ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى القرآن الكريم وعلومه
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 11-09-19, 04:27 PM
نعمان جغيم نعمان جغيم غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 12-12-11
المشاركات: 64
افتراضي النسخ في القرآن الكريم: مراجعة وتحرير (3)

وقوع النسخ في القرآن الكريم

قضية وقوع النسخ في القرآن الكريم مسألة قديمة متجددة، ويبدو أنها لم تكن محل خلاف كبير في القديم، ولكنها في العصر الحاضر أصبحت محلّ نقاش طويل، سواء من حيث أصل وقوع النسخ في القرآن الكريم أم من حيث عدد الآيات المنسوخة. وقبل تفصيل النقاش في المسألة ينبغي تحرير محل النزاع في النقاط الآتية:

أولا: لا خلاف بين المسلمين في أن شريعة الإسلام ناسخة للشرائع السابقة. فالرسول صلى الله عليه وسلم هو خاتم الرسل، قال تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) (الأحزاب: 40)، وهو صلى الله عليه وسلم مُرْسَل إلى جميع البشر، قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (سبأ: 28)، والكتاب الذي جاء به مهيمن على الكتب السابقة، قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) (المائدة: 48). ولا معنى في هذا السياق لإنكار اليهود والنصارى لكون شريعة الإسلام ناسخة لما قبلها من الشرائع، لأن ذلك فرع إنكارهم نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم، ولو آمنوا بها لآمنوا بكونها ناسخة لما قبلها.

ثانيا: لا خلاف في وقوع تغيير في بعض الأحكام الشرعية،[1] مثل تغيير التوجُّه إلى بيت المقدس في الصلاة بالتوجُّه إلى الكعبة، ونص النبي صلى الله عليه وسلم على أنه كان قد نهى أصحابه عن زيارة القبور، وأنه يأذن لهم في زيارتها، ولا خلاف في أن عقوبة الحبس والأذى لمرتكبي الزنا (سورة النساء: 15-16) قد غُيِّرَت واستُبْدِلت بالجلد والرجم، وغير هذا من الوقائع التي ثبت فيها تغيير بعض الأحكام الشرعية، ولكن الخلاف في تسميتها نسخا.

ثالثا: وقع الخلاف في النسخ في القرآن الكريم: هل توجد في القرآن الكريم آيات منسوخة بمعنى النسخ عند الأصوليين أم لا؟ ذهب جمهور العلماء إلى وقوعه، وذهب إلى عدم وقوعه بعض المتقدمين -أشهرهم أبو مسلم الأصفهاني- وتبعهم بعض المعاصرين على ذلك.

من أشهر المعاصرين الذين كتبوا في نفي النسخ في القرآن الكريم عبد المتعال الصعيدي. يستند الصعيدي في رفضه القول بوقوع النسخ في القرآن الكريم إلى أن ذلك طريق تنزيه الله عز وجل عن البداء، وأن القول بالنسخ طريق إلى القول بالبداء، حيث يقول: "لأن النسخ هو طريق القول بالبداء -أي ظهور وجه الصواب له -سبحانه- بعد الخطأ والجهل. تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. ومن ثمت كان القول بأنه لا نسخ في القرآن عصمة للنفوس من الانزلاق إلى الهاوية."[2] ويقول في معرض رده على كلام مصطفى زيد في تبرير النسخ والتفريق بينه وبين البداء: "والحكم الشرعي إن كان قد نزل من الله لعصر بعينه حدده الله سبحانه ووقَّتَه ثم أنزل لعصر آخر حكما شرعيا مغايرا، كان الحكم الأول غير منسوخ، لأنه حكم مرهون بوقته مقيد بزمانه. فما جاء بعد ذلك حكم خاص بأهل زمانه وظروفهم الطارئة."[3] نلاحظ أن هذه العبارة الأخيرة تشير إلى أن الصعيدي لا ينكر وجود جوهر النسخ -الذي هو تغيير حكم بحكم آخر- ولكن يُنكر تسميته نسخا.

يزعم عبد المتعال الصعيدي أن فكرة النسخ ابتكرها اليهودي "أبو عيسى إسحاق بن يعقوب الأصفهاني" في عصر نهاية الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية، وتبعته جماعة من اليهود يسمون العيسوية، وأن علماء المسلمين تأثروا بالعيسوية عندما قالوا بالنسخ في القرآن الكريم. ويرى أن ذلك التأثر كان إما من خلال إعلان بعض اليهود الإسلام ثم القيام بنشر فكرة النسخ بين المسلمين، أو بتأثر بعض علماء المسلمين بتلك الفكرة من خلال التأثر بالموروث الحضاري للأمم الأخرى مثل اقتباس فكرة القياس.[4]

الواقع أن هذا الزعم لا دليل عليه، بل وقائع النسخ مروية عن بعض الصحابة، مثل ابن عباس، وعن التابعين، وقد كان هذا قبل العصر الذي يتحدث عنه الصعيدي. أما عن خوض علماء اليهود في النسخ فهو إنما كان للدفاع عن شريعتهم في وجه القول بأنها منسوخة بالقرآن الكريم. إن حديث علماء المسلمين عن النسخ -ومنه كون شريعة الإسلام ناسخة للشرائع السابقة- هو الذي أدى إلى حديث اليهود عن النسخ، وليس اليهود هم الذين ابتكروا الحديث عن النسخ، ثم انتقل ذلك منهم إلى علماء المسلمين.

نعم، لا نستبعد أن يكون بعض المندسين من اليهود قد وضع بعض الأخبار في النسخ بغرض تشويه صورة الإسلام والتشويش عليه، ولكن الزعم بأن الحديث عن النسخ في القرآن الكريم والشريعة الإسلامية إنما نشأ بفعل اليهود أو تأثرا بحديثهم عن النسخ إنما هو مجرد دعوى لا يوجد ما يثبتها، بل الثابت عكسها، وهو أن حديث الفِرَق اليهودية عن النسخ إنما نشأ في محاولة للدفاع عن ديانتهم، والرد على كون شريعة الإسلام ناسخة للشريعة اليهودية.
وفيما يأتي عرض ومناقشة لمسألة وقوع النسخ في القرآن الكريم، وأدلة ذلك.

مناقشة أدلة وقوع النسخ في القرآن الكريم
عمدة القائلين بوقوع النسخ في القرآن الكريم ثلاث آيات من القرآن الكريم، ولكن النافين لوقوع النسخ في القرآن الكريم يخالفونهم في بيان المراد منها. وفيما يأتي عرض للنقاش الذي دار حولها:

الآية الأولى: قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: 106)

كلمة "آية" تحتمل ثلاثة معاني: الأول: نصوص القرآن الكريم، والثاني: المعجزة وهو استعمال شائع جدا في القرآن الكريم، والثالث: آيات الكتب السماوية السابقة، ويكون المعنى نسخ شريعة النبي اللاحق لشريعة النبي السابق، فيكون المراد بها نسخ القرآن الكريم لشريعة موسى وعيسى عليهما السلام.

1- جرى عامة المفسرين والأصوليين على تفسير "الآية" هنا بمعنى نصوص القرآن الكريم، والنسخ بمعنى إزالة الحكم، واستدلوا بهذه الآية على وقوع النسخ في نصوص القرآن الكريم وفي أحكامه. ولكنهم اختلفوا واضطربوا في تفسيرها، وقد لخص الرازي مذاهبهم كما يأتي:[5]

الرأي الأول: "مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ" يعني يُنسخ حكمُها وتبقى تلاوتها، وقوله تعالى: "أَوْ نُنْسِهَا" أي يُنسخ حكمُها وتلاوتها، ويكون نسخ تلاوتها بأن ينساها المسلمون.
الرأي الثاني: "مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ" يعني النسخ بجميع أنواعه: نسخ الحكم فقط، ونسخ التلاوة فقط، ونسخ الحكم والتلاوة، وقوله تعالى: "أَوْ نُنْسِهَا" أي نتركها كما كانت فلا ننسخها.
الرأي الثالث: "مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ" هي الآية التي صارت منسوخة في الحكم والتلاوة معا. وقوله تعالى: "أَوْ نُنْسِهَا" أي نتركها في التلاوة وننسخ حكمها.
الرأي الرابع: وهو القول المبني على قراءة ابن كثير (أو نَنْسَأْهَا) من "أَنْسَأَ ونَسَّأَ" بمعنى أخّر. ويكون معنى قوله تعالى: "مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ" أي نرفعها بعد إنزالها، (أو نَنْسَأْهَا) أي نؤخر نسخها فلا ننسخها في الحال، أو يكون معناها نؤخر إنزالها من اللوح المحفوظ، فإنّا نُنَزِّل بدلها ما يقوم مقامها في المصلحة.

ذهب الدكتور مصطفى زيد إلى ترجيح الرأي الأول، وهو أن المراد بقوله تعالى: "مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ" نسخ الحكم مع بقاء التلاوة بناء على ختم الآية بقوله تعالى: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا) وهذا يكون في الأحكام فهي التي يكون بعضها أفضل من بعض بمعنى أصلح من بعض، أما نصوص القرآن الكريم فلا تفاضل بينها لأنها كلها كلام الله تعالى. والمراد بقوله تعالى: "أَوْ نُنْسِهَا" نسخ التلاوة والحكم جميعا بإنساء المسلمين إياها، بناء على رأيه أن أفضل ما فُسِّرَ به الإنساء هو المحو من الذاكرة، أما قراءة ابن كثير "نَنْسَأَهَا" ففسرها بقوله: "بمعنى يبعده عن كتابه، فيرفع نظمه وحكمه."[6] وقد حاول تأييد رأيه بما روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: "أقرَأُنا أُبيٌّ، وأقضانا عليٌّ، وإنّا لَنَدَعُ من قول أُبيٍّ، وذلك أن أُبيًّا يقول: لا أدع شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنْسَأْهَا)".[7] وعلّق على هذه الرواية بكلام مفاده أن من القرآن ما أُنْسِيَهُ المسلمون فلم يعد قرآنا يُتلى، ولكن أُبيّ بن كعب بقي يتلوه ويُثبتُه في مصحفه.[8]

لم يُبيِّن لنا الدكتور مصطفى زيد كيف نسي المسلمون القرآن المنسوخ بالإنساء مع بقاء أُبيّ بن كعب وحده يذكره ويتلوه؟ هل أُبيُّ بن كعب له خصوصية واستثناء فلم يشمله النسخ بالمحو من الذاكرة؟ أم كيف؟ وحتى إذا تجاوزنا هذا التناقض وافترضنا أن أُبيّ بن كعب قد بقي يذكر ما رُفِع من القرآن ومُحِيَ من ذاكرة المسلمين، فإنه تواجهنا إشكالية أخرى، هي: إن استمرار أُبيّ بن كعب في تلاوة ما نُسِخ نصُّه وتلاوتُه إما أن يكون عن جهل منه أنه منسوخ، أو يكون يعلم ذلك، لكنه يتعمد الاستمرار في تلاوته؟ إذا كان الجواب الأول، فنقول: كيف يكون أُبيّ أقرأ الصحابة للقرآن ويكون جاهلا بما هو منسوخ تلاوة؟ وإذا كان الجواب الثاني، فنقول: كيف يستحلّ أُبيّ بن كعب الاستمرار في إثبات ما نُسِخ نصُّه وتلاوته ولم يُعد قرآنا مع علمه بذلك؟ وإذا كان نسخ التلاوة -كما يزعمون- بالإنساء والمحو من الذاكرة فكيف نتصور بقاء المنسي في ذاكرة أُبيّ بن كعب وحده واستمراره في تلاوتها؟ هذه الاحتمالات الثلاثة كلها غير مقبولة، وبذلك يُصبح مضمون هذا الأثرُ محلّ نظر.

ومن الاعتراضات التي ترد على هذا التفسير أن "أو" في قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا) تقتضي المغايرة، فيكون النسخ غير الإنساء، ولكنهم يفسرون الإنساء بما هو جزء من النسخ، أي نوع من أنواعه. ولا يسلم من هذا الاعتراض إلا أصحاب الرأي الثاني الذين يفسرون (نُنْسِهَا) بمعنى نتركها دون نسخ، ولكن يعكر على هذا الرأي قوله تعالى: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) فكيف يكون الإتيان بما هو خير مما لم يُنسخ أو بمثله؟ والتبديل إنما يكون لما نُسخ لا لما هو باق دون نسخ!

وتجدر الإشارة إلى أن السيوطي فسَّر الإنساء بأن المراد به أن يرد حكم لسبب مُعيّن، فيكون الالتزام بذلك الحكم مع وجود ذلك السبب، فإذا زال السبب توقف العمل بذلك الحكم، وإذا عاد السبب مرة أخرى عاد العمل بذلك الحكم. يقول السيوطي في بيان ذلك: "الـمُنْسَأ بمعنى أن كل أَمْر ورد يجب امْتِثَالُهُ في وقْتٍ ما لعِلَّة تقتضي ذلك الـحُكْم، ثم يَنْتَقِلُ بانْتِقَالِ تلْكَ العلة إلى حكم آخر."[9] ومثّل لذلك بما ورد في القرآن الكريم من الأمر بالصبر على أذى الكفار والصفح عنهم في حال الضعف، ثم أُنسئ ذلك بالأمر بالقتال عندما قوي المسلمون. فهو يرى أن هذا ليس من باب النسخ؛ لأن النسخ يعني زوال الحكم حتى لا يجوز امتثاله مرة أخرى، وإنما هو من باب الإنساء، حيث يعود العمل بالصبر على الكفار والصفح عنهم في حال عودة حال المسلمين إلى الضعف.[10]

والملفت للنظر أن الرازي استدل بهذه الآية في كتابه "المحصول في أصول الفقه" على وقوع النسخ، ثم تراجع بعد ذلك عن الاستدلال بها، حيث يقول في تفسيره: "واعلم أنّا بعد أن قررنا هذه الجملة في كتاب المحصول في أصول الفقه تمسكنا في وقوع النسخ بقوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) والاستدلال به أيضا ضعيف؛ لأن "ما" ههنا تفيد الشرط والجزاء. وكما أن قولك: "من جاءك فأكرمه" لا يدل على حصول المجيء، بل على أنه متى جاء وجب الإكرام، فكذا هذه الآية لا تدل على حصول النسخ، بل على أنه متى حصل النسخ وجب أن يأتي بما هو خير منه. فالأقوى أن نعوِّل في الإثبات على قوله تعالى: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ) وقوله: (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)."[11]
ومقتضى كلام الرازي أنه حتى إذا فسرنا النسخ في الآية بمعنى نسخ نصوص القرآن الكريم، فإن الآية لا تدل على وقوع النسخ، بل تدل على أنه إن وقع فسيأتي الشارع بالبدل عنه.

2- ذكر أبو عبيد القاسم بن سلام أن من قرأ قراءة (مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نَنْسَأْهَا)، وهي قراءة عبيد بن عمير ومجاهد وعطاء، وكثير من القراء منهم أبو عمرو بن العلاء وغيره من أهل البصرة، فإنهم يفسرون النسخ بالنقل، أي ما نسخه الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم من أُمِّ الكتاب فأنزله عليه، فيكون المنسوخ على هذا التأويل جميع القرآن. والنَّسْأ ما أخَّره الله عز وجل وتركه في أم الكتاب فلم ينزله،[12] فيكون معنى (أو نَنْسَأْهَا) أي نؤخر نقلها من اللوح المحفوظ. وهذا التفسير منسوب أيضا إلى سعيد بن المسيب.[13]

وربما عكّر على هذا التفسير قوله تعالى: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا): فكيف يكون الإتيان بما هو مثل أو خيرٌ مما نُسِخ من اللوح المحفوظ، أي نُقل منه، وهو كله كلام الله؟

3- ذهب أبو مسلم الأصفهاني إلى أن المراد بـ"الآية" هنا ليس نصوص القرآن الكريم، بل نصوص التوراة والإنجيل،[14] فيكون المراد بالنسخ هنا أن شريعة الإسلام نسخت بعض شرائع الأنبياء السابقين وتركت بعضها، وجاءت هذه الشريعة بمثل تلك الشرائع أو أفضل منها في تحقيق الصلاح للبشرية.

وقد ذهب محمد جمال الدين القاسمي -من المعاصرين- في تفسير الآية مذهب أبي مسلم الأصفهاني، حيث يقول في تفسيرها: "ما نبدل من آية بغيرها- كنسخنا آيات التوراة بآيات القرآن. (أَوْ نُنْسِهَا) أي نذهبها من القلوب... وقُرِئ (أَوْ نَنْسَأْهَا) أي نؤخرها ونتركها بلا نسخ، كما أبقى كثيرا من أحكام التوراة في القرآن."[15]

4- ذهب الشيخ محمد عبده إلى أن المراد بـ"الآية" هنا المعجزة؛ لأن معنى "الآية" في أصل اللغة هو الدليل والحجة والعلامة على صحة الشيء، وسُمِّيت جُمَل القرآن آيات لأنها بإعجازها حُجَجٌ على صدق النبي ودلائل على أنه مُؤيَّد فيها بالوحي.[16] ويكون المعنى: "أن الآية هنا ما يؤيد الله تعالى به الأنبياء من الدلائل على نبوتهم"،[17] فإذا أزال الله عز وجل وترك تأييد نبيٍّ بمعجزة أيَّد بها نبيًّا سابقا، أو أنسى الناس تلك المعجزة لطول العهد بمن جاء بها، فإنه عز وجل يأتي بمعجزة أخرى هي أفضل من تلك المعجزة أو مثلها في قوة الإقناع وإثبات النبوة، والله عز وجل على كل شيء قدير.[18] ويؤيد رأيه بكون الآية خُتمت بقوله تعالى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وذكر القدرة لا يناسب موضوع الأحكام ونسخها، وإنما يناسب نسخَ الأحكام ذكرُ العلم والحكمة؛ لأن الحكمة والعلم يقتضيان انتهاء الزمن أو الحال التي كانت فيها تلك الأحكام موافقة للمصلحة. أما ذكر القدرة فيناسب تأييد الأنبياء بالمعجزات المختلفة. كما يؤيد رأيه بأنه جاء بعد تلك الآية قوله تعالى: (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ) (البقرة: 108) وقد سئل موسى المعجزات لا نصوص الكتاب المقدس. كما استشهد بقراءة ابن كثير (نَنْسَأْهَا) بمعنى نُأخِّرها، والإنساء يناسب المعجزات لا نسخ الأحكام ونصوص القرآن الكريم.[19]

وقد رد الدكتور مصطفى زيد على محمد عبده رأيه بأن الآية نزلت في المدينة تخاطب المؤمنين، وهم لم يكونوا ليطلبوا معجزة غير القرآن الكريم، وأن الآيات التي قبلها تتحدث عن عداوة اليهود لجبريل الذي نزل بالقرآن الكريم على قلب محمد. كما حاول الدكتور مصطفى زيد إثبات أن سياق الآيات يؤيد أن المراد بالنسخ نسخ آيات القرآن الكريم.[20] ولكنه لم يتمكن من تقديم ردّ واضح وقوي على الربط بين تفسير "الآية" بالمعجزة وختم الآية القرآنية بقوله تعالى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وهو حديث عن قدرة الله تعالى لا عن علمه وحكمته، ثم تعقيبها بآية تتحدث عن أن الله تعالى له ملك السموات والأرض. واكتفى بالقول: "هذا وذاك لا دليل فيهما على صرف الآية عن المعنى المتبادر منها إلى معنى آخر هو المعجزة؛ ذلك أن تبديل المعجزة بغيرها ليس بأقل من تبديل الحكم بغيره حاجة إلى العلم والحكمة. ونسخ حكم بحكم -مع أن كلا من الحكمين تقرره آية في كتاب الله- ليس بأقل حاجة إلى القدرة من نسخ معجزة نبي بمعجزة أخرى لنبي آخر."[21] ولكن القضية هنا ليست حاجة كل من الوحي والمعجزة الحسية إلى العلم والحكمة والقدرة؛ فالله عز وجل عليم حكيم قادر على كل شيء، ولكن الحديث عن المناسبة، فلا شكّ أن المعجزة الحسية يناسبها أكثرُ ذكرُ القدرة، وتبديل الأحكام يناسبه أكثر ذكرُ الحكمة والعلم بما هو أصلح للناس.
كما يعترض الدكتور مصطفى زيد على رأي محمد عبده بأن النسخ إنما يرد على أمر موجود فعلا وكذلك الإنساء يرد على مذكور، ولم تكن معجزة من معجزات الأنبياء السابقين موجودة حين بعث محمد صلى الله عليه وسلم حتى يرد عليها النسخ، ولا كانت مذكورة للناس حتى يرد عليها الإنساء.[22]

الملاحظ أن كلا من الشيخ محمد عبده والدكتور مصطفى زيد حاول الاعتماد على السياق لتدعيم تفسيره للآية. والذي يبدو لي أن السياق يميل إلى تفسير "الآية" بالمعجزة أو بعض شرائع التوراة، لأن الآية السابقة لها مباشرة نصها كالآتي: (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) وأعظم خير أنزل على المؤمنين هو القرآن الكريم الذي هو معجزة الرسول صلى الله عليه وسلم والمهيمن على الكتب السابقة، وقد اختص الله عز وجل رسوله بهذا الخير العظيم كما تشرف قومه من العرب بهذا الخير العظيم، ولا اختصاص لشريعة الإسلام بالنسخ الجزئي في أحكامها، والنسخ الجزئي موجود في شريعة موسى عليه السلام، بل يوجد حتى في التشريعات الوضعية.

إن القائلين بالنسخ يذكرون أن حكمته هي أن بعض الأحكام لم تعد توفي بمصلحة المجتمع الإسلامي، فتُنْسَخ ويحل محلها أحكام أفضل منها في الوفاء بمصلحته، وهذا يناسبه تماما قوله تعالى: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا)، ولكن لا يناسبه قوله: (أَوْ مِثْلِهَا)؛ لأنها ما دامت مثلها فما الحكمة من نسخها؟ وقد حاول الدكتور مصطفى زيد أن يتخلص من هذا الإشكال بتعليل النسخ بالمثل بأنه يُراد به امتحانُ المؤمنين بنسخه، فيُرفع ليُؤتى بدلا منه بحكم مثله.[23] ولكن ما الداعي إلى امتحان المؤمنين بالنسخ وهم يؤمنون بالوحي كله ويصدقون الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع ما يأتي به، فما وجه الامتحان في ذلك؟

أما تفسير "الآية" بالمعجزة أو ببعض شرائع الكتب السابقة فإنه لا ترد عليه هذه الإشكالات. فالمعجزات كلها تحقق الإقناع، ولكن معجزة النبي اللاحق قد تكون أقوى من معجزات الأنبياء السابقين أو مثلها. كما أن الشرائع اللاحقة قد تكون مثل الشرائع السابقة التي ما زالت تحقق صلاح المؤمنين، وقد تكون أفضل منها في تحقيق المصلحة.

الخلاصة أن تفسير الآية محل أخذ ورد، ولا يكاد يسلم رأي من الآراء من الإشكالات التي ترد عليه، ولا يمكن لأحد الجزم برأيه، والآية ليست صريحة في النسخ بمعناه الأصولي (نسخ النصوص الشرعية)، ولا تعتبر دليلا قويا لأصحاب هذا الرأي. والظاهر أنها أقرب في سياقها إلى أن تكون في نسخ شريعة الإسلام لبعض الشرائع السابقة والإتيان ببعض الشرائع التي تشبه الشرائع السابقة أو أفضل منها؛ لأن اليهود كانوا ينكرون على الرسول صلى الله عليه وسلم الإقرار بنبوة موسى وبالتوراة ثم مخالفة شرائع موسى الواردة في التوراة، فجاءت هذه الآيات ترد عليهم وتبين لهم الحكمة من ذلك، وهذا مقتضى قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ) (المائدة: 48). والسياق الذي وردت فيه الآيات أغلبه عن الجدل مع اليهود.


[1]قال ابن دقيق العيد: "نقل عن بعض المسلمين إنكار النسخ لا بمعنى أن الحكم الثابت لا يرتفع، بل بمعنى أنه ينتهي بنص دلّ على انتهائه، فلا يكون نسخا" وبه يكون الأمر خلافا لفظيا. الزركشي، البحر المحيط، ج4، ص72.
[2]الجبري، عبد المتعال محمد الصعيدي، لا نسخ في القرآن لماذا؟ (القاهرة: دار التضامن للطباعة، 1400هـ/ 1980م) ص20.
[3]عبد المتعال الصعيدي، لا نسخ في القرآن، ص20.
[4]عبد المتعال الصعيدي، لا نسخ في القرآن، ص20.
[5]الرازي، فخر الدين محمد الرازي، التفسير الكبير (بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1401هــ/ 1981م) ج1، ص250.
[6]مصطفى زيد، النسخ في القرآن، ج1، ص263.
[7]صحيح البخاري، كتاب التفسير، تفسير سورة البقرة، ج6، ص19، حديث رقم (4481).
[8]مصطفى زيد، النسخ في القرآن، ج1، ص253-254.
[9]السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر، الإتقان في علوم القرآن، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1394هـ/ 1974م) ج3، ص69.
[10]السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج3، ص68-69.
[11]الرازي، التفسير الكبير، ج3، ص247.
[12]ابن سلام، الناسخ والمنسوخ، ص10.
[13]الرازي، التفسير الكبير، ج1، ص249-250.
[14]الرازي، التفسير الكبير، ج1، ص248.
[15]القاسمي، محمد جمال الدين، تفسير القاسمي المسمى محاسن التأويل، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي (القاهرة: دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاءه، 1367هـ/ 1957م) ج2، ص217-218.
[16]محمد رشيد رضا، تفسير القرآن الحكيم المشهور بتفسير المنار (القاهرة: دار المنار، 1366هـ/ 1947م) ج1، ص417.
[17]رشيد رضا، تفسير المنار، ج1، ص417.
[18]رشيد رضا، تفسير المنار، ج1، ص417.
[19]رشيد رضا، تفسير المنار، ج1، ص418-419.
[20]مصطفى زيد، النسخ في القرآن، ج1، ص257-261.
[21]مصطفى زيد، النسخ في القرآن، ج1، ص261.
[22]مصطفى زيد، النسخ في القرآن، ج1، ص261-262.
[23]مصطفى زيد، النسخ في القرآن، ج1، ص260.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:14 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.