ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى أصول الفقه
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #41  
قديم 09-09-19, 07:09 AM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 173
افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

وأما النّسخ بِعَمَل الصَّحَابَة بِخِلَافِهِ فَمثل اسْتِدْلَال الْحَنَفِيّ فِي اسْتِئْنَاف الْفَرِيضَة بقوله صلى الله عليه وسلم: فاذا زَادَت الإبل على عشْرين وَمِائَة استؤنفت الْفَرِيضَة فِي كل خمس شاة.
فَيَقُول الشَّافِعِي: هَذَا مَنْسُوخ لَأن أبا بكر وَعمر رَضِي الله عَنْهُمَا لم يعملا بِهِ فلو لم يعلمَا بنسخِه لعملا بِهِ.
وَالْجَوَاب: أن يتَكَلَّم على عمل الصَّحَابَة بِمَا يسْقطهُ ليبقى لَهُ الْخَبَر.

أقول: الضرب الثالث هو الاستدلال على نسخه بعمل الصحابة بخلافه.
مثاله: استدلال الحنفية في أن زكاة الإبل إذا زادت على مائة وعشرين رأسا تستأنف الفريضة فيكون في خمسة شاة وفي عشر شاتان، فيكون في مائة وخمسة وعشرين حقتان وشاة، وفي مائة وثلاثين حقتان وشاتان بما ذكره أبو داود في المراسيل عن حماد قال: قلت لقيس بن سعد خذ لي كتاب محمد بن عمرو بن حزم فأعطاني كتابا أخبر أنه أخذه من أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتبه لجده فقرأته فكان فيه ذكر ما يخرج من فرائض الابل فقص الحديث إلى أن تبلغ عشرين ومائة فإذا كانت أكثر من ذلك فعد في كل خمسين حقة وما فضل فإنه يعاد إلى أول فريضة الإبل.
فيقول الشافعي: إن ثبت هذا فهو منسوخ بقوله صلى الله عليه وسلم: فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حِقَّة([1] ). رواه البخاري . والدليل على أنه منسوخ أن أبا بكر وعمر عملا([2] ) بهذا الحديث ولم يعملا بخبر الاستئناف فدل على أنه منسوخ.
والطريق في الجواب عن ذلك أن يتكلم على عمل الصحابة بما يسقطه ليبقى له الخبر كأن يقول: اختلف الآثار في ذلك عن الصحابة فلا يجوز دعوى النسخ بل يعمل بحديث كتاب عمرو بن حزم السابق ويحمل حديث البخاري على الزيادة الكثيرة حتى تبلغ مائتين وبه نقول: إن في كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة([3] ) .




([1] ) فيكون في مائة وخمسة وعشرين ثلاث بنات لبون. وبنت لبون أي التي أتمت سنتين.

([2] ) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الصدقة فلم يخرجه إلى عماله حتى قبض فقرنه بسيفه، فعمل به أبو بكر حتى قُبض، ثم عمل به عمر حتى قبض فكان فيه: في خمس من الإبل شاة... فإذا كانت الإبل أكثر من ذلك- أي من عشرين ومائة- ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون... الحديث. رواه أبو داود. من هامش تحقيق الملخص. قال في تحفة الأحوذي: أي كتب كتاب الصدقة فقرنه بسيفه لإرادة أن يخرجه إلى عماله فلم يخرجه حتى قبض ففي العبارة تقديم وتأخير. اهـ

([3] ) انظر بدائع الصنائع- كتاب الزكاة.
رد مع اقتباس
  #42  
قديم 10-09-19, 07:06 AM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 173
افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

وأما النّسخ لأنه شرع من قبلنَا فَمثل اسْتِدْلَال الشَّافِعِي رَحمَه الله فِي رجم الذِّمِّي بَأن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم رجم يهوديين زَنَيَا.
فَيَقُول الْمُخَالف: إنما رجمهما بِحكم التَّوْرَاة فَإِنَّهُ أمْر بإحضارهما ثمَّ عمل بذلك، وشرعنا قد نسخ ذَلِك.
وَالْجَوَاب: أن شرع من قبلنَا شرع لنا مَا لم نعلم نسخه، وَلِأَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عمل بِهِ فَدلَّ على أنه شرع لنا.

أقول: الضرب الرابع هو أن يدعي نسخ الحكم المنقول بأن ذلك إنما هو شرع من قبلنا وقد نسخ بشرعنا.
مثاله: أن يستدل أصحابنا في رجم الذمي المحصن إذا زنا بما ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم يهوديينِ زَنيا. متفق عليه.
فيقول المخالف: إنما رجم بشرعهم بحكم التوراة فإنه صلى الله عليه وسلم أمر بإحضارها ثم عمل بذلك([1] ) وقد نسخ بشرعنا، لحديث: من أشرك بالله فليس بمحصن. رواه الداقطني موصولا وموقوفا ورجح وقفه. فلا نقيم حد الرجم على أهل الذمة
والطريق في الجواب عن هذا أن يقال: إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يعلم نسخه، وعلى أنه إن كان ذلك شرعهم فقد صار بفعله صلى الله عليه وسلم شرعا لنا؛ إذْ لا يجوز أن يكون ذلك غير حكم شرعه فيعمل به ويترك شرعه.الملخص.

([1] ) الحديث في البخاري ومسلم.
رد مع اقتباس
  #43  
قديم 10-09-19, 07:08 AM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 173
افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

وَألْحق أصحاب أبي حنيفَة بذلكَ وَجهًا آخر وَهُوَ النّسخ بِزَوَال الْعلَّة.
وَذَلِكَ مثل أن يسْتَدلّ أصحابنا فِي تَخْلِيل الْخمر بَأن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم نهى أبا طَلْحَة عَن تخليلها.
فَقَالُوا: هَذَا كَانَ أول مَا حرم الْخمر وألفوا شربهَا فنَهَى عَن تخليلها تَغْلِيظًا وتشديدا، وَقد زَالَ هَذَا الْمَعْنى فَزَالَ الحكم.
وَالْجَوَاب: أن يبين أن ذَلِك لم يكن لهَذِهِ الْعلَّة بل كَانَ ذَلِك بَيَانا لحكم الخمر كإيجاب الْحَد وَتَحْرِيم الشّرْب وَالْمَنْع من البيع وَغير ذَلِك. وعَلى أنا لَو سلمنَا أنه حُرِّم لهَذِهِ الْعلَّة إلا أنه حرمهَا بقول مُطلق يَقْتَضِي تَحْرِيمه فِي الأزمان كلهَا فلَا يجوز نسخه بِزَوَال الْعلَّة. كَمَا أنه شرع الرمل والاضطباع فِي الْحَج لإظهار الْجلد للْكفَّار وَقد زَالَ هَذَا المعْنى وَالْحكم بَاقٍ.

أقول: ومما يلحق بالنسخ وليس بنسخ أن يدعي نسخ الخبر بأنه ورد لعلة كانت موجودة عند الحكم، وقد زالت العلة فوجب أن يزول الحكم. وهذا ما يسميه الحنفية النسخ بزوال العلة.
مثاله: استدلال أصحابنا في تخليل الخمر بأنه صلى الله عليه وسلم نهى أبا طلحة عن تخليلها فقد روى أبو داود عن أنس بن مالك أن أبا طلحة سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أيتام ورثوا خمرا، فقال: أهرقها. قال: ألا نجعلها خلا؟ قال: لا.
فيقول الحنفي: هذا إنما ورد في أول ما حرّمت الخمر، وكانوا قد ألفوا شربها، فنهوا عن تخليلها، وأمر بإراقتها تغليظا لأمرها ليرتدع الناس عن شربها وينزجروا عن تناولها، وقد انتهى الناس واستقر هذا الأمر فزال المعنى فزال الحكم فيجوز تخليل الخمر.
والجواب: أن يبين أن ذلك لم يكن لهذه العلة فإن الصحابة كانوا لا يخالفون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يحتاج مع النهي إلى تغليظ بل كان بيانا لحكم الخمر -وهو أنه يحرم تخليلها- كإيجاب الحد بشربها، والمنع من شربها، والمنع من بيعها وشرائها والعمل بنقلها ونحو ذلك، ولو جاز ذلك لجاز أن يقال في الحد أيضا أنه إنما شرع لقرب عهدهم بها فأوجب ليرتدعوا عنها، وقد زال بتقادم العهد بالتحريم، فيجب أن يزول الحد!.
ثم على فرض التسليم أنه صلى الله عليه وسلم منع من التخليل لهذا المعنى إلا أنه حرمها بقول مطلق غير مقيد بوقت فيقتضي تحريمه في جميع الأزمان فلا يجوز نسخه بزوال العلة، إذْ يجوز أن يزول المعنى المقتضي للتحريم ويبقى الحكم، كما أنه صلى الله عليه وسلم أمر بالرَّمل- الهرولة في الطواف-والاضطباع- أن يدخل الرداء من تحت إبطه الأيمن ويرد طرفه على يساره فيبدي الأيمن ويغطي الأيسر- في الحج لإظهار الجلد للكفار حين قالوا: إن حُمَّى يثرب نهكت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم([1] ) . وقد زال هذا المعنى، ثم لم يزل الرمل والاضطباع.

([1] ) الحديث في الصحيحين، وليس فيه أمر بالاضطباع وإن ورد أنهم اضطبعوا في حجهم. قال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير: تنبيه: لم أقف في شيء من طرقه على الاضطباع بصيغة الأمر. اهـ
رد مع اقتباس
  #44  
قديم 12-09-19, 07:01 AM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 173
افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

والاعتراض السَّابِع: التَّأْوِيلُ، وَذَلِكَ ضَرْبَانِ:
تَأْوِيل الظَّاهِر كاستدلالِ الحنْفِيّ فِي إيجاب غسلِ الثَّوْبِ من الْمَنِيّ بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلّم: إن كَانَ رطبا فاغسليه وإن كَانَ يَابسا فحُكِّيهِ. فيحمله الشَّافِعِي على الِاسْتِحْبَاب بِدَلِيل.
وَتَخْصِيص الْعُمُوم مثل أن يسْتَدلّ الشَّافِعِي فِي قتل الْمُرْتَدَّة بقوله صلى الله عليه وسلم: من بدّل دينه فَاقْتُلُوهُ.
فيخصه الْحَنَفِيّ بِدَلِيل.
وَالْجَوَاب: أن يتَكَلَّم على الدَّلِيل الَّذِي تأوَّلَ بِهِ أوْ خص بِهِ ليسلم لَهُ الظَّاهِر والعموم.

أقول: الاعتراض السابع هو التأويل وهو ضربان: تأويل الظاهر وتخصيص العموم.
فأما تأويل الظاهر فمثاله: استدلال الحنفي على إيجاب غسل المني من الثوب بما حكي أنه صلى الله عليه وسلم قال: إن كان رطبا فاغسليه، وإن كان يابسا فحكّيه([1] ) والأمر يقتضي الوجوب.
فيقول الشافعي: أحمله على الاستحباب لأنه لا يجب غسله إذا جف فلم يكن نجسا كالمخاط.
والجواب: أن يتكلم على الدليل الذي تأولوا به الظاهر مثل أن يقول: لو كان المراد به الاستحباب لما فرق بين الرطب واليابس؛ لأن في اليابس أيضا يستحب الغسل، فلما فرق بينهما دل على أنه أراد به الإيجاب.
وأما تخصيص العموم فمثاله: أن يستدل الشافعي في قتل المرتدة بقوله صلى الله عليه وسلم: مَن بدل دينه فاقتلوه. رواه البخاري. وهذا عام.
فيقول الحنفي: هذا محمول على الخصوص بدليل نهيه صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء.متفق عليه.
والجواب: أن يتكلم على الدليل الذي تأولوا به العموم كأن يقول: نهيه صلى الله عليه وسلم هو في الكافرة الأصلية إذا لم تباشر القتال.






([1] ) قال الحافظ في تلخيص الحبير: قال ابن الجوزي في التحقيق: هذا الحديث لا يعرف بهذا السياق، وإنما نقل أنها هي كانت تفعل ذلك. رواه الدارقطني وأبو عوانة فى صحيحه وأبو بكر البزار.
رد مع اقتباس
  #45  
قديم 14-09-19, 08:48 AM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 173
افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

والاعتراض الثَّامِن: الْمُعَارضَة وَهِي ضَرْبَان: مُعَارضَة بالنطق، ومعارضة بِالْعِلَّةِ.
فالمعارضة بالنطق مثل أن يسْتَدلّ الشَّافِعِي فِي جَوَاز صلاة لَهَا سَبَب فِي أوقات النَّهْي بقوله صلى الله عليه وسلم: من نَام عَن صَلَاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرهَا.
فيعارضه الْحَنَفِيّ بنهيه عَن الصَّلَاة فِي هَذِه الأوقات.
وَالْجَوَاب من وَجْهَيْن:
أحدهما: أن يسْقط الْمُعَارضَة بِمَا ذَكرْنَاهُ من وُجُوه الِاعْتِرَاضات.
وَالثَّانِي: أن يرجح دَلِيله على المُعَارضَة بِمَا نذكرهُ من وُجُوه الترجيحات.

أقول: الاعتراض الثامن المعارضة وهي ضربان: معارضة بنطق أي بنص من كتاب أو سنة، ومعارضة بعلة أي بقياس.
فأما المعارضة بالنطق فمثالها: أن يستدل الشافعي في جواز فعل الصلاة ذات السبب- كالفائتة- في أوقات النهي بقوله صلى الله عليه وسلم: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها. متفق عليه.
فيعارضه الحنفي بقوله صلى الله عليه وسلم: لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس. متفق عليه.
والجواب من وجهين:
الأول: أن يسقط المعارضة بما ذكرناه من وجوه الاعتراضات السابقة على الاستدلال بالسنة، كأن يقول: هذا محمول عندنا على النفل المطلق.
الثاني: أن يرجح خبره على خبر الخصم بما سيأتي من وجوه الترجيحات كأن يقول: خبرنا قد اقترن به ما يرجحه وهو إقراره صلى الله عليه وسلم لمن صلى سنة الفجر التي فاتته بعد صلاة الصبح كما تقدم.
وأما المعارضة بالعلة([1] ) أي أن يعارض السنة بقياس فمثاله: استدلال الشافعي في إيجاب القراءة خلف الإمام بقوله صلى الله عليه وسلم لمن كان يقرأ خلفه: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب؛ فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها. رواه أبو داود.
فيقول الحنفي: إنها قراءة فلا تجوز خلف الإمام كقراءة السورة بعد الفاتحة.
والجواب أن يقال: إن النص لا تجوز معارضته بالقياس.


([1] ) لم يتكلم عليها المصنف فيحتمل أنه تركها اتكالا على ما سبق من المعارضة بالكتاب- حيث قال: وإن كَانَت الْمُعَارضَة بعلة تكلم عَلَيْهَا بِمَا يُتكلم على الْعِلَل ليسلم دَلِيله- ويحتمل أنه نسيها، ويحتمل أنها سقطت من الناسخ، وهي موجودة في الملخص.
رد مع اقتباس
  #46  
قديم 15-09-19, 05:58 AM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 173
افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

وأما الْخَارِج على سَبَب فضربان:
أحدهما: أن يكون اللَّفْظ مُسْتقِلا بِنَفسِهِ دون السَّبَب. وَالْكَلَام عَلَيْهِ كَالْكَلَامِ على السّنة المبتدأة.
وَزَاد أصحاب مَالك فِي الِاعْتِرَاض عَلَيْهَا أن قَالُوا: إن هَذَا ورد على سَبَب فَوَجَبَ أن يقْتَصر عَلَيْهِ.
وَذَلِكَ مثل استدلالنا فِي إيجاب التَّرْتِيب فِي الْوضُوء بقوله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: ابدأوا بِمَا بَدَأَ الله بِهِ. فَقَالُوا: هَذَا ورد فِي السَّعْي. فَوَجَبَ أن يقْتَصر عَلَيْهِ.
وَالْجَوَاب: أن اللَّفْظ إذا اسْتَقل بِنَفسِهِ حمل عندنَا على عُمُومه، فإن لم يسلِّم دلّلنا عَلَيْهِ.

أقول: قد تقدم أن السنة إما مبتدأة وإما خارجة على سبب، وقد مضى تفصيل القسم الأول وشرع هنا في تفصيل القسم الثاني. فالخارج على سبب ضربان:
الأول: أن يكون لفظ الحديث مستقلا بنفسه غير مفتقر إلى السبب. فهذا الكلام عليه كالكلام على السنة المبتدأة فيتوجه عليه الاعتراض بواحد من الاعتراضات الثمانية السابقة.
وزاد أصحاب مالك وجها آخر في الاعتراض وهو أن الحديث ورد على سبب فوجب أن يقتصر عليه.
مثاله: استدلال أصحابنا في إيجاب الترتيب في الوضوء بقوله صلى الله عليه وسلم: ابدؤوا بما بدأ الله به. رواه النسائي.
فقال المالكية: هذا ورد في السعي بين الصفا والمروة فيجب أن يكون مقصورا عليه ولا يحتج به في غيره.
والجواب: أن اللفظ إذا استقل بنفسه حمل عندنا على عمومه ولا يقتصر على سببه، فإن سلمتم هذا الأصل وإلا نقلنا الكلام إليه ودللنا عليه فنقول: الدليل هو قول صاحب الشريعة فاعتبر عمومه كما لو تجرد عن السبب، ولأن كل لفظ لو تجرد عن سؤال خاص حمل على عمومه. فكذلك إذا تقدمه سؤال خاص.([1] )








([1] ) انظر التبصرة في أصول الفقه للمؤلف وقد نسب القول بالاقتصار على السبب إلى مالك وغيره. وقال القرافي في تنقيح الفصول: وليس من مخصصات العموم سببه... وعلى ذلك أكثر أصحابنا، وعن مالك فيه روايتان.
رد مع اقتباس
  #47  
قديم 15-09-19, 06:02 AM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 173
افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

وَالضَّرْب الثَّانِي: مَا لَا يسْتَقِلّ بِنَفسِهِ دون السَّبَب.
وَالَّذِي يَخُصُّهُ من الِاعْتِرَاض دَعْوَى الإجمال.
وَذَلِكَ مثل: أن يسْتَدلّ الشَّافِعِي فِي مَسْأَلَة مُدِّ عَجْوَة بِمَا رُوِيَ أن رجلا أتى النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَعَهُ قلادة وفيهَا خَرز وَذهب، فَقَالَ: ابتعتُ هَذِه بِسبعة دَنَانِير، فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم: لَا حَتَّى تميّز.
فَيَقُول الْمُخَالف: هَذَا مُجمل لأنه قَضِيَّة فِي عين فَيحْتَمل أن يكون الثّمن مثل الذَّهَب الَّذِي فِي القلادة فَنهى لذَلِك، وَيحْتَمل أن يكون أكثر فنهى لما ذكرْتُمْ فَوَجَبَ التَّوَقُّف حَتَّى يعلم.
وَالْجَوَاب عَنهُ من أربعة أوجه:
أحدها: أن يُقَال: هَذِه زِيَادَة فِي السَّبَب الْمَنْقُول، وَالْحكم اذا نقل مَعَ سَبَب لم تجز الزِّيَادَة فِي السَّبَب إلا بِدَلِيل، وَالَّذِي نقل من السَّبَب بيع الخرز وَالذَّهَب بِالذَّهَب، وَالْحكم هُوَ النَّهْي فَلم تجز الزِّيَادَة فِي ذَلِك.
وَالثَّانِي: أن يبين أن الظَّاهِر مَا ادَّعَاهُ مِن أن الذَّهَب الَّذِي مَعَ القلادة أقل من الثّمن فإن الْغَالِب أن الْعَاقِل لَا يَبِيع خَرَزا وَسَبْعَة مَثَاقِيل بسبعة دَنَانِير.
وَالثَّالِث: أن يَقُول: لَو كَانَ الْمَنْع كما ذكرْتُمْ لنقِل إذ لَا يجوز أن ينْقل مَا لَا يتَعَلَّق بِهِ الحكم وَيتْرك مَا يتَعَلَّق بِهِ الحكم.
وَالرَّابِع: أنه لم يفصّل، وَلَو كَانَ كما ذكرتم لفصَّل وَقَالَ: لا*، إن كَانَ الذَّهَب مثل الثّمن.

أقول: الضرب الثاني من الخارج على سبب هو ما لا يستقل بنفسه ولا يتم إلا بسببه.
وهذا يعترض عليه بدعوى الإجمال.
مثاله: استدلال أصحابنا في مسألة مُدّ عَجوة([1] ) بحديث فضالة بن عبيد قال أتي النبي صلى الله عليه وسلم عام خيبر بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعها رجل بتسعة دنانير أو بسبعة دنانير قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا حتى تميز بينه وبينه. فقال: إنما أردت الحجارة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا حتى تميز بينهما. قال: فرده حتى ميز بينهما. رواه أبو داود.
فيقول الحنفي([2] ) : هذا الحديث مجمل لأنه حكم في حادثة معينة ويحتمل أن يكون الثمن ( تسعة دنانير أو سبعة دنانير) مثل الذهب الذي في القلادة، ويحتمل أن يكون أكثر فوجب التوقف حتى يعلم ولا يجوز الاحتجاج به، أي إنما يصح احتجاجكم به إذا ثبت أن الدنانير كانت أكثر من الذهب ونحن لا نسلم ذلك.
والجواب عنه من أربعة أوجه:
الأول: أن يقال: قولكم إذا كان الذهب أكثر جاز وإلا لم يجز هذه زيادة على السبب المنقول في الرواية، والقاعدة أن الحكم إذا نقل مع سبب لم تجز الزيادة عليه إلا بدليل، فالسبب المنقول هو: بيع الخرز مع الذهب بالذهب، والحكم هو النهي، فلم تجز الزيادة بدون دليل، ولا دليل عندكم.
الثاني: أن يبين أن الظاهر هو كون الذهب الذي في القلادة أقل من الثمن؛ أي فيكون الثمن أكثر من القلادة؛ فإن العاقل لا يبيع سبعة مثاقيل من ذهب وخرز، بسبعة مثاقيل فلا يتحقق الذي قلتموه وهو كون الثمن مثل الذهب الذي في القلادة.
الثالث: أن يقال لو كان المنع من بيع القلادة لأجل ما ذكرتم وهو كون الثمن مماثلا لنقل هذا في الرواية لأنه هو المؤثر، فلا يجوز أن ينقل ما لا يتعلق الحكم به، ويترك ما يتعلق الحكم به.
والرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفصل له في الجواب ولو كان الأمر كما ذكرتم لتعين أن يفصل فيقول: لا - أي لا يجوز- إن كان الذهب مثل الثمن.



([1] ) مسألة مد عجوة- العجوة نوع من تمور المدينة- أفردت بالبحث ومحلها كتب الفقه، ولكننا نبينها بالقدر الذي يعيننا على فهم الكتاب فنقول: هنالك مال ربوي، ومال غير ربوي، فالمال الربوي هو الأثمان والطعام، كما في حديث مسلم: الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مِثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد. وما عدا ذلك من الأموال فليست ربوية كالصابون والإسمنت والثياب والحديد والخشب، والمال الربوي بنص الحديث لا يجوز بيع بعضه من جنس واحد ببعض إلا إذا تماثلا بالمقدار وحصل التقابض يدا بيد في مجلس العقد؛ فلا يجوز مثلا بيع حنطة جيدة بحنطة من نوع آخر إلا إذا تماثلا صاعا بصاع مدا بمد ولا يجوز أن يكون أحدهما أزيد على اعتبار أن الثاني أجود، فإذا علم هذا (فما حرم فيه الربا من الأموال لا يجوز بيع بعضه ببعض من جنسه، ومع أحد العوضين جنس آخر مما فيه الربا أو مما لا ربا فيه) فهذه هي مسألة مد عجوة فمن صورها: مُد من عجوة ودرهم بمدين من عجوة، فالتمر بالتمر مال ربوي ومع أحد العوضين جنس آخر وهو الدرهم، وقلادة فيها ذهب وخَرز- نوع من الأحجار الكريمة- بذهب، فتلك الصور باطلة عندنا.

([2] ) يجيز الحنفية بيع تلك القلادة بالدنانير متى ما كانت تلك الدنانير أكثر من الذهب، كأن يكون المال تسعة دنانير من الذهب، والذهب الذي في القلادة ثمانية مثاقيل، فتقع الثمانية بمقابل الثمانية، والدينار الزائد بمقابل الخرز الذي في القلادة فيصح حينئذ البيع، ولا يجيزون البيع إذا كانت مثله أو دونه.
رد مع اقتباس
  #48  
قديم 16-09-19, 11:11 AM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 173
افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

فصل
وأما الْفِعْل فَإِنَّهُ يتَوَجَّه عَلَيْهِ مَا يتَوَجَّه على القَوْل من الِاعْتِرَاض.
فأوّل ذَلِك الِاعْتِرَاض بِأَن الْمُسْتَدلّ لَا يَقُول بِهِ.
وَذَلِكَ مثل: أن يسْتَدلّ الْحَنَفِيّ فِي قتل الْمُسلم بالكافر بَأن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قتل مُسلما بِكَافِر وَقَالَ: أنا أحق من وفّى بِذِمَّتِهِ.
فَيَقُول الشَّافِعِي: هذا لَا تَقول بِهِ فإن الَّذِي قَتله بِهِ كَانَ رَسُولا، وَعند أبي حنيفَة لَا يقتل الْمُسلم بالرسول.
وَالْجَوَاب: أن يَقُول: إنه لما قتل الْمُسلم بالرسول دلّ على أنه بالذمي أولى أن يقتل ثمَّ نسخ ذَلِك فِي الرَّسُول وَبَقِي فِي الذِّمِّيّ على مَا اقْتَضَاهُ.

أقول: قد ذكرنا أن السنة قول وفعل وإقرار ومضى الكلام على القول، والكلام ها هنا على الفعل، ويرد على الفعل ما يرد على القول من الاعتراضات الثمانية.
وأول ذلك الاعتراض عليه بأن الفعل الذي احتج به المستدل لا يقول هو به.
مثاله: استدلال الحنفي في قتل المسلم بالكافر بأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل مسلما بكافر، وقال: أنا أحقّ مَن وفّى بذمته. ثم أمر به فقتل. ([1] )
فيقول الشافعي: هذا الحديث لا تقول به فإن الذي قتله به كان مستأمنا لأنه كان رسولا، وعند أبي حنيفة لا يقتل المسلم بالرسول الكافر فلا يصح احتجاجك به.
والجواب: أن الخبر لما دلّ على أن المسلم يقتل بالمستأمن نبّه به على أن المسلم أولى أن يقتل بالذمي، ثم دلّ الدليل على نسخ قتل المسلم بالمستأمن فبقي جواز قتل المسلم بالذمي على ما اقتضاه.
وقد تقدم أن هذا الجواب لا يصح لأنه إذا بطل الأصل بطل الفرع.







([1] ) رواه البيهقي في السنن الصغرى وقال: فهذا حديث منقطع، وراويه غير محتج به.
رد مع اقتباس
  #49  
قديم 20-10-19, 09:31 AM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 173
افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

والاعتراض الثَّانِي: أن ينازعه فِي مُقْتَضَاهُ، وَهَذَا النَّوْع يتَوَجَّه على الْفِعْل من طَرِيقين:
أحدهما: أن ينازعه فِيمَا فعل.
وَالثَّانِي: أن ينازعه فِي مُقْتَضى الْفِعْل.
فأما الأول فَمثل: أن يسْتَدلّ الشَّافِعِي فِي تكْرَار مسح الرَّأْس بِمَا روي أن النَّبِي صلى الله عليه وسلم توضأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالَ: هَذَا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي، ووضوء خليلي إبراهيم عَلَيْهِ السَّلَام.
فَيَقُول الْحَنَفِيّ: قَوْله: "تَوَضَّأ ثلاثا" مَعْنَاهُ غسل؛ لَأن الْوضُوء فِي اللُّغَة النَّظَافَة وَذَلِكَ إنما يحصل بِالْغسْلِ فلَا يدْخل فِيهِ الْمسْح.
وَالْجَوَاب عَنهُ من وَجْهَيْن:
أحدهما: أن يبين أن الْوضُوء فِي عرف الشَّرْع هُوَ الْغسْل وَالْمسح، وفي اللُّغَة عبارَة عَن الْغسْل، فَوَجَبَ أن يحمل على عرف الشَّرْع.
وَالثَّانِي: أن يبين بِالدَّلِيلِ من جِهَة السِّيَاق أوْ غَيره أن المُرَاد بِهِ الْغسْل وَالْمسح.
وَالطَّرِيق الثَّانِي: أن يسلّم مَا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه ينازعه فِي مُقْتَضى فعله.
وَذَلِكَ مثل: أن يسْتَدلّ الشَّافِعِي فِي وجوب الِاعْتِدَال فِي الرُّكُوع وَالسُّجُود بَأن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فعل ذَلِك.
فَيَقُول الْمُخَالف: فعله لَا يَقْتَضِي الْوُجُوب.
وَالْجَوَاب عَنهُ من ثَلَاثَة أوجه:
أحدها: أن يَقُول فعله عِنْدِي يَقْتَضِي الْوُجُوب وإن لم تسلم دلّلت عَلَيْهِ.
وَالثَّانِي: أن يَقُول: هَذَا بَيَان لمجمل وَاجِب فِي الْقُرْآن، وَبَيَان الْوَاجِب وَاجِب.
وَالثَّالِث: أن يَقُول قد اقْترن بِهِ أمْر وَهُوَ قَوْله صلى الله عليه وسلم: صلوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أصلي. والأمر يَقْتَضِي الْوُجُوب.

أقول: الاعتراض الثاني على الفعل المنازعة في المقتضى، وهذا النوع يتوجه من وجهين:
أحدهما أن ينازعه في أي شيء قد فعل بأن يحمل المعترض فعله صلى الله عليه وسلم على وضع غير الوضع الذي حمله عليه المستدل.
مثاله: استدلال الشافعي على استحباب التثليث في مسح الرأس أنه صلى الله عليه وسلم دعا بماء فتوضأ مرة مرة، فقال : " هذا وظيفة الوضوء ، أو قال: وضوء من لم يتوضأه لم يقبل الله له صلاة " . ثم توضأ مرتين مرتين ، ثم قال : " هذا وضوء من توضأه أعطاه الله عز وجل كفلين من الأجر " ثم توضأ ثلاثا ثلاثا فقال: " هذا وضوئي ووضوء المرسلين قبلي". رواه ابن ماجه وغيره وهو ضعيف([1] ) .
فيقول الحنفي: قوله: "توضأ" معناه غسل؛ لأن الوضوء في اللغة هو النظافة وما تحصل به الوضاءة، وذلك إنما يحصل بالغسل دون المسح فيكون معنى قوله:توضأ ثلاثا ثلاثا هو: غسل ثلاثا ثلاثا.
والجواب عنه من طريقين:
الأول: أن الوضوء في الشرع هو عبارة عن الغسل والمسح، والدليل عليه أن كل موضع ورد الشرع به كان المراد به ما قلناه، وفي اللغة عبارة عن الوضاءة والنظافة، واللفظ إذا كان له عرفان: عرف في اللغة، وعرف في الشرع، حمل على عرف الشرع ولا يحمل على عرف اللغة إلا بدليل.
الثاني: أن يبين بالدليل من جهة سياق الحديث أو غيره أن المراد به الغسل والمسح، وذلك أنه ورد في الخبر أنه توضأ مرة مرة وقال هذا وضوء من لم يتوضأه لم يقبل الله له صلاة، ولا شك أنه غسل ومسح، فإذا قيل: توضأ مرتين يجب أن يكون كرر ذلك بعينه، وإذا قيل: ثلاثا ثلاثا يجب أن يكون كرر ذلك بعينه ثلاثا فيدخل الغسل والمسح.
الوجه الثاني: أن يسلم له ما روي من الفعل أنه فعله ولكنه ينازعه في مقتضى فعله وما يفهم منه.
مثاله: استدلال الشافعي في وجوب الاعتدال في الركوع والسجود بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك. كما في أحاديث صحيحة ثابتة في الصحيحين وغيرهما.
فيقول المخالف: لا أسلم أن اعتداله صلى الله عليه وسلم يقتضي الوجوب.
والجواب عنه من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يقول: فعله عندي يقتضي الوجوب فإن سلمت هذا الأصل وإلا نقلنا الكلام إليه، والدليل على أن فعله صلى الله عليه وسلم يقتضي الوجوب قوله تعالى: فليحذر الذين يخالفون عن أمره. والأمر يقع على القول والفعل، والدليل عليه قوله تعالى: وأمرهم شورى بينهم.
ثانيهما: فعله صلى الله عليه وسلم هذا خرج مخرج البيان لمجمل واجب في القرآن وهو الصلاة وما كان بيانا لواجب فهو واجب.
ثالثهما: أن نقول: هذا الفعل قد اقترن به ما يدل على الوجوب وهو قوله صلى الله عليه وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلي. رواه البخاري. والأمر يقتضي الوجوب.
رد مع اقتباس
  #50  
قديم 20-10-19, 11:02 PM
أبو مصطفى العراقي أبو مصطفى العراقي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 30-05-17
المشاركات: 173
افتراضي رد: تعليقات على كتاب المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي

والاعتراض الثَّالِث: دَعْوَى الإجمال وَهُوَ مثل: أن يسْتَدلّ الشَّافِعِي فِي طَهَارَة الْمَنِيّ بأن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت: كنت أفرك الْمَنِيّ من ثوب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ يُصَلِّي. وَلَو كَانَ نجسا لقطع الصَّلَاة.
فَيَقُول الْحَنَفِيّ: هَذَا مُجمل لأنه قَضِيَّة فِي عين فَيحْتَمل أنه كَانَ قَلِيلا وَيحْتَمل أنه كَانَ كثيرا فَوَجَبَ التَّوَقُّف فِيهِ.
وَالْجَوَاب: أن يبين بِالدَّلِيلِ أنه كَانَ كثيرا لأن عَائِشَة احتجت بِهَذَا الْخَبَر على طَهَارَته فَلَا يجوز أن يُحْتَج بِمَا يُعْفَى عَنهُ.
ولأنها أخبرت عَن دوَام الْفِعْل وتكراره وَيبعد مَعَ التّكْرَار أن يكون ذَلِك قَلِيلا.

أقول: الاعتراض الثالث على الفعل دعوى الإجمال.
مثاله: استدلال الشافعي في طهارة المني بقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركا فيصلي فيه. متفق عليه واللفظ لمسلم. وجاء في رواية ابن خزيمة: أنها كانت تحتّ المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي. ولو كان المني نجسا لقطع الصلاة واستأنفها.
فيقول الحنفي: هذا مجمل لأنه قضية في عين فيحتمل أن المني كان كثيرا فيثبت طهارته كما تقولون، ويحتمل أنه كان قليلا فيعفى عنه فلا تثبت طهارته فوجب التوقف فيه على البيان.
والجواب أن ينفي أنه كان قليلا وذلك لأمرين:
الأول: أن عائشة احتجت به على طهارة المني ولا يجوز أن يحتج على طهارة شيء بما يعفى عنه.
الثاني: أن في متن الخبر ما يدل على أنه كان كثيرا لأنها قالت "كنت أفرك" وهذا إخبار عن أفعال متكررة في أحوال مختلفة ويبعد مع التكرار أن يكون قليلا.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:32 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.