ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الحديثية
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #11  
قديم 30-11-13, 09:11 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

بارك الله فيكم أخي أبا الزهراء، وفي انتظار ما يفتح الله به عليك مِن تعقُّباتٍ.
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 30-11-13, 09:26 PM
أبو عبد الرحمن بن عبد الفتاح أبو عبد الرحمن بن عبد الفتاح غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 29-12-06
المشاركات: 557
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

بارك الله فيك و سدد خطاك وفى انتظار المتابعة
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 30-11-13, 09:32 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

أسباب تعليق البخاري عن شيوخه

لماذا علَّق البخاري بعض الأحاديث عن شيوخه ولَمْ يُسندها في أي موضعٍ آخر؟ هذا سؤالٌ حاول عددٌ مِن العلماء الإجابة عنه بحسب ما قادهم إليه نظرهم، فمِنهم مَن اقترب ومِنهم مَن ابتعد. وهؤلاء فريقان بحسب موقفهم مِن اتصال هذه التعاليق: فالذين حَمَلوا هذا التعليقَ على الاتصال رأَى بعضُهم أنَّ البخاري إنما يعلِّق عن شيوخه ما أخذه عنهم مذاكرةً أو مناولةً أو إجازةً. وأمَّا الذين حَمَلوه على الانقطاع فرأى بعضُهم أنَّ البخاري إنما أخذ هذه الأحاديث بواسطةٍ عن شيوخه، وهذا الواسطة ليس على شرط كتابه.

ما قيل عن المذاكرة والمناولة والإجازة
ذهب بعض العلماء إلى أنَّ البخاري حيثما يعلِّق عن شيوخه فذلك مِمَّا أخذه عنهم مذاكرةً، مع تفريقهم بين المذاكرة والتحديث. فقال الكرماني في شرحه لحديث المعازف([1]): «المشهور عند المحدِّثين أنه يقال (حدثنا) و (أخبرنا) إذا كان الكلام على سبيل النقل والتحميل، وأمَّا إذا كان على سبيل المذاكرة يقال (قال)». اهـ وقال الزركشي بعد أن ذكر الوجوه الثلاثة عند الإسماعيلي كما ستعرف([2]): «ويضاف لِمَا ذَكَرَه رابعٌ وهو أن يَقصد بذلك الفرق بين ما يأخذه عن مشايخه في حالة التحديث وحالة المذاكرة، وإنما فرَّق بينهما احتياطًا». اهـ

وآخرون أضافوا العرض والمناولة إلى المذاكرة في أسباب هذا التعليق. فقال ابن الملقن في أحد الأحاديث التي علَّقها البخاري عن شيوخه([3]): «يشبه أن يكون أخذه عنه مذاكرةً». اهـ وقال في آخَر([4]): «ويجوز أن يكون البخاري أخذه عن أبي كامل بغير واسطة، فإنه غالبًا يستعمل مثل ذلك فيما أخذه عرضًا أو مناولة». اهـ وقال العراقي([5]): «ويجوز أن يقال: إنَّ البخاري أخذه عن حجاج بن منهال بالمناولة أو في حالة المذاكرة». اهـ وأضاف ابن حجر الإجازة إلى جملة الاحتمالات فقال([6]): «والسبب في تعليقه له: إمَّا كونه لَمْ يحصل له مسموعًا، وإنما أخذه على طريق المذاكرة أو الإجازة». اهـ

قلتُ: وكلُّ هذا تَحَكُّمٌ لا مستند له، بل صنيع البخاري نفسه يَرُدُّه. فقد مَرَّ عليك في الضرب الأول مِن القسم الأول مِن تعاليقه عن شيوخه أنَّ ما علَّقه عن شيخه في موضعٍ بصيغة «قال فلان» أسنده عنه في موضعٍ آخر بصيغة «حدثنا فلان». فلو كان علَّقه لكونه أخذه عن ذلك الشيخ مذاكرةً أو إجازةً أو نحو ذلك، فكيف استجاز أن يُصرِّح بالتحديث عنه في ذلك الموضع الآخر؟

وهذا هو عينُ ما أجاب به ابن حجر نفسُه على مَن ادَّعى نفسَ الدعوى في صيغة «قال لنا» كما مَرَّ عليك، فإنه قال هناك([7]): «بعض الأئمة ذَكَرَ أنَّ ذلك مِمَّا حمله عن شيخه في المذاكرة. والظاهر أنَّ كل ذلك تَحَكُّم ... فقد رأيته في كثيرٍ مِن المواضع التي يقول فيها في الصحيح (قال لنا) قد ساقها في تصانيفه بلفظ (حدثنا) وكذا بالعكس. فلو كان مِثل ذلك عنده إجازةً أو مناولةً أو مكاتبةً، لم يستجز إطلاق (حدثنا) فيه مِن غير بيان». اهـ

بل إنَّ هذا الجواب قد أورده ابن حجر نفسه في الردِّ على مَن قال إنَّ البخاري يعلِّق عن شيوخه بصيغة «قال» ما أخذه على طريق المناولة، فقال في تعليق البخاري عن شيخه موسى بن إسماعيل([8]): «وفيه رَدٌّ على مَن قال إنَّ الذي يَذكر عن مشايخه مِن ذلك يكون مِمَّا حمله عنهم بالمناولة. لأنه صرَّح في المغازي بتحديث موسى له بهذا الحديث، فلو كان مناولةً لَمْ يُصرِّح بالتحديث». اهـ بل إنه نفسه قد قال صراحةً في موضعٍ آخر([9]): «والبخاري لا يستجيز في الإجازة إطلاق التحديث». اهـ فينبغي على مذهبه هذا ألاَّ تكون معلَّقاته قد أخذها مذاكرةً ولا إجازةً، لأنها لو كانت مذاكرةً أو إجازةً لَمْ يُصرِّح بالتحديث. فقوله هذا مِمَّا ينقض قولَه ذاك.

ما قيل عن الشكِّ في السماع
ذَكَرَ ابن حجر أيضًا في جملة الأسباب أنَّ البخاري قد يكون سمع الحديث مِن ذلك الشيخ وشكَّ في سماعه، فلذلك أتى به بصيغة التعليق. قال ابن حجر([10]): «وإمَّا لكونه لَمْ يحصل عنده مسموعًا، أو سمعه وشكَّ في سماعه له مِن شيخه». اهـ وهذا الاحتمال شبه لا شيء، بل يَرُدُّه صنيع البخاري في صحيحه فإنه كان إذا شَكَّ بَيَّنَ. فقد قال البخاري([11]): «حدثني محمد بن الصباح، أو بلغني عنه». وقال أيضاً([12]): «حدثنا محمد بن سابق، أو الفضل بن يعقوب عنه». وقال أيضاً([13]): «حدثنا عبيد الله بن موسى، أو ابن سلام عنه». فشَكُّ البخاري في السماع لَمْ يجعله يعلِّق الحديث عن شيخه، وإنما يأتي به على التحديث مع البيان. فَدَلَّ هذا على أنَّ دعوى ابن حجر لا مستند لها.

قول الإسماعيلي في ثبوت الواسطة
أَقْدَمُ مَن تكلَّم في مسألتنا هذه هو أبو بكر الإسماعيلي، فقد تأمَّل صنيعَ البخاري فيما أخرجه مِن المعلَّقات واستخلص الأسباب التي دفعته إلى ذلك في صحيحه. فقال في المدخل إلى مستخرجه على صحيح البخاري([14]): «كثيرًا ما يقول البخاري: (قال فلان) و (قال فلان عن فلان)([15]). فيحتمل أن يكون إعراضه عن التصريح بالتحديث لوجوه؛ أحدها: ألاَّ يكون قد سمعه مِمَّن يثق به([16]) عاليًا، وهو معروفٌ مِن جهة الثقات عن ذلك المَرْوِيِّ عنه. فيقول: (قال فلان) مقتصرًا على صحته وشهرته مِن غير جهته. والثاني: أن يكون قد ذكره في موضعٍ آخر بالتحديث، فاكتفى عن إعادته ثانيًا. والثالث: أن يكون مَن سَمِعَ مِنه ذلك ليس مِن شرط كتابه. فنَبَّهَ على الخبر المقصود بتسمية مَن قاله، لا على وجه التحديث به عنه». اهـ

قلتُ: أمَّا الوجه الأول، فهو فيما علَّقه البخاري عمَّن لَمْ يُدركهم وحديثُهم معروفٌ مِن غير طريقه، وهذه المعلَّقات خارجةٌ عن موضوع بحثنا. وأمَّا الوجه الثاني، فهو في المعلَّقات التي وصلها في صحيحه، والإشكال ليس فيها. وأمَّا الوجه الثالث، فهو فيما علَّقه البخاري عن شيوخه ولَمْ يُسنده عنهم. والسبب فيه أنه لَمْ يسمعه مِنهم، بل أخذه بواسطةِ مَنْ ليس على شرطه في صحيحه.

وقد وَقَفَ ابنُ الصلاح على كلام الإسماعيلي هذا واختصره فقال([17]): «والبخاري رحمه الله قد يفعل ذلك: لكون ذلك الحديث معروفًا مِن جهة الثقات عن ذلك الشخص الذي علَّقه عنه. وقد يفعل ذلك لكونه قد ذَكَرَ ذلك الحديث في موضعٍ آخر مِن كتابه مسندًا متصلاً. وقد يفعل ذلك لغير ذلك مِن الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع». اهـ وهذا كما ترى اختصارٌ مُخِلٌّ: فمقصود الإسماعيلي مِن الوجه الأول أنَّ الإسناد الذي وقع للبخاري مِن طريقِ هذا الراوي ليس عاليًا، فآثَرَ تعليقَه عن ذلك الراوي اكتفاءً بشهرته عند غيرِه مِن المحدِّثين. وأمَّا الوجه الثالث وهو المقصود، فأَعْرَضَ عنه ابن الصلاح مع كونه صريحًا في الانقطاع.

قال الزركشي في نكته على ابن الصلاح([18]): «وقول المصنِّف: (والبخاري قد يفعل مثل ذلك لكون الحديث) إلى آخره، هذا أَخَذَهُ مِن كلام الإسماعيلي». اهـ ولَمْ يَقِفْ مغلطاي على كلام الإسماعيلي، ولذلك تعقَّبَ ابنَ الصلاح في تلك الأسباب التي أوردها فقال([19]): «أمَّا القِسم الثاني فمُسَلَّم. وأمَّا الأول فيحتاج إلى تثبُّتٍ فيه، فإنِّي لَمْ أَرَه ولا رأيتُ مَن قاله غيره، فيُنظر». اهـ فتعقَّبه ابنُ حجر بقوله([20]): «اعترض عليه مغلطاي بأنَّ الكلام يحتاج إلى تثبيتٍ فيه فإني لَمْ أَرَه لِغيره. قلتُ: قد سبقه إلى ذلك الإسماعيلي، ومنه نَقَلَ ابنُ الصلاح كلامَه». اهـ

وقد لَخَّصَ ابنُ حجر كلامَ الإسماعيلي في المعلَّقات التي لَمْ توصل، فقال في مقدمة الفتح([21]): «قال الإسماعيلي: قد يصنع البخاري ذلك: إمَّا لأنه سمعه مِن ذلك الشيخ بواسطةِ مَن يثق به عنه، وهو معروفٌ مشهورٌ عن ذلك الشيخ. أو لأنه سمعه مِمَّن ليس مِن شرط الكتاب، فنَبَّهَ على ذلك الحديث بتسميةِ مَن حَدَّثَ به، لا على جهة التحديث به عنه». اهـ قلتُ: أمَّا الوجه الأول فليس كما فَهِمَه ابن حجر، وإنما هو متعلِّقٌ بعُلُوِّ إسناده لا بالرواية عن شيخه بواسطة. وأمَّا الوجه الثاني هنا فهو المتعلِّق بالرواية عن شيخه بواسطة، لأنَّ قول الإسماعيلي: «لا على وجه التحديث به عنه» صريحٌ في أنَّ هذا الراوي هو مِمَّن يُحَدِّث عنهم البخاريُّ. فإنه إذا قال: «قال فلان» وفلانٌ هذا مِن شيوخه المعروف بالرواية عنهم، فقد يُظَنُّ أن البخاري قَصَدَ اتصال سنده به، وليس الأمر كذلك.

وما ذهب إليه الإسماعيلي في مسألتنا هذه هو الأشبه بالصواب، وهو أنَّ البخاري لَمْ يَسمع هذه الأحاديث مِن شيوخه وإنما أخذها عنهم بواسطةِ رواةٍ ليسوا مِن شرط كتابه: إمَّا أقران له سمعوا مِن ذلك الشيخ ما لَمْ يَسمعه، وإمَّا رواة ليسوا مِمَّن يَحتجُّ بهم. وإنك إذا تأمَّلْتَ الضرب الثاني مِن القسم الأول مِن تعاليقه عن شيوخه – وهو ما علَّقه عنهم في موضعٍ وأسنده بواسطةٍ عنهم في موضعٍ آخر - لعلمتَ مصداق ذلك: لأنه لَمَّا كان الواسطةُ في تلك الأحاديث على شرطه، ذَكَرَه صريحًا في الموضع المسند. فعُلم مِن المعلَّقات التي لَمْ يُسندها أنه سمعها مِمَّن ليس على شرطه، إذ لو كان الواسطةُ فيها على شرطه لأسندها ولَمْ يُعلِّقها عن هؤلاء الشيوخ. والله أعلم.

ويترتب على هذا الأمر معرفة ما إذا كانت هذه التعاليق على شرط البخاري في صحيحه أم لا، وذلك بالوقوف على مقصد البخاري مِن إيرادها والغرض الذي لأجله علَّقها ولَمْ يأتِ بها مسندةً كغيرها مِن أحاديث كتابه. وهو ما سنتناوله في المبحث التالي.

----------------------------------------
[1]- الكواكب الدراري 20/147.
[2]- نكت الزركشي 2/52.
[3]- التوضيح لشرح الجامع الصحيح 27/665.
[4]- السابق 11/266. وقد ظنَّ أنَّ أبا كامل مِن شيوخ البخاري، وليس كذلك وإنما هو مِن شيوخ مسلم.
[5]- التقييد والإيضاح ص91.
[6]- نكت ابن حجر 1/325.
[7]- تغليق التعليق 2/10.
[8]- فتح الباري 6/310. وقد ظَنَّ أنَّ البخاري علَّقهذا الحديث عن موسى، وليس كذلك. لكن قد علَّق البخاري عن موسى غير هذا الحديث كما مَرَّ عليك في الضرب الأول مِن القسم الأول. فالجواب صحيح، والتمثيل خاطئ.
[9]- فتح الباري 1/156.
[10]- هدى الساري ص17.
[11]- صحيح البخاري 3916.
[12]- صحيح البخاري 2781.
[13]- صحيح البخاري 3359.
[14]- نكت الزركشي 2/51 واللفظ له ونكت ابن حجر 2/599.
[15]- قوله: »عن فلان« ليس عند الزركشي.
[16]- قوله: »مِمَّن يثق به« سقط لابن حجر، لكنه استدركه في مقدمة الفتح لكن سقط له هناك قوله «عاليًا»!
[17]- مقدمة ابن الصلاح ص68.
[18]- نكت الزركشي 2/51.
[19]- إصلاح كتاب ابن الصلاح ص127.
[20]- نكت ابن حجر 2/599.
[21]- هُدى الساري ص17.
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 30-11-13, 10:05 PM
محمد الروسي محمد الروسي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 02-05-11
الدولة: مصري
المشاركات: 59
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

أحسنت جزاك الله خيرا
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 30-11-13, 10:28 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أبو عبد الرحمن بن عبد الفتاح مشاهدة المشاركة
بارك الله فيك و سدد خطاك وفى انتظار المتابعة
وبارك فيكم أخي الفاضل وحفظكم ونفعنا وإياكم.
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 30-11-13, 10:29 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة محمد الروسي مشاهدة المشاركة
أحسنت جزاك الله خيرا
وجزاكم وأحسن إليكم أخي الفاضل ووفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 30-11-13, 11:14 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

التعليق وشرط البخاري في الإسناد

هل ما علَّقه البخاري بصيغة الجزم داخلٌ في شرط الصحيح أم لا؟ الجواب عن هذه المسألة يكون مِن ناحيتين: شَرْط الكتابِ في اتصال السند، وشَرْطه في الاحتجاج بالرواة. ففائدة الأولى معرفة الفارق بين الأحاديث المسندة والأحاديث المعلَّقة مِن حيث مقصود الكتاب وطريقة الإيراد، وفائدة الثانية معرفة الفارق بين الرواة الذين أَخْرَج لهم البخاري تحديثًا والرواة الذين أَخْرَج لهم تعليقًا.

شرط الكتاب هو الأحاديث المسندة
شَرْطُ البخاريِّ في صحيحه قد أشار إليه في عنوان الكتاب، فقد سَمَّاه «الجامع المسند الصحيح المختصر مِن أمور رسول الله r وسُنَنِه وأيامِه». وعَنَى بقوله «المسند» ما اتصل سنده مِنه إلى النبي r، فخَرَجَتْ بذلك الأحاديث المعلَّقة والآثار الموقوفة لأنها كما قال ابن حجر([1]): «تُبايِن أَصْلَ موضوعِ الكتاب». اهـ فعُلم أنَّ المعلَّقات والموقوفات ليست مقصودةً في الصحيح، وإنما ذَكَرَها البخاري استئناسًا واستشهادًا، ولذلك ميَّز بين سياقتها وسياقة الأصل.

قال ابن حجر([2]): «فالمقصود مِن هذا التصنيف بالذات هو الأحاديث الصحيحة المسندة وهي التي ترجم لها، والمذكور بالعَرَض والتَّبَع الآثار الموقوفة والأحاديث المعلَّقة». اهـ وقال عن الصحيحين([3]): «موضوع الكتابين إنما هو للمسندات، والمعلَّقُ ليس بمسند. ولهذا لَمْ يتعرَّض الدارقطنيُّ فيما تتبَّعه على الصحيحين إلى الأحاديث المعلَّقة التي لَمْ توصل في موضعٍ آخر، لِعِلْمِه بأنها ليست مِن موضوع الكتاب وإنما ذُكرت استئناسًا واستشهادًا». اهـ فهذا صريحٌ مِن ابن حجر في أنَّ حُكْمَ ما أسنده البخاري ليس كحُكْمِ ما عَلَّقه لِتَبايُن الغرض مِن كِلَيهما.

اصطلاح البخاري في إسناد ما هو على شرطه
قال ابن حجر في عُدول البخاري عن صيغة التحديث إلى صيغة التعليق([4]): «ظَهَرَ لي أنَّ البخاري مع ذلك فيما يورده مِن تراجم الأبواب على أطوار. إنْ وَجَدَ حديثًا يناسب ذلك الباب ولو على وجهٍ خفيٍّ ووافق شَرْطَه، أورده فيه بالصيغة التي جعلها مصطلحةً لموضوع كتابه وهي (حدثنا) وما قام مقام ذلك، والعنعنة بشرطها عنده. وإنْ لَمْ يَجِدْ فيه إلاَّ حديثًا لا يوافِق شَرْطَه مع صلاحيته للحُجَّة، كَتبه في الباب مغايرًا للصيغة التي يسوق بها ما هو مِن شرطه، ومِن ثمَّة أَوْرَد التعاليق». اهـ فهذا صريحٌ مِنه في أنَّ الصيغة التي اصطلح عليها البخاري في إسنادِه أحاديثَه التي على شرطه هي الصيغة الصريحة التي يستخدمها عن شيوخه، بأنْ يقول: «حدثنا» أو «أخبرنا» ونحو ذلك. فإنْ أراد ذِكْرَ حديثٍ يَصْلُح للاحتجاج في الباب ولكنه ليس على شرطه، أورده بصيغة التعليق لِيُمَيِّزَه عن الأصول المعتمدة.

أوَّل مَن لَمْ يَجعل التعاليق على شرط الصحيح
كان أوَّلَ مَن نَبَّه على هذا الصنيع هو أبو بكر الإسماعيلي في مستخرجه على صحيح البخاري، فكان يقول في تعاليق البخاري: «أخرجه بلا خبر» يعني لَمْ يُسنده. ولِعِلْمِه بأنَّ هذا التعليق قد أَخَلَّ باتصال السند، لَمْ يَجْعَلْه الإسماعيليُّ على شرط الصحيح حتى وإن كان الراوي المعلَّقُ عنه مِن شيوخ البخاري. فتجده يقول في حديثٍ لجرير بن حازم علَّقه البخاري عن شيخه أصبغ بن الفرج([5]): «لَمْ يُخرج البخاريُّ في الباب حديثًا صحيحًا على شرطه: أمَّا حديث حماد بن زيد .. فجاء به موقوفًا .. وأمَّا حديث جرير بن حازم، فذكره بلا خبر. وأمَّا حديث حماد بن سلمة، فليس مِن شرطه في الاحتجاج». اهـ

فهذا القول صريحٌ في بيان مذهب الإسماعيلي في معرفة شرط البخاري في كتابه: إذ نَصَّ على أنَّ الآثار الموقوفة، والأحاديثَ التي علَّقها البخاري عن شيوخه وبالتالي مَن فوقَهم، والرواةَ الذين استشهد بهم – جميع ذلك ليس على شرطه. وهذا هو الصواب في هذه المسألة، وهو ما قرَّره ابن حجر كما سَلَفَ، وإنْ خالَفَ بعضَه لاحقًا كما ستعرف.

وكان العلماء قَبْلَ ابن الصلاح كما سيتبيَّن لك موافقين للإسماعيلي فيما ذَهَبَ إليه وقرَّره، فمِنهم مَن اكتفى بالتنبيه على انقطاع السند ومِنهم مَن تكلَّم على شرط البخاري في صحيحه. فقال ابن القطان في أحد الأحاديث([6]): «وهذا إنما هو شيءٌ علَّقه البخاريُّ ولَمْ يُوصل إسنادَه. وهو دائبًا يُعَلِّق في الأبواب مِن الأحاديث ما ليس مِن شرطه، ويَكتب توصيلَ بعضِ ذلك الرواةُ عنه في حاشيةِ الموضع، ولا يُعَدُّ ذلك مِمَّا أَخرجَ». اهـ وقال أبو العباس القرطبي عصريُّ ابنِ الصلاح في رسالته في السماع عن حديث المعازف الذي علَّقه البخاري عن شيخه هشام بن عمار([7]): «لكنه لَمْ يُسنده ليُفرِّق به بين ما كان على شرطه في أصل الكتاب وبين ما ليس كذلك». اهـ

قول ابن الصلاح واعتراض مغلطاي عليه
أمَّا ابن الصلاح فقد ذهب إلى أنَّ جميع التعاليق المجزوم بها هي على شرط البخاري في صحيحه إلاَّ القليل مِنها، مع جَعْلِ ما علَّقه عن شيوخه على شرطه. فيقول([8]): «التعليق الذي يذكره أبو عبد الله الحميدي صاحبُ الجمع بين الصحيحين وغيرُه مِن المغاربة في أحاديث مِن صحيح البخاري قَطَعَ إسنادَها - وقد استعمله الدارقطني مِن قبل - صورته صورة الانقطاع، وليس حُكْمُه حُكْمَه. ولا خارجًا ما وُجد ذلك فيه مِنه مِن قبيل الصحيح إلى قبيل الضعيف، وذلك لِمَا عُرِف مِن شَرْطِه وحُكْمِه». اهـ وقال أيضاً([9]): «ما يتقاعد مِن ذلك عن شرط الصحيح قليل». اهـ وقال عن حديث المعازف الذي علَّقه البخاري عن شيخه([10]): «والحديث صحيحٌ معروف الاتصال بشرط الصحيح». اهـ

إلاَّ أنَّ مغلطاي اعترض عليه في قوله هذا، فقال([11]): «ولَمَّا أعاد ذِكْرَ التعليق بقوله: "صورته صورة الانقطاع، وليس حُكمُه حُكمَه. ولا خارجًا ما وُجد ذلك فيه مِنه مِن قبيل الصحيح إلى قبيل الضعيف، وذلك لِمَا عُرف مِن شَرْطِه". انتهى. الذي عُرف مِن شرط البخاري يَرُدُّ هذا القولَ، وهو قوله: (المسند الصحيح). وهذا ليس بمسندٍ، فلا يكون صحيحًا». اهـ فحَكَمَ على جميع المعلَّقات بأنها ليست على شرط الصحيح، فدَخَلَ في ذلك ما علَّقه عن شيوخه. وقول مغلطاي هذا موافقٌ لمذهب المتقدِّمين على ابن الصلاح.

اضطراب ابن حجر في هذه المسألة
تعقَّبَ ابنُ حجر ابنَ الصلاح في قوله السابق فيما علَّقه البخاري عن غير شيوخه فقال([12]): «الذي يتقاعد عن شرط البخاري مِن التعليق الجازم جملةٌ كثيرة». اهـ لكنه وافقه في كون ما علَّقه عن شيوخه هو على شرطه في الصحيح. فبَعْدَ أنَّ قسَّم ابنُ حجر التعاليقَ الجازمة إلى ما يلتحق بشرط البخاري وما لا يلتحق، قال([13]): «أمَّا ما يلتحق، فالسبب في كونه لَمْ يوصل إسناده: إمَّا لكونه أخرج ما يقوم مقامه ... وإمَّا لكونه لَمْ يحصل عنده مسموعاً، أو سمعه وشكَّ في سماعه له مِن شيخه، أو سمعه مِن شيخه مذاكرةً. فما رأى أنه يسوقه مساق الأصل، وغالب هذا فيما أورده عن مشايخه ... وقد استعمل المصنف هذه الصيغة فيما لَمْ يسمعه مِن مشايخه ... وأمَّا ما لا يلتحق بشرطه: فقد يكون صحيحاً على شرط غيره ... إلخ». اهـ فجَعَلَ تعاليق البخاري عن شيوخه على شرطه.

ولكنه مع ذلك اضطرب في كيفية سياق التعاليق التي هي على شرط البخاري: فتارةً يقول إنَّ البخاري لا يسوقها في صحيحه سياق الأصل، وتارةً يقول إنه يسوقها سياقه! فبعد أن نَصَّ على مغايرة البخاري لسياق هذه المعلَّقات بقوله هنا: «فما رأى أنه يسوقه مساق الأصل»، إذا به يقول في موضعٍ لاحق([14]): «إلاَّ أنَّ منها ما هو على شرطه، فساقه سياق أصل الكتاب. ومنها ما هو على غير شرطه، فغاير السياق في إيراده ليمتاز». اهـ فتناقَضَ القَوْلان.

على أنه أمعن في التناقض، حيث جاء هذان القولان مِنه على غير وفق ما قاله في هذه المسألة أولاً. فقد قال كما سلف: «وإنْ لَمْ يَجِدْ فيه إلاَّ حديثًا لا يوافِق شَرْطَه مع صلاحيته للحُجَّة، كَتبه في الباب مغايرًا للصيغة التي يسوق بها ما هو مِن شرطه، ومِن ثمَّة أَوْرَد التعاليق». اهـ ففيه قرَّر أنَّ الحديث إذا كان على شرط البخاري أخرجه بصيغة التحديث، أمَّا إذا كان على غير شرطه غاير سياقه وأخرجه بصيغة التعليق. فهذا صريحٌ مِنه في أنَّ ما غايرَ البخاريُّ سياقه عن سياق الأصل فليس هو على شرطه، وبما أنَّ الأحاديث المعلَّقة قد غايرَ البخاريُّ سياقها، فهي ليست على شرطه إذن. فانظر إلى هذا التضارب .. مع أنه أورد هذه الأقوال في ذات الكتاب الواحد!

وإمعانًا في التضارب أيضًا، جاءت أقواله في هذه التعاليق على غير وفق ما قاله في صيغة «قال لنا». فقد قرَّر هناك أنَّ هذه الصيغة يسوق بها البخاري ما ليس على شرطه، فقال([15]): «سبب استعماله لهذه الصيغة ليفرِّق بين ما يبلغ شرطه وما لا يبلغ». اهـ وبالتالي غايَرَ البخاريُّ سياق هذه الأحاديث في صحيحه عن سياق الأصول، فقال ابن حجر([16]): «فيخرج ذلك حيث يحتاج إليه عن أصل مساق الكتاب». اهـ فإذا كان هذا هو حال هذه الصيغة الصريحة في الاتصال عند ابن حجر، فكيف به يَرفع صيغةَ التعليق هذه فوقها مع إقراره بأنها أضعف مِنها!

والأشبه بالصواب مِن هذه الأقوال هو قول الإسماعيلي ومَن وافقه، وهو موافقٌ لصنيع البخاري في كتابه ونَصِّ عنوانه. ومَن خالَفَه مِن المتأخرين في ذلك لَمْ يَصنع شيئًا.

----------------------------------------
[1]- هدى الساري ص4.
[2]- السابق ص19.
[3]- السابق ص346.
[4]- السابق ص8-9.
[5]- فتح الباري 9/590.
[6]- بيان الوهم والإيهام 4/178.
[7]- كشف القناع عن حُكم الوجد والسماع ص36. وهو مع ذلك حَكَم بصحة هذه التعاليق كما ستعرف.
[8]- مقدمة ابن الصلاح ص67.
[9]- السابق ص26.
[10]- السابق ص68.
[11]- إصلاح كتاب ابن الصلاح ص126.
[12]- نكت ابن حجر 1/342.
[13]- هدى الساري ص17.
[14]- السابق ص346.
[15]- فتح الباري 1/156.
[16]- نكت ابن حجر 2/601.
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 01-12-13, 01:03 AM
محمد محمد طه أمين محمد محمد طه أمين غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 21-12-10
الدولة: جمهورية مصر العربية
المشاركات: 539
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

أحسنت بارك الله فيك
هذا التحرير مبارك دقق أكثر لتخرج لآلئ طالما غفل عنها مقلدون أحسنوا الظن بالقول الشائع دون مراجعة ولا مقابلة
وهذه آفة في كل الفنون
فأكمل متابعون معك
نفع الله بك
__________________
أبو البراء محمد
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 01-12-13, 01:21 AM
محمد محمد طه أمين محمد محمد طه أمين غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 21-12-10
الدولة: جمهورية مصر العربية
المشاركات: 539
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

أسباب ذكرها العلماء في الاجابة عن لماذا يعلق البخاري أو غيره
تنبيه ( هذه الأسباب مستقاه من مشاركات مضت ) فأرجو بيان النظر وتحرير القول فيها نفع الله بك
قال ابن القيم في كتابهإغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ( ص 262 ) تحقيق مجدي السيد في الجواب عن علة حديث المعازف وسبب التعليق عند البخاري:(( الثاني :
أنه لو لم يسمع منه فهو لم يستجز الجزم به عنه إلا وقد ( صَـحَّ ) عنه أنه حدَّث به ، وهذا كثيراً ما يكون لكثرة الرواة عنه عن ذللك الشيخ وشهرته ، فالبخاري أبعد الناس عن التدليس)).
وقال النووي رحمه الله في كتابه ((إرشاد طلاب الحقائق)) ((1/196)): (( و الحديث صحيح معروف الاتصال بشرط الصحيح، و البخاري قد يفعل ذلك لكون الحديث معروفا من جهة الثقات عن من علقه عنه((
قلت بارك الله فيك في موضع سابق مت تعليق على الموضوع
(( أما ما يلتحق: فالسبب في كونه لم يوصل إسناده:
-
إما لكونه أخرج ما يقوم مقامه، فاستغنى عن إيراد هذا مستوفى السياق، ولم يهمله بل أورده بصيغة التعليق طلباً للاختصار.
-
وإما لكونه لم يحصل عنده مسموعاً،))
__________________
أبو البراء محمد
رد مع اقتباس
  #20  
قديم 01-12-13, 12:00 PM
عبدالله العفري عبدالله العفري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 24-09-12
المشاركات: 105
افتراضي رد: تعاليق البخاري عن شيوخه مع الكلام على حديث المعازف

بسم الله ما شاء الله ...
متابع اخي الحبيب ...
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:44 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.