ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الحديثية
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #21  
قديم 08-01-15, 09:27 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: أقوال الأئمة في الحديث الشاذ قبل الحاكم

محمد بن الحسن الشيباني [ت 189 هـ]
كان محمد بن الحسن إمامًا في الفقه على طريقة أستاذيه أبي حنيفة وأبي يوسف، ولم يكن في الحديث بذاك. وأخذ عنه الشافعي وكان معظمًا له. وقد روى الربيع عن الشافعي قال([1]): «حملتُ عن محمد بن الحسن وقر بختي كتبًا». اهـ وقال إبراهيم الحربي([2]): «سألت أحمد بن حنبل قلت: هذه المسائل الدقاق مِن أين لك؟ قال: مِن كُتب محمد بن الحسن». اهـ وروى رستة عن عبد الرحمن بن مهدي قال([3]): «دخلتُ على محمد بن الحسن صاحب الرأي، فرأيت عنده كتابًا موضوعًا. فأخذته ونظرت فيه، فإذا هو قد أخطأ وقاس على الخطأ. قلت: ما هذا؟ قال: "هذا حديث أبي خلدة, عن أبي العالية: في الدود يخرج مِن الدبر". وقد تأوَّله على غير تأويله، وقاس عليه. فقلت: هذا ليس هكذا! قال: "كيف هو؟". فأخبرته، قال: "صدقتَ". ثم جاء بالمقراض فقرض مِن كتابه كثيرًا وكذا مِن ورقه». اهـ

وقد وقع في كلام محمد بن الحسن وصفه للحديث بالشذوذ: فقد رَوَى عن أبي يوسف، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: قصة عتق بريرة([4]). ثم أعقبه بحديث ابن مسعود في اشتراط الولاء وقول عمر له([5]). ثم قال محمد([6]): «وكان حديث عمر أوثق عندنا، وكان عمر أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن عائشة رضي الله عنها. ونرى أنَّ حديث هشام هذا وهمٌ مِن هشام، لأنه لا يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بباطل ولا يغرِّر. ولا يُعرف حديث هشام، وهو عندنا شاذ مِن الحديث». اهـ

وقد روى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة في صلاة الاستسقاء قال([7]): «بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه خرج فدعا، وبلغنا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أنه صعد المنبر فدعا واستسقى. ولم يبلغنا في ذلك صلاة، إلا حديثًا واحدًا شاذًّا لا يؤخذ به». اهـ وهذا مِمَّا فاتني ذِكْره في أقوال أبي حنيفة.

فمحمد بن الحسن قد تَبِعَ أبا حنيفة وأبا يوسف في الحُكم بالشذوذ على الحديث الذي يخالف الأصول وإن كان روايه مِن الثقات، فصار في عداد الأحاديث المردودة التي لا يؤخذ بها. وغنيٌّ عن البيان أنَّ مَن يحتج بأفراد الثقات أو مَن يَجمع بين المتون المتعارضة فإنه لا يسلِّم بالشذوذ المذكور، وإنما يجيء هذا عند مَن يرى الترجيح. ولهذا فقد خالَفَ محمدُ بن الحسن نفسُه أستاذَه في صلاة الاستسقاء، فأخذ بالأحاديث المروية في الباب وجمع بينها وبين غيرها مِن الآثار. وإنما المقصود مِن إيرادنا لأقوال الأئمة هو معرفة مرادهم مِن الحديث الشاذ.
----------------------------------------
[1]- تاريخ بغداد للخطيب 2/173.
[2]- تاريخ بغداد للخطيب 2/174.
[3]- ضعفاء العقيلي 4/52.
[4]- موطأ مالك 2265 وصحيح البخاري 2168 وصحيح مسلم 1504.
[5]- موطأ مالك 1801.
[6]- الأصل لمحمد بن الحسن الشيباني ط الأوقاف القطرية 6/380.
[7]- الأصل لمحمد بن الحسن 1/365.
رد مع اقتباس
  #22  
قديم 08-01-15, 10:50 PM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: أقوال الأئمة في الحديث الشاذ قبل الحاكم

عبد الرحمن بن مهدي [ت 198 هـ]
روى يعقوب بن إبراهيم الدورقي عن ابن مهدي قال([1]): «لا يكون الرجل إمامًا مَن يسمع مِن كل أحد، ولا يكون إمامًا في الحديث مَن يحدِّث بكل ما سمع، ولا يكون إمامًا في الحديث مَن يتبع شواذ الحديث، والحفظ هو الإتقان». اهـ

وقول ابن مهدي فيه تحذير مِن الاعتداد بالأحاديث الشاذة، وهو متوافق مع ما ورد عن السلف في التنفير مِن شاذ العلم. ويظهر مِن قول ابن مهدي ما يستفاد به في معرفة الشذوذ عنده على المعنى الذي وجدناه في كلام شعبة، ويكون المقصود هو الأحاديث الغريبة المنكرة. وقد أخرج مسلم في مقدمة صحيحه بعضًا مِن كلام ابن مهدي هذا، ثم أعقبه بقول إياس بن معاوية([2]): «إياك والشناعة في الحديث، فإنه قَلَّما حملها أحد إلا ذل في نفسه وكذِّب في حديثه». اهـ قال القاضي عياض([3]): «معناه: أن يأتي منه بما يُنكَر ويقبح الحديث عنه .. حذَّره بهذا أن يحدِّث بالأحاديث المنكرة التي يشنع بها الحديث وينكر ويقبح على صاحبه، فيكذَّب ويُستراب فتسقط منزلته ويذل فى نفسه». اهـ وهو كقول أبي يوسف([4]): «لا تكثروا مِن الحديث الغريب الذي لا يجيء به الفقهاء، وآخر أمر صاحبه أن يقال له كذاب». اهـ

فالأحاديث الشاذة عند ابن مهدي مردودة ويجب التنكُّب عن روايتها، ويجب على العالِم أن يميز بينها وبين الأحاديث الصحيحة. فقد روى أبو قدامة عن ابن مهدي قال([5]): «إنَّ العالِم إذا لم يعرف الصحيح والسقيم مِن الحديث، لا يسمَّى عالمًا». اهـ فيمكن حَمْل كلام ابن مهدي المذكور آنفًا على الرواية والعمل، فيكون المعنى: أنَّ الرجل إذا أراد أن يكون إمامًا في السنة فعليه برواية المشهور مِن الأحاديث والأخذ به وتجنُّب الغرائب والمناكير فلا يرويها ولا يعمل بها. فمَن اتبع الأحاديث الشاذة واستعملها، فليس أهلاً أن يكون إمامًا في هذا الشأن.
----------------------------------------
[1]- الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 2/25.
[2]- صحيح مسلم 1/11.
[3]- إكمال المعلم للقاضي عياض 1/116.
[4]- شرف أصحاب الحديث للخطيب ص126.
[5]- الأباطيل والمناكير للجورقاني 1/135.
رد مع اقتباس
  #23  
قديم 09-01-15, 01:08 AM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: أقوال الأئمة في الحديث الشاذ قبل الحاكم

الشافعي [ت 204 هـ]
الإمام واضع الأصول في الفقه والحديث. روى ابن الفرجي عن علي بن المديني قال([1]): «قلت لمحمد بن إدريس الشافعي: أَجِبْ عبدَ الرحمن بن مهدي عن كتابه، فقد كتب إليك يسألك وهو متشوق إلى جوابك. فأجابه الشافعي، وهو كتاب الرسالة التي كتبت عنه بالعراق، وإنما هي رسالته إلى عبد الرحمن بن مهدي». اهـ وروى أبو قديد عن إسحاق بن راهويه قال([2]): «كتبتُ إلى أحمد بن حنبل وسألته أن يوجه إليَّ مِن كُتب الشافعي ما يدخل في حاجتي، فوجه إليَّ بكتاب الرسالة». اهـ

وقد استعمل الشافعي لفظ الشاذ في الحديث، وأفصح عن مقصوده بنفسه. وكلام الشافعي في هذا رواه ابن خزيمة([3]) وأبو حاتم وابنه([4]) والحسن بن إسحاق الخولاني ويحيى بن زكريا بن حيويه([5]) ومحمد بن سفيان المؤذن([6])، عن يونس بن عبد الأعلى، عن الشافعي. وليس هو في الرسالة، وإن كان ذَكَرَ معناه فيها على ما سيأتي. قال الشافعي([7]): «ليس الشاذ مِن الحديث أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره، هذا ليس بشاذ. إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثًا يخالف فيه الناس، هذا الشاذ مِن الحديث». لفظ ابن خزيمة. وعند أبي حاتم وغيره: «إنما الشاذ أن يروي الثقات حديثًا على نَصٍّ، ثم يرويه ثقة خلافًا لروايتهم، فهذا الذي يقال: شذ عنهم». اهـ

فهنا ينص الشافعي على أنَّ مطلق التفرد ليس بشذوذ، وإنما الشذوذ هو التفرد مع المخالفة. قال ابن رجب([8]): «وأمَّا الشافعي وغيره فيرون أنَّ ما تفرد به ثقة مقبول الرواية ولم يخالفه غيره، فليس بشاذ. وتصرُّف الشيخين يدل على مثل هذا المعنى». اهـ ولَمْ يتكلَّم الشافعي في تفرُّد الراوي الضعيف، فإنَّ الضعيف لا تقوم بحديثه حجة، بل تكلَّم في تفرُّد الثقة الذي يحتج أهل العلم بحديثه. والمخالفة التي ذكرها الشافعي هي أن يروي الثقة حديثًا بإسناده ومتنه على خلاف ما يرويه غيره مِن الثقات، فيكون انفراده عنهم دليلاً على خطئه. فالتعويل حينئذ إنما هو على الأحاديث الثابتة عند جماعة الثقات، ويُرَدُّ هذا الحديث المخالف. وقد نصَّ الشافعي على هذا في كتاب اختلاف الحديث، فقد ذكر أحاديث رفع اليدين في الصلاة ثم قال([9]): «وبهذه الأحاديث تركنا ما خالفها مِن الأحاديث، لأنها أثبت إسنادًا منه، وأنها عددٌ والعدد أولى بالحفظ مِن الواحد». اهـ ومِن هنا يقال للأحاديث الثابتة محفوظة وللحديث المخالف شاذ.

وقد اشترط الشافعي في الرسالة أن يكون الراوي مِمَّن يوافق الثقات في أحاديثهم، فلا يحدِّث عن النبي صلى الله عليه وسلم بما يخالف أحاديث الثقات، وهذا هو الشذوذ عنده. يقول الشافعي([10]): «إذا شرك أهلَ الحفظ في حديث، وافق حديثهم. بريًّا مِن أن يكون مدلسًا يحدِّث عن من لقي ما لم يسمع منه، ويحدِّث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يحدِّث الثقات خلافه عن النبي صلى الله عليه وسلم». اهـ قال ابن رجب([11]): «وهذا الذي ذكره معنى قول كثير مِن الأئمة الحفاظ في الجرح في كثير مِن الرواة: يحدث بما يخالف الثقات، أو يحدث بما لا يتابعه الثقات عليه. لكن الشافعي اعتبر أن لا يخالفه الثقات، ولهذا قال بعد هذا الكلام: "بريئًا أن يحدِّث عن النبي صلى الله عليه وسلم بما يحدث الثقات خلافه". وقد فسَّر الشافعيُّ الشاذَّ مِن الحديث بهذا. قال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: "ليس الشاذ مِن الحديث أن يروي الثقة حديثًا لم يروه غيره، إنما الشاذ مِن الحديث أن يروي الثقات حديثًا فيشذ عنهم واحد فيخالفهم"». اهـ

وبهذا يكون الحديث الشاذ عند الشافعي جاريًا على المعنى الذي وضعه أبو حنيفة وسار عليه أبو يوسف ومحمد بن الحسن مِن بعده، وهو متعلِّق بمتن الحديث لا إسناده.
----------------------------------------
[1]- الانتقاء لابن عبد البر ص72.
[2]- الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 7/204.
[3]- معرفة علوم الحديث للحاكم ط ابن حزم ص375.
[4]- آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم ص178.
[5]- الكامل لابن عدي ط الرشد 1/291.
[6]- مناقب الشافعي للبيهقي 2/30.
[7]- معرفة علوم الحديث للحاكم ط ابن حزم ص375.
[8]- شرح علل الترمذي لابن رجب 2/659.
[9]- اختلاف الحديث للشافعي ملحقًا بالأم 8/634.
[10]- الرسالة للشافعي ص369.
[11]- شرح علل الترمذي لابن رجب 2/582.
رد مع اقتباس
  #24  
قديم 09-01-15, 02:05 AM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: أقوال الأئمة في الحديث الشاذ قبل الحاكم

عيسى بن أبان [ت 221 هـ]
تلميذ محمد بن الحسن. نقل أبو بكر الجصاص مِن كتابه "الحجج الصغير" قال([1]): «إذا رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث خاص وكان ظاهرُ معناه بيان السنن والأحكام أو كان ينقض سنة مجمعًا عليها أو يخالف شيئًا مِن ظاهر القرآن، فكان للحديث وجه ومعنى يُحمل عليه لا يخالف ذلك، حُمل معناه على أحسن وجوهه وأشبهه بالسنن وأوفقه لظاهر القرآن. فإن لم يكن معنى يحمل ذلك، فهو شاذ». اهـ

وقال أبو بكر الجصاص([2]): «فمِن العلل التي تُرَدُّ بها([3]) أخبار الآحاد عند أصحابنا ما قاله عيسى بن أبان: ذَكَرَ أنَّ خبر الواحد يُرَدُّ لمعارضة السنة الثابتة إياه، أو أن يتعلق القرآن بخلافه فيما لا يحتمل المعاني، أو يكون مِن الأمور العامة فيجيء خبر خاص لا تعرفه العامة، أو يكون شاذًّا قد رواه الناس وعملوا بخلافه». اهـ

فيؤخذ مِن هذين النقلين أنَّ الحديث الشاذ عند عيسى بن أبان هو الحديث المخالف لظاهر القرآن أو للسنة الثابتة ولم يكن له وجه يُحمل عليه أو ما عمل الناس بخلافه. وهذا هو ما سار عليه الحنفية في مذهبهم، فلا نطيل ببيانه. ومِن علمائهم الداخلين في شرط هذا البحث: أبو جعفر الطحاوي [ت 321 هـ]([4]) وأبو بكر الجصاص [ت 370 هـ]([5])، وفيما ذكرته عن أئمتهم غُنية.
----------------------------------------
[1]- الفصول في الأصول للجصاص 1/156.
[2]- الفصول في الأصول للجصاص 3/113.
[3]- في المطبوع: «يردها». ولعلَّ ما أَثبته هو الأشبه بالصواب.
[4]- شرح معاني الآثار للطحاوي 7307.
[5]- أحكام القرآن للجصاص ط إحياء التراث العربي 3/257 و 4/384.
رد مع اقتباس
  #25  
قديم 09-01-15, 03:43 AM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: أقوال الأئمة في الحديث الشاذ قبل الحاكم

أبو عبيد القاسم بن سلام [ت 224 هـ]
قال أبو عبيد في الحروف السبعة وأنها سبع لغات مِن لغات العرب([1]): «وقد رُوي في حديثٍ خلافُ هذا. قال: "نزل القرآن على سبعة أحرف: حلال وحرام، وأمر ونهي، وخبر ما كان قبلكم، وخبر ما هو كائن بعدكم، وضرب الأمثال". ولسنا ندري ما وجه هذا الحديث لأنه شاذ غير مسند، والأحاديث المسندة المثبتة ترده». اهـ وهذا الحديث أخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن([2]) مِن طريق الزهري، عن سلمة بن أبي سلمة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقول أبي عبيد: «غير مسند» يعني أنه منقطع بين أبي سلمة بن عبد الرحمن والنبي صلى الله عليه وسلم. ومِن الرواة مَن يسنده عن أبي سلمة، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم([3]). وهو منقطع أيضًا.

وقال أبو عبيد([4]): «وقد رَوَى بعضهم عن حذيفة حديثًا شاذًّا: "أنه تزوج مجوسية". وهذا لا أصل له فيما نرى، ولا يصدق بمثله على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه خلاف التنزيل وما عليه أهل الإسلام. وإنما المعروف عن حذيفة نكاحه اليهودية. فلعلَّ المحدِّث أرادها، فأوهم». اهـ قال أبو بكر المروزي([5]): «سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عون، عن محمد: "أنَّ حذيفة تزوج مجوسية"، فأنكره وقال: الأخبار على خلافه. قلت لأبي عبد الله: ثبت عندك؟ قال: لا». اهـ

فيظهر مِن كلام أبي عبيد أنَّ الحديث الشاذ عنده هو الحديث المخالف للقرآن أو للأحاديث الثابتة أو لِمَا أجمع عليه المسلمون، وحُكمُه عنده الرد. وصنيعه مع هذين الحديثين المذكورين آنفًا يدل على أنَّ الشذوذ عنده متعلق بالمتن، فإنَّ حديث الأحرف السبعة لا يثبت مِن جهة إسناده بإقراره، فدلَّ على أنه أراد بطلان متنه. وبهذا يكون الشاذ عند أبي عبيد موافقًا لِمَا عليه أبو حنيفة وأصحابه والشافعي أيضًا.
----------------------------------------
[1]- غريب الحديث للقاسم بن سلام 3/160.
[2]- فضائل القرآن للقاسم بن سلام ص100.
[3]- تفسير الطبري 1/68 وشرح مشكل الآثار للطحاوي 3102 وصحيح ابن حبان 745 ومستدرك الحاكم 3144.
[4]- الناسخ والمنسوخ للقاسم بن سلام ص100.
[5]- أحكام أهل الملل للخلال ص160 والسنن الكبرى للبيهقي 13988.
رد مع اقتباس
  #26  
قديم 09-01-15, 04:12 AM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: أقوال الأئمة في الحديث الشاذ قبل الحاكم

ابن سعد [ت 230 هـ]
ذكر ابن سعد صاحب الطبقات تأريخ يوم بدر، فأورد حديثًا لابن عباس أنه كان يوم الجمعة، ثم حديثًا لعامر بن ربيعة أنه كان يوم الاثنين، وحديثين أنه كان يوم الجمعة. ثم قال([1]): «وهذا الثبت أنه يوم الجمعة، وحديث يوم الاثنين شاذ». اهـ

فيظهر مِن كلام ابن سعد أنه حَكَمَ على حديث عامر بن ربيعة بالشذوذ لكونه مخالفًا للآثار المشهورة، وهو ما عليه أصحاب المغازي أيضًا. ولم يرجح ابن سعد بين هذه الروايات مِن حيث السند بل المتن، فدلَّ هذا على أنَّ الحديث الشاذ عنده هو ما يخالف الثابت مِن الأحاديث. وهو في هذا موافق لاستعمال أبي حنيفة والشافعي كما أسلفناه.
----------------------------------------
[1]- طبقات ابن سعد ط الخانجي 2/19.
رد مع اقتباس
  #27  
قديم 09-01-15, 04:48 AM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: أقوال الأئمة في الحديث الشاذ قبل الحاكم

يحيى بن معين [ت 233 هـ]
قال حسين بن حبان([1]): «قلت ليحيى بن معين: ما تقول في رجل حدَّث بأحاديث منكرة فَرَدَّها عليه أصحابُ الحديث، إن هو رجع عنها وقال: ظننتها، فأمَا إذْ أنكرتموها ورددتموها عليَّ فقد رجعتُ عنها؟ فقال: لا يكون صدوقا أبدًا! إنما ذلك الرجل يشتبه له الحديث الشاذ والشيء ويرجع عنه. فأمَّا الأحاديث المنكرة التي لا تشتبه لأحد، فلا». اهـ

هنا يفرِّق ابن معين بين الحديث الشاذ والحديث المنكر: فتجد الشاذ عنده مِمَّا يشتبه على الراوي، وأمَّا المنكر فلا يشتبه. وهذا يعني أنَّ الأحاديث المنكرة التي لا يرويها الثقات غير خافٍ على الرواة أنَّ التحديث بها مرذول، فمَن عمد إلى روايتها فقد شان نفسه واستلزم الطعن فيه. وهذا هو الذي سأل حسين بن حبان عنه ابن معين، فأجابه بأنَّ مِثل هذا الرجل لا يُقبل حديثه وإن رَجَعَ عنه. وإنما يُقبل من الراوي إذا رَجَعَ عن رواية الحديث الشاذ وغيره بعد أن يوقف عليه، لأنَّ الشاذ وغيره قد يشتبه على الراوي فيحدِّث به ولا يدري ما فيه مِن الخطأ.

وهذا التفريق مِن ابن معين مِن شأنه أن يميز بين رواي الحديث الشاذ ورواي الحديث المنكر: فإنَّ رواية الراوي للشاذ لا تطعن في عدالته، بخلاف روايته للمنكر. فالظاهر أنَّ الشاذ عند ابن معين هو بالمعنى الذي قرره الشافعي أنه رواية الثقة لحديث يخالف ما يرويه الثقات، لأنَّ المترتب عليه هو رد الحديث لا رد الراوي. أمَّا المنكر فالرد للحديث ولراويه كليهما. والله أعلم.
----------------------------------------
[1]- الكفاية للخطيب 1/118.
رد مع اقتباس
  #28  
قديم 09-01-15, 05:19 AM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: أقوال الأئمة في الحديث الشاذ قبل الحاكم

علي بن المديني [234 هـ]
روى أبو سلمة([1])، عن عطاء بن يسار، عن زيد بن خالد: أنه سأل عثمان بن عفان: «أرأيت إذا جامع الرجل امرأته ولم يُمْنِ؟ قال عثمان: "يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره". قال عثمان: "سمعته مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم". فسألتُ عن ذلك عليًّا والزبير وطلحة وأبي بن كعب رضي الله عنهم، فأمروه بذلك».

قال يعقوب بن شيبة([2]): «سمعت علي بن المديني وذكر هذا الحديث، فقال: إسناد حسن، ولكنه حديث شاذ غير معروف. قال علي: وقد رُوي عن عثمان وعلي وأبي بن كعب بأسانيد جياد أنهم أفتوا بخلافه». اهـ

ويظهر هنا مِن وَصْفِ ابنِ المديني للحديث بأنه شاذ أنه استعمله بالمعنى الذي قرره الشافعي، بدليل أنه لَمْ يطعن في رجاله. وإنما أبان عن سبب شذوذه وهو أنَّ المَرْوِيَّ عن هؤلاء الصحابة بخلاف ما رواه زيد بن خالد عنهم. فيكون الحديث الشاذ عند ابن المديني هو الحديث المخالف للأحاديث الثابتة، وهو في هذا موافق لاستعمال أبي حنيفة ومَن أخذ به.
----------------------------------------
[1]- صحيح البخاري 179 و 292 وصحيح مسلم 347.
[2]- الاستذكار لابن عبد البر 3/83.
رد مع اقتباس
  #29  
قديم 09-01-15, 05:40 AM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: أقوال الأئمة في الحديث الشاذ قبل الحاكم

أحمد بن حنبل [ت 241 هـ]
روى الحكم بن عتيبة([1])، عن عبد الله بن شداد، عن أسماء بنت عميس قالت: «لمَّا أصيب جعفر، أتانا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "تسلَّبي ثلاثًا ثم اصنعي ما شئت"».

قال الكوسج([2]): «سألت أحمد رضي الله عنه عن حديث أسماء بنت عميس رضي الله عنها - يعني: "تسلَّبي ثلاثًا ثم اصنعي ما شئت" - قال: هذا الشاذ مِن الحديث الذي لا يؤخذ به، ورُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم مِن كذا وجهًا خلافُ هذا الشاذ». اهـ

قال ابن رجب([3]): «ومن جملة الغرائب المنكرة الأحاديث الشاذة المطرحة، وهي نوعان: ما هو شاذ الإسناد .. وما هو شاذ المتن كالأحاديث التي صحت الأحاديث بخلافها، أو أجمعت أئمة العلماء على القول بغيرها. وهذا كما قاله أحمد في حديث أسماء بنت عميس: "تسلبي ثلاثاً، ثم اصنعي ما بدا لك": إنه مِن الشاذ المطرح». اهـ

فيظهر أنَّ أحمد قد استعمل الشاذ أيضًا بنفس استعمال الأئمة السابقين عليه، وهو أن يكون الحديث مخالفًا للأحاديث الصحيحة، فيُحكم بشذوذه ورَدِّه.
----------------------------------------
[1]- مسند أحمد 27468 وغيره.
[2]- مسائل أحمد وابن راهويه للكوسج 3392.
[3]- شرح علل الترمذي لابن رجب 2/624.
رد مع اقتباس
  #30  
قديم 09-01-15, 06:03 AM
أحمد الأقطش أحمد الأقطش غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 19-03-09
المشاركات: 2,705
افتراضي رد: أقوال الأئمة في الحديث الشاذ قبل الحاكم

محمد بن يحيى الذهلي [258 هـ]
روى أبو بكر المطرز عن محمد بن يحيى الذهلي قال([1]): «حديث حماد بن سلمة([2])، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أنَّ بلالاً أذَّن قبل طلوع الفجر": شاذ غير واقع على القلب، وهو خلاف ما رواه الناس عن ابن عمر». اهـ

ويظهر مِن كلام الذهلي أنَّ الشذوذ عنده مرتبط بالمخالفة، لأنه حكم على حديث حماد بأنه شاذ لمخالفته المحفوظ عن ابن عمر. فهو هنا لَمْ يَرُدَّ الحديث لإسناده، وإنما عَرَضَ متنه على الأحاديث الصحيحة الأخرى فوجده مخالفًا لها. وإذًا فالحديث الشاذ عند الذهلي هو أيضًا موافق لِمَا هو عند سابقيه، وهو على المعنى الذي استعمله أبو حنيفة.
----------------------------------------
[1]- السنن الكبرى للبيهقي 1799.
[2]- سنن أبي داود 532.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 09:15 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.