباب الضعف الشديد .
وكثير من المحققين اليوم يقوون بما لا يصلح به التقوية من مناكيرالرواة الضعفاء ، أو شواذ الرواة الثقات.

0ـــ ومن الأمثلة على هذا الخطأ الشائع :
ما أخرجه الترمذي [ 3489] ، والحاكم [1/493]من طريق :
صالح المري ، عن هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ــ رضي الله عنه ــ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة ، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه "
قال الترمذي :
هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه "
وأما الحاكم فقال :
هذا حديث مستقيم الإسناد ، تفرد به صالح المري ، وهو أحد زهاد أهل البصرة ، ولم يخرجاه "

وتعقبه الذهبي بقوله :
"صالح منروك"

قلت : صالح هو ابن بشير المري ، أحد زهاد البكا ئين إلا أنه ضعيف جدا من جهة الرواية ، يروي المناكير والبواطيل عن الثقات ، وهو في حيز الترك ، وقد تفرد به من هذا الوجه عن هشام بن حسان، ولم يتابعه عليه أحد من أصحاب هشام الثقات ، ولا حتى الضعفاء ، ولذا قال الترمذي " غريب "وهو بمعنى المنكر .

وله شاهد من حديث عبد الله بت عمروــ رضي الله عنه ــ عند أحمد [2/177] إلا أنه من رواية حسن بن موسى الأشيب عن ابن لهيعة ، والحسن سماعه متأخر من ابن لهيعة ، وكذلك ففي السند بكر بن عمرو المعافري و فيه جهالة ..
فشاهد عبد الله بن عمرو وإن كان محتمل الضعف ، إلا أن السند الأول منكر ،و من ثم فلا يصح تقوية السندين أحدهما بالآخر كما فعل بعض أهل العلم من المعاصرين ...

4ــ تقوية الوجه المحفوظ أو المعروف بالوجه الشاذ أو المنكر :

وهذا شائع جدا عند كثير من المحققين المعاصرين،و مرد ذلك إلىعدم اعتبار الإختلاف في الطرق على الراوي ، واعتبار أن كل طريق من هذه الطرق حديث مستقل ، مع أن المحفوظ يقابله الشاذ ، والمعروف يقابله المنكر ، كما هو معروف .
إذن فالمحفوظ أو المعروف هو الرواية الراجحة ، والشاذ أو المنكر هو الرواية المرجوحة ، فلا يصح تقوية الراجح بالمرجوح ، لأن مرد الروايتين إلى أصل واحد ، ورواية واحدة ..

0ــ ومن الأمثلة على هذا الخطأ الشائع :
حديث : "إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه ".
هذا الحديث أخرجه الترمذي [2912]: ثنا إسحاق ين منصور ، ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن معاوية ، عن العلاء ين الحارث ، عن زيد بن أرطأة ، عن جبير بن نفير ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم ...فذكره مرسلا .
فإن جبير بن نفير من التابعين ، ولذا قال البخاري ــ رحمه الله ــ في "خلق أفعال العباد "[509]
هذا الخبر لا يصح لإرساله وانقطاعه .
قلت : وقد أخرجه الحاكم [1/555]، والبيهقي في "الأسماء والصفات "[503] من طريق :
سلمة بن شبيب ، حدثني أحمد بن حنبل ، ثنا عبد الرحمن بن مهدي بسنده ، إلا أنه قال : عن أبي ذر الغفاري ــ رضي الله عنه ــ فرواه مرفوعا متصلا .

وهنا يجب التنبه ، فلأول وهلة قد يظن المحقق أن المخالفة إنما وقعت بين إسحاق بن منصور ، وبين أحمد بن حنبل ، وكلاهما من الثقات الحفاظ المتقنين ، وليس الأمر كذلك .

بل الوصل في رواية الحاكم والبيهقي وهم من الراوي عن أحمد بن حنبل وهو سلمة بن شبيب ، فهو وإن كان من الثقات إلا أنه قد خولف في وصل هذا الحديث .
فقد رواه عبد الله بن أحمد عن أبيه عن عبد الرحمن بن مهدي به مرسلا كما في " السنة "[109] ، وكما في "الزهد "[35]
وتابعهم على الإرسال محمد ين يحي بن فارس ، عن ابن مهدي كما عند أبي داود في " المراسيل "[538]
وقد أخرجه البيهقي في "الأسماء والصفات "[502]من طريق :
عبد الله بن صالح ، حدثني معاوية بن صالح ، فذكره بسنده إلا أنه قال :عن عقبة بن عامر الجهني .

وعبد الله بن صالح كثير الغلط ، كانت تدس له أحاديث فيحدث بها بسلامة باطن ، وقد خالفه الأكثر والأحفظ ، فلا شك أن الرواية المرسلة هي المحفوظة ، وأن الروايتين الموصولتين شاذتان .
وللحديث شاهدمن رواية أبي أمامة ــ رضي الله عنه ــ عند أحمد [5/267] والترمذي [2911]من طريق :
بكر بن خنيس، عن ليث بن أبي سليم ، عن زيد بن أرطأة ، عن أبي أمامة ، قال : قال النبي صلى الله ىعليه وسلم :
ما أذن الله لعبد في شيء أفضل من ركعتين يصليهما ، وإن البر ليذر على رأس العبد ما دام في صلاته ، وما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه "
قال الترمذي :
" هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وبكر بن خنيس قد تكلم فيه ابن المبارك وتركه في آخر عمره ، وقد روي هذا الحديث عن زيد بن أرطأة ، عن جبير بن نفير ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا."

قلت : فهذا الشاهد ليس إلا رواية منكرة أخرى من السند الأصلي المرسل ، والحمل في هذه الفرواية غلى بكر بن خنيس فإنه شديد الضعف منكر الحديث ، وليث بن أبي سليم ضعيف ، وقد تغير بأخرة تغيرا شديدا ، وقد خولف في رواية هذا الحديث .. والمرسل الأول هو الأصح ، ولا يصح الحديث إلا مرسلا .
إلا أن بعض أهل العلم من المعاصرين قد صحح الحديث بمجموع الطرق السابقة ، وهنا تباين واضح بين منهج المتقدمين ومنهج المتأخرين ، مع أنها ما بين محفوظ وشاذ ، وليس فيها شيء محتمل الضعف ، وقد ظهر من إعلال البخاري والترمذي للحديث ما يدل على عدم صحته، أو حتى حسنه على أقل الأحوال .

5ـــ تقوية الحديث برواية بمجموعة من الرواة المبهمين :

قد يروي أحد الرواة حديثا عن جمع من المبهمين ، كأن يقول : حدثني جماعة من الأشياخ أو من عمومتي ، أو من الأنصار ز
فذهب بعض أهل العلم إلى أن مثل هذه الجماعة من المبهمين تقوي بعضها البعض ، وتنجبر الجهالة بعددهم ، ومن ثم يحسن الحديث إن كان باقي رواة السند ممن يحتج بهم ، أو يصحح و
وقد سار على هذه الطريقة الشيخ الألباني ــ رحمه الله ــ كما يظهر جليا فيما علقه في " الإرواء "[5/128]، وفي "الصحيحة " [1230]
قال في الصحيحة ..
[ إذا أسلم الرجل فهو أحق بأرضه وماله ]
أخرجه أحمد [4/310] عن أبان بن عبد الله البجلي ، حدثني عمومتي ، عن جدهم صخر بن علية : إن قوما من بني سليم ...

قلت : وهذا إسناد حسن إن شاء الله ، أبان هذا مختلف فيه ، والأكثر على توثيقه ، وقال الذهبي " حسن الحديث "وقال الحافظ: " صدوق في حفظه لين "

وعمومته جمع ينجبر جهالتهم بمجموع عددهم ، وقد روى عن عمه عثمان بن أبي حازم وهو من المقبولين عند الحافظ في " التقريب "و كأنه لذلك سكت عليه الحافظ في " الفتح "[6/131] ، وجعله موافقا لقول البخاري في صحيحه :" إذا أسلم قوم في دار الحرب ، ولهم مال وأرضون فهي لهم ."

قلت : واحتج في " الإرواء " لصحة هذا المذهب بما أخرجه البخاري في صحيحه [2/539]:
من طريق : سفيان بن عيينة، ثنا شبيب بن غرقدة ، قال : سمعت الحي يتحدثون عن عروة : أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارا يشتري له به شاة، فاشترى له شاتين ، فباع إحداهما بدينار ، فجاءه بدينار وشاة ، فدعا له بالبركة في بيعه ، وكان لو اشترى التراب لربح فيه.
قال سفيان : كان الحسن بن عمارة جاءنا بهذا الحديث عنه ، قال : سمعت شبيب بن عروة فأتيته ، فقال شبيب : إني لم أسمعه من عروة قال : سمعت الحي يخبرونه عنه ,

ولكن سمعته يقول : سمعت النبي صلى الله ىعليه وسلم يقول :
"الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة "
قال : وقد رأيت في داره سبعين فرسا .

قلت : وقد أورد البخاري هذا الحديث ضمن مجموعة أخرى من الأحاديث في فضل الخيل في سبيل الله ، فالحجة عنده السند الثاني الذي صرح فيه شبيب بالسماع ، لا السند الأول ، فالسند ليس على شرط البخاري ، وإنما خرجه في صحيحه لتتمة الحديث التي فيها ىحديث الخيل ، وهو حديث منصل سمعه شبيب بن غرقدة من عروة البارقي ــ رضي الله عنه ــ
وهذا يرد كثيرا في البخاري ، فلا غرابة ، فإنه قد يروي حديثا ليس على شرطه لاتصاله برواية أخرى على شرطه .
ثم وجدت الشيخ الألباني ــ رحمه الله ــ يشير إلى أن هذا المذهب قد سار عليه السخاوي من قبله ، وهو كما قال ، فقد قال السخاوي في " المقاصد الحسنة "[1044]حديث :"من آذى ذميا فأنا خصمه ":
" أبوداود من حديث : ابن وهب ، عن أبي صخر المدني ، عن صفوان بن سليم ، عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله ، عن آبائهم دنية ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم / قال :
"ألا من ظلم معاهدا ، أو انتقصه ، أو كلفه فوق طاقته ، أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس ، فأنا خصمه يوم القيامة ".
وسنده لا بأس به ، ولا يضر جهالة من لم يسم من أبناء الصحابة ، فإنهم عدد ينجبر به جهالتهم ، ولذا سكت عليه أبوداود وهذا ليس على إطلاقه ..فليس كل ما سكت عليه أبوداود فهوصالح فليراجع طالب العلم "ألفية السيوطي " لمحمد آدم الأثيوبي .
قلت : حكم المبهم حكم مجهول العبن ، وكما أن التعديل على الإبهام لا يعتد به ، فكذلك الجهالة الناتجة عن الإبهام لا ترتفع بالمجموع ، ولا تحصل لها التقوية بالعدد والكثرة ، لما في ذلك من الإحالة على الجهالة ، ولو كان ذلك كذلك ، للزم منه أن المجهول العين يقوي غيره ، ويتقوى بغيره ،بل الذي صح من صنيع الأئمة أن الحديث إذا انفرد بروايته المجاهيل أعلوه بذلك ، وجعلوه قادحا ، ولم يذهب أحد منهم بتقوية مثل هذا الحديث بمجموع الطرق المجهولة أو المبهمة الإسناد ، فليتنبه فإنها مسألة مهمة جدا ، قد تورد على الباحثين والمحققين كثيرا من التساهل في التصحيح ..
6ــ تقوية المرفوع محتمل الضعف بالموقوف :

وهذه مسألة من المسائل المهمة جدا ، ذلك لأن المذهب الذي بنى عليه العلماء الثول بالتقوية إنما كان تقوية المرفوع بالمرفوع ، وأما تقوبة المرفوع بالموقوف فلم يذكره إلا الشافعي ــ رحمه الله ــ في مسألة الإحتجاج بمراسيل كبار التابعين ، و الإحتجاج بالخبر شيء ، وتصحبحه شيء آخر .
ثم إنه خصه بمراسيل كبار التابعين ولم يطرده في غيرها ..
وهو الغالب ما يقع من المعاصرين في هذا الباب ليس تقوية المرفوع بالموقوف فحسب ، بل تقوية المحفوظ بالشاذ أو المنكر ، ومن الأمور التي تخفى على طلاب العلم وهو غالبا ما يكون الموقوف وجها آخر عن المرفوع ، قد اختلف فيه على أحد رواة الموفوع ...
فلعلي أسوق مثالا يجلي ذلك بوضوح هذا الخطأ الشائع :

ما أخرجه أبوداود[2652]من طريق : هشام ــ وهو الدستوائي ــ عن قتادة ، عن الحسن ، عن قيس بن عباد ، قال :
كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرهون الصوت عند القتال .
وهذا السند رجاله ثقات ، وهو صحيح ، لولا أن بعض المعاصرين قد أعله بعنعنة الحسن جريا على وصفه بالتدليس ، وجعل هذه العنعنة من أسباب الضعف المحتمل .
ثم ما أورد ما أخرجه أبو داود [2657]من طريق :
همام ، قال : ثنا مطر ، عن قتادة ، عن أبي بردة ، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك ، أي أنه مرفوع ، وليس بموقوف .

قال هذا المعاصر :
" وهذا إسناد حسن ، رجاله ثقات ، غير مطر وهو الوراق وحديثه يحتمل التحسين على ضعف فيه ، وخاصة أنه من رجال مسلم .
" فإذا انضم هذا الحديث إلى الموقوف الذي قبله ، ازداد قوة "
قلت : فمثل هذه التقوية لا تصح جملة ، ولا تفصيلا من جهتين :

الأولى : أنه قوى المرفوع بالموقوف ...
الثانية : أن المرفوع والموقوف وجهين لرواية واحدة، فلا بد من الترجيح بينهما ، فقد وقع الإختلاف في الوقف والرفع والسند على قتادة بن دعامة السدوسي ، فرواه هشام الدستوائي وهو من الحفاظ الثقات ومن الطبقة الأولى من أصحاب قتادة ـــ على الوجه الأول .
ورواه مطر الوراق ــ وهو صاحب أغلاط ومناكير ــ عن قتادة السدوسي بالسند الثاني مرفوعا .
ومن هنا يتبين تباين منهج متقدمي أهل الحديث في الترجيح وأنهم لا يقبلون الزيادة في السند ، وإنما يرجحون بالقرائن ، فرواية هشام الدستوائي هي الأصح .
ومن ثم تكون هذه التقوية من باب تقوية الراجح بالمرجوح والمحفوظ بالمنكر أو الشاذ ، ولم يقل بهذا أحد من أهل التحقيق وجهابذة أهل العلم
متابعة والأخيرة...
7ــ التقوية بالموقوف لفظا النرفوع حكما :

وأما التقوية بالموقوف لفظا إلا أن له حكم الرفع كما في الإخبار عن بعض الغيبيات ونحوها مما لا مجال للإجتهاد ، فقد قرأت للشيخ الألباني ــ رحمه الله ــ بأنه يذهب إلى تقوية بها كما في الصحيحة [1351]
ولم أقف على أحد ممن تقدم يقوون بعموم الموقوف ، نعم قد يذكرون الموقوفات عند الكلام على طرق الحديث ، إلا أن تقوية المرفوع بالموقوف استقلالا لم يذكرها أحد ضمن أسباب التقوية وأتواعها لا سيما الحافظ ابن حجر ، ومن قبله ابن الصرح ـــ رحمهما الله .
وأما السخاوي قرأت له في فتح المغيث [1/123] بأنه يذهب إلى أن الموقوف ، بل والمقطوع أحد ما يعتضد به المرسل ، ولم يطرده في غير المرسل من أسباب الضعف المحتمل الأخرى ، وهو توسع غير مرضي ، والظاهر إعتماده في ذلك على كلام الشافعي ، وقد تقدم أن كلامه مخصوص بمرسل كبار التابعين ، وأن ذلك من أجل قيام الحجة ، لا من أجل إثبات الصحة وفرق بينهما كبير ...

8ــ عدم اعتبار نكارة المتن عند التقوية بمجموع الطرق :
عدم اعتبار المتن بالنسبة للأسانيد، فمتى كان المتن منكرا ظاهر النكارة ، كان ذلك دليلا على عدم صحته ، وإن ورد من طرق محتملة الضعف .
فإن الدي صح عن العلماء وأهل النقد اعتبار المتون بالنسبة إلى الأسانيد عند البحث والتحقيق .
بل ربما يعلون بعض الأسانيد التي ظاهرها الصحة بعلة غير قادحة إذا كان المتن منكرا ، ولم يجدوا له علة ظاهرة ـ وقد ةنص على ذلك الشيخ المعلمي اليماني ثم المكي ــ رحمه الله ــ
0 ــ ومن الأمثلة على هذا الخطأ الشائع :
ما أخرجه البزار في " مسنده " [ كشف الأستار : 3013]من طريق :
عبد الله بن عبد الملك الفهري ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : أن إمرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم تبايعه ، ولم تكن مختضبة ، فلم يبايعها حتى اختضبت .
قال البزار : " لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا بهذا الإسناد والفهري ليس به بأس ، و ليس بالحافظ "

قلت : فيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف الحديث ، وقد تغير واختلط اختلاطا شديدا بأخرة ، وعبد الله بن عبد الملك الفهري منكر الحديث كما قال العقيلي ، وقال ابن حبان : " لايشبه حديثه حديث الثقات ، يروي العجائب " وضعفه أبوزرعة ، والدراقطني ، وأما قول البزار :" ليس به بأس " فالظاهر أن هذا متعلق بعدالته، لأنه أردفه بعد ذلك بقوله :" ليس بالحافظ "فهذا تليين لحفظه ، وقد ذكر الحافظ في "اللسان "[3/384]عدة مناكير ، لا يحكم إلا بوضعها من روايته عن نافع ، عن ابن عمر ، فمثل هذا ضعفه شديد جدا .
وقد ضعف ابن القطان الفاسي هذا الخبر في "أحكام النظر "[ ص:163]بليث ابن أبي سليم ، وقال :
" وفيه نكارة ، فإن النبي صلى الله ىعليه وسلم لم يكن تصاحفه المبايعات ، إلا أن يكون معناه أنه أنكر عليها أن لا تكون مختضبة ، فأمسك عن إجابتها "
قلت : وعلى هذا التقدير الثاني أيضا ففيه نكارة أن يمتنع التبي صلى الله عليه وسلم عن مبايعة من أتت تريد الإسلام حتى تختضب ، فلو أنه ورد في الخبر أنه بايعها ثم أمرها بالخضاب لكان محتملا ، فهذا وجه نكارة لا يزول إن زال الأول ..

فالحديث كما ترى منكر السند والمتن جميعا ..
ولكن ورد له شاهد من حديث أم المؤمنين عائشة ــ رضي الله عنها ــ من طريقين ، وبلفظين :
الأول : ما أخرجه أبوداود[4166] ، والنسائي [8/142]، والبيهقي من طريق :
مطيع بن ميمون ، عن صفية بنت عصمة ، ةعن عائشة ، قالت : " أومأت امرأة من وراء ستر بيدها كتابا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فقبض النبي صلى الله عليه وسلم يده ، فقال :" ما أدري أيد رجل أم يد إمرأة "، قالت : بل إمرأة قال : " لو كنت امرأة لغيرت أظفارك "
قلت : وهذا سند ضعيف جدا ، فإن مطيع بن ميمون هذا منكر الحديث ، تفرد بالقليل من الأحاديث غير المحفوظة ، قال ابن عدي : "له حديثان غير محفوظين " ، قال ابن حجر :"أحدهما في اختضاب النساء بالحناء ..." وهو هذا الحديث ، وصفية بنت عصمة مجهولة العين ، تفرد بالرواية عنها مطيع ، فالحديث منكر من هذا الوجه .
والثاني :ما أخرجه أبوداود [4165] ومن طريقه البيهقي [8/76]من طريق :
غبطة بنت عمرو المجاشعية ، قالت :حدثتني عمتي أم الحسن ،عن جدتها ، عن عائشة ــ رضي الله عنها ــ :
أن هند بنت عتبة قالت : يا نبي الله بايعني ، قال : "لا أبايعك حتى تغيري كفيك كأنهما كفا سبع "
قلت : وهذا السند كسابقه في شدة الضعف ، فغبطة بنت عمرو مستورة ، وعمتها وجدتها مجهولتان .
ولذا قال ابن القطان الفاسي في "أحكام النظر "[ص:162[
"هما ـــ أي حديثي عائشة ــ في غاية الضعف "

ويبقى شاهد ثالث وهو من رواية مسلم بن عبد الرحمن ، قال :
رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع النساء ، عام الفتح على الصفاء ، فجاءته امرأة يدها كيد الرجل ، فلم يبايعها حتى ذهبت فغيرت يدها بصفرة ، أو بحمرة ، وجاءه رجل عليه خاتم ، فقال :
" ما كهر الله يدا فيها خاتم من حديد "
أخرجه البزار [كشف الأستار :2993]، والطبراني في " الأوسط " [1114] من طريق :

عباد بن كثير الرملي ، عن شميسة بنت نبهان ، عن مولاها مسلم بن عبد الرحمن به .
قال البزار :" لا نعلم روى مسلم إلا هذا "
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد "[5/154] :
"فيه شميسة بنت نبهان ، ولم أعرفها ، وبقية رجاله ثقات ".
قلت :وهذا عجيب من الهيثمي ، فأين ذهب عباد بن كثير الرملي ، وهو ليس بثقة كما قال النسائي ، بل قال فيه البخاري : " فيه نظر " بمعنى أنه متهم ، وقال علي بن الجنيد"متروك "وأما ابن معين فخالف الجمهور ، فوثقه ، فالظاهر أنه لم يظهر له حاله ، وشميسة بنت نبهان الأقرب أنها مجهولة والله تعالى أعلم ...
وقد درج بعض المعاصرين على تقوية هذا الحديث بمجموع الطرق دون التعرض لنكارة المتن فضلا عن نكارة الطرق التي ورد بها ...

9ــ تقوية الأسانيد محتملة الضعف دون اعتبار للزيادات في المتون :

قد يرد الحديث من طريق محتمل الضعف ، ويرد له متابعة أخرى أو شاهد محتمل الضعف أيضا ، ولكن مع عدم بعض الزيادات من المتن الأول ضمن المتن الثاني ، فيحسن المحقق المتن الأول بمجموع الطرق ، ولربما يحتج بما فيه من هذه الزيادات ، مع أنه لم يتابع على هذه الزيادات من الحديث .
فحاصل ما تقدم : أنه لا يحصل تقوية إلا للقدر المشترك للمتن بين مجموع الطرق .

0ــ ومن الأمثلة على هذا الخطأ الشائع :
ما أخرجه الترمذي [2641] من طريق : أبي داود الحفري ، عن الثوري ، عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقي ، عن عبد الله بن يزيد ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله عليه وسلم :
" ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل ، حذو النعل بالنعل ، حتى إذا كان منهم من أتى أمه علانية ، لكان في أمتي من يصنع ذلك ، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة ..........كلهم في النار إلا واحدة " قالوا : من هي يا رسول الله ؟؟قال : "ما أنا عليه وأصحابي "

قلت : وهذا الحديث قد روي من وجه آخر عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وليس فيه قوله صلىالله ىعليه وسلم : " حتى إذا كان منهم من أتى أمه علانية ، لكان في امتي من يصنع ذلك "
وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم ضعيف الحديث ، ولكن لحديثه شواهد كيرة تؤيده ، إلا أنه لم يتابعه أحد على الزيادة المذكورة ، ومن ثم فلا يصح تحسين عبد الله بن عمرو ــ رضي الله عنه ــ في افتراق الأمم بهذه الزيادة ، لأن القدر المشترك الذي توبع عليه عبد الرحمن بن زياد هو أصل الحديث ، لا هذه الزيادة ..

ها أنا أضع بين أيديكم فضيلة شيخي الكريم ، هذا البحث المتواضع من لدن طويلب علم الحديث ، يريد أن يصحح له شيخه المبجل و يوجهه .. فشكر الله لكم جهدكم ونفع بكم الأمة إن شاء الله ..
الجواب :
أحسنت ، وبارك الله فيك ونفع بك وزادك من فضله ، عمل ممتاز محرر ، ولدي تنبيهات ، فأقول : فيما يتعلق بنقلك عن البيهقي رحمه الله في شد طرق حديث التوسعة في عاشوراء لا نوافقه عليه ، ثم إنه لم يصحح الحديث .
وفيما يتعلق بتقسيم المجهول إلى مجهول عين ومجهول حال فهي تنقسم ، والمتقدمون وإن لم ينصوا على ذلك فصنيعهم يدل عليه والأمور عنهم مأخوذة بالاستقراء ، والخطيب قد نقل هذا في الكفاية وهو إنما استقرأ كلام الأوائل .
وأنت ذكرت في الفقرة الثالثة كلاماً طيباً ، وسيأتيك النقل بعد قليل عن الإمام المبجل أحمد بن حنبل : (( حديث الضعفاء قد يحتاج إليه في وقت ، والمنكر أبداً منكر)) .
حديثك عن الإمام الترمذي صوابه الرقم (3479) .
ذكرت في الفقرة الخامسة أن المحفوظ يقابله الشاذ والمعروف يقابله المنكر ، ولا بد أن يعلم أن هذا اصطلاح من تأخر ، وأن المتقدمين كانوا يطلقون المنكر والشاذ على ما أخطأ فيه راويه ثقة كان أو ضعيفاً ، فلا بد من التنبه على ذلك حتى نفهم صنيع المتقدمين في أحكامهم ، وليس في ذلك غظ من صنيع المتأخرين الذين أسهموا في خدمة المصطلحات .
أسلوبك جيد ولا زلت تحتاج المزيد لتقوي تعبيرك ، ولا بد من منهج تسير عليه .
فأنصحك بالتركيز على كتب المتقدمين , والكتب التي تعنى بنقل كلامهم , وكتب العلماء الذين ساروا على نهج الأوائل كابن عبد الهادي وابن رجب ، ومن المعاصرين : المعلمي و السعد والعلوان ، مع مطالعة كتب المتأخرين والمعاصرين والاستفادة منها ، ولا بد لطالب الحديث أن يجمع بين الناحية النظرية والناحية التطبيقية , فلابد من قراءة كتاب «التمييز» لمسلم , والعلل للترمذي وابن أبي حاتم, و«شرح العلل» لابن رجب , و«النكت على ابن الصلاح» لابن حجر لأخذ الناحية النظرية مع تطبيقات مهمة , ثم لا بد من إدمان النظر في «تنقيح التحقيق» لابن عبد الهادي, و«نصب الراية» للزيلعي , والبدر المنير لابن الملقن و«التلخيص الحبير» لابن حجر , مع قراءة المجروحين لابن حبان وكامل ابن عدي والضعفاء للعقيلي , ونحو هذه الكتب التي تعنى بنقل أقوال الأئمة المتقدمين , ليتعلم من خلالها طريقة ومناهج الأئمة في الجرح والتعديل , والتصحيح والإعلال .
ثم لا بد من إدمان النظر في كتب السنة وعلى رأسها الصحيحان ، وصحيح البخاري لا بد لطالب العلم أن يكون له ورد فيه وأن يُقرأه أهل بيته ويتعلم من طريقته وأحكامه وتبويبه ، ولابد من قراءة ثلاثة شروح له على أقل تقدير له ، مع العناية بكتاب الله أولاً قراءة وحفظاً وتدبراً ، والاهتمام بالعلوم التي تخدم الكتاب والسنة ، ومن ذلك اللغة بجميع فروعها .

أما قواعد هذا الموضوع فإليك تنظيرها
1- الحديث الشاذ والمنكر كلاهما حديث باطل لا يصلح للاحتجاج ؛ لأنَّه لا وجود له إلا في ذهن وتخيل ذاك الراوي الذي أخطأ فيه ، إذن فالشاذ والمنكر محض خطأ .
2- الحديث الشاذ لا يصلح لأن يعتضد بتعدد الطرق ، كما أنَّ الذي فيه متهم لا يصلح لذلك ، ولا تنفعه الطرق المتعددة .
3- قال الإمام أحمد : (( حديث الضعفاء قد يحتاج إليه في وقت ، والمنكر أبداً منكر)) العلل رواية المروزي ( 287 ) . وقال العلامة الشيخ الألباني رحمه الله تعالى : (( ما ثبت خطؤه فلا يعقل أن يقوى به رواية أخرى في معناها فثبت أن الشاذ والمنكر مما لا يعتد به ، ولا يستشهد به ، بل إنَّ وجوده وعدمه وسواء )) الإرشادات : 81 .
4- ينبغي التوقي في نقد أسانيد الروايات فقد يأتي راو مهمل فيجتهد الناقد في نسبه فيخطئ في اجتهاده ، ثم يأتي المبهم في رواية أخرى منسوباً فيروج خطأ الناقد على بعضهم فيعتبر الطريقين متابعين أحدهما للآخر.
مثاله : ما رواه الحاكم في المستدرك 2/379 من طريق عمر بن حفص بن غياث قال : حدثنا أبي وخلف بن خليفة ، عن حميد بن قيس عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يوم كلم الله موسى كانت عليه جبة – أي على موسى - صوف ، وكساء صوف و سراويل صوف وكمه صوف ونعلاه من جلد حمار غير ذكي )) قال عقبه : (( هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه )) فتعقبه الذهبي في التلخيص قائلاً : (( بل ليس على شرط ( خ ) . وإنما غره أن في الإسناد حميد بن قيس كذا وهو خطأ ، إنما هو حميد الأعرج الكوفي ابن علي أو ابن عمار أحد المتروكين فظنه المكي الصادق )) . وقال ابن حجر في لسان الميزان ( 5039 ) : (( ورواه الحاكم في المستدرك ظناً منه أنه حميد الأعرج هو حميد بن قيس المكي الثقة وهو وهم منه )) . ومما يزيد بياناً في وهم الحاكم في هذا النسب أن الترمذي رحمه الله خرج هذا الحديث ( 1734) من طريق حميد الأعرج . وقال عقبه : (( وحميد هو : ابن علي الكوفي منكر الحديث ، وحميد بن قيس الأعرج المكي صاحب مجاهد ثقة )) .
أقول : إذا كان مثل هذا حصل لمؤلف كتاب توفي قبل أكثر من الف عام فما بالك بالكتب المطبوعة طبعات تجارية وقد كثر فيها التصحيف والتحريف والسقط


5- من الركائز الأساسية في موضوع المتابعات والشواهد ثبوت الإسناد إلى الراوي المُتابِع والمُتابَع فإن المتابعة فرع من الرواية فإذا لم تكن الرواية ثابتة فكيف نثبت المتابعة ؟ .
6- يجب على الباحث قبل اعتبار الرواية أن يوفيها حقها من حيث الدراسة والنقد فقد تسلم الرواية في ظاهرها من الضعف ، وبعد البحث يظهر إسقاط مدلس لأحد الكذابين أو المتروكين أو يكون أصل الرواية وهم إذا ظهر أن الراوي دخل عليه حديث في حديث ، وقد قيل : التنقية قبل التقوية .
7- ما ثبت في متنه نكارة لا ينفع إسناده في باب الشواهد إذا كان راويه قد تفرد بالإسناد والمتن معاً .
8- المتابعة التي يعتد بها العلماء ويقوون بها الرواية هي المتابعة الحقيقية . وليس المتابعة الصورية الناتجة عن التخليط بين الرواة من ظن الرجل رجلين والواحد اثنين .
9- تحريف وتصحيف الأسماء مما يوهم وجود المتابعة ، والحقيقة غير ذلك .
10- انقلاب أول السند يجعل الحديث حديثين ، وهذا مزلق خطر لتوافر سلوك الجادة فيه .
11- إقران الرواة أو جمع الشيوخ لا يقبل مطلقاً ، ولا يرد مطلقاً في المتابعات ، وإنما يعتمد فيه على من ذاع صيته ، وعلا نجمه فإنَّ من الروايات ما يخالف بعضها بعضاً ، والجامع إذا كان ليس من المتثبتين فلربما عدل عن الاختلافات في الرواية الواحدة من حيث لا يعلم .
12- إذا روى أحد الثقات حديثاً بإسناد ما ثم روى عين الحديث بإسناد آخر مغايراً للأول فإن ثبت كلا الاسنادين عنه فيها وكانت الرواية صواباً نفعت، وإن لم يثبتا فلا يدخل في موضوع الشواهد بل إن أحدهما يكون معلاً للآخر أو يصح الإسناد إلى الراوي لكن تكون إحدى الروايتين خطأ ، وقد يختلف النقاد فيه.
مثال ذلك ما رواه الترمذي ( 22) من طريق محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة )) قال عقبه : (( وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن زيد بن خالد عن النبي صلى الله عليه وسلم )). وحديث أبي سلمة ، عن أبي هريرة وزيد بن خالد عن النبي صلى الله عليه وسلم كلاهما عندي صحيح ؛ لأنه قد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث ، وحديث أبي هريرة إنما صحح ؛ لأنه قد روي من غير وجه وأما محمد فزعم أن حديث أبي سلمة عن زيد بن خالد أصح )) .
13- إذا تتابع الضعفاء على رواية حديث تسلك فيه الجادة توقف فيه سيما إذا خالفوا أحد الثقات فرواه بإسناد مخالفاً لما رواه الجماعة .
14- كثير من الأحاديث نجد في سندها مبهماً ثم يُصَرَح باسمه في غير ذاك الإسناد فإذا كانت التسمية محفوظة ، وأن هذا المبهم هو ذاك المسمى فلا يصح بداهة أن تقوى الرواية المبهمة بالرواية المبينة أو العكس ؛ لأنه والحالة هذه يكون من باب تقوية الحديث بنفسه .
15- في كثير من الأحيان تكون ثقة رجال السند دليلاً على شذوذه وذلك بأن يكون المتن محفوظاً بإسناد معين والإسناد فيه كلام ثم يروى ذلك المتن بإسناد آخر ظاهره الصحة ويكون الإسناد الأخير عبارة عن وهم دخل على روايه نتيجة انقلاب بعض الأسانيد في ذهنه . فنجد النقاد يحكمون بأنَّ هذا الراوي قد دخل عليه إسناد في إسناد وهذا يوجب التفطن له عند البحث عن المتابعات والشواهد والواقع أنَّ الحديث إنما يحكم عليه بإسناده المعروف به . أما هذا الإسناد الذي ألصقه ذلك المخطئ بهذا المتن فهو إسناد ليس لهذا المتن بل لمتن آخر فلا اعتبار به في هذا المتن خاصة .
16- إذا وقع اختلاف في حديث ما استدعيت المتابعات والشواهد ولكن قد يكون موضع الاستشهاد خاصاً معلولاً في الأحاديث المستشهد بها فعند ذاك يكون وجود الشاهد كعدمه ، وقد يكون أصل الشاهد صحيح ، وله نفس معنى الحديث المستشهد له إلا موضع الخلاف فيه وهذا يكون أيضاً كلا شاهد .
17- الضعف اليسير قد يتولد منه خطأ كبير فإذا وجدت في حديث راوٍ في حفظه شيء أو فيه بعض الكلام فلا تتعجل الحكم عليه قبولاً أو رداً فهذا الراوي وإن كان في الأصل صدوقاً غير أنه ما نزل عن شرف الثقة إلا لأوهامه لذلك فقد يكون تفرده علامة على علة خفية في حديثه ، وهذا مما ينبغي التفطن له سيما في الاعتبار أو الشواهد .
18- روايات المدلسين المعنعنة تسبر حتى إذا عثر على تصريح المدلس بالسماع قبلت وإن لم يكن ، كان حاله حال الروايات الضعيفة في الأعم الأغلب ، فإذا كان المدلس ذا تسوية وجب التنقيب عن سماعه من شيخه وشيخ شيخه وهكذا إلى آخر السند .
تنبه : الشواهد لا تنفع في دفع احتمال التدليس ؛ لأن غاية ما يكون في ذكر الشواهد هو بيان حال المتن إذ لعله يصح من طريق غير طريق المذكور .
19- إذا كان في إسناد راوي المتابعة راو معروف بسرقة الحديث فإنَّ حديثه في المتابعات ساقط ؛ لأنَّ السارق يأتي إلى أحاديث يرويها غيره بالفعل عن شيخ من الشيوخ فيسمعها هو من بعض أصحاب ذلك الشيخ ثم يسقط الواسطة . ويرتقى بالحديث إلى الشيح نفسه مصرحاً بالسماع منه ، وهو لم يسمعه منه فيدعي سماع ما لم يسمع.
والفرق بين السرقة والتدليس واضح فإن المدلس لا يصرح بالسماع بل يأتي بصيغة محتملة ، بخلاف السارق ، فإنه يصرح بالسماع ويكذب في ذلك فإذن متابعة السارق لا تدفع عنه تهمة السرقة ، بل تؤكد التهمة عليه و أنه إنما أخذ حديث غيره فرواه مدعياً سماعه .

20- من عرف بقبول التلقين لا يصلح حديثه للاعتضاد في الأعم الأغلب، وإن كان قابل التلقين غير متهم ؛ لأن الخلل الحاصل من قبوله التلقين ، يفضي إلى طرح حديثه ، وعدم اعتباره .

المصدر : http://www.hadiith.net/montada/showt...6848#post36848
__________________
انشر الخير تكن من أهله
https://www.youtube.com/channel/UCpy...mTEXh_uvkomiiw
رد مع اقتباس
  #95  
قديم 15-10-08, 08:38 PM
ماهر ماهر غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-08-02
المشاركات: 2,822
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

حياكم الله شيخنا ماهر ونفع الله بكم الإسلام والمسلمين وسدد خطاكم على صراطه آمين
كنت قد جمعت بحثا حول الحديث المشهور الذي رواه جمع من الأئمة في مصنفاتهم من حديث أبي هريرة ( من قرأ "والتين والزيتون " فقرأ " أليس الله بأحكم الحاكمين " فليقل : بلى ... )الحديث ، ومن الأئمة الذين رووه :
الحميدي في مسنده (1025) وأحمد (2/249) وأبو داود (887) والترمذي (3347) وابن أبي حاتم في العلل (4/717ـ718) من طريق الحميدي ، والداقطني في العلل (11/247) والحاكم (3882) والبغوي في شرح السنة (623) والبيهقي في الكبرى (3693) من طريق أبي داود ، وراه في الشعب أيضا (929) ، وابن السني في عمل اليوم والليلة (436) :
كلهم من طريق سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أمية عن عن أعرابي عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ... الحديث .
وقد رواه بعضهم مختصرا والبعض الآخر مطولا .
وقال الترمذي روايته له : هذا الحديث إنما يروى بهذا الإسناد عن هذا الأعرابي عن أبي هريرة ولا يسمى .
وقال الذهبي في التلخيص : صحيح .
وقد كني هذا الأعرابي في رواية الحاكم : أبا اليسع ، كناه يزيد بن عياض أحد المتروكين .

وملخص البحث :
ـ صحح هذا الحديث :
الذهبي في التلخيص ، وابن حجر في نتائج الأفكار (2/40ـ51) بكثرة طرقه ، وحشد لذلك مجموعة من الشواهد : مراسيل وموقوفات ...
ـ وضعفه جمع :
الترمذي ، وابن أبي حاتم ( ونقل عن أبي زرعة أن الصحيح وقفه على أبي هريرة ) ، وابن العربي في عارضة الأحوذي (6/250 ، الفكر ) ، والألباني في تمام المنة (185ـ186)، والمباركفوري في تحفة الأحوذي (9/276ـ277) ، وأبو الطيب شمس الحق آبادي في عون المعبود (3/143 ، الفكر ) .
وعلة الحديث : جهالة الأعرابي .

فما رأي شيخنا ماهر ـ بارك الله فيه ـ في هذا الحديث ؟
ونرجو منكم أن تذكروا بعض ضوابط تصحيح الحديث بكثرة الطرق . فإنها قاعدة مهمة تحتاج إلى ضبط ، بارك الله فيكم .

وجزاكم الله خيرا
وأعتذر عن الإطالة


الجواب :

1- أحسنت لما ذكرت التخريج ، ورتبته على الوفيات ، وليتك سرت عليه في جميع ما ذكرت .
2- قدمت "شرح السنة للبغوي" على كتابي البيهقي ، والبيهقي توفي عام (458) ، والبغوي توفي عام (516) فقدمت ما حقه التأخير .
3- أخرت ابن السني ، ووفاته ( 364 ).
4- أحسنت لما أجملت الطرق على المدار ، لكنك أخطأت في تحديد المدار ، فالمدار إسماعيل بن أمية ، وليس سفيان بن عيينة ، فسفيان متابع تابعه يزيد بن عياض عند الحاكم 2/510 .
5- قولت الذهبي في "التلخيص" مالم يقله ، فالذهبي إنما اختصر كلام الحاكم الذي لم تنقله ، ثم إنَّ الذهبي إذا كان له حكم على الحديث يصدره بقوله : قلت .
ثم إنَّ الذهبي قال في "الميزان" 4/589 (10748) : (( أبو اليسع ، عن أبي هريرة أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ آخر القيامة والتين ، قال : بلى فأبو اليسع لا يدرى من هو ، والسند بذلك مضطرب )) .
ثم إنَّ ابن حجر في "لسان الميزان" 9/192(9151) أقر كلام الذهبي ، ولم يتعقبه ، وفي هذا النقل عن ابن حجر يتساقط تحسينه للحديث في نتائج الأفكار 2/40 كما سيأتي .
6-لم تخرج الرواية الموقوفة ، وقد جاء في تحقيق "علل ابن أبي حاتم " للحميّد 4/717(1763) : (( أخرجه أبو عبيد في "فضائل القرآن" (ص151-152) ، والدارقطني في "العلل" 11/348 كلاهما ( أبو عبيد وعلي ) عن إسماعيل بن أمية ، به )) . أي : عن إسماعيل بن أمية ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبي هريرة ، به موقوفاً .
7- ينتهي التخريج والحكم على الحديث بالضعف ، ويكون الأمر شبه اتفاق ، فتحسين الحافظ ابن حجر سقط بإعلاله إياه في "لسان الميزان" ، والذهبي إنما ضعف الحديث ولم يصححه .
8- لم تذكر تصحيح الحاكم وتصحيحه إياه في "المستدرك" 2/510 كما تقدم ، وهو مخطيء في هذا التصحيح ؛ فهو من تساهله .
9- الحديث لا يصح البتة ، قال العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد – يرحمه الله – في كتاب " تصحيح الدعاء " : 283 : (( سورة التين : 79 قوله : ( بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ) لا يصح الحديث فيه )) .
10- قال ماهر : والحديث علته جهالة راويه ، والمخالفة بالوقف ، وهناك علة رئيسة تثلم الحديث ، وهي عدم العمل به ، فلم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء صحيح أنه عمل بذلك .
أما سؤال عن أصول وضوابط التصحيح بالمتابعات والشواهد ، فقد تم الإجابة عنه ، وأنا أعيده هنا :
1- الحديث الشاذ والمنكر كلاهما حديث باطل لا يصلح للاحتجاج ؛ لأنَّه لا وجود له إلا في ذهن وتخيل ذاك الراوي الذي أخطأ فيه ، إذن فالشاذ والمنكر محض خطأ .
2- الحديث الشاذ لا يصلح لأن يعتضد بتعدد الطرق ، كما أنَّ الذي فيه متهم لا يصلح لذلك ، ولا تنفعه الطرق المتعددة .
3- قال الإمام أحمد : (( حديث الضعفاء قد يحتاج إليه في وقت ، والمنكر أبداً منكر)) العلل رواية المروزي ( 287 ) . وقال العلامة الشيخ الألباني رحمه الله تعالى : (( ما ثبت خطؤه فلا يعقل أن يقوى به رواية أخرى في معناها فثبت أن الشاذ والمنكر مما لا يعتد به ، ولا يستشهد به ، بل إنَّ وجوده وعدمه وسواء )) الإرشادات : 81 .
4- ينبغي التوقي في نقد أسانيد الروايات فقد يأتي راو مهمل فيجتهد الناقد في نسبه فيخطئ في اجتهاده ، ثم يأتي المبهم في رواية أخرى منسوباً فيروج خطأ الناقد على بعضهم فيعتبر الطريقين متابعين أحدهما للآخر.
مثاله : ما رواه الحاكم في المستدرك 2/379 من طريق عمر بن حفص بن غياث قال : حدثنا أبي وخلف بن خليفة ، عن حميد بن قيس عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يوم كلم الله موسى كانت عليه جبة – أي على موسى - صوف ، وكساء صوف و سراويل صوف وكمه صوف ونعلاه من جلد حمار غير ذكي )) قال عقبه : (( هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه )) فتعقبه الذهبي في التلخيص قائلاً : (( بل ليس على شرط ( خ ) . وإنما غره أن في الإسناد حميد بن قيس كذا وهو خطأ ، إنما هو حميد الأعرج الكوفي ابن علي أو ابن عمار أحد المتروكين فظنه المكي الصادق )) . وقال ابن حجر في لسان الميزان ( 5039 ) : (( ورواه الحاكم في المستدرك ظناً منه أنه حميد الأعرج هو حميد بن قيس المكي الثقة وهو وهم منه )) . ومما يزيد بياناً في وهم الحاكم في هذا النسب أن الترمذي رحمه الله خرج هذا الحديث ( 1734) من طريق حميد الأعرج . وقال عقبه : (( وحميد هو : ابن علي الكوفي منكر الحديث ، وحميد بن قيس الأعرج المكي صاحب مجاهد ثقة )) .
أقول : إذا كان مثل هذا حصل لمؤلف كتاب توفي قبل أكثر من الف عام فما بالك بالكتب المطبوعة طبعات تجارية وقد كثر فيها التصحيف والتحريف والسقط


5- من الركائز الأساسية في موضوع المتابعات والشواهد ثبوت الإسناد إلى الراوي المُتابِع والمُتابَع فإن المتابعة فرع من الرواية فإذا لم تكن الرواية ثابتة فكيف نثبت المتابعة ؟ .
6- يجب على الباحث قبل اعتبار الرواية أن يوفيها حقها من حيث الدراسة والنقد فقد تسلم الرواية في ظاهرها من الضعف ، وبعد البحث يظهر إسقاط مدلس لأحد الكذابين أو المتروكين أو يكون أصل الرواية وهم إذا ظهر أن الراوي دخل عليه حديث في حديث ، وقد قيل : التنقية قبل التقوية .
7- ما ثبت في متنه نكارة لا ينفع إسناده في باب الشواهد إذا كان راويه قد تفرد بالإسناد والمتن معاً .
8- المتابعة التي يعتد بها العلماء ويقوون بها الرواية هي المتابعة الحقيقية . وليس المتابعة الصورية الناتجة عن التخليط بين الرواة من ظن الرجل رجلين والواحد اثنين .
9- تحريف وتصحيف الأسماء مما يوهم وجود المتابعة ، والحقيقة غير ذلك .
10- انقلاب أول السند يجعل الحديث حديثين ، وهذا مزلق خطر لتوافر سلوك الجادة فيه .
11- إقران الرواة أو جمع الشيوخ لا يقبل مطلقاً ، ولا يرد مطلقاً في المتابعات ، وإنما يعتمد فيه على من ذاع صيته ، وعلا نجمه فإنَّ من الروايات ما يخالف بعضها بعضاً ، والجامع إذا كان ليس من المتثبتين فلربما عدل عن الاختلافات في الرواية الواحدة من حيث لا يعلم .
12- إذا روى أحد الثقات حديثاً بإسناد ما ثم روى عين الحديث بإسناد آخر مغايراً للأول فإن ثبت كلا الاسنادين عنه فيها وكانت الرواية صواباً نفعت، وإن لم يثبتا فلا يدخل في موضوع الشواهد بل إن أحدهما يكون معلاً للآخر أو يصح الإسناد إلى الراوي لكن تكون إحدى الروايتين خطأ ، وقد يختلف النقاد فيه.
مثال ذلك ما رواه الترمذي ( 22) من طريق محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة )) قال عقبه : (( وقد روى هذا الحديث محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن زيد بن خالد عن النبي صلى الله عليه وسلم )). وحديث أبي سلمة ، عن أبي هريرة وزيد بن خالد عن النبي صلى الله عليه وسلم كلاهما عندي صحيح ؛ لأنه قد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحديث ، وحديث أبي هريرة إنما صحح ؛ لأنه قد روي من غير وجه وأما محمد فزعم أن حديث أبي سلمة عن زيد بن خالد أصح )) .
13- إذا تتابع الضعفاء على رواية حديث تسلك فيه الجادة توقف فيه سيما إذا خالفوا أحد الثقات فرواه بإسناد مخالفاً لما رواه الجماعة .
14- كثير من الأحاديث نجد في سندها مبهماً ثم يُصَرَح باسمه في غير ذاك الإسناد فإذا كانت التسمية محفوظة ، وأن هذا المبهم هو ذاك المسمى فلا يصح بداهة أن تقوى الرواية المبهمة بالرواية المبينة أو العكس ؛ لأنه والحالة هذه يكون من باب تقوية الحديث بنفسه .
15- في كثير من الأحيان تكون ثقة رجال السند دليلاً على شذوذه وذلك بأن يكون المتن محفوظاً بإسناد معين والإسناد فيه كلام ثم يروى ذلك المتن بإسناد آخر ظاهره الصحة ويكون الإسناد الأخير عبارة عن وهم دخل على روايه نتيجة انقلاب بعض الأسانيد في ذهنه . فنجد النقاد يحكمون بأنَّ هذا الراوي قد دخل عليه إسناد في إسناد وهذا يوجب التفطن له عند البحث عن المتابعات والشواهد والواقع أنَّ الحديث إنما يحكم عليه بإسناده المعروف به . أما هذا الإسناد الذي ألصقه ذلك المخطئ بهذا المتن فهو إسناد ليس لهذا المتن بل لمتن آخر فلا اعتبار به في هذا المتن خاصة .
16- إذا وقع اختلاف في حديث ما استدعيت المتابعات والشواهد ولكن قد يكون موضع الاستشهاد خاصاً معلولاً في الأحاديث المستشهد بها فعند ذاك يكون وجود الشاهد كعدمه ، وقد يكون أصل الشاهد صحيح ، وله نفس معنى الحديث المستشهد له إلا موضع الخلاف فيه وهذا يكون أيضاً كلا شاهد .
17- الضعف اليسير قد يتولد منه خطأ كبير فإذا وجدت في حديث راوٍ في حفظه شيء أو فيه بعض الكلام فلا تتعجل الحكم عليه قبولاً أو رداً فهذا الراوي وإن كان في الأصل صدوقاً غير أنه ما نزل عن شرف الثقة إلا لأوهامه لذلك فقد يكون تفرده علامة على علة خفية في حديثه ، وهذا مما ينبغي التفطن له سيما في الاعتبار أو الشواهد .
18- روايات المدلسين المعنعنة تسبر حتى إذا عثر على تصريح المدلس بالسماع قبلت وإن لم يكن ، كان حاله حال الروايات الضعيفة في الأعم الأغلب ، فإذا كان المدلس ذا تسوية وجب التنقيب عن سماعه من شيخه وشيخ شيخه وهكذا إلى آخر السند .
تنبه : الشواهد لا تنفع في دفع احتمال التدليس ؛ لأن غاية ما يكون في ذكر الشواهد هو بيان حال المتن إذ لعله يصح من طريق غير طريق المذكور .
19- إذا كان في إسناد راوي المتابعة راو معروف بسرقة الحديث فإنَّ حديثه في المتابعات ساقط ؛ لأنَّ السارق يأتي إلى أحاديث يرويها غيره بالفعل عن شيخ من الشيوخ فيسمعها هو من بعض أصحاب ذلك الشيخ ثم يسقط الواسطة . ويرتقى بالحديث إلى الشيح نفسه مصرحاً بالسماع منه ، وهو لم يسمعه منه فيدعي سماع ما لم يسمع.
والفرق بين السرقة والتدليس واضح فإن المدلس لا يصرح بالسماع بل يأتي بصيغة محتملة ، بخلاف السارق ، فإنه يصرح بالسماع ويكذب في ذلك فإذن متابعة السارق لا تدفع عنه تهمة السرقة ، بل تؤكد التهمة عليه و أنه إنما أخذ حديث غيره فرواه مدعياً سماعه .

20- من عرف بقبول التلقين لا يصلح حديثه للاعتضاد في الأعم الأغلب، وإن كان قابل التلقين غير متهم ؛ لأن الخلل الحاصل من قبوله التلقين ، يفضي إلى طرح حديثه ، وعدم اعتباره .

أما سؤالك عن التلقين :
يقال : ( لقن حديثاً ) و ( لقن ) و ( لقن فتلقن ) أو ( كان يلقن فيتلقن ) .إن من شروط صحة الحديث ضبط الراوي لما يرويه . و عدم الضبط أمارة من أمارات رد الحديث و تضعيفه ، والتلقين من وسائل الكشف عن الراوي هل هو ضابط أو غير ضابط ، فمن يقبل التلقين فهو سيئ الحفظ ومختلط عليه غير ضابط ، ومن يرد التلقين و يصلح الخطأ فهو ضابط حافظ لما يروي .
قال ابن حبان : (( ومنهم من كان يجيب عن كل شيء يسئل سواء كان ذلك من حديثه أو من غير حديثه فلا يبالي أن يتلقن ما لقن ، فإذا قيل له : هذا من حديثك حدث به من غير أن يحفظ فهذا وأحزابه لا يحتج بهم ؛ لأنهم يكذبون من حيث لا يعلمون )). مقدمة " المجروحين " 1/68-69 .
وقال ابن القطان : (( وإنَّه – يعني : التلقين- لعيب يسقط الثقة بمن يتصف به ، وقد كانوا يفعلون ذلك بالمحدث تجربة لحفظه وصدقه ، وربما لقنوه الخطأ كما قد فعلوا بالبخاري حين قدم بغداد )). " بيان الوهم والإيهام " 4/58 ( 1496 )
وقال الصنعاني : (( وهو أنْ يلقن الشيء فيحدث به من غير أن يعلم أنَّه من حديثه )) " توضيح الأفكار " 2/257 ، وللسيوطي مثله في " التدريب " 1/339 .

وقال المعلمي اليماني : (( التلقين القادح في الملقَّن هو أنْ يوقع الشيخ في الكذب ولا يبين ، فإنْ كان إنَّما فعل ذلك امتحاناً للشيخ وبيّن ذلك في المجلس ،لم يضره ، وأما الشيخ فإنْ قبل التلقين وكثر ذلك منه فإنَّه يسقط )) " التنكيل " 1/228 .
وقال ابن حزم : (( من صح أنَّه قبل التلقين ولو مرة سقط حديثه كله ؛ لأنَّه لم يتفقه في دين الله عز وجل ولا حفظ ما سمع ، وقد قال عليه السلام : (( نضّر الله امرءاً سمع منا حديثاً حفظه حتى بلغه غيره )) ( راجع تخريجه في تحقيقي لمسند الشافعي(1806)) فإنَّما أمر عليه السلام بقبول تبليغ الحافظ ، والتلقين هو : أنْ يقول له القائل : حدثك فلان بكذا و يسمي له من شاء من غير أن يسمعه منه فيقول : نعم ، فهذا لا يخلو من أحد وجهين و لا بد من أحدهما ضرورة : إما أنْ يكون فاسقاً يحدث بما لم يسمع ، أو يكون من الغفلة بحيث يكون الذاهل العقل المدخول الذهن ، ومثل هذا لا يلتفت له ؛ لأنَّه ليس من ذوي الألباب ، ومن هذا النوع كان سماك بن حرب أخبر بأنَّه شاهد ذلك منه شعبة الإمام الرئيس ابن الحجاج )) الإحكام في أصول الأحكام " 1/132 .
والتلقين ينشأ من الاختلال الكبير في الحفظ ، و من اختل ضبطه فهو مردود الرواية قال الحميدي : (( ومن قبل التلقين ترك حديثه الذي لقن فيه . وأخذ عنه ما أتقن حفظه إذا علم ذلك التلقين حادثاً في حفظه ولا يعرف به قديماً ، وأما من عرف به قديماً في جميع حديثه فلا يقبل حديثه ولا يؤمن أنْ يكون ما حفظه مما لقن )) " الكفاية " : 149
فالراوي إذا لقن ففطن إلى الصواب ، ولم يقبل التلقين فهو في رتبة الثقة بل في رتبة الحفظ والاتقان ، ومن لا يفطن ففي رتبة الترك لا سيما إنْ كثر منه ذلك .
أما من كان يتلقن ، فلا يقبل إذا حدَّث من حفظه ، وأما إذا حدث من كتابه المصحح فيقبل ؛ لأنَّ الاعتماد على كتابه لا على حفظه.

صوره :
أ- أن يؤتى للراوي بأحاديث ليست من سماعه ، فتقرأ عليه على أنها من أحاديثه ، ويسكت دون أنْ يبين أنَّها ليست من سماعه ، وهذا مما وقع فيه ابن لهيعة .
ب- أن يقف الراوي على مرويات عنده ، ولا يدري هل هي من سماعه أم لا ؟ فيقال له : إنَّها من مروياته ، فيحدث بها على أنَّها كذلك ، كما حصل لعبد الله بن صالح .
أسباب قبول التلقين :
يقع قبول التلقين للراوي إما بسبب الغفلة أو التساهل في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أو نسيانه أو كونه قليل الفطنة مفرطاً في إحسان الظن أو التهاون عديم المبالاة والحرص أو جامعاً بين حسن الظن بالملقِّن وسوء الحفظ لمروياته ، وقد يدفعه ميله إلى الكذب ورغبته فيه وعدم تحرجه عنه ، ومنهم من فعله ليرويه بعد ذلك عمن لقنه ، وقد يقود الشره الحديثي إلى قبوله التلقين فيحدث بما ليس من حديثه .
حكم رواية الملقَّن : في رواية الملقن ثلاثة أقوال :
الأول : من كان يلقن أحياناً قليلة فيتلقن ، وهو مكثر من الرواية فلعله يصلح للاعتبار به كشأن الضعيف السيئ الحفظ ؛ لأنَّ الغالب فيه عدم ذلك التلقين .
الثاني : قال السخاوي : (( أو قبل التلقين الباطل ممن يلقنه إياه في الحديث إسناداً أو متناً وبادر إلى التحديث بذلك ولو مرة ، لدلالته على مجازفته ، وعدم تثبته ، وسقوط الوثوق بالمتصف به ، لا سيما وقد كان غير واحد يفعله اختباراً ، لتجربة حفظ الراوي وضبطه وحذقه )) ( " فتح المغيث " 1/385 ط. العلمية و2/270 ط. الخضير ) ، فالسخاوي – رحمه الله – يرى أنَّ من لقن حديثاً باطلاً ولو مرة واحدة ردت عامة أحاديثه ، وقد سبقه إلى ذلك ابن حزم كما تقدم النقل عنه .
الثالث : إذا تميز حديثه الذي كان يحفظ من حديثه الذي لقن فيه قُبل ما حفظ ورُد ما لقن فيه ، وإنْ لم يتميز رُد جميع حديثه ، وأما من لزقه هذا الوصف ولم يعرف بضبط أصلاً فكل حديث مردود من طريقه .
ولا يخفى أنَّ الأول والثالث ينحيان منحى واحداً ، وإن اختلفت الألفاظ وبنحوه قال به الحميدي والمعلمي ، فخلاصة القول : إنَّ الملقن إذا مُيزَ ما لُقن طرح الذي تلقنه واحتج بما سواه ، وإذا كان الراوي واسع الرواية ولم يثبت أنَّه لقن غير أحاديث يسيرة فعند ذاك يقبل حديثه ؛ لأنَّ الغالب عليه عدم التلقين ، ويجب أنْ يقيد هذا في حال لم تظهر نكارة أو شذوذ في ذلك الحديث أي : أنْ يكون موافقاً لما يرويه غيره ، والله أعلم . ويجب أنْ يتنبه على أنَّ الراوي قد يكثر من تلقن أحاديث موضوعة فيصيّر بذلك الراوي متروكاً أو مطروح الحديث . وقد يكون التلقين مدعاة لكشف كذب الرواة فمن ذلك : (( ما وقع لحفص بن غياث فإنَّه لقي هو ويحيى القطان وغيرهما موسى بن دينار المكي فجعل حفص يضع له الحديث ، فيقول : حدثتك عائشة ابنة طلحة ، عن عائشة رضي الله عنها بكذا وكذا فيقول : حدثتني عائشة ، ويقول له : وحدثك القاسم بن محمد ، عن عائشة بمثله ، فيقول : حدثني القاسم بن محمد ، عن عائشة بمثله .. فلما فرغ حفص مدَّ يده لبعض من حضر ممن لم يعلم المقصد ، وليست له نباهة ، فأخذ ألواحه التي كتب فيها ومحاها ، وبيّن له كذب موسى )) " فتح المغيث " 1/386 ط. العلمية و2/271 ط.الخضير .
ويجب أن يزاد نوع آخر على ما ذكرته ، وإنما أخرته عن موضعه لأهميته . وهذا النوع تكون عملية التلقين فيه مقبولة ، وهو إذا كان الملقن ثقة وأظهر المتلقن وثوقه بمن لقنه ، ولا يعرف للمتلقن تلقين من غير هذا الثقة ، ولم تظهر نكارة على الأحاديث المتلقنة فتكون تلك الأحاديث جيدة في حيز القبول .

المصدر : http://www.hadiith.net/montada/showt...7002#post37002
__________________
انشر الخير تكن من أهله
https://www.youtube.com/channel/UCpy...mTEXh_uvkomiiw
رد مع اقتباس
  #96  
قديم 16-10-08, 03:17 PM
ماهر ماهر غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-08-02
المشاركات: 2,822
افتراضي

__________________
انشر الخير تكن من أهله
https://www.youtube.com/channel/UCpy...mTEXh_uvkomiiw
رد مع اقتباس
  #97  
قديم 16-10-08, 03:20 PM
ماهر ماهر غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-08-02
المشاركات: 2,822
افتراضي

شيخي الكريم..
وهذه مسألة كثر فيها الكلام، وهي في غاية الأهمية – مسألة ماذا يقدم إذا سجد؟ هل يقدم يديه؟ أو يقدم ركبتيه؟
القول الأول :
جاء في حديث وائل بن حجر: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه, والحديث مخرج في السنن،فقد رواه الأربعة، وصححه بعض أهل العلم من المحققين ، وعلى هذا إذا سجد المصلي يضع ركبتيه ثم بعد ذلك يضع يديه، وهذا مرجح عند جمع من أهل العلم، وانتصر له ابن القيم رحمه الله ..وهوما رواه أبو داود والنسائي والترمذي عن وائل بن حجر رضي الله عنه
قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه".
قال الخطابي هو: أثبت من حديث تقديم اليدين، وهو أرفق بالمصلي وأحسن في الشكل ورأي العين" انتهى نقلا من المجموع للنووي 3/395.
وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرف أحداً رواه غير شريك، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم يرون أن الرجل يضع ركبتيه قبل يديه. وصححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي، ورواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، وسكتا عنه.
لكن قال الدارقطني: تفرد به يزيد عن شريك، ولم يحدث به عن عاصم بن كليب غير شريك، وشريك ليس بالقوي فيما تفرد به. انتهى.
ولهذا حكم الألباني بضعف الحديث، وأطال الكلام في ذلك، كما في سلسلة الأحاديث الضعيفة (حديث رقم 929) وإرواء الغليل برقم 357، وصفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم. واحتج الجمهور أيضا بما روى عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: "كُنَّا نضع اليدين قبل الركبتين فأمرنا بالركبتين قبل اليدين" رواه ابن خزيمة. وفي سنده إسماعيل بن يحيى بن سلمة وهو متروك.
قال الحافظ في الفتح: وادعى ابن خُزيمة أن حديث أبى هريرة منسوخ بحديث سعد هذا ولو صح لكان قاطعاً للنزاع لكنه من أفراد إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن سهيل عن أبيه وهما ضعيفان. انتهى من الفتح، كتاب الصلاة باب:" يهوي بالتكبير حين يسجد" واحتجوا أيضا بما رواه الأثرم من حديث أبى هريرة بلفظ "إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه ولا يبرك بروك الفحل".
قال الحافظ في الفتح: ولكن إسناده ضعيف.
والحديث أخرجه أيضا ابن أبى شيبة والطحاوي والبيهقي، وقال عنه الألباني: حديث باطل.
لكن روى أبو داود والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه) وهذا عكس الحديث السابق.
وحديث أبي هريرة أقوى من حديث وائل بن حجر كما يقول الحافظ ابن حجر: فإن له شاهداً من حديث ابن عمر،صححه ابن خزيمة، وذكره البخاري معلقاً موقوفاً.
وهذه المسألة إلى بسط، وتحتاج إلى توضيح، لامحالة .. فعندنا حديثان متضادان في الظاهر، وإذا رأيت من يرجح تقديم الركبتين، كما في حديث وائل، فإنه يحكم على حديث أبي هريرة بأنه ضعيف لأنه مقلوب ، والمقلوب من أقسام الضعيف كما هو معروف عند علماء الحديث ، ولا يصلح للمتابعات والشواهد لأنه يعتبر حديث منكرا كما بين لي وفهمت ، فإن المنكر لا يزيده هذا إلا نكارة ، وإذا رأيت من يرجح تقديم اليدين على الركبتين، لأنه جاء في حديث أقوى من حيث الصناعة الحديثية ، وله شواهد، فإنه يحكم على حديث وائل بأنه ضعيف.
ابن القيم رحمه الله تعالى قال إن حديث أبي هريرة مقلوب.
كيف كان مقلوباً؟!!
يقول: في الحديث (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه) وإذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد شابه البعير، لأن البعير يقدم يديه في بروكه قبل ركبتيه، إذاً يكون هذا تناقض، فهو مقلوب ومن حيث الصناعة الحديثية فالمقلوب من قبيل أقسام الضعيف كما هو معروف ، لأننا لو أخذناه على ظاهره صرنا متناقضين، هكذا قرر ابن القيم، وأطال رحمه الله تعالى في تقرير القلب في هذا الحديث، وأجلب على هذه المسألة بكل ما أوتي من قوة وبيان وسعة اطلاع،ليقرر أن هذا الحديث مقلوب.
وبعضهم يرى وينقل عن بعض كتب أهل اللغة أن ركبتي البعير في يديه،لكن افترض أن ركبتي البعير في يديه، هل ينحل الإشكال؟
لا... لا ينحل الإشكال، لأنه إذا قدم يديه أشبه بروك البعير في الصورة.
شيخ الإسلام رحمه الله يرى أن الصورتين كلاهما صحيحتان وجائزتان، وسواء قدم الإنسان يديه أو قدم ركبتيه سيان, فهذه ثابتة من فعله عليه الصلاة والسلام، وهذه ثابتة من أمره (وليضع يديه) فاللام لام الأمر.
وهذه المسألة تحتاج إلى دقة فهم، هل الحديث الثاني حديث أبي هريرة مقلوب كما قال ابن القيم؟
أقول: الحديث ليس بمقلوب، وآخره يشهد لأوله، (لا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه) هل فهمنا معنى البروك؟
كلا، لم نفهم معنى البروك لكي نفهم الحديث.
هل طعن أحد من الأئمة المتقدمين في الحديث بأنه مقلوب؟
لا، لم يطعن أحد فيه بأنه مقلوب، ومن تكلم فيه تكلم في إسناده،ولم يتكلم في متنه، إذاً هل خفيت هذه العلة على المتقدمين؟
لم تخفى، لأنها واضحة وضوح الشمس في ربوع النهار ، فالذي أدركه ابن القيم يمكن أن يدركه آحاد الناس،فكل إنسان يرى البعير يقدم يديه قبل ركبتيه.
أيهما أقوى حديث وائل أو حديث أبي هريرة من حيث الصناعة الحديثية ؟؟
القول الثاني:
تقديم اليدين على الركبتين عند الهوي إلى السجود وهو مذهب مالك والأوزاعي وأحمد في رواية. وحجتهم في ذلك:
1/ ما رواه أبو داود والنسائي والدارمي والبخاري في التاريخ وأحمد من حديث أبى هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه".
قال النووي: إسناده جيد. وصححه عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الكبرى. وأطال الألباني الكلام في تصحيحه والرد على من أعله (انظر السلسلة الضعيفة وإرواء الغليل).
وقال ابن القيم (فالحديث ـ والله أعلم ـ قد وقع فيه وهم من بعض الرواة فإن أوله يخالف آخره، فإنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد برك كما يبرك البعير، فإن البعير إنما يضع يديه أولاً).
وقال (وكان يقع لي أن حديث أبى هريرة كما ذكرنا مما انقلب على بعض الرواة متنه وأصله، ولعله "وليضع ركبتيه قبل يديه"... حتى رأيت أبابكر بن أبى شيبة قد رواه كذلك) وذكر رواية الأثرم. وابن أبى شيبة لكنها ضعيفة كما سبق.
2/ ومن أدلة هذا القول ما رواه ابن خزيمة والدارقطني والحاكم وصححه ووافقه الذهبي "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضع يديه على الأرض قبل ركبتيه".
3/ وما جاء عن ابن عمر أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه وقال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك.
أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار والدارقطني والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي، وقال الألباني في إرواء الغليل: وهو كما قالا. وصححه ابن خزيمة أيضا.
ونقل الألباني عن الحاكم قوله: القلب إليه أميل ـ يعني من حديث وائل ـ لروايات كثيرة في ذلك عن الصحابة والتابعين. انتهى.
وأثر ابن عمر رواه البخاري في صحيحه معلقاً بصيغة الجزم.
هذه هي محصلة أدلة الفريقين، ولا شك في رجحان أدلة القول الثاني من حيث الثبوت وفي هذا يقول العلامة أحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي 2/58 (والظاهر من أقوال العلماء في تعليل الحديثين أن حديث أبى هريرة هذا حديث صحيح، وهو أصح من حديث وائل، وهو حديث قولي يرجح على الحديث الفعلي على ما هو الأرجح عند الأصوليين) انتهى.
وقال محققا زاد المعاد: شعيب وعبد القادر الأرنؤوطيان:
(بمراجعة التعليقات السابقة يتبين أن المرجح خلاف ما ذهب إليه المصنف (ابن القيم) وأن حديث أبى هريرة هو المرجح على حديث وائل لصحة سنده، ودعوى الاضطراب فيه منتفية لضعف كل الروايات التي فيها الاضطراب" انتهى.
لكن ينبغي أن يقال هنا: إن رأي الفريق الأول أقوى من حيث النظر، فإن الجميع متفقون على الأخذ بقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير".
ولا شك أن البعير إذا برك يقدم مقدمه (يديه) على مؤخره.
فيكون الحديث دالا على تقديم الركبتين على اليدين، ولا يدفع ذلك ما نقل عن أهل اللغة من أن ركبتي البعير في يديه.
فإن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله "كما يبرك" نهى عن الكيفية، ولهذا قال ابن القيم رحمه الله (إن البعير إذا برك فإنه يضع يديه أولاً، وتبقى رجلاه قائمتين، فإذا نهض فإنه ينهض برجليه أولاً، وتبقى يداه على الأرض. وهو صلى الله عليه وسلم نهى في الصلاة عن التشبه بالحيوانات، فنهى عن بروك كبروك البعير، والتفات كالتفات الثعلب، وافتراش كافتراش السبع، وإقعاء كإقعاء الكلب ونقر كنقر الغراب، ورفع الأيدي وقت السلام كأذناب الخيل الشمس، فهدي المصلي مخالف لهدي الحيوانات).
وقال ابن القيم أيضا (وسر المسألة أن من تأمل بروك البعبير وعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بروك كبروك البعير، علم أن حديث وائل بن حجر هو الصواب والله أعلم) أنتهى.
والحاصل أن القول بتقديم اليدين على الركبتين أقوى من حيث السند، والقول بتقديم الركبتين أقوى من حيث النظر. ومن المعلوم أن المعول عليه هو حال السند ، وعليه فالراجح ـ والله أعلم ـ هو القول بتقديم اليدين.
حديث أبي هريرة أقوى (وليضع يديه قبل ركبتيه)، وماذا يقول شيخنا الكريم ؟؟ وهل من تعقيب ..

الجواب :
نعم إنَّ هذه المسألة قد قتلت بحثاً قديماً وحديثاً ، وكثر الكلام فيها ، بل إن بعضهم صار يوالي ويعادي عليها ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، والأمر في كل ذلك واسع لاتفاق العلماء على جواز الأمرين لكنهم اختلفوا في الأفضل .
أما الملاحظات على ما كتبت :
أولاً : قول الخطابي أخذته من المجموع على أن قول الخَطّابي في " معالم السنن " 1/179.
ثانباً : قلت : لأنه يعتبر حديث منكراً ، والصواب : حديثاً .
ثالثاً : قولك : كلاهما صحيحتان وجائزتان ، الأجود : كلاهما صحيحة جائزة .
رابعاً : توسعت في ذكر علة القلب ، وهي ليست العلة الرئيسة ، والأولى التوجه في إعلال الحديث بالعلة الرئيسة .
خامساً : قضية صححه الحاكم ووافقه الذهبي نظرية غير صحيحة ولا مقبولة ، وقد تقدم لنا نسفها .
سادساً : أثر ابن عمر قصرت في تخريجه .
سابعاً : قلت : تعليل ، والأجود إعلال كما نص عليه البقاعي .
ثامناً : قصرت في التخريج ، وإليك التخريج :


روى الدراورديُّ ، عن محمد بن عبد الله بن الحسن ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قالَ : قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : (( إذا سجدَ أحدُكم فلا يبركْ كما يبركُ البعيرُ ، وليضعْ يديهِ قبلَ ركبتيهِ )) .
أخرجه : أحمد 2/381 ، والبخاريُّ في " التاريخ الكبير " 1/141 (418) ، وأبو داود (840) ، والنَّسائيُّ 2/207 وفي " الكبرى " ، له (678) ط. العلمية و (682) ط. الرسالة ، والطحاويُّ في " شرح معاني الآثار " 1/254 وفي ط. العلمية (1477) و(1478) وفي " شرح مشكل الآثار " ، له (182) وفي (تحفة الأخيار) (700) ، والدارقطنيُّ 1/344 ط. العلمية و(1304) و (1305) ط. الرسالة ، وتمام في "فوائده" كما في " الروض البسام " (335) ، وابن حزم في " المحلى " 4/84 ، والبيهقيُّ 2/99 و100 ، والبغويُّ (643) ، والحازميُّ في " الاعتبار " : 121 ط. الوعي و (86) ط. ابن حزم ، وابن الجوزي في " التحقيق في أحاديث الخلاف " (522) من طرق عن الدراورديِّ ، بهذا الإسناد .
هذا الحديث مشهور متداول بين الفقهاء ، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى تقويته ، إلا أنَّ هذا الحديث معلول سنداً ومتناً ، أما علة سنده : فقد تفرّد به الدراوردي ، قال الدارقطنيُّ فيما نقله عنه المنذريُّ في " مختصر سنن أبي داود " (804) : (( تفرّد به الدراورديُّ عن محمد بن عبد الله بن الحسن العلوي ، عن أبي الزناد )) ، فتعقّبه المنذريُّ قائلاً : (( وفيما قاله الدارقطنيُّ نظر ، فقد روى نحوه عبد الله بن نافع ، عن محمد بن عبد الله بن حسن . وأخرجه : أبو داود ، والترمذيُّ ، والنَّسائيُّ من حديثه )) ، وقال أبو بكر بن أبي داود السجستانيُّ : (( وهذه سُنّة تفرّد بها أهل المدينة ، ولهم فيها إسنادان هذا أحدهما ، والآخر عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم )) .
قلتُ : القول قول الدارقطنيِّ ؛ لأنَّ عبد الله بن نافع خالف الدراورديَّ ولم يتابعه ، فقد أخرج روايته أبو داود (841) ، والترمذيُّ (269) ، والنَّسائيُّ 2/207 وفي " الكبرى" ، له (677) ط. العلمية و (681) ط. الرسالة ، والبيهقيُّ 2/100 من طريق قتيبة بن سعيد ، عن عبد الله بن نافع ، عن محمد بن عبد الله بن الحسن ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : (( يعتمدُ أحدُكم في صلاتهِ فيبرك ُ كما يبركُ البعيرُ )) .
قلت : والمتفحص لمضمون الروايتين سيجد أنَّ عبارة : (( وليضعْ يديه قبلَ ركبتيهِ )) خالف بها الدراورديُّ عبد الله بن نافع ، ويكون الدراوردي متفرّداً بها .
وقد ذهب الألبانيُّ في " إرواء الغليل " 2/77 (357) وتلميذه أبو إسحاق الحوينيُّ إلى أنَّ الدراوردي ثقة من رجال مسلم فلا يضرّ تفرّده بالحديث ، وهذا ادعاء بلا دليل ، فإنَّ الدراورديَّ صدوق . وقد تكلم أهل العلم في ضبطه ، فقد نقل المزيُّ في " تهذيب الكمال " 4/528 (4058) عن أحمد بن حَنْبل أنَّه قال : (( كان معروفاً بالطلب وإذا حدّث من كتابه فهو صحيح ، وإذا حدّث من كتب الناس وهم ، وكان يقرأ من كتبهم فيخطئ )) ، ونقل ابن طهمان (289) عن يحيى بن معين أنَّه قال فيه : (( إذا روى من كتابه فهو أثبت من حفظه )) ، ونقل عن أبي زرعة قوله فيه : (( سيئ الحفظ فربما حدّث من حفظه الشيء فيخطئ )) ، ونقل عن النَّسائيِّ قوله فيه : (( ليس بالقوي )) ، وقال ابن سعد في " الطبقات " 5/492 : (( وكان كثير الحديث ، يغلط )) ، وذكره ابن حبان في " ثقاته " 7/116 وقال فيه : (( وكان يخطئ )) .
فأقوال أهل العلم هذه دليل صريح على اختلال عنصر الضبط عند الدراورديِّ ، فلا أدري لأي مسوغ أعطوه منـزلة الثقة ؟ .
بما تقدم يتبين أنَّ حديث الدراوردي ينقسم إلى ثلاثة أقسام :
1- إذا حدّث من كتابه فهو صحيح .
2- إذا حدّث من كتب غيره يخطئ .
3- إذا حدّث عن عبيد الله بن عمر فهو في كثير من الأحيان عن عبد الله المكبر وليس عن عبيد الله المصغر ، وسيأتي بيان ذلك .
ومما يؤكد أنَّ هذا الحديث حدّث به الدراورديُّ من غير كتبه وأنَّه لم يضبطه ، أنَّه رواه كما تقدم ، وقال : (( وليضعْ يديه قبلَ ركبتيهِ )) ورواه عند البيهقيِّ 2/100 وجاء في روايته : (( وليضعْ يديه على ركبتيه )) والفرق بين الروايتين واضح جليٌّ ، قال البيهقيُّ عقبه : (( كذا قال على ركبتيه ، فإنْ كان محفوظاً كان دليلاً على أنَّه يضع يديه على ركبتيه عند الإهواء إلى السجود )) .
وكل ما تقدم فإنَّما هو بيان حال السند ، وأما علة المتن .
فكما تقدم أنَّ رواية الدراورديِّ : (( إذا سجد أحدُكم فلا يبركْ كما يبركُ البعير ، وليضعْ يديه قبل ركبتيه )) ورواية عبد الله بن نافع : (( يَعمدُ أحدُكم في صلاتهِ فيبرك كما يبركُ البعيرُ )) وظاهر سياق الروايتين التعارض ، ففي الأولى يمنع تقدم الركبتين ، بل يضع يديه قبلهما ، وأما الرواية الأخرى فظاهرها يوحي بمنع وضع اليدين قبل الركبتين ، قال : (( فيبرك كما يبركُ البعيرُ )) والبعير إنَّما يضع يديه ثم ركبتيه ، وكما هو ظاهر فإنَّ هاتين الروايتين لا يمكن الجمع بينهما وجاء ت رواية ثالثة : (( وليضعْ يديهِ على ركبتيه )) لتزيد هذا المتن اضطراباً .
وقد تكلم أهل العلم في هذا الحديث ، فقال الترمذيُّ عقب (269) : (( حديث أبي هريرة حديث غريب لا نعرفه من حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه )) ، وقال ابن المنذر في " الأوسط " 3/167 عقب (1432) : (( وقد زعم بعض أصحابنا أنَّ وضع اليدين قبل الركبتين منسوخ )) ، وقال ابن العربيِّ في " عارضة الأحوذي " 2/61 : (( ضعيف )) ، وقال ابن تيمية في " مجموع الفتاوى " 22/262 : (( وقيل : إنَّه منسوخ )) ، وقال ابن القيم في حاشيته مع " تهذيب سنن أبي داود " 1/293 : (( .. إنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نهى عن التشبه بالجَمَل في بروكه ، والجمل إذا برك إنَّما يبدأ بيديه قبل ركبتيه . وهذا موافق لنهيه صلى الله عليه وسلم عن التشبه بالحيوانات في الصلاة ، فنهى عن التشبه بالغراب في النقر ، والتفات كالتفات الثعلب ، وافتراش كافتراش السبع ، وإقعاء كإقعاء الكلب ، ورفع الأيدي في السلام كأذنابِ الخيل وبروك كبروك البعير )) . (ساق ابن القيم هذا المعنى من مجموع عدد من الأحاديث ، وانظر في ذلك " بلوغ المرام " باب صفة الصلاة ) .
وقال رحمه الله في " زاد المعاد " 1/216-219 : (( فالحديث والله أعلم قد وقع فيه وهم من بعض الرواة ، فإنَّ أوله يخالف آخره ، فإنَّه إذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد برك كما يبرك البعير ، فإنَّ البعير إنَّما يضع يديه أولاً ، ولما علم أصحاب هذا القول ذلك ، قالوا : ركبتا البعير في يديه لا في رجليه ، فهو إذا برك وضع ركبتيه أولاً فهذا هو المنهيُّ عنه وهو فاسد لوجوه : أحدها :
أنَّ البعير إذا برك فإنَّه يضع يديه أولاً وتبقى رجلاه قائمتين ، فإذا نهض فإنَّه ينهض برجليه أولاً وتبقى يداه على الأرض ، وهذا هو الذي نَهَى عنه صلى الله عليه وسلم وفعل خلافه . وكان أول ما يقع منه على الأرض الأقرب منها فالأقرب وأول ما يرتفع عن الأرض منها الأعلى فالأعلى . وكان يضع ركبتيه أولاً ثم يديه ثم جبهته وإذا رفع ، رفع رأسه أولاً ثُمَّ يديه ثم ركبتيه وهذا عكس فعل البعير ... وذكر نحو كلامه في حاشيته على "سنن أبي داود " .
الثاني : أنَّ قولهم : ركبتا البعير في يديه ، كلام لا يعقل ولا يعرفه أهل اللغة ، وإنَّما الركبة في الرِّجلينِ ، وإنْ أطلق على اللتين في يديه اسم الركبة فعلى سبيل التغليب .
الثالث : أنَّه لو كان كما قالوه ، لقال : فليبركْ كما يبركُ البعيرُ وأنَّ أول ما يمسُ الأرض من البعير يداه ، وسِرُّ المسألة أنَّ من تأمل بروك البعير ، وعلم أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نهى عن بروك كبروك البعير ، علم أنَّ حديث وائل بن حُجر هو الصواب ، والله أعلم ، وكان يقع لي أنَّ حديث أبي هريرة كما ذكرنا مما انقلب على بعض الرواة متنُه وأصلُه ، ولعله : (( وليضع ركبتيه قبل يديه )) ... .
وقال ابن حجر في " فتح الباري " 2/376 عقب ذكره حديث أبي هريرة : (( ولكن إسناده ضعيف )) ، وقال في " بلوغ المرام " عقب (310) : (( وهو أقوى من حديث وائل : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجدَ وضعَ ركبتيهِ قبلَ يديه . أخرجه الأربعة ، فإنَّ للأول شاهداً من حديث ابن عمر رضي الله عنه صححه ابن خزيمة ، وذكره البخاريُّ معلّقاً موقوفاً )) ، وقد تعقّبه الصنعاني في " سبل السلام " عقب (293) فقال : (( وقول المصنف : إنَّ لحديث أبي هريرة شاهداً يقوَى به معارض فإنَّ لحديث وائل أيضاً شاهداً قد قدمناه )) .
قلت : والذين قالوا بوضع الركبتين قبل اليدين أكثر وأتقن من مخالفيهم ، فقد قال ابن المنذر في " الأوسط " 3/166 عقب (1431) : (( وبه قال – يعني : بوضع الركبتين – النَّخعيُّ ، ومسلم بن يسار ، وسفيان الثوري ، والشافعيُّ ، وأحمد بن حَنْبل ، وإسحاق ، وأصحاب الرأي ، وقالت طائفة : يضع يديه إلى الأرض إذا سجد قبل ركبته ، كذلك قال مالك ، وقال الأوزاعيُّ : أدركتُ الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم )) ، وقال الخَطّابي في " معالم السنن " 1/179-180 : (( واختلف الناس في هذا فذهب أكثر العلماء إلى وضع الركبتين قبل اليدين وهذا أرفق بالمصلي وأحسن في الشكل وفي رأي العين )) ، وقال الطحاوي في " شرح المعاني " عقب (1489) : (( فنظرنا كيف حكم ما اتفق عليه منها ليعلم به كيف حكم ما اختلفوا فيه منها – يعني الآثار- فرأينا الرجل إذا سجد يبدأ بوضع أحد هذين إما ركبتاه ، وإما يداه ، ثم رأسه بعدهما ، ورأيناه إذا رفع بدأ برأسه فكان الرأس مقدماً في الرفع مؤخراً في الوضع ، ثم يثني بعد رفع رأسه برفع يديه ثم ركبتيه وهذا اتفاق منهم جميعاً ، فكان النظر على ما وصفنا في حكم الرأس إذا كان مؤخراً في الوضع لما كان مقدماً في الرفع أنْ يكون اليدان كذلك لما كانتا مقدمتين على الركبتين في الرفع أنْ تكونا مؤخرتين عنهما في الوضع ، فثبت بذلك ما روى وائل ، فهذا هو النظر ، وبه نأخذ ، وهو قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، ومحمد رحمهم الله تعالى ... )) .
قلت : حديث أبي هريرة يدور بين الدراوردي وعبد الله بن نافع وبينهما من الاختلاف ما هو ظاهر للعيان ، وقد تُكُلِّم في سماع محمد بن عبد الله بن الحسن من أبي الزناد ، قال البخاريُّ في " التاريخ الكبير " 1/141 (418) : (( ولا يتابع عليه ، ولا أدري سمع من أبي الزناد أم لا ؟ )) فتعقّبه أحد فضلاء العصر وأقصد به أبا إسحاق الحويني فقال في " نهي الصحبة " : (( ليس في ذلك شيء بتة ، وشرط البخاريِّ معروف والجمهور على خلافه من الاكتفاء بالمعاصره إذا أمن من التدليس ، وقال ابن التركماني في "الجوهر النقي" (المطبوع بحاشية " السنن الكبرى " للبيهقي 2/100 ) عنه : وثّقه النَّسائيُّ ، وقول البخاريِّ : لا يتابع على حديثه ليس بصريح في الجرح فلا يعارض توثيق النَّسائيِّ انتهى . ومحمد هذا كان يلقب بالنفس الزكية ، وهو براء من التدليس ، فتحمل عنعنته على الاتصال ، قال المباركفوري في " تحفة الأحوذي " 2/135 : وأما قول البخاريِّ : لا يتابع عليه ، فليس بمضر فإنَّه ثقة ولحديثه شاهد من حديث ابن عمر وسبقه الشوكاني إلى مثل ذلك في " نيل الأوطار " 2/284 وانتصر لذلك الشيخ المحدّث أبو الأشبال أحمد محمد شاكر في تعليقه على " المحلى " 4/124-130 فقال بعد أنَّ ساق حديث أبي هريرة : وهذا إسناد صحيح ومحمد بن عبد الله بن الحسن النفس الزكية وهو ثقة وقد أعل البخاريُّ الحديث بأنَّه لا يدري سمع من محمد بن أبي الزناد أو لا ؟ وهذه ليست علة ، وشرط البخاري معروف لم يتابعه عليه أحد ، وأبو الزناد مات سنة130هـ بالمدينة ومحمد مدني أيضاً غلب على المدينة ، ثم قتل سنة 145هـ وعمره 53 سنة ، فقد أدرك أبا الزناد طويلاً )) انتهى كلامه .
قلت : هكذا اعترض الشيخ على البخاري رحمه الله ، وهذه الاعتراضات ليست بشيء إذا ما قورنت بما كان عليه الأئمة ، مما اشترطوه للصحيح ، قال الخطيب في " الكفاية " : 291 : (( وأهل العلم بالحديث مجمعون على أنَّ قول المحدث حدثنا : ( فلان ، عن فلان ) صحيح معمول به إذا كان شيخه الذي ذكره يعرف أنَّه قد أدرك الذي حدث عنه ولقيه وسمع منه ، ولم يكن هذا المحدث ممن يدلس )) انتهى ، وقال ابن عبد البر في "التمهيد" 1/48 : (( أجمعوا – أي : أهل الحديث- على قبول الإسناد المعنعن لا خلاف بينهم في ذلك إذا جمع شروطاً ثلاثة وهي : عدالة المحدّثين في أحوالهم ، ولقاء بعضهم بعضاً مجالسة ومشاهدة ، وأن يكونوا براءً من التدليس .. وهو قول مالك وعامة أهل العلم )) ، وقال النووي في " شرح صحيح مسلم " 1/33 : (( ومنهم من شرط ثبوت اللقاء وحده ، وهو مذهب علي بن المديني ، والبخاري ، وأبي بكر الصيرفي الشافعي ، والمحققين، وهو الصحيح )) ، وقال أيضاً في 1/124 : (( وهذا الذي صار إليه مسلم ، قد أنكره
المحققون ، وقالوا : هذا الذي صار إليه ضعيف ، والذي رده هو المختار الصحيح الذي عليه أئمة هذا الفن : علي بن المديني ، والبخاري وغيرهما ... )) ، وقال أيضاً : (( ... ودليل هذا المذهب المختار الذي ذهب إليه ابن المديني ، والبخاري ، وموافقوهما : أنَّ المعنعن عند ثبوت التلاقي ، إنَّما حمل على الاتصال ؛ لأنَّ الظاهر ممن ليس بمدلس أنَّه لا يطلق ذلك إلا على السماع ، ثم الاستقراء يدل عليه )) .
وقال الحافظ في " هدي الساري " : 14 : (( ... وأما من حيث التفصيل فقد قررنا أنَّ مدار الحديث الصحيح على الاتصال وإتقان الرجال وعدم العلل ، وعند التأمل يظهر أنَّ كتاب البخاري أتقنُ رجالاً وأشد اتصالاً ... )) .
قلت : هذا هو شرط البخاريِّ في " صحيحه " ، وقد نقل الخطيب الإجماع على قبول الخبر الذي جمع تلك الشروط ، فلا أدري ما الذي دفع الحويني وشاكراً إلى القول بأنَّ البخاريَّ لم يتابع على شرطه ، ثم إنَّ قولهم هذا مصدوم من جهة أخرى فهذه كتب الحديث مليئة بأنَّ فلاناً لقي فلاناً ولم يسمع منه ، أو أنَّ فلاناً رأى فلاناً ولم يسمع منه ، هكذا اعترض الشيخ أبو إسحاق والشيخ أحمد شاكر على الإمام البخاري مستدلين بكلام ابن التركماني ، والمباركفوري ، فيا ترى لو صحح البخاري حديثاً ما ، وخالفه ابن التركماني وغيره فبقول مَنْ نأخذ ؟ لا شك أنَّ قول البخاري له قصب السبق في القبول دون التفات إلى من خالفه . وهذا الكلام حتى لو لم يتبين لنا معتمد البخاري في تصحيحه للحديث ؛ لأنَّه أعرف بما يقول وما يحكم به ، فإذا تبعنا البخاري في تصحيحه للحديث فكذلك نتبعه في تضعيفه ؛ لأن النقاد عندهم ملكة بمعرفة صحيح الأسانيد من سقيمها ، وهم فرسان هذا الفن وإليهم المنتهى في كل نوائبه . وإذا كان لاعتراض ابن التركماني وجاهة عند بعضهم ، فإنَّ اعتراضه كهواء في شبك إذا خالف الكبار ، وربما يكون المدخل الذي دخل على الشيخين في تصحيح الحديث أنَّ ظاهر هذا الحديث على شرط مسلم من الاكتفاء بالمعاصرة ، فنقول : لو كان على شرطه لخرجه في صحيحه ، سيما وأنَّه لم يُخرِّج تحت هذا الباب شيئاً ، وأما عن تدليس محمد ، فإنَّ أحداً لم ينص على أنَّ محمداً مدلس ، ولكن مطلب استحضار صيغة السماع الصريحة منه حتى ينتفي عندنا احتمال الإرسال الخفي بين الراوي وشيخه ، ومنه تعلم سطوع شرط البخاري على شرط مخالفه ، وذلك أنَّ البخاري حينما شرط التصريح بالسماع ولو لمرة واحدة ، كان هذا الشرط على عموم المرويات ، يعني : إذا كان للراوي عن شيخه ( 100) حديث شرط أن يصرح بالسماع من المئة مرة واحدة ، وأما إذا كان للراوي عن شيخه حديث واحد أو حديثان فهذا سيكون من جملة الغرائب التي يحتاط فيها ما لا يحتاط في غيرها . فإذا كان الراوي ليس من المكثرين ، وإنما له من الحديث شيءٌ قليلٌ عوض حديثه بما اشتهر في الباب ، وهذا لا ينطبق على المكثرين كالزهري وشعبة والثوري وأضرابهم إذا انفرد أحدهم بحديث ما كان ذلك الانفراد منقبة له لا مثلبة ، والله أعلم .
وأما ما نقله عن ابن التركماني في " الجوهر النقي " 2/100 وقد تقدم فنجيب عنه فنقول : ومن قال : إنَّ البخاريَّ جرح محمداً ؟ وهل قول الناقد : ( فلان لم يتابع على كذا ) يعد نَصّاً في التجريح أم أنَّه إشعار بتفرّد الراوي بهذا الإسناد . ثم إنَّ هذا الإسناد : ( أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ) هذا أحد الأسانيد الذهبية التي إن صحت ضُربت إليها أكباد الإبل ، فعلامَ إذن ينفرد به راوٍ ، ولم يتابع عليه ، وينفرد عنه راو آخر ، وفي الحديث شبهة انقطاع وفيه اختلاف في متنه ، فهذا كله ألا يثير في القلب ريبة بإعلاله ؟ ثم إنَّ هذا الحديث وبالحالة التي قدمناها اكتسب صفة الغرابة ، وقد قال سلف الأمة بالابتعاد عن الغرائب ، فقد قال يحيى بن معين في " تاريخه " (541) برواية
الدوري : (( ما أكذب الغرائب )) ، ونقل الخطيب في " الكفاية " : 172 عن أحمد أنَّه قال : (( شر الحديث الغرائب ، التي لا يعمل بها ، ولا يعتمد عليها )) ، ونقل عنه أيضاً أنَّه قال : (( تركوا الحديث ، وأقبلوا على الغرائب ، ما أقل الفقه فيهم ! )) ، ونقل عن أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي قوله : (( من اتبع غريب الحديث كذب )) وفي : 173 عن عبد الرحمان بن مهدي يذكر عن شعبة قيل له : من الذي يترك حديثه ؟ قال :
(( الذي إذا روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون فأكثر ، طرح حديثه )) .
وانظر : " تحفة الأشراف " 9/601 (13866) .
وقد روي هذا الحديث من غير هذا الوجه .
فأخرجه : أبو داود برواية ابن العبد كما في " تحفة الأشراف " 5/496 (8030) ، وابن خزيمة (627) بتحقيقي ، وابن المنذر في " الأوسط " (1430) ، والطحاوي في " شرح المعاني " 1/254 وفي ط. العلمية (1476) ، والدارقطنيُّ 1/343 ط. العلمية و(1303) ط. الرسالة ، والحاكم 1/226 ، ومن طريقه البيهقيُّ 2/100 ، والحازميُّ في "الاعتبار" : 120 ط. الوعي و (85) ط. ابن حزم من طريق الدراورديِّ ، عن عبيد الله ابن عمر – وهو العمري – عن نافع ، عن ابن عمر : أنَّه كان يضع يديه قبل ركبتيه ، وقال : كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يفعلُ ذلكَ .
قال الحازميُّ عقبه : (( هذا حديث يعد في مفاريد عبد العزيز ، عن عبيد الله )) .
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى تصحيح هذا الحديث اعتماداً منهم على ظاهر إسناده ، فقال الحاكم : (( هذا حديث على شرط مسلم ولم يخرجاه )) ، وقال أيضاً : (( فأما القلب في هذا فإنَّه إلى حديث ابن عمر أميل ، لروايات في ذلك كثيرة عن الصحابة والتابعين )) ، وقال الألبانيُّ في " إرواء الغليل " 2/77 (753) عقب نقله كلام الحاكم الشطر الأول منه : (( ووافقه الذهبي ، وهو كما قالا )) .
قلت : وكل ما تقدم من تصحيح ليس بصحيح ، فالحديث معلول بثلاث علل :
الأولى : أنَّه كما تقدم في كلام الحازميِّ تفرّد به الدراورديُّ .
الثانية : التعارض بين الرفع والوقف فكما تقدم أنَّه رواه مرفوعاً .
وأخرجه : البيهقي 2/100 عن الدراورديِّ بإسناده موقوفاً . وهذه الرواية أيضاً علّقها البخاريُّ 1/202 قبيل (803) وقال : قال نافع : كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه .
قلت : والملاحظ أنَّ البخاريَّ رحمه الله علّق هذه الرواية بصيغة الجزم ما يدل على صحة الموقوف عنده . وقال ابن المنذر في " الأوسط " 3/166 قبيل (1432) : (( وقد تكلم في حديث ابن عمرَ ، قيل : إنَّ الذي يصح من حديث ابن عمر موقوف )) ، وقال البيهقيُّ 2/100 : (( وما أراه إلا وهماً )) .
وأما العلة الثالثة : فكثير من مرويات الدراورديِّ عن عبيد الله بن عمر إنَّما هي عن أخيه عبد الله بن عمر ، قال أحمد فيما نقله المزي في " تهذيب الكمال " 4/528 (4058) : (( ما حدَّث عن عبيد الله بن عمر فهو عن عبد الله بن عمر )) ، ونقل عنه أيضاً : (( وربما قلب حديث عبد الله بن عمر يرويها عن عبيد الله بن عمر )) ، وعن النَّسائيِّ أنَّه قال : (( ليس به بأس ، وحديثه عن عبيد الله بن عمر منكر )) ، وهذا القسم الثالث من أقسام حديث الدراوردي الذي سبقت الإشارة إليه . واعتماداً على ما قدمناه من أقوال أهل العلم فإنَّ الإسناد الصحيح لهذا الطريق هو : الدراوردي ، عن عبد الله بن عمر العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر ، موقوفاً عليه ، وهذا الإسناد ضعيف ؛ لضعف عبد الله بن عمر ، وقد تقدمت ترجمته مراراً .
وقد روي عن ابن عمر أنَّه كان يضع ركبتيه قبل يديه .
فقد أخرجه : ابن أبي شيبة (2717) من طريق ابن أبي ليلى ، عن نافع ، عن ابن عمر : أنَّه كان يضعُ ركبتيهِ إذا سجدَ قبل يديهِ ، ويرفعُ يديه إذا رفعَ قبل ركبتيه .
وهذا الإسناد ضعيف ؛ لضعف محمد بن عبد الرحمان بن أبي ليلى ، فقد نقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " 7/431 (1739) عن يحيى بن معين أنَّه قال فيه : (( ليس بذاك )) ، ونقل عن أحمد بن حَنْبل أنَّه قال فيه : (( كان سيئ الحفظ ، مضطرب الحديث ، وكان فقه ابن أبي ليلى أحب إلينا من حديثه ، حديثه فيه اضطراب )) ، وقال النَّسائيُّ في " الضعفاء والمتروكون " (525) : (( ليس بالقوي في الحديث )) .
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى إعلال حديث ابن عمر ، فقال ابن خزيمة قبيل (627) : (( باب ذكر خبر روي عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في بدئه بوضع اليدين قبل الركبتين عند إهوائه إلى السجود منسوخ ، غلط في الاحتجاج به بعض من لم يفهم من أهل العلم أنَّه منسوخ ، فرأى استعمال الخبر والبدء بوضع اليدين على الأرض قبل الركبتين )) ثم أخرج حديث ابن عمر .
وانظر : " تحفة الأشراف " 5/495 (8030) .
يتبع .............................
__________________
انشر الخير تكن من أهله
https://www.youtube.com/channel/UCpy...mTEXh_uvkomiiw
رد مع اقتباس
  #98  
قديم 16-10-08, 03:22 PM
ماهر ماهر غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-08-02
المشاركات: 2,822
افتراضي تابع

أما حديث وائل بن حجر الذي هو نقيض حديثنا السالف ، فقد روي من أربعة طرق .
فقد أخرجه : الدارميُّ (1320) ، وأبو داود (838) ، وابن ماجه (882) ، والترمذيُّ (268) ، والنَّسائيُّ 2/207 و 234 وفي " الكبرى " ، له (676) و (740) ط. العلمية و (680) و (744) ط. الرسالة ، وابن خزيمة (626) بتحقيقي ، وابن المنذر في " الأوسط " 3/165 (1429) ، والطحاوي في " شرح المعاني " 1/255 وفي ط. العلمية (1481) ، وابن حبان (1912) ، والطبراني في " الكبير " 22/ (97) ، والدارقطنيُّ 1/344 ط. العلمية و (1307) ط. الرسالة ، والبيهقيُّ 2/98 ، والخطيب في " الموضح " 2/501 ، والحازمي في " الاعتبار " : 122ط. الوعي و(89) ط. ابن حزم من طريق يزيد بن هارون ، عن شريك بن عبد الله النخعيِّ ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه ، عن وائل بن حجر : أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كانَ يضعُ ركبتيهِ قبلَ يديه إذا سجدَ .
وقد اختلفت أحكام أهل العلم في هذا الحديث .
فقال الترمذيُّ : (( وزاد الحسن بن علي في حديثه : قال يزيد بن هارون : ولم يروِ شريك ، عن عاصم بن كليب إلا هذا الحديث )) ، وقال الترمذي أيضاً عقب (268) : (( هذا حديث حسن غريب لا نعرف أحداً رواه غير شريك ، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم ، يرون أنْ يضع الرجل ركبتيه قبل يديه ، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه )) ، وقال الحازميُّ في " الاعتبار " : 123 : (( هذا حديث حسن على شرط أبي داود ، وأبي عيسى الترمذيِّ ، وأبي عبد الرحمان النَّسائيِّ أخرجوه في كتبهم من حديث يزيد بن هارون ، عن شريك . ورواه همام بن يحيى ، عن محمد بن جحادة ، عن عبد الجبار بن وائل ، عن أبيه ، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ... )) ، وقال ابن العربي في " عارضة الأحوذي " 2/61 : (( حديث غريب )) ، وقال النَّسائيُّ 2/235 وفي " الكبرى " ، له (740) ط.العلمية: (( لم يقل هذا عن شريك غير يزيد بن هارون ، والله تعالى أعلم )) ، ونقل الدارقطنيُّ 1/345 عن ابن أبي داود أنَّه قال : (( ووضع ركبتيه قبل يديه ، تفرّد به يزيد ، عن شريك ولم يحدث به ، عن عاصم بن كليب غير شريك ، وشريك ليس بالقوي ، فيما يتفرّد به ، والله أعلم )) ، ونقل ابن الملقن في " البدر المنير " 3/656 عن الدارقطنيِّ أنَّه قال : (( ولم يحدث به عن عاصم غير شريك )) ، وقال البيهقيُّ 2/99 : (( هذا حديث يعد في أفراد شريك القاضي ، وإنَّما تابعه همام من هذا الوجه مرسلاً ، هكذا ذكره البخاريُّ وغيره من الحفّاظ المتقدمين رحمهم الله تعالى )) ، ونقل الحافظ ابن حجر في " التلخيص الحبير " 1/617 (379) عن الحازميِّ أنَّه قال : (( رواية من أرسل أصح )) ، وقال ابن السكن فيما نقله عنه ابن الملقن في " البدر المنير " 3/657 : (( إنَّه مختلف فيه )) .
قلت : مما تقدم يفهم أمران :
الأول : أنَّ قسماً من أهل العلم أعلوا هذا الحديث بتفرّد يزيد بن هارون ، عن شريك وهذه ليست علة ؛ لجلالة يزيد بن هارون وعلو شأنه في هذا الفن ، قال ابن الملقن معقباً على كلام النَّسائيِّ : (( وهذا لا يقدح في تصحيحه ، لجلالة يزيد وحفظه )) هذا من جهة ومن جهة أخرى ، فإنَّ يزيد بن هارون مقدم في الرواة عن شريك ، قال عنه – أعني : عن شريك – ابن حبان في " الثقات " 6/444 : (( ... وكان في آخر أمره يخطئ فيما يروي ، تغير عليه حفظه فسماع المتقدمين عنه الذين سمعوا منه بواسط ليس فيه تخليط ، مثل يزيد بن هارون وإسحاق الأزرق ... )) .
الثاني : أنَّ قسماً أعلوه بتفرّد شريك ، وهو ضعيف حين التفرّد ، فقد نقل المزيُّ في "تهذيب الكمال" 3/385 (2722) عن يحيى بن معين قوله فيه : (( شريك ثقة إلا أنَّه لا يتقن ، ويغلط ويذهب بنفسه على سفيان وشعبة )) ، ونقل عنه أيضاً : (( شريك صدوق ثقة إلا أنَّه إذا خالف فغيره أحب إلينا منه )) ، ونقل عن معاوية بن صالح أنَّه قال : (( وسمعت أحمد بن حَنْبل يقول شبيهاً بذلك )) يعني بكلام يحيى المتقدم ، ونقل عن عبد الجبار بن محمد الخطابيِّ قوله : (( قلت ليحيى بن سعيد : زعموا أنَّ شريكاً إنَّما خلط بأخرةٍ ؟ قال : ما زال مخلطاً )) ، ونقل عن يعقوب بن شيبة أنَّه قال : (( شريك صدوق ثقة ، سيئ الحفظ جداً )) ، ونقل عن الجوزجاني أنَّه قال : (( شريك سيئ الحفظ ، مضطرب الحديث ، مائل )) ، ونقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " 4/334 (1603) عن أبيه أنَّه قال فيه : (( وقد كان له أغاليط )) ، وعن أبي زرعة قوله فيه : (( كان كثير الحديث ، صاحب وهم ، يغلط أحياناً )) .
انظر : " تحفة الأشراف " 8/336 (11780) .
قلت : على ما قدمنا من حال شريك ، فإنَّ حاله لا يسمح له بالتفرّد ، كما أنَّ شريكاً قد خولف في هذا الحديث ، وإنْ كان من خالفه لا يرتقي لمرتبته .
فقد أخرج : أبو داود بعيد (839) وفي " المراسيل " ، له (42) ، والطحاوي في " شرح المعاني " 1/254 وفي ط. العلمية (1482) ، والطبراني في " الأوسط " (5911) كلتا الطبعتين ، والبيهقيُّ 2/99 من طريق همام ، قال : حدثنا أبو الليث ، عن عاصم ابن كليب ، عن أبيه : أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ إذا سجدَ وقعتْ ركبتاهُ إلى الأرض قبلْ أنْ تقع كفّاه.
والحديث بهذا الإسناد معلول لا يصح ، وذلك أنَّ شقيقاً مجهول ، قال الطحاوي في الموضع السابق : (( وشقيق أبو الليث هذا فلا يعرف )) ، وقال ابن القطان في " بيان الوهم والإيهام " (36) : (( هو لا يعرف بغير رواية همام عنه )) ، وقال ابن حجر في " لسان الميزان " (3297) : (( لا يعرف )) ، وقال في " التقريب " ، له (2819) : (( مجهول )) .
وعلى جهالة شقيق فإنَّه قد اضطرب في رواية هذا الحديث فكما تقدم رواه عن عاصم ابن كليب ، عن أبيه . ورواه عند ابن قانع في " معجم الصحابة " (678) عن عاصم بن شنتم ، عن أبيه ، به . قال ابن حجر في " تهذيب التهذيب " 4/331 : (( فإنْ صحت رواية ابن قانع فيشبه أنْ يكون الحديث متصلاً ، وإنْ كانت رواية أبي داود هي الصحيحة فالحديث مرسل ، وشنتم ذكره أبو القاسم البغوي في " معجم الصحابة " كما قال ابن قانع ، وقال : لم أسمع لشنتم ذكراً إلا في هذا الحديث ، وقال ابن السكن : لم يثبت ، ولم أسمع به إلا في هذه الرواية انتهى ، وقد قيل في شهاب بن المجنون جد عاصم بن كليب إنَّه قيل فيه شتير ، فيحتمل أنْ يكون شنتم تصحيف من شتير ، ويكون عاصم في الرواية هو ابن كليب ، وإنَّما نسب إلى جده ، والله أعلم )) .
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى جعل هذا الحديث حديث همام ، وأعلوا به حديث شريك ، قال الترمذي عقب (268) : (( وروى همام ، عن عاصم هذا مرسلاً ، ولم يذكر فيه وائل بن حجر )) ، وقال عبد الحق الإشبيلي في " الأحكام الوسطى " 1/399 عقب ذكره لرواية شريك : (( رواه همام ، عن عاصم مرسلاً وهمام ثقة )) .
إلا أنَّ ابن الجوزي قال في " التحقيق في أحاديث الخلاف " (518) : (( وهذا لا يضر ؛ لأنَّ الراوي قد يرفع وقد يرسل )). وقد تعقّب ابنُ الملقن الترمذيَّ ، فقال في " البدر المنير " 3/657 : (( ... ثم ننبه بعد ذلك لأمور وقعت في كلام الترمذيِّ رحمنا الله وإياه :
أولها : قوله : (( لا نعرف أحداً رواه غير شريك )) وقد علمت من حال كلام الحازميِّ الحافظ أنَّ همام بن يحيى رواه من طريقين وأخرج أبو داود الطريق الثاني ، وقد قال الترمذيُّ نفسُهُ بعد ذلك : ورواه عاصم ، عن همام مرسلاً .
ثانيها : قوله : إنَّ عاصماً رواه عن همام غير معروف ، إنَّما رواه همام ، عن شقيق ، عن عاصم ، وكذا ذكره أبو داود ، وهو نفسه في علله.
وثالثها : نقل مثل ذلك عن يزيد بن هارون أنَّ شريكاً لم يروِ عن عاصم بن كليب إلا هذا الحديث وأقرّه عليه ، وهو عجيب منهما فقد روى شريك ، عن عاصم بن كليب عدة أحاديث ، أحدها : حديث : رأيتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم حينَ افتتحَ الصلاةَ رفعَ يديهِ حيالَ أذنيه ، رواه أبو داود ، عن عثمان بن أبي شيبة ، عن شريك ، عن عاصم ، عن أبيه ، عن وائل ... )) انتهى وذكر حديثين آخرين .
وقال ابن القطان أيضاً في " بيان الوهم والإيهام " (36) معقباً على كلام عبد الحق : (( كذا قال ، وظاهره أنَّ هماماً خالف شريكاً فرواه ، عن عاصم مرسلاً ، ورواه شريك ، عن عاصم متصلاً كأنَّهما جميعاً روياه عن عاصم ، والأمر فيه ليس كذلك عند أبي داود ، وإنَّما يرويه همام ، عن شقيق ، قال : حدثنا عاصم بن كليب ، عن أبيه ، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم هكذا مرسلاً ، فهمام إذن لم يروِه عن عاصم ، ويؤكد قبح هذا العمل ضعف شقيق الذي عنه رواه همام ، فإنَّه شقيق أبو الليث هو لا يعرف بغير رواية همام عنه ، فإسقاطه إزالة ضعيف من الإسناد ، وهي التسوية ، وقد تبين في كتاب " المراسيل " في نفس الإسناد أنَّه شقيق أبو الليث ، فاعلم ذلك )) .
وأما قول الحازميِّ : (( رواية من أرسل أصح )) فهذا الكلام مدفوع بما قدمناه من حال شريك المُوصِل ، وحال شقيق المرسِل ، فكيف تقدم رواية راوٍ مجهول العين على راوٍ شهد له أهل العلم بكثرة الطلب ، والسعي فيه ، ولم ينكر عليه إلا سوء حفظه ؟ فلا شك في رجحان رواية شريك ، والله أعلم .
وقد روي هذا الحديث عن همام من طريق آخر .
فأخرجه : أبو داود (736) و (839) ، والطبراني في " الكبير " 22/ (60) ، والبيهقيُّ 2/99 من طريق همام ، عن محمد بن جحادة ، عن عبد الجبار بن وائل ، عن أبيه : أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ إذا دخلَ الصلاةَ رفعَ يديهِ وكبّر ، ثُمَّ التحفَ بثوبه ثُمَّ وضع يده اليُمنى على اليسرى ، فلما أرادَ أنْ يركعَ ، قال هكذا بثوبه ، وأخرجَ يديهِ ، ثُمَّ رفعهما وكبّرَ ، وركعَ ، فلما أرادَ أنْ يسجدَ وقعتْ ركبتاهُ على الأرضِ قبل كفّيه ، فلما سجدَ وضعَ جبهتهُ بينَ كفّيهِ وجافى بين إبطيهِ .
هذا إسناد ضعيف ؛ لانقطاعه ، فعبد الجبارلم يسمع من أبيه ، فقد نقل الترمذيُّ في "العلل الكبير" : 619 (250) عن البخاريِّ أنَّه قال : (( وعبد الجبارلم يسمع من أبيه ، وُلد بعد موت أبيه )) .
وانظر : " تحفة الأشراف " 8/329 (11762) .
إلا أنَّ هذا الحديث روي بإسناد متصل ، ولكنَّه لا يصح .
فأخرجه : البيهقيُّ 2/99 من طريق سعيد بن عبد الجبار ، عن عبد الجبار بن وائل ، عن أمه ، عن وائل بن حجر ، قال : صليت خلفَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ سجدَ وكان أول ما وصل إلى الأرض ركبتاه .
وهذا إسناد ضعيف ؛ لضعف سعيد بن عبد الجبار ، فقد قال فيه البخاريُّ في " التاريخ الكبير " 3/405 (1651) : (( فيه نظر )) ، وقال النَّسائيُّ في " الضعفاء والمتروكون " (265) : (( ليس بالقويِّ )) ، وقال ابن عدي في " الكامل " 4/438 : (( وليس لسعيد ابن عبد الجبار كثير حديث ، إنَّما له عن أبيه ، عن جده أحاديث يسيرة نحو الخمسة أو الستة )) ، وخالف الجميع ابن حبان فذكره في " الثقات " 6/350 .
وهذا الإسناد أشد ما يقال فيه لين ، لحال سعيد ، فإنْ قيل :بل هو شديد الضعف لأنَّ البخاريَّ لا يطلق وصف " فيه نظر " إلا عندما يكون الراوي متهماً ، بدليل ما قاله الذهبي في " الميزان " 2/416 : (( ولا يقول هذا إلا فيمن يتهمه غالباً )) ، وقال في 3/52 : (( وقلّ أنْ يكون عند البخاريِّ رجل فيه نظر إلا وهو متهم )) فنقول : الناظر في كلام الإمام الذهبي سيجد قوله : (( قلّ )) أو : (( غالباً )) أنَّ هناك أفراداً لا ينطبق عليهم هذا الوصف ، فقد أطلق البخاريُّ رحمه الله هذا الوصف على جملة من الرواة الذين اتهموا بوضع الحديث كـ : ( عثمان بن فائد ) ، وقالها أيضاً في بعض الرواة الذين يعتبر بهم كـ : ( علي بن مسعدة ) و ( حيي بن عبد الله المعافري ). والناظر في حال سعيد سيجد أنَّه لم يجرح بما يخل في عدالته ، ولم يقدح به ذلك القدح السمين ، فيكون عدادُ سعيد بعلي ومسعدة وطبقته.
ومما تقدم يتبين أنَّ حديث وائل بن حجر يروى من أربعة طرق لا يخلو كل منها من مقال ، ولكن بجمع بعضها إلى بعض ينتقل الحديث من ضعيف إلى حسن لغيره ، وهذه القرينة الأولى القوية في ترجيح حديث وائل على حديث أبي هريرة رضي الله عنهما الذي عانى الغرابة في إسناده ، وقد تقدم بيان أنَّ طريق الدراورديِّ منقوض بطريق عبد الله بن نافع ، فإذا قدم إسناد الدراوردي على إسناد شريك ، قدم حديث وائل ؛ لأنَّه يروى من أربعة طرق يعضد بعضها بعضاً .
وأما القرينة الثانية : فإنَّ متن حديث أبي هريرة قد اختلف على الرواة بثلاث صور لا يمكن الجمع بينها ، في حين أنَّ حديث وائل لم ينقل عنه غير صورة واحدة ، وهذا دليل ثبوته .
كما أنَّ لحديث وائل شواهد ، إلا أنَّها لا تصح .
فأخرج : ابن أبي شيبة (2714) ، وأبو يعلى (6540) ، والطحاوي في "شرح المعاني" 1/254 و في ط. العلمية (1480) ، والبيهقيُّ 2/100 من طريق محمد بن فضيل ، عن عبد الله بن سعيد – وهو سعيد بن أبي سعيد المقبري – عن جده ، عن أبي هريرة يرفعه : (( إذا سجدَ أحدُكم فليبتدئ بركبتيه قبل يديه ، ولا يبرك بروك الفحل )) .
وهذا إسناد ضعيف ؛ لضعف عبد الله بن سعيد ، فقد نقل ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " 5/85 (336) عن أحمد أنَّه قال فيه : (( منكر الحديث ، متروك الحديث )) ، ونقل البخاريُّ في " التاريخ الكبير " 5/15 (307) عن يحيى القطان أنَّه قال فيه : (( استبان لي كذبه في مجلس )) ، وقال النَّسائيُّ في " الضعفاء والمتروكون " (343) : (( متروك الحديث )) .
قلت : وهذا الحديث لعله مما اقترفته يداه وذلك أنَّ قوله : (( فليبتدئ بركبتيه )) أغرب بها عن الدراورديِّ وعبد الله بن نافع في حديثيهما ، عن أبي هريرة ، وأين هذا الراوي المتروك حتى ينفرد عن مثل هذين الراويين ، فبمثل هكذا إغرابات وتفرّدات يعرف زيغ الراوي عن جادة الصواب .
وقد روي نحو هذا الحديث عن أنس ، ولا يصح .
فأخرجه : الدارقطنيُّ 1/344 ط. العلمية و (1308) ط. الرسالة ، والحاكم 1/226، وابن حزم في " المحلى " 4/84 ، والبيهقي 2/99 ، والحازمي في " الاعتبار " : 122 ط. الوعي و (88) ط. ابن حزم ، وابن الجوزي في " التحقيق في أحاديث الخلاف " (519) من طريق العلاء بن إسماعيل العطار ، قال : حدثنا حفص بن غياث ، عن عاصم الأحول ، عن أنس ، قال : رأيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كبّر حتى حاذى بإبهاميه أذنيه ، ثمَّ ركعَ حتى استقرَ كلُ مفصلٍ منه في موضعهِ ، ثم رفعَ رأسَهُ حتى استقرَ كلُ مفصلٍ منه في موضعه ، ثم انحطّ بالتكبيرِ ، فسبقتْ ركبتاه يديه .
قال الدارقطني عقبه : (( تفرّد به العلاء بن إسماعيل ، عن حفص بهذا الإسناد ، والله أعلم )) ، وقال الحاكم : (( هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ، ولا أعرف له علة ولم يخرجاه )) .
قلت : والصواب ليس كما قال الحاكم ، فالعلاء بن إسماعيل مجهول ، قال ابن حجر في " لسان الميزان " (5271) : (( أخرج له الحاكم في " المستدرك " وسكت عنه الذهبيُّ في تلخيصه )) ، وقال ابن القيم في " زاد المعاد " 1/221 : (( مجهول )) ، وقد تعقّب ابنُ عبد الهادي في " تنقيح تحقيق أحاديث الخلاف " (579) الحاكمَ بجعل الحديث على شرط الشيخين فقال : (( وليس كما قال ، العلاء بن إسماعيل غير معروف )) . ثم إنَّ حديث حفص بن غياث المحفوظ أنَّه يرويه عن عمر موقوفاً ، قال ابن حجر في " لسان الميزان " عقب (5271) : (( وخالفه – يعني : العلاء بن إسماعيل – عمرُ بنُ حفص بن غياث وهو من أثبت الناس في أبيه ، فرواه عن أبيه ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، وغيره عن عمر موقوفاً عليه ، وهذا هو المحفوظ ، والله أعلم )) انتهى .
وقد أنكر أبو حاتم هذا الحديث ، فقال فيما نقله عنه ابنه في " العلل " (539) : (( هذا حديث منكر )) ، ثم في سماع عاصم من أنس شيء ، فإنَّه وإنْ أتى بصيغة تحديث عنه - في غير هذا الحديث - إلا أنَّ العلائي قال في " جامع التحصيل " (317) : (( لم يسمع من أنس شيئاً )) ، فإنْ قيل : فإنَّه قال في " مسند أحمد " 3/111 : (( سمعت أنساً )) فنقول : هذا لم يرد إلا في موضع واحد ، والسند هناك معلّق فلا يعوّل عليه .
وقد روي بنحوه من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه .
أخرجه : ابن خزيمة (628) بتحقيقي ، ومن طريقه ابن حبان كما في " إتحاف المهرة " 5/95 (5001) ، والبيهقيُّ 2/100 من طريق إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل ، قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن سلمة ، عن مصعب بن سعد ، عن سعد : كُنَّا نضعُ اليدين قبلَ الركبتينِ فأمرنا بالركبتين قبل اليدين .
وهذا الإسناد مسلسل بالضعفاء فالأول : إبراهيم بن إسماعيل ، قال عنه ابن حبان في "الثقات " 8/83 : (( في روايته عن أبيه بعض المناكير )) ، وقال العقيلي 1/44 : (( حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ، قال : كانَ ابن نمير لا يرضى إبراهيم بن إسماعيل ويضعّفه ، قال : روى مناكير )) .
وأما الثاني : إسماعيل بن يحيى ، قال عنه الدارقطنيُّ في "الضعفاء والمتروكون " (86) : (( متروك )) ، وقال ابن الجوزي في " الضعفاء والمتروكون " (427) : (( قال الأزدي : متروك الحديث )) .
وأما الثالث : يحيى بن سلمة بن كهيل ، فقد قال عنه البخاريُّ في " الضعفاء الصغير " (397) : (( في حديثه مناكير )) ، وقال عنه النَّسائيُّ في " الضعفاء والمتروكون " (631) : (( متروك الحديث )) ، وذكره الدارقطنيُّ في " الضعفاء والمتروكون " (574) .
وقد ذهب بعض أهل العلم إلى رد الحديث من هذا الطريق ، فقال البيهقيُّ 2/100 : (( كذا قال ، والمشهور عن مصعب ، عن أبيه حديث نسخ التطبيق ، والله أعلم )) ، وقال الحازميُّ في " الاعتبار " : 122 : (( وأما حديث سعد ففي إسناده مقال ، ولو كان محفوظاً لدل على النسخ ، غير أنَّ المحفوظ عن مصعب ، عن أبيه حديث نسخ التطبيق ، والله أعلم . وفي الباب أحاديث تشيده )) ، وذكرَ ابن القيم في " زاد المعاد " 1/220 للحديث علتين فذكر في الأولى : تضعيفاً ليحيى بن سلمة ، وقال : (( الثانية : أنَّ المحفوظ من رواية مصعب بن سعد ، عن أبيه هذا ، إنَّما هو قصة التطبيق ، وقول سعدٍ كُنَّا نصنع هذا ، فأمرنا أنْ نضع أيدينا على الركب )) ، وقال ابن حجر في " فتح الباري " 2/376 عقب (805) : (( وهذا لو صح لكان قاطعاً للنـزاع ، ولكنَّه من أفراد إبراهيم بن إسماعيل بن سلمة بن كهيل ، عن أبيه وهما ضعيفان )) .
كما رويت آثار عديدة في هذا الباب .
فقد أخرج : عبد الرزاق (2955) ، وابن أبي شيبة (2715) من طريق الأعمش ، عن إبراهيم : أنَّ عمرَ كانَ يضعُ ركبتيه قبلَ يديه .
وهذا إسناد منقطع ؛ إبراهيم لم يسمع من عمر شيئاً ، فقد نقل ابن أبي حاتم في " المراسيل " (23) عن أبي زرعة و (24) عن أبيه أنَّهما قالا : (( إبراهيم النخعيُّ عن عمر مرسل )) .
وأخرجه : ابن أبي شيبة (2716) من طريق الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود : أنَّ عمر كان يقع على ركبتيه .
وهذا إسناد متصل بثقات ، فقد ذكر ابن أبي خيثمة في " تاريخه " (3834) و (3860) عن عبد الرحمان بن الأسود ، عن أبيه ، قال : حججت مع أبي بكر وعمر وعثمان فجردوا الحج .
وأخرجه : الطحاوي في " شرح المعاني " 1/332 وفي ط. العلمية (1490) من طريق الأعمش ، قال : حدثني إبراهيم ، عن أصحاب عبد الله : علقمة والأسود ، فقالا : حفظنا عن عمر في صلاته أنَّه خَرَّ بعد ركوعه على ركبتيه كما يخر البعير ، ووضع ركبتيه قبل يديه .
مما تقدم يتبين أنَّ الأعمش رواه على ثلاثة أوجه ، فجعل في الأول الراوي إبراهيم ، وفي الثاني إبراهيم والأسود ، وفي الثالث إبراهيم ، عن أصحاب عبد الله علقمة والأسود ، وهذا يثير في النفس أنْ يكون الأعمش لم يضبط هذه الآثار ، وقد يقول قائل : إنَّ هذا اضطراب .
إلا أنَّ مما يبعد أنَّ يكون الأعمش قد اضطرب في هذا الحديث ، أنَّ روايات الأعمش كانت عن إبراهيم – وهو النخعي - وعلقمة والأسود وهؤلاء كوفيون ، والأعمش كذلك كوفي ، وأهل البلد أعرف بحديث بلدهم .
وأخرج : عبد الرزاق (2956) ، وابن أبي شيبة (2719) ، والطحاوي في " شرح معاني الآثار " 1/332 وفي ط. العلمية (1492) أنَّ إبراهيم سُئل عن الرجل يضع يديه قبل ركبتيه ؟ فكره ذلك ، وقال : هل يفعله إلا مجنون ؟ .
وبعد هذه الدراسة المستفيضة ظهر أنَّ أدلة من قال بوضع الركبتين أولاً أقوى ، وإنْ كان النووي قال في " شرح المهذب " 3/274 : (( ولا يظهر ترجيح أحد المذهبين من حيث السنة )) .



المصدر : http://www.hadiith.net/montada/showt...7023#post37023
__________________
انشر الخير تكن من أهله
https://www.youtube.com/channel/UCpy...mTEXh_uvkomiiw
رد مع اقتباس
  #99  
قديم 17-10-08, 05:48 AM
ماهر ماهر غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-08-02
المشاركات: 2,822
افتراضي

شيخنا ماهر الفحل أرجو أن تكون في صحة وعافية .لي سؤال بارك الله فيكم..ما الفرق بين اعتضاد القوة واعتضاد الدلالة ؟
الجواب :
نعم هناك فرق بين الأمرين ، فإن التقوية تكون للحديث ، وقد تكون لمعنى الحديث ، فإذا كانت التقوية للحديث فمعناه أن الحديث يصلح للاعتضاد فيتقوى بغيره فإذا جاءه متابع أو شاهد معتبر ارتقى الحديث من الضعف إلى القبول ، وقد يكون الحديث ضعيفاً لا يصلح للاعتار ولكن يرد في المعنى أحاديث صحيحة فيكون الاعتبار للمعنى فيصح المعنى ولا يصح الحديث ، ومن ذلك تدرك خطأ صنيع السخاوي في المقاصد الحسنة حينما يسوق الحديث الواهي ويستشهد له بالقرآن فإنما هو أشار إلى المعنى وليس إلى تقوية الحديث وبعضهم يختلط عليه الأمر فيظن التقوية .
وكما حصل للعلامة العثيمين - يرحمه الله- فقد صحح زيادة : (( إنك لا تختلف الميعاد )) في حديث جابر وكان مما استدل به قوله تعالى : (( إنك لا تختلف الميعاد )) .
والترمذي يكثر من هذا الصنيع فأحياناً يسوق حديث المتروك وشديد الضعف ثم يشير إلى أحاديث الباب ، إشارة إلى قوة المعنى وليس تقوية للحديث ، والله أعلم .
المصدر : http://www.hadiith.net/montada/showt...7054#post37054
__________________
انشر الخير تكن من أهله
https://www.youtube.com/channel/UCpy...mTEXh_uvkomiiw
رد مع اقتباس
  #100  
قديم 17-10-08, 02:03 PM
ماهر ماهر غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 08-08-02
المشاركات: 2,822
افتراضي

بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
حيا الله شيخنا ماهر الفحل وبياه وجعل الجنة مأواه
عندي بعض الأسئلة شيخنا الكريم أرغب في إجابتكم عليها بارك الله فيكم

1 ـ هل المقصود عند إطلاق " في الصحيح " صحيح البخاري ؟ وهل هذا مطرد عند جميع أهل العلم ؟
2 ـ ماهي مظان تراجم رواة ما بعد القرون الثلاثة ؟
3 ـ ما ضابط الإطالة والاختصار في التخريج ؟ (أي من حيث عدد المصادر ).
4 ـ ما وجه تكرار الإمام أحمد للأحاديث في المسند ؟
فقد خرجت قبل حديثا منه ـ وهو حديث البراء بن عازب في قراءة سورة التين في صلاة المغرب ـ فوجته كرره تسع مرات في نفس المسند ـ مسند البراء ـ .

ودمتم سالمين غانمين وجزاكم الله عنا خير الجزاء




الجواب : أما عن السؤال الأول : فالصحيح يطلق على كتاب البخاري وكتاب مسلم ؛ لكن الاستعمال السائد هو لصحيح البخاري ، وقد يند عن ذلك بعضهم فيطلقه على صحيح مسلم ، لكنه قليل ، والقليل يكون مرذولاً .
أما عن السؤال الثاني : فسير أعلام النبلاء ، وتأريخ بغداد ، وتأريخ دمشق وتأريخ الإسلام ، وتأريخ نيسابور ، وينتفع من كتاب الإكمال لابن ماكولا . وكذلك يوجد أحياناً في متفرقات كلام البيهقي .
أما عن السؤال الثالث : فهذا أمر يختلف من باحث وباحث . وحسب المنهج الذي رسمه لنفسه في أول التحقيق أو أول البحث ، ويكون ذلك على حسب الكتاب ونوع البحث وعلى مدى حاجة الناس إلى هذا البحث ، وهل أنه مرجع يكون للناس ملاذاً ، فالأمر يختلف على حسب الحال .
أما عن السؤال الرابع : فالإمام المبجل أحمد بن حنبل حينما يكرر المتن فهو لا يكرر الأسانيد فتجد السند يختلف في شيوخه وشيوخ شيوخه ، بل إنه يسوق الرواية المرسلة إذا كانت علة للرواية المسندة ، ويسوق الرواية الموقوفة إذا كانت علة للمرفوعة ويسوق الراوية المنقطعة إذا كانت علة للرواية المتصلة ، ويسوق المتابعات من أجل تقوية الأحاديث ، وهناك نعرف الطرق القوية من الضعيفة والعاضدة مما ليس لها عاضدة ، وهكذا والغريب و المشهور والعزيز والمدار .
المصدر : http://www.hadiith.net/montada/showt...7063#post37063
__________________
انشر الخير تكن من أهله
https://www.youtube.com/channel/UCpy...mTEXh_uvkomiiw
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:21 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.