ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى أصول الفقه
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 31-05-03, 01:12 AM
عبدالله بن خميس عبدالله بن خميس غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-04-03
المشاركات: 885
افتراضي ضوابط للدراسات الفقهية لسلمان العودة

ضوابط
للدراسات الفقهية




تأليف
فضيلة الشيخ
سلمان بن فهد العودة
المشرف العام على موقع الإسلام اليوم


مقدمة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ.وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا الله فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [الحشر:18، 19].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا.يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70، 71].
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا الله الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1].
أما بعد:
فإن الله تعالى خلق الخلق: جِنَّهم، وإنسهم؛ لحكمة بينها سبحانه بقوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات:56]. فهو الخالق، وهو المعبود سبحانه، ومن يملك الخلق والرزق، والإحياء والإماتة، والضر والنفع هو الذي يملك الأمر والنهي، والحكم، والتحليل والتحريم؛ ولذلك قال تعالى: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ) [الأعراف:54].
ونعى سبحانه على المشركين اعترافهم له بالربوبية، وعدم التزام ما يترتب عليها؛ من الاعتراف بالألوهية والإفراد بالعبادة. جاء ذلك في آيات كثيرة كما في قوله تعالى: (قُلْ لِمَنِ الأرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.سَيَقُولُونَ لله قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ.قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ.سَيَقُولُونَ لله قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ.قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.سَيَقُولُونَ لله قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) [المؤمنون: 84 - 89] وغيرها.
فالله المتصرف المبدئ المعيد، هو المشرع الذي لا يجوز أن يُشْرَك معه في تشريعه أحد، ولا أن يقبل العباد شرعًا غير شرعه، قال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ الله) [الشورى:21]
وقال تعالى: (مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) [الكهف: 26]، وفي بعض القراءات: (وَلا تُشْرِكْ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا) على أنها خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ولأمته من بعده؛ يتضمن النهي عن الإشراك في الحكم؛ أي: النهي عن قبول حكم غير حكم الله، أو شرع غير شرعه.
وفي القرآن الكريم نجد صورتين متقابلتين متباينتين؟
الأولى: صورة المؤمن المسلِّم لربه، الممتثل لأمره، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فهذا يقف دائمًا بانتظار حكم الله تعالى، أو حكم رسوله، ثم يقول: سمعنا وأطعنا. ففي هذا الصنف يقول تعالى: (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.وَمَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ الله وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) [النور: 51، 52].
ويقول: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) [الأحزاب:36].
والثانية: هي صورة المنافق الذي يعبد هواه ومصلحته، ويتبع ما يوافقهما؛ فإن جاء شرع الله وأمره موافقًا لهواه أخذ به، لا لأنه شرع الله، ولكن لأنه موافق لهواه ومصلحته.
ولو كانت مصلحته وهواه في الكفر الصراح لأقدم عليه بلا تردد، وفي هذا الصنف يقول تعالى: (وَإِذَا دُعُوا إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ.وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ.أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ الله عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [النور: 48-50]، ويقول: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ الله عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا والآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) [الحج: 11].
وهناك آيات أخرى كثيرة في وصف هؤلاء العابدين لأهوائهم، الخابطين في عميائهم، المضطربين في ولائهم.
وخلاصة القول: إن المؤمن الذي اختار طريق الإسلام على طرق الكفر والنفاق؛ ليس له مع أمر الله ونهيه أمر ولا نهي، ولا مع حكم الله وقوله حكم ولا قول؛ إنما هو الإذعان والتسليم المطلق المجرد عن كل سبب أو دافع إلا طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والرضا بهما وبحكمهما.
فليس يعنيه أن يعرف حكمة هذا الأمر أو ذاك، أو مفسدة هذا المنهي عنه، أو مصلحة ضده؛ بل كل ما يعنيه أن يعرف: ما حكم الله في المسألة الفلانية؟ وما هي أمارة هذا الحكم ودليله؟ ثم ينقاد -بعد ذلك- انقياد الواثق المطمئن البصير.
وإذا كانت هذه الحقيقة الواضحة هي أسُّ الإسلام ولبه؛ فإنه يترتب عليها أن يدرك المؤمن المستسلم: أن لله تعالى في كل مسألة حُكمًا؛ عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وجهله من جهله.
وقد يكون هذا الحكم هو الإيجاب، أو الندب والاستحباب، أو الجواز والإباحة، أو الكراهة، أو التحريم، فهذه هي الأحكام الخمسة التي لا تخرج مسألة من المسائل عنها بحال من الأحوال.
ولذلك يسعى المؤمن إلى معرفة حكم الله في المسائل والقضايا: فإن كان عالمًا سعى إلى معرفة ما يحتاجه الناس من الأحكام؛ ليرشدهم إلى ما يجوز وما لا يجوز، ويبين لهم الحلال من الحرام في حكم الله وشرعه، مقرونًا بدليله الصحيح من القرآن أو السنة أو القياس السليم أو الإجماع أو غير ذلك.
وإن كان عامّيًا، أو غير متخصص في علوم الشريعة؛ سعى إلى معرفة ما يحتاجه هو في حياته العملية من أحكام في العبادات، أو المعاملات، أو غيرها: إما بالبحث في الكتب الميسَّرَة -إن كان ممن يستطيع ذلك-، وإما بسؤال العلماء الذين ذكرهم الله بقوله: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [النحل: 43].
وقد جعل الله تعالى علامات وأمارات يُتعرف بها إلى حكمه في كل مسألة، هي ما تسمى بـ"الأدلة الشرعية"، سواء المتفق عليها كالقرآن والسنة والإجماع، أو المختلف فيها كباقي الأدلة.
غير أن تنـزيل الحوادث المفردة المحددة على مواقعها من النصوص الواسعة العامة أمر ليس بالميسور لكل أحد. وأضرب لذلك مثلا واحدًا:
علمنا يقينًا لا تردد فيه أن الشرع جاء بجلب المصالح وتحصيلها وتكميلها، ودرء المفاسد ودفعها وتقليلها.. فهذا حكم عام، ولكن الحكم على مسألة واقعة بأنها جلب مصلحة، أو درء مفسدة؛ يحتاج إلى يقظة وتحرٍّ وفهم وإدراك؛ لأنه لا يكاد يوجد مصالح محضة لا مفسدة فيها البتة، كما لا يكاد يوجد مفاسد محضة لا صلاح فيها البتة؛ بل الحكم لما غلب من هذين، فما غلبت مصلحته فهو مطلوب، وما غلبت مفسدته فهو مردود وهكذا.
ولذلك صار من المهم اللازم لحياة المسلمين أن يوجد من بينهم من يُعْنِيهم الاشتغال بتمحيص المسائل وتحقيقها ودراستها، وتحري حكم الشرع فيها، وهؤلاء هم الفقهاء العاملون المبلغون عن الله حكمه إلى سائر من لا يمكنه الوصول إلى هذا الحكم إلا عن طريقهم.
وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أول المجتهدين، وطليعة العلماء العاملين، كلهم يصدرون عن القرآن والسنة والقياس الصحيح، أو يجتمعون -فيما لا نص فيه- فيُجمِعون. ثم جاء من بعدهم التابعون، فأتباعهم، وما زال في المسلمين من يبين لهم شرع الله، ويدعوهم إليه؛ إذ لا يخلو عصر من قائم لله بحجة.
ولكن الجبلة البشرية، التي فطر الله الناس عليها: من الاختلاف في الأفهام، وقوى العقل والإدراك، مع التفاوت بين الناس في معرفة الأدلة واستيعابها، سواء من حيث الثبوت، أو من حيث الدلالة، ومع التفاوت بينهم في تصور المسائل، وفهم أبعادها، إضافة إلى تفاوت مقدار الإخلاص والصدق في معرفة الحكم بعيدًا عن كل تعصب مذهبي، أو تقليد غير بصير؛ كل ذلك جعل العلماء والباحثين والمؤلفين يختلفون في طرائقهم التي يسلكونها في معرفة الأحكام، ثم يختلفون في ذات الأحكام التي توصلوا إليها.
وعلى رغم كثرة ما أُلِّف وكُتب في علم (أصول الفقه) -وهو العلم الذي يُعنى ببحث طرائق استخراج الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية- في جميع المذاهب مما لا يكاد يقع تحت الحصر، وعلى رغم الاختلافات الهائلة بين مناهج الفقهاء، والتباين البعيد بين مسالكهم؛ فقلما يلتفت أحد من المسلمين -وخاصة في هذا العصر- إلى التفكير بوضع الأصول الشرعية، والقواعد العامة، التي تعين الباحث المنصف البعيد عن التعصب على معرفة الأحكام بطريقة سليمة، خاصة وقد التبس الحق بالباطل، والخطأ بالصواب، في كثير من الأحيان؛ حتى عسر تمييز ذلك إلا على من وفقه الله للفهم، ورزقه الإخلاص، وعصمه بالبصيرة النافذة.
ولست أعني بوضع الأصول والقواعد: إنشاءها واختراعها؛ فهذا ما لا سبيل إليه لمن أراد أن يكون مسلمًا حقًا، فالابتداع في الفروع -فضلاً عن القواعد والأصول- ضلال، واستدراك على الشرع، وطعن في المبلغ صلى الله عليه وسلم، وقد قيل:
وخيرُ الأمورِ السالفاتُ على الهدى
وشرُّ الأمورِ المحدثاتُ البدائـعُ
وقيل:
وكلُّ خيرٍ في اتباعِ مَـنْ سَلَـف
وكُلُّ شرٍّ في ابتداعِ مَنْ خلـف
وإنما أعني بذلك تمحيصها من كتب الأصول والفقه والحديث والعقائد، وجمعها، والتنسيق بينها بطريقة تناسب العصر، وتيسر الأمر.
وأعني -أيضًا- دراسة الأمور التي يكثر فيها النـزاع من القواعد والأصول، دراسة صـادقة يُتَحرى فيها الصواب -ولا شيء غيره-؛ لتكون نبراسًا للباحثين عن الحق، يعصمهم الله بها من التردي في مهاوي الإفراط أو التفريط، وذلك كمسألة "الاجتهاد والتقليد" مثلاً.
وقد استعنت الله تعالى في بدء المحاولة، على ضعف الآلة، وضعف الهمة، وضعف الإخلاص -والله المستعان-. ولكن لعل ما حاولته في هذه الصفحات يكون داعية لبعض المخلصين والغيورين؛ أن يتناولوا الموضوع -من جديد- تناولاً جادًا، يكشف غوامضه، ويجلي خوافيه.
وقد قسمت هذه الدراسة إلى: تمهيد، وثلاثة أبواب، وخاتمة.
ففي التمهيد: تحدثت عن أهمية الفقه في الدين، وفضله، وأنه شرط رئيس للخيرية والسؤدد في الإسلام -كما نطقت بذلك النصوص-.
وفي الباب الأول: حاولت أن أعمل "تقويمًا" عامًّا للمكتبة الإسلامية الفقهية.
فتحدثت في الفصل الأول عن: الكتب الفقهية القديمة.
وتحدثت في الفصل الثاني عن: الكتب الفقهية الحديثة.
وفي الباب الثاني: تحدثت في فصلين عن: الشروط المنهجية في البحث العلمي -أيًا كان اختصاصه ومجاله- والمراحل التي يمر بها.
ثم عن الصفات العلمية للباحث، سواء الصفات العامة لأي باحث، أو الصفات الخاصة لبحث موضوع بعينه. ولتطبيق هذه الصفات العامة على من يبحث في مجال الفقه؛ وسَّعت الكلام على صفات الباحث في الأمور الفقهية، وعلى العلوم التي يحتاج إليها في اختصاصه.
وفي الباب الثالث: -وهو جوهر الموضوع- حاولت حصر ما توصلت إليه من الضوابط العامة للباحث في الفقه؛ ولذلك جاء هذا الباب طويلاً، واحتوى على تسعة فصول.
الفصل الأول: بين التيسير والتشديد.
الفصل الثانى: كراهة التنطع والتوسع في افتراض المسائل.
الفصل الثالث: بين الاجتهاد والتقليد.
الفصل الرابع: مبحث الخلاف والترجيح.
الفصل الخامس: حول فقه النوازل.
الفصل السادس: عن ألفاظ التحليل والتحريم، والتسرع في إطلاقها.
الفصل السابع: عن التربية والعبادة والبناء الخلقي.
الفصل الثامن: الأدلة الشرعية، وترتيبها، وكيفية إعمالها.
الفصل التاسع: كلمة في المراجع.
ثم ختمت البحث بخاتمة، سجلت فيها أهم ما مر في البحث من النتائج، وأتبعت ذلك بذكر المصادر والمراجع التي استفدت منها في البحث.
وإنني لأسأل الله تعالى أن يجعل عملي خالصًا لوجهه الكريم، وأن يتقبله مني، وأن يثيبني عليه، ويغفر لي ما قصرت فيه.
وأستغفر الله وأتوب إليه، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
في الرياض 20/ 7/ 1404 هـ

* * *
http://www.islamtoday.net/pen/books_content.cfm
__________________
عبدالله بن خميس!
رياض نجد
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 31-05-03, 01:17 AM
عبدالله بن خميس عبدالله بن خميس غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-04-03
المشاركات: 885
افتراضي

تمهيد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الذين قضوا بالحق، وبه كانوا يعدلون، وعلى السائرين على دَرْبهم إلى يوم يبعثون.
أما بعد:
فإن من أعظم ما تُقُرِّب به إلى الله تعالى الفقه في دينه، والاشتغال به: تعلُّمًا، وتعليمًا، وكتابةً، ودعوةً، ومجادلةً بالتي هي أحسن. وقد ندب الله تعالى المؤمنين إلى أن ينفر منهم (طائفة)؛ ليتفقهوا في الدين، ويُفقِّهوا فيه غيرهم، قال تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [التوبة:122].
ولا شك أن التفقه في الدين لا يتم إلا لمن مَلَك آلته: من العقل والفهم، والإدراك القويّ، والحفظ، والتقوى.
كما أن الإنذار لا يتمّ إلا لمن كان فقيهًا، عالمًا، جريئًا، فصيحًا، صادقًا، ولهذا مدح الرسول صلى الله عليه وسلم المتفقهين في الدين، وبيَّن أن الله أراد بهم خيرًا حين ندبهم، وحرَّك هممهم صوب هذه الغاية الشريفة، فقال: "من يُردِ الله به خيرًا يفقهه في الدين"( ).
وإنما المقصود: الفقه الحقّ -على ما سنذكره إن شاء الله-، لا مجرد حفظ المتون، واستظهار الكتب.
كما بيَّن صلى الله عليه وسلم أن المعدن السليم الكريم لا يكفي للخيرية والسؤدد -في الإسلامِ- حتى ينضم إليه الفقه في الدين؛ فقال: "الناس معادن، خيارهم في الجاهلية؛ خيارهم في الإسلام إذا فَقُهُوا"( ).
وقد ورد في فضل العلم والتعلُّم والتعليم نصوص كثيرة، ليس هذا مجال حصرها، ويمكن الرجوع إليها في مظانّها، مثل:
ا- كتاب (جامع بيان العلم وفضله، وما ينبغي في روايته وحمله)، لحافظ المغرب الإمام أبي عمر يوسف بن عبد البر النمري القرطبي، وقد طبع عدة طبعات، إحداها في المطبعة المنيرية.
2- كتاب (الفقيه والمتفقه) للإمام الكبير الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي، صاحب التصانيف السائرة، وقد طبع أيضا عدة طبعات، إحداها بعناية الشيخ إسماعيل الأنصاري وتعليقاته.
3- كتاب (السنن) للإمام الدارمي، وخاصة في مقدمته، وقد طبع طبعة بعناية (أحمد دهمان)، وأخرى بتعليق (عبد الله هاشم اليماني) -ولعلها أجود-.
4- سائر كتب (العلم) في الصحيحين، وكتب السنة.
وقد وضع العلماء -ممن ذكرنا وممن لم نذكر- أصولاً وآدابًا وضوابط عامة يستأنس بها المشتغل بهذا العلم الجليل، الذي به يُعرف الحلال من الحرام، والحق من الباطل، ويعرف مدى استقامة الناس على ذلك، أو انحرافهم عنه.
وهذه الأسطر القليلة التي تضمنها هذا البحث محاولة لجمع ما تناثر من أقوالهم، أسأل الله فيها التوفيق والتسديد.
وقد كتبت على حين عجلة، وضيق من الوقت، وفتور في العزيمة، ولم أقصد فيها إلى الاستيعاب، وأنّى لأمثالي ذلك!
والله الموفق للصواب، ومنه نستمدُّ العون والتوفيق.

* * *







البـــــاب الأول







الفصل الأول
نظرة على الكتب الفقهية القديمة
تغصّ المكتبة الإسلامية -القديمة والحديثة- بالكتابات الكثيرة عن الإسلام في كافة نواحيه، وخاصة فيما يتعلق بالجانب الفقهي الذي يعالج موضوع الأحكام، أو ما يسمى بـ "الفروع".
ومما لا شك فيه أنه لا مجال للمقارنة بين الكتب القديمة، وبين الكتب الحديثة والمعاصرة: لا من ناحية الكثرة والشمول، ولا من ناحية طريقة العرض والدراسة، ولا من ناحية النتائج التي هي غرض الدراسة...
وفي هذا الباب نلقي نظرة تقويمية على هذه الكتب، ونخص الفصل الأول بالحديث عن الكتب القديمة.
فهذه الكتب ثروة طائلة للأمة المسلمة، تفتقر إليها الأمم الأخرى، وجهود علمية جبارة تشهد للمسلمين بالقدرة على قيادة البشرية، ومواكبة التطورات والتغيرات المختلفة، وتشهد للفقهاء المسلمين بسعة العقل، وحدة التفكير، وقوة الاجتهاد.
وقد كتب كثير من هذه الكتب في أزمان سلطان الإسلام، وعزِّه ودولته، ويوم كانت رايات التوحيد مركوزة في أنحاء المعمورة. يوم كان الإسلام يحكم عالَمًا مترامي الأطراف، يقع فيه من النوازل والقضايا، والأحداث والمشكلات، الفردية والجماعية، العلمية والاجتماعية والسياسية وغيرها ما لا يكاد يقع تحت حصر. وربما وقع في بلد؛ ما يُعَدُّ غريبًا في بلد آخر، وربما تعورف في بلد على أمر، وتعورف في البلد الآخر على ضده.
فكانت آثار هذا الواقع الممتد في الرقعة الإسلامية، تبدو واضحة جلية في كتابات العلماء وآثارهم.
كما كان العلماء المسلمون يكتبون من مركز قوة، أي أنهم يمثلون في علومهم ودراساتهم الأمة الظافرة المنتصرة، والدين القوي المسيطر، وكانوا -كغيرهم من أفراد الأمة المسلمة- يعتـزون بهذا الدين، ويَشْرُفون بالانتماء إليـه، والانضواء تحت رايته.
وكانت مراكز العلم والبحث منتشرة في كل صقع من أصقاع العالم الإسلامي: من مصر إلى الشام إلى الحجاز إلى نيسابور إلى غيرها، وكان يتوفر في هذه المدارس المعلمون والمشايخ في كافة العلوم: في العقيدة، والحديث، والنحو، والتفسير، والفقه، وغيرها، إضافة إلى توفير متطلبات الحياة العادية من مسكن، ومأكل، ومشرب وعلاج وغيرها.
فكان الطالب يجمع همه على العلم، ويتلقى كل فن عن كبار المختصين فيه، ويفرغ نفسه من الشواغل والملهيات؛ بل ربما سافر من بلده إلى بلد آخر ومكث فيه عشرات السنين، تاركًا وراءه كل ما يربطه بوطنه الصغير، مهاجرًا إلى الله ورسوله في طلب العلم، وما أخبار البخاري، أو مسلم، أو بقي بن مخلد عنا ببعيد.. وغيرهم كثير.
وقد نتج عن هذه الحال تخرج أعداد كبيرة من العلماء، يجمعون بين أنواع كثيرة من العلوم يكمل بعضها بعضًا: فهم محدثون حفاظ أثبات، ولغويون فصحاء أقحاح، وفقهاء مستنبطون، وعلماء في التفسير، وأساتذة في العقيدة.
ولم يكن الفرق عندهم قائما بين هذه العلوم، فهي كلها وسيلة للعلم بالدين، ونشره بين الناس.
وساعدهم على استيعاب هذه العلوم وهضمها؛ التفرغ الذي اضطروا أنفسهم إليه، حين عزفوا عن زخرف الحياة وملذاتها، ومراتع الصبوة والشباب، وشغلوا أنفسهم بما خلقوا له، فعاشوا في دنياهم سعداء، وماتوا ميتة الشهداء.
وقد خلفوا لمن بعدهم تراثًا عريقًا، متشعب الجوانب، لو اجتمعت جهود العلماء والباحثين، وتوفرت عليه، لكلت دون أن تبلغ منه مبلغًا، فضلاً عما ضاع عبر القرون -وهوكثير-.
وفيما يتعلق بالتراث الفقهي منه فهو على أنواع:
1- فمنه ما يكون الفقه فيه ممزوجًا بغيره من العلوم الشرعية كالحديث وغيره، ومن أمثلة ذلك ما نجده من الآراء والاستنباطات الفقهية في مثل "موطأ" الإمام مالك، أو ما نجده في تراجم الإمام البخاري في صحيحه، أو ما نجده في كثير من كتب السنة، وبالذات ما يسمى بـ "المصنفات"، كمصنف الإمام الجليل عبد الرزاق الصنعاني رحمه الله ، ومصنف الإمام أبي بكر بن أبي شيبة رحمه الله وغيرها. وكان الغرض منها الجانب العملي؛ ولذلك رتبت على أبواب الفقه.
2- ومنها ما ألّف في الفقه خاصة -وإن دخل في الفقه غيره من العلوم كالحديث- تبعًا، ومن أشهر وأقدم الكتب المصنفة في ذلك: كتاب "الأم" للإمام الشافعي، وكتاب "المدونة" للإمام مالك، وغيرهما...، وهذه الكتب تشمل معظم أبواب الفقه، أوكلها.
3- وهناك كتب درست جانبًا معينًا، أو موضوعًا خاصًا، ككتاب "الأموال" للإمام الجليل أبي عبيد القاسم بن سلام، وكتاب "الخراج" لأبي يوسف، ولأبي يعلى، وكتاب "شرح السير" للسرخسي وغيرهما.
ومما ينبغي الإشادة به، والإشارة إليه: أن هذا التراث الفقهي العظيم قد تحدث في عدد ضخم جدًا من الفروع، لا يوجد له نظير في أي أمة من الأمم، أو حضارة من الحضارات؛ بل وسبق الزمن في عديد من القضايا، فوضع لها الحلول المناسبة في زمن كان الناس فيه لا يتصورون مجرد وقوعها فضلاً عن دراسة الحلول لها( ).
ولكن كل ما سبق لا يعني قدسية هذا التراث أو عصمته المطلقة، كما لا يعني أنه كاف لسد حاجة كل عصر دون جهد يقوم به أبناء العصر أنفسهم.
بل لا يخلو هذا التراث من ثغرات وجوانب نقص، سواء من حيث الشكل، أو من حيث المضمون والمحتوى.
أ- فمن حيث الشكل، وطريقة الترتيب والتبويب:
تتداخل الموضوعات في بعض هذه الكتب تداخلاً يصعب معه العثور على المسألة المطلوبة -أحيانًا- حتى على المختصين. فقد تجد أبحاث (تصرفات المريض) في كتاب العتق - باب العتق في المرض، وقد تجد أحكام (الحضانة) في باب الخلع.. وهكذا.
ومما يضاعف الصعوبة عدم وجود الفهارس الموضوعية التي تيسر للباحث مهمته( ).
ب- ومن حيث الأسلوب: فأسلوبها -وإن ناسب العصر الذي كتبت فيه- إلا إنه مما يعسر فهمه على المعاصرين، ومما يلحظ فيه:
- ضغط العبارة، وحصر المعنى الواسع في لفظ ضيق قليل موجز، يصل -أحيانًا- إلى التعقيد والركاكة، وهذا إنما يوجد في المتون والمختصرات التي كثرت في المتأخرين، وصارت عمدة الدارسين والمتفقهين لقصرها، وإمكانية حفظها.
- كثرة استعمال العبارات الاصطلاحية ذات الدلالة التاريخية التي لا يفهمها إلا من عاصر مدلولها، وقد يكون مؤلف الكتاب في بلد له اصطلاحات لا يفهمها أهل بلد آخر.
وليس ثمة مانع من استعمال اللفظ الاصطلاحي، شريطة تحديد مدلوله وضبطه بصورة لا يلتبس معها بغيرها( ).
جـ- ومن حيث المضمون والمحتوى:
فهذه الكتب ألفت في عصر له ظروفه المختلفة عما قبله وما بعده، وهي كانت تُعْنَى بدراسة المشكلات المستجدة في ذلك العصر، والبحث عن حلولها الشرعية، ولكن العصور التالية لها جاءت -أيضًا- بمشكلات جديدة، وقضايا حادثة، لا يُعثر في الكتب السالفة على حلولها؛ بل قد لا يكون البحث تطرق إليها أصلاً. وإن وجد بعض اللفتات والإشارات، التي يمكن الانتفاع بها في دراسة النوازل الجديدة، فهي مما لا يستفيد منه إلا الباحث المتخصص العميق.
كما أن من هذه الكتب -وخاصة المتأخرة- ما يكون تركيزه على تحرير المذهب الذي ألَّف فيه وحكايته وتقريره، دون أن يعطي الاستدلال حقه، ودون مقارنة أو ترجيح.
وهناك عدد كبير من الكتب المذهبية المتأخرة غلب عليها داء التعصب المذهبي المقيت، والالتزام المطلق بالمذهب؛ سواء ما كان منه من نص الإمام ذاته، أو من زيادات أصحابه وتلاميذه، أو من اختيارات البارزين فيه، أو ما كان مخرجًا على أحد هذه المصادر!
ولذلك قد يخلو الباب، أو الفصل، أو الكتاب؛ من الاستدلال بالآية القرآنية، أو الحديث النبوي، في حين تكثر في بعضها الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة.
ومما يجب التنويه عليه أن الباحث المسلم إنما يبحث عن الحق، وعن مراد الله تعالى، ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يعنيه بعد ذلك إن وافق قول فلان أو فلان؛ خاصة وأنه إنما يخرج من قول إمام إلى قول إمام آخر( ).
وهذه الملحوظات -وغيرها مما لم نذكره- لا تعني التقليل من قيمة هذه الثروة العظيمة، كما لا تعني تعميم الحكم عليها جميعًا؛ بل فيها ما يعدُّ نموذجًا حيا للدراسة العلمية، التي تحتفظ بقيمتها على مر العصور.
وإنما أشرنا إشارة عابرة إلى تلك المآخذ؛ ليكون تلافيها وتسديدها أساسًا تُبنى عليه الدراسات الفقهية المعاصرة، وفق خطة سليمة شاملة.
* * *
__________________
عبدالله بن خميس!
رياض نجد
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 27-09-04, 06:28 PM
المسيطير المسيطير غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 25-08-03
المشاركات: 8,630
افتراضي

للفائدة ولطلب إكمال الطرح من اخينا الشيخ ابن خميس وفقه الله .
__________________
قال ابن رجب رحمه الله :"خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لايطلع عليها الناس".
وقال بعضهم : ( كم من معصية في الخفاء منعني منها قوله تعالى : " ولمن خاف مقام ربه جنتان " ) .
" إن الحسرة كل الحسرة ، والمصيبة كل المصيبة : أن نجد راحتنا حين نعصي الله تعالى ".
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 27-09-04, 08:45 PM
عبدالله بن عقيل عبدالله بن عقيل غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-03-04
المشاركات: 197
افتراضي

http://www.islamtoday.net/word/lecture/33.zip
__________________
و صلى الله و سلم على عبده و نبيه محمد، و على آله و صحبه أجمعين .

عبدالله بن عبدالعزيز بن عبدالله العقيل .. الرياض
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:16 PM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.