ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الفقهية
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #21  
قديم 31-01-12, 01:05 AM
عبد الله خطاب عبد الله خطاب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-09-11
المشاركات: 796
افتراضي رد: فقه القضاء على المذهب المالكي من خلال "مختصر خليل" ( فروع / وأصول )

مقدمة ثالثة: في أشياء متفرقة نافعة لدارس هذا العلم
أولا :
قال في "التوضيح" في شرح قول ابن الحاجب في أول باب القضاء :(وهو فرض كفاية) ما نصه :[ وعلمُ القضاءِ وإن كان أحدَ أنواعِ علمِ الفقهِ إلا أنه يتميز بأمور زائدة لا يحسنها كل الفقهاء وقد يحسنه من لا باع له في الفقه وهو كالتصريف من علم العربية فإنه ليس كل النحاة يعلم التصريف ، وقد يحسنه من لا باع له في النحو .
وإنما كان فرضا لأنه لما كان الإنسان لا يستقل بأمور دنياه إذ لا يمكن أن يكون حرَّاثا طحَّانا جزَّارا إلى غير ذلك من الصنائع المفتقر إليها احتاج إلى غيره ، ثم بالضرورة قد يحصل بينهما التشاجر والتخاصم لاختلاف الأغراض ، فاحتيج إلى من يفصل تلك الخصومة ، ويمنع بعضهم من غرضه ؛ ولهذا وجب إقامة الخليفة لكن نظر الخليفة أعم ، إذ أحدُ ما ينظر فيه القضاءُ، ولما كان هذا الغرض يحصل بواحد أو جماعة كان ذلك فرض كفاية ؛ لأن ذلك شأن فرض الكفاية ]ا هـ . (1)
ثانيا :
وقال ابن فرحون في التبصرة : [ واعلم أن أكثر المؤلفين بالغوا في التحذير من الدخول في ولاية القضاء حتى تقرر في ذهن كثير من الفقهاء والصلحاء أن من ولي القضاء فقد سهل عليه دينه وألقى بيده إلى التهلكة ، وهذا غلط فاحش تجب التوبة منه ....

والواجب تعظيم هذا المنصب الشريف ومعرفة مكانته من الدين ، فبه بعثت الرسل، وبالقيام به قامت السموات والأرض، وجعله النبي صلى الله عليه وسلم من النعم التي يباح الحسد عليها.
فقد جاء من حديث ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم "لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا فسلط على هلكته في الحق ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعمل بها" (2)
وجاء من حديث عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال: "هل تدرون من السابق إلى ظل الله تعالى يوم القيامة ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم قال : الذين إذا أعطوا الحق قبلوه وإذا سئلوه بذلوه وإذا حكموا للمسلمين حكموا كحكمهم لأنفسهم "(3)
وفي الحديث: " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل...." الحديث
متفق عليه ورواه مالك وأصحاب السنن.
وقال صلى الله عليه وسلم:" المقسطون على منابر من نور يوم القيامة على يمين الرحمن وكلتا يديه يمين " (4)
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه "لأن أقضي يوما بالحق أحب لي من عبادة سبعين عاما " ومراده أنه إذا قضى يوما بالحق كان أفضل من عبادة سبعين سنة فلذلك كان العدل بين الناس من أفضل أعمال البر وأعلى درجات الأجر .
قال الله تعالى : { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين } فأي شرف أشرف من محبة الله تعالى .

واعلم أن كل ما جاء من الأحاديث التي فيها تخويفٌ ووعيدٌ إنما هي في حق قضاة الجور من العلماء وفي حق الجهال الذين يدخلون أنفسهم في هذا المنصب بغير علم] (5)
ثالثا :
قال التسولي في شرحه للتحفة المسمى " البهجة في شرح التحفة " :
[ثم إن حكم في مسألة اجتهادية تتقارب فيها المدارك لأجل مصلحة دنيوية فمحكمة إنشاء ، فإذا قضى المالكي مثلاً بلزوم الطلاق في التي علق طلاقها على نكاحها فقضاؤه إنشاء نص خاص وارد من قبله سبحانه في خصوص هذه المرأة المعينة فليس للشافعي أن يفتي فيها بعدم لزوم الطلاق استناداً لدليله العام الشامل لهذه الصورة ولغيرها لأن حكم الحاكم فيها جعله الله تعالى نصاً خاصاً وارداً من قبله رفعاً للخصومات وقطعاً للمشاجرة والقاعدة الأصولية إذا تعارض خاص وعام قدم الخاص . نعم للشافعي أن يفتي ويحكم في غيرها بمقتضى دليله ، وكذا لو حكم الشافعي في الصورة المذكورة باستمرار الزوجية بينهما خرجت عن دليل المالكي ولزمه أن يفتي فيها بلزوم النكاح ودوامه وفي غيرها بلزوم الطلاق . وهكذا حكمه في مواطن الخلاف كان داخل المذهب أو خارجه وهو معنى قول خليل"ورفع الخلاف"الخ .
قلت (القائل التسولي ) : وهذا في المجتهد أو المقلد الذي معه في مذهب إمامه من النظر ما يرجح به أحد الدليلين على الآخر ، وأما غيرهما فمحجر عليه الحكم بغير المشهور أو الراجح أو ما به العمل فحكمه بذلك إخبار وتنفيذ محض . نعم إذا تساوى القولان في الترجيح فحكمه إنشاء رفع للخلاف ،
وخرج باجتهادية حكمٌ حكمَه في مواضع الإجماع فإنه إخبار محض لا إنشاء فيه لتعين الحكم بذلك وثبوته.
وبقيد التقارب الخ المدرك الضعيف كالشفعة للجار واستسعاء المعتق فالحكم بسقوطهما إخبار محض والحكم بثبوتهما ينقض لضعف المدرك عند القائل به ،
وبقيد المصلحة الدنيوية العبادات كتحريم السباع وطهارة الأواني والمياه ، ونحو ذلك مما اختلف فيه أهل الاجتهاد لا للدنيا بل للآخرة ، فهذه تدخلها الفتوى فقط إذ ليس للحاكم أن يحكم بأن هذه الصلاة صحيحة أو باطلة بخلاف المنازعة في الأملاك والأوقاف والرهون ، ونحوها مما اختلف فيها لمصلحة الدنيا ، وكذا أخذه للزكاة في مواطن الخلاف فهو حكم من جهة أنه تنازع بين الفقراء والأغنياء لا إن أخبر عن نصاب اختلف فيه أنه يوجب الزكاة ففتوى فقط ]

ــــــــــــــــــــــــــ
(1) ) "التوضيح" ج 7 ص 388. طبعة مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث بتاريخ 2008 م
(2) متفق عليه من حديث ابن مسعود .
وفي رواية عند هما : "لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار "
(3) رواه أحمد بلفظ " وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم " بدلا من " وإذا حكموا للمسلمين حكموا كحكمهم لأنفسهم " .
ورواه الإمام أبو العباس بن القاص - بتشديد الصاد المهملة ، من أصحاب الشافعية - في كتاب «القضاء» من حديث يحيى بن أيوب ، عن ابن زحر ، عن علي بن زيد ، عن القاسم ، عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا : «هل تدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة ؟ ...» فذكره إلا أنه قال: «وإذا حكموا للمسلمين حكموا كحكمهم لأنفسهم» أي بهذا اللفظ الذي ذكره ابن فرحون.
(4) رواه مسلم في كتاب الإمارة / باب فضيلة الإمام العادل من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين : الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا» قال ابن أبي حاتم في «علله» : سألت أبي عن حديث عبد الله بن عمرو هذا ، فقال : الصحيح أنه موقوف.
ورواه النسائي وأحمد.
(5) " تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام " لابن فرحون / الباب الثاني من القسم الأول / ج 1 ص 10 طبعة دار الكتب العلمية / بيروت ـ لبنان بتاريخ 1995 م
وكذا الطبعة الإلكترونية على المكتبة الشاملة / ص 16 – 17 .
رد مع اقتباس
  #22  
قديم 31-01-12, 01:07 AM
عبد الله خطاب عبد الله خطاب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-09-11
المشاركات: 796
افتراضي رد: فقه القضاء على المذهب المالكي من خلال "مختصر خليل" ( فروع / وأصول )

معذرة عن التأخر أياما
رد مع اقتباس
  #23  
قديم 31-01-12, 11:14 PM
عبد الله خطاب عبد الله خطاب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-09-11
المشاركات: 796
افتراضي رد: فقه القضاء على المذهب المالكي من خلال "مختصر خليل" ( فروع / وأصول )

المقطوعة الأولى

قال الشيخ خليل رحمه الله تعالى :
[ باب في القضاء وأحكامه ]
أشار شارح المختصر : الشيخ أبو عبد الله محمد بن يوسف العبدري الشهير بالمواق (المتوفى : 897هـ)إلى أن خليلا ـ رحمه الله تعالى ـ تناول هذا الباب من خلال ثلاثة فصول:
الفصل الأول : في شروط التولية والعزل .
الفصل الثاني : في جامع آداب القضاء .
الفصل الثالث : في القضاء على الغائب و ما يتعلق بالدعوى والمدعِي والكتابةِ إلى قاضٍ آخر والمحكوم به والمحكوم عليه.

وفي الفصل الأول ــ التولية والعزل ــ قال خليل رحمه الله تعالى :
[ أَهْلُ القضاءِ: عَدْلٌ ذَكَرٌ فَطِنٌ مُجْتَهِدٌ إِنْ وُجِدَ وَإِلاَّ... فَأَمْثَلُ مُقَلِّدٍ وَزِيدَ للإمام الأعظم: قرشيٌّ، فَحَكَمَ بِقَوْلِ مُقَلَّدِهِ ]
ش. الصفات ( = الشروط) التي يجب توفرها في الشخص الذي يستحق أن يتولى القضاء على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: شروط في صحة تولي منصب القضاء، وعدمها قبل التولية يمنع منها، وبعد التولية يوجب العزل، ولو تولى شخص لم تتوفر فيه هذه الشروط وحكم نقض حكمه، ولا يعتد به، لفقد شرط صحته.
وهو ما أشار إليه خليل بقوله: "عدل ..."إلى آخر هذه المقطوعة .

القسم الثاني: شروطٌ في استمرار التولية، لا في ابتدائها، بمعنى أن عدمها بعد التولية يوجب العزل ، لكن لا ينتقض الحكم الذي أصدره بعد فقدها ، لأنها ليست لصحة أحكامه.
وستأتي عند قوله: "ونفذ حكم أعمى ..." إلى قوله: "ووجب عزله" .

القسم الثالث: شروط في كمال التولية، و يستحب العزل بعدمها.
وستأتي عند قوله: " كورع... " إلخ .

تتضمن هذه المقطوعة القسم الأول من الصفات الواجب توفرها في من يتولى هذا المنصب الجليل المهيب: منصب القاضي، وقد ذكر خليل أربع صفات:
1 ـــ العدالة، ( = عدل ) وهي وصف مركب ــ كما سيذكره في باب الشهادة ـــ من خمسة أشياء:
أ ـــ الإسلام، قال في التوضيح: [ ولا خلاف فيه إلا ما روي عن أبي حنيفة (ض) من ولاية الكافر الحكومة بين أهل دينه ] (1).
ويستدل لذلك بأمور:
ــــ أن القاضي منوط به الحكم بالشريعة الإسلامية ، وهذا لا يتأتى من الكافر الذي لا يؤمن بالشريعة ، فكيف يحكم بالشريعة من لا يؤمن بها ؟؟؟
ــــ ولأن الكافر ليس بعدل فلا تصح شهادته، ومن لا تصح شهادته لا تصح ولايته بالأولى ، وقد نص القرآن على العدالة في الشهادة نصا واضحا محكما.
ـــ ولأن ولاية الكافر تجعل له سبيلا على المؤمنين، والإسلام لم يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا، قال تعالى: { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } .

ب ـــ البلوغ، ولا خلاف فيه، فلا يصح تولية الصبي، ويستدل له بما يلي :
ــــ أنه ناقص التمييز.
ــــ أنه غير مسئول ( = غير مكلف ) ولم يخاطب بالفرائض إلا البالغون لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ ، عن المبتلَى حتى يبرأ ، وعن الصبي حتى يكبر "
رواه أحمد ، وأبو داود ـ واللفظ له ــ والنسائي ، وابن ماجه ، وابن جرير ، والحاكم، وقال : صحيح على شرط مسلم ، والترمذي عن عائشة رضي الله عنها (2)
والرفع في الحديث مجاز عن عدم التكليف .
ـــ أنه لا تقبل شهادته، ومن لا تصح شهادته لا تصح ولايته كما سبق. لقوله تعالى: { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } قال الشافعي: [ وقول الله عز و جل { ... من رجالكم } يدل على أن لا تجوز شهادة الصبيان ](3)
ـــ ولأنه ليس ممن ترضى شهادته لقوله تعالى { ممن ترضون من الشهداء }

والمالكية لا يجيزون شهادة الصبيان إلا على بعضهم في القتل والجرح بشروط أشار إليها في باب الشهادة بقوله : [إلا الصِّبْيَانَ ــــ لا نساءً في كَعُرْسٍ ــــ فِي جَرْحٍ أوْ قَتْلٍ ، والشاهدُ حُرٌّ مُمَيِّزٌ ذَكَرٌ تَعَدَّدَ لَيْسَ بِعَدُوٍّ وَلاَ قَرِيبٍ ولا خلافَ بَيْنَهُمْ وفُرْقَةٍ إِلاَّ أنْ يُشْهَدَ عليهم قبلَها ولم يَحْضُرْ كبيرٌ أو يَشْهدْ عَليْهِ أوْلهُ ولا يَقْدَحُ رَجُوعُهم ولا تَجْرِيحُهُمْ ] (4)

ج ـــ العقل ، ولا خلاف في اعتباره ، والفطنة شيء زائد على العقل ، فلا يصح توليةُ المجنونِ ولا المعتوه ، لما ذكرنا في الصبي، فلا فرق بين الصبي والمجنون والمعتوه وغيرهم من فاقدي التمييز كلا أو بعضا.
د ـــ الحرية، ولا خلاف كذلك في اعتبارها، فلا تصح ولاية العبد القِنِّ ، ولا من فيه بقية رِقِّ : مِن مكاتبٍ ، ومُدبَّرٍ، ومُعْتَقٍ إلى أجلٍ ، ومعتقٍ بعضُه .
قال القرطبي في شرح (مسلم / كتاب الإمارة) :" نص أصحاب مالك رضي الله تعالى عنه على أن القاضي لا بد أن يكون حرا وأمير الجيش والحرب في معناه ، فإنها مناصب دينية يتعلق بها تنفيذ أحكام شرعية فلا يصلح لها العبد لأنه ناقص بالرق محجور عليه لا يستقل بنفسه ، ومسلوبُ أهليَّةِ الشهادةِ والتنفيذِ لا يصلحُ للقضاء ولا للإمارة ، وأظن جمهور علماء المسلمين على هذا" (5)
فقد استدل لذلك بــ :
ــــ كونه ناقصا بالرق، محجورا عليه غير مستقل بنفسه، لا يلي أمر نفسه فكيف بأمر غيره.
ــــ وكونه لا تجوز شهادته، ومن لا تجوز شهادته لا تصح ولايته كما سبق غير مرة.

وأما المُعتَقُ ( = المحرر) فالظاهر أنه تجوز ولايته ، قال ابن عرفة : وهو المعروف ، وقال ابن عبد السلام : هو مذهب الجمهور ، وخالف سحنون ففي كتاب " النوادر " أنه منع ولايته ، وعلل ذلك بالخوف من استحقاق رقبته ، فيجب رده إلى الرق ، ويفضي ذلك إلى رد أحكامه ، فتذهب أحكام الناس باطلا .
قال في " التوضيح " ويمكن نقض قول سحنون بقبول شهادته مع أنه قد يستحق . ويمكن أن يجيب عنه بأن للإمام مندوحةً عن ولايته، بخلاف قبول شهادته في أمرٍ تعيَّن عليه لا يعرفه غيرُه. (6)

هـ ـــ عدم الفسقِ، وعدم ارتكابِ ما يخل بما يسميه الفقهاء: ( المروءة ).
وذلك بأن لا يرتكب الكبائر، ويجتنب في الغالب الصغائر، وما يخل بالمروءة وإن كان مباحا، وفي ذلك قال ابن عاصم في التحفة:
والعَدْلُ مَنْ يَجْتَنِبُ الكَبائِرَا = = وَيتقي في الغالب الصغائِرَا
وما أبيحَ وهْو في العِيانِ = = يَقْدَحُ في مُروءَةِ الإنْسانِ

فلا تجوز تولية الفاسق ولا من فيه نقصٌ يمنعُ الشهادةَ ، كتاركِ الصلاةِ وآكلِ الربا ، والزاني ، وشاربِ الخمرِ، إلخ ، ولا ينفذ حكمه ، وَافَقَ الحَقَّ أمْ لاَ .
والأصل في ذلك :
ـــ قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } ، ولا يجوز أن يكون القاضي ممن لا يقبل قوله ويجب التبين عند حكمه .
ـــ لأنه لا تقبل شهادته ، قال سحنون : " ومن لا تجوز شهادته لا تصح ولايته "

الخلاف في الفاسق داخل المذهب :

القول الأول:هو ما ذكرت من أنه لا تصح ولايته، ولا ينفذ حكمه مطلقا.
والقول الثاني : تصح ولايته ويجب عزله ، قال سحنون أيضا : " تصح ولايته ويجب عزله " و كذلك قال أصبغ : " تنعقد ولايته ، ويجب عزله ، ويمضى من أحكامه ما وافق الحق على المشهور "

إذن فأصبغ وسحنون في أحد قوليه يعتبرون "عدم الفسق"من القسم الثاني من صفات القاضي .

قال القاضي عياض : " وفي الفاسق خلاف بين أصحابنا، هل يرد ما حكم به ــ وإن وافق الحق ــ وهو الصحيح ، أو يمضى إذا وافق الحقَّ ووجْهَ الحكمِ ؟ "
وقال المازري : " وقد نص الله تعالى على اشتراط العدالة في الشاهد،والقاضي أشد حرمة منه. قال: وعلى منع ولاية الفاسق العلماءُ، وشذ قومٌ من المتكلمين، فذهبوا إلى أن الفسقَ لا ينافي عقدَ ولاية القضاء، وهو مذهبٌ مستنكَرٌ" (7)
وقال ابن رشد في " البداية": [ فأما الصفات المشترطة في الجواز فأن يكون حرا مسلما بالغا ذكرا عاقلا عدلا (= غير فاسق) وقد قيل في المذهب: إن الفسق يوجب العزل ويمضى ما حكم به ](8)

ولعل من قال بهذا القول الثاني راعى خلاف الحنفية في ذلك، كما يأتي قريبا، ومراعاة الخلاف من أصول المذهب المالكي.

الخلاف في الفاسق خارج المذهب :

العدالة (= عدم الفسق) شرط واجب عند المالكية ـــ في الصحيح من المذهب ــ والشافعية والحنابلة ، فلا تجوز تولية الفاسق ، ولا من فيه نقص يمنع من قبول شهادته.
وقال الحنفية: الفاسق أهل للقضاء، فإن عين قاضيا صح قضاؤه للحاجة، لكن ينبغي ألا يعين كما في الشهادة ، فإنه لا ينبغي أن يقبل القاضي شهادة الفاسق ، لكن لو قبلها منه جاز ، وفي الحالتين يأثم من يعينه للقضاء ، ومن يقبل شهادته .
قال في " بدائع الصنائع" [وكذا العدالة عندنا ، ليست بشرط لجواز التقليد (= التعيين)لكنها شرط الكمال، فيجوز تقليد الفاسق وتنفذ قضاياه؛ إذا لم يجاوز فيها حد الشرع.
وعند الشافعي - رحمه الله - شرط الجواز ، فلا يصلح الفاسق قاضيا عنده ، بناء على أن الفاسق ليس من أهل الشهادة عنده ، فلا يكون من أهل القضاء ، وعندنا هو من أهل الشهادة ، فيكون من أهل القضاء ، لكن لا ينبغي أن يقلد الفاسق ؛ لأن القضاء أمانة عظيمة ، وهي أمانة الأموال ، والأبضاع والنفوس ، فلا يقوم بوفائها إلا من كمل ورعه ، وتم تقواه ، إلا أنه مع هذا لو قلد ؛ جاز التقليد في نفسه وصار قاضيا ؛ لأن الفساد لمعنى في غيره ، فلا يمنع جواز تقليده القضاء في نفسه ؛ لما مر ] اهـ (9) .
وقال ابن قدامة في المغني : [مسألة : قال أبو القاسم رحمه الله تعالى : ولا يولى قاض حتى يكون بالغا ، عاقلا ، مسلما ، حرا ، عدلا ، عالما ، فقيها ، ورعا .
وجملته أنه يشترط في القاضي ثلاثة شروط؛ أحدها، الكمال، وهو نوعان؛ كمال الأحكام، وكمال الخلقة، أما كمال الأحكام فيعتبر في أربعة أشياء؛ أن يكون بالغا عاقلا حرا ذكرا ]
إلى أن قال: [وأما كمال الخلقة، فأن يكون متكلما سميعا بصيرا ] (10)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ

(1) "التوضيح" ج 7 ص 388. طبعة مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث بتاريخ 2008 م
(2) قال ابن الملقن : هذا الحديث قاعدة من قواعد الإسلام يدخل فيها ما لا يحصى من الأحكام ، له طرق أقواها طريق عائشة رضي الله عنها رواه إبراهيم ، عن الأسود عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : (رفع القلم عن ثلاثة : عن النائم حتى يستيقظ ، وعن المبتلى حتى يبرأ ، وعن الصبي حتى يكبر) وفي لفظ : «يحتلم» ، وفي لفظ : «يبلغ» .
رواه الأئمة : أحمد في «مسنده» وأبو داود في «سننه» في (الحدود) والنسائي ، وابن ماجه في «سننهما» في (الطلاق) والحاكم في «مستدركه» في البيوع ، وأبو حاتم بن حبان في «صحيحه» بإسناد حسن ، بل (صحيح) متصل كلهم علماء . اهـ
وروي عن أبي قتادة وعلي وعمر وابن عباس وشداد بن أوس وثوبان .
(3) السنن الكبرى للبيهقي / باب من رد شهادة الصبيان ومن قبلها في الجراح ما لم يتفرقوا .
(4) مختصر خليل / باب الشهادات . قال مالك: " تقبل شهادة الصبيان على الجراح التي تقع في محل اجتماعهم، ما لم يتفرقوا، ولا تقبل في غير ذلك".
ويروى مثل ذلك عن ابن الزبير ، وكان شريح يجيز شهادة الصبيان على بعض .
[قال ابن سحنون : قلت لسحنون : لم أجزت شهادة الصبيان بينهم في الجراح ، ولم تجزها في الحقوق والأموال ؟ قال : للضرورة ، لأن الحقوق يحضرها الكبار ، قلت : فيلزمك أن تجيزها في غصب بعضهم بعضا ؛ قال هذا موضع اتباع الماضين وزلا وجه للقياس فيما هو سنة أو كالسنة ] انظر شرح المواق على خليل في باب الشهادات عند قول خليل : " إلا الصبيان ... " إلخ النص الذي نقلته في صلب الموضوع .
(5) "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" لمؤلفه: أحمد بن عمر بن إبراهيم بن عمر أبو العباس الأنصاري القرطبي المالكي الفقيه المحدث المدرس بالإسكندرية، ولد بقرطبة سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وتوفي سنة 656 هـ قال المقري في نفح الطيب : [ من تصانيفه رحمه الله تعالى: "المفهم في شرح مسلم" وهو من أجلّ الكتب، ويكفيه شرفاً اعتماد الإمام "النووي" ــ رحمه الله تعالى ــ عليه في كثير من المواضع، وفيه أشياء حسنة مفيدة]اهـ
(6) "التوضيح " ج 7 ص 388 الطبعة المذكورة.
(7) "التوضيح" المصدر السابق / ص 389 .
(8) " بداية المجتهد ونهاية المقتصد " ج 2 ص 460 طبعة دار المعرفة / بيروت لبنان الطبعة الرابعة بتاريخ 1978 م
(9)"بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع" لأبي بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني علاء الدين (المتوفى : 587هـ) / كتاب آداب القاضي / فصل في بيان من يصلح للقضاء . ج 14 ص 409 طبعة إلكترونية على المكتبة الشاملة .
(10) " المغني" لأبي محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد ، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى : 620هـ) كتاب القضاء ج 22 ص 453 / طبعة إلكترونية على المكتبة الشاملة .

يتبع
رد مع اقتباس
  #24  
قديم 31-01-12, 11:16 PM
عبد الله خطاب عبد الله خطاب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-09-11
المشاركات: 796
افتراضي رد: فقه القضاء على المذهب المالكي من خلال "مختصر خليل" ( فروع / وأصول )

نظرا لكثافة المادة العلمية للمقطوعة اضطررت لتقسيمها إلى أقسام .
والله الموفق
رد مع اقتباس
  #25  
قديم 03-02-12, 04:05 PM
عبد الله خطاب عبد الله خطاب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-09-11
المشاركات: 796
افتراضي رد: فقه القضاء على المذهب المالكي من خلال "مختصر خليل" ( فروع / وأصول )

شكرا لك أيها الأخ فتحي شلبي ، وأدعوك لقراءة الوضوع والتفاعل معه ، وإبداء ملاحظاتك عليه .
والله يحفظك ويرعاك
رد مع اقتباس
  #26  
قديم 06-02-12, 03:45 PM
العربي محمد الأمين الغليزاني العربي محمد الأمين الغليزاني غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 15-10-09
المشاركات: 184
افتراضي رد: فقه القضاء على المذهب المالكي من خلال "مختصر خليل" ( فروع / وأصول )

موضوع جميل و قيم اسأل الله أن ينفع به

أما سؤال الأخ أبو عمر العيشي عن اتفاقات ابن رشد و هل يوجد في المعيار ما بين ()
الحفيد و الجد.

لقد طالعت المعيار بنشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية للملكة المغربية

و فيه :
لا يقال: إجماعات أبي عمر مدخولة، وقد حذّر الناصحون منها ومن اتفاقات ابن رشد واحتمالات الباجي واختلاف اللخمي. (ج12/ص31).

فالظاهر أن ما بين () مدرج و الله أعلم.

لمن أراد تحميل المعيار فهو هنا

المعيار بصيغة الشاملة

المعيار بصيغة بي دي أف


رد مع اقتباس
  #27  
قديم 06-02-12, 04:09 PM
أبو عمر العيشي أبو عمر العيشي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 23-10-11
المشاركات: 661
افتراضي رد: فقه القضاء على المذهب المالكي من خلال "مختصر خليل" ( فروع / وأصول )

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة العربي محمد الأمين الغليزاني مشاهدة المشاركة
موضوع جميل و قيم اسأل الله أن ينفع به


أما سؤال الأخ أبو عمر العيشي عن اتفاقات ابن رشد و هل يوجد في المعيار ما بين () الحفيد و الجد.

لقد طالعت المعيار بنشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية للملكة المغربية

و فيه :
لا يقال: إجماعات أبي عمر مدخولة، وقد حذّر الناصحون منها ومن اتفاقات ابن رشد واحتمالات الباجي واختلاف اللخمي. (ج12/ص31).

فالظاهر أن ما بين () مدرج و الله أعلم.

لمن أراد تحميل المعيار فهو هنا


جزاك الله خيرا أخي العربي
رد مع اقتباس
  #28  
قديم 07-02-12, 04:20 PM
عبد الله خطاب عبد الله خطاب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-09-11
المشاركات: 796
افتراضي رد: فقه القضاء على المذهب المالكي من خلال "مختصر خليل" ( فروع / وأصول )

في الكلمة الأولى عن الشيخ " خليل " قلت ما يلي :
(قالَ أحمد بن المأمون البلغيثي في كتابه " الابتهاج بنور السراج " : [ لم أقف على تاريخ ميلاده (= ميلاد خليل ) بعد البحث الشديد ، ولعل ذلك ــ والله أعلم ــ للجهل به ، وعدم إخباره هو عن نفسه بذلك ، أخذا بمذهب الأكابر الذين كانوا يرون صونه ] ثم ساق خبرا عن الإمام مالك يدل على ذلك ) اهــ
ثم الآن اطلعت على ذلك الخبر الذي ساقه للتدليل على ذلك عن الإمام مالك ، وها هو ذا :
قال أبو عبد الله المقري [كما نقل عنه تلميذه في الإحاطة ]:
سأل أبو الحسن بن موسى أبا الطاهر السلفي عن سنه، فقال: أقبل على شأنك
فإني سألت أبا الفتح بن زيان بن مسعدة عن سنه، فقال: أقبل على شأنك
فإني سألت محمد بن علي بن محمد اللبان عن سنه فقال: أقبل على شأنك
فإني سألت حمزة بن يوسف السهمي عن سنه، فقال: أقبل على شأنك
فإني سألت بعض أصحاب الشافعي عن سنه، فقال: أقبل على شأنك
فإني سألت أبا إسماعيل الترمذي عن سنه، فقال: أقبل على شأنك
فإني سألت الشافعي عن سنه، فقال: أقبل على شأنك
فإني سألت مالك بن أنس عن سنه، فقال: أقبل على شأنك،
ليس من المروءة إخبار الرجل عن سنه
رد مع اقتباس
  #29  
قديم 12-02-12, 11:15 PM
عبد الله خطاب عبد الله خطاب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-09-11
المشاركات: 796
افتراضي رد: فقه القضاء على المذهب المالكي من خلال "مختصر خليل" ( فروع / وأصول )

القسم الثاني من المقطوعة الأولى سينزل قريبا .
لكن ألايوجد فقيه مالكي يدلي مهنا بدلوه في الموضوع وله كامل الشكر وفائق التقدير
وبالله تعالى التوفيق
رد مع اقتباس
  #30  
قديم 13-02-12, 04:30 PM
البوني الشنقيطي البوني الشنقيطي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 26-11-07
المشاركات: 441
افتراضي رد: فقه القضاء على المذهب المالكي من خلال "مختصر خليل" ( فروع / وأصول )

اقترح تغيير عنوان الموضوع من القضاء على مذهب مالك إلى القضاء في مذهب مالك لأن العبارة الأولى موهمة (ابتسامة)
-ذكرتني عبارة (خليل ) بمعني ذو خلة وحاحجة ببيت طريف فيه تورية للشيخ محمد الحسن بن أحمدو الخديم الشنقيطي وهو:
من لا كفافَ عنده خليلُ=إلا إذا كان له خليل
فظاهر البيت أن من ليس عنده كفاف من العيش فإنه سوف يعاني من الخَلة والحاجة إلا إذا كان له خليل أي صديق يواسيه والمعنى المورَّى به أن دارس الفقه يحتاج إلى كتاب الكفاف إلا إذا كان عنده مختصر خليل فإن فيه غنية
__________________
فليس الصبر على نفض تراب المناجم، حتى يخرج معدن الذهب،بأشد من فض الكتب والمعاجم،حتى يخلص تاريخ الأدب
الرافعي تاريخ أدب العرب1/11.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:02 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.