ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى الدراسات الفقهية
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #51  
قديم 05-09-12, 09:59 PM
محمد جلال المجتبى محمد جلال المجتبى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-10-09
المشاركات: 4,127
افتراضي رد: فقه القضاء على المذهب المالكي من خلال "مختصر خليل" ( فروع / وأصول )

واصل ْ وصلكم الله
__________________
ابن عباس الْأَرْضُ سَبْعَةُ أَجْزَاءٍ، فَسِتَّةُ أَجْزَاءٍ مِنْهَا يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَجُزْءٌ فِيهِ سَائِرُ الْخَلْقِ
رد مع اقتباس
  #52  
قديم 05-09-12, 10:05 PM
محمد جلال المجتبى محمد جلال المجتبى غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 16-10-09
المشاركات: 4,127
افتراضي رد: فقه القضاء على المذهب المالكي من خلال "مختصر خليل" ( فروع / وأصول )

[QUOTE=أبوسعيد المكي;1823917]وفي ذلك قيل أيضا
ويكره التأليف من مُقصِّرِ***كذاك إبراز سوى المحرر
هذا متوجه الى الشخص في خاصة نفسه
وقال آخر نقيض ذلك:
العلم مقبول ولو من جاهل***فانظر لذات القول لا للقائل
والقولة المشهورة
إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم
__________________
ابن عباس الْأَرْضُ سَبْعَةُ أَجْزَاءٍ، فَسِتَّةُ أَجْزَاءٍ مِنْهَا يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، وَجُزْءٌ فِيهِ سَائِرُ الْخَلْقِ
رد مع اقتباس
  #53  
قديم 06-09-12, 12:10 AM
عبد الله خطاب عبد الله خطاب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-09-11
المشاركات: 796
افتراضي رد: فقه القضاء على المذهب المالكي من خلال "مختصر خليل" ( فروع / وأصول )

المسألة الرابعة : الراجح والمشهور؟
لقد قلنا بأن المقلد من مفت أو قاض ( سواء كان مجتهد مذهب أم لا ) يجب عليه أن لا يخرج في فتواه ولا في قضائه عن الراجح والمشهور من المذهب، وإذا تقرر ذلك فما هو الراجح والمشهور؟
الراجح:
اختلف في تعريف الراجح على قولين :
1 ــ أن الراجح هو ما كثر قائله، وعليه فهو والمشهور سواء، وهذا التعريف يقال في حق المقلد ممن لم يحصل أدوات الاجتهاد في المذهب، حيث يجب عليه أن لا يخرج عن القول المشهور، فالمشهور في حقه هو الراجح.
2 ــ وعند الحطاب في شرح المختصر أن الراجح هو فرد من أفراد المشهور، لأنه جعل أمثلة الراجح من أمثلة المشهور، وعلى هذا فالمشهور أعم من الراجح، وهو قول انفرد به الحطاب.
3 ــ أن الراجح هو ما قوي دليله، أي القول الذي يستند إلى دليل ناهض سالم من المعارضة المساوية أو الراجحة، وإن كان عدد القائلين به قليلا، وهو قول أكثر فقهاء المذهب، وهو القول الراجح فيه. يقول أبو الشتاء الصنهاجي :
إن يكن الدليل قد تقوى = = فراجح عندهم يسمى
وهذا المعنى متعلق بالمجتهد الذي لديه استعداد لبذل الوسع في الترجيح بين الأدلة، حتى يرجح منها الدليل الأقوى،
وقد يعبر عنه بألفاظ أخرى ، منها : الأصح / الأصوب / الظاهر / المفتى به / العمل عليه ، وغيرها .
ويقابله المرجوح، وهو ما كان ضعيفا، وهو نوعان، لأنه إما:
ـــ ضعيف في نفسه لأنه مخالف للنص أو للإجماع، أو للقياس الجلي.
ـــ أو ضعيف نسبي أي بالنسبة لما هو أقوى منه عند المعارضة، وإن كان له قوة في نفسه.

أما الميزان الذي يعرف به الراجح من الضعيف فهو كالتالي:
أ ــ القول الراجح هو الذي استند إلى دليل، والمرجوح (= الضعيف) ما استند إلى رأي أو استحسان أو نحو ذلك.
ب ــ فإن كان للقولين أو الأقوال دليل فالراجح هو الذي له دليل أقوى.
ج ــ فإذا استوى القولان أو الأقوال في قوة الدليل فحينئذ تعتبر أوصاف القائلين ، فيكون قول الأعلم والأتقى والأورع والأصدق راجحا.
د ــ فإن وقع تساوي الأقوال في كل شيء مما ذكر فالقول الأكثر شبها بقواعد المذهب وأصوله يكون هو الراجح، والآخر الأقل شبها بتلك القواعد والأصول مرجوح.

المشهور:
اختلف أيضا في المشهور على أقوال :
أ ــ قول ابن القاسم.
وهذا إطلاق قديم اعتمده شيوخ الأندلس وطبقوه بمساندة السلطة الحاكمة ، وقد صاغه ابن أبي جمرة الأندلسي ( ت 559هـ ) في قاعدة تقول: ( إذا اختلف الناس عن مالك فالقول ما قاله ابن القاسم ) (1)
وهي أقدم قاعدة ترجيحية معروفة في المذهب المالكي .
وقد تمسك بها أهل الأندلس وطبقوها في القضاء في وقت مبكر من انتشار المذهب المالكي في الأندلس فقد جاء في "نفح الطيب" :[ وأهل قرطبة أشد الناس محافظة على العمل بأصح الأقوال المالكية حتى إنهم كانوا لا يولون حاكما إلا بشرط أن لا يعدل في الحكم عن مذهب ابن القاسم ] اهــ (2)
بل يبدو أن الأخذ بقول ابن القاسم في الأندلس أقدم مما ذكرنا فقد أراد ابن حبيب صاحب الواضحة ــ وهو على فتيا قرطبة يومئذ ــ من القاضي يحيى ابن معمر ( ت 226 هـ كما في ترتيب المدارك ، وفي المقتبس أنه توفي 229 هـ ) أن يعدل في قضية عن رأي ابن القاسم إلى رأي أشهب فأبى القاضي وقال : " والله لا أفعل، ولا أخالف ما وجدت عليه أهل البلد من العمل على قول ابن القاسم. فما زال التراجع بينهما، حتى قام ابن حبيب مغضباً" (3)
بل كانت هذه القضية سبب عزله ، قال ابن حيان في كتابه " المقتبس من أنباء الأندلس" : [وذكر إبراهيم بن محمد بن باز قال: لم يزل عبد الملك بن حبيب ممالئاً للقاضي ابن معمر مخالفاً للشيخ يحيى بن يحيى فيه إلى أن عصاه ابن معمر في القضاء لرجل يُعْنَى بِهِ ابن حبيب، توجهت عليه فتوى توجب القضاء له برأي أشهب، وتوجهت بضدها عليه برأي ابن القاسم، وأخذ ابن معمر فيه برأي ابن القاسم، فلفته ابن حبيب عنه إلى رأي أشهب، وكلمه أن يأخذه به، فلم يفعل، وقال: ما أعدل عن رأي ابن القاسم، فهو الذي أفتيتموني به منذ قعدت هذا المقعد. وقضى على الرجل برأي ابن القاسم.
فغضب عليه من يومئذ ابن حبيب، وظاهر(= ناصر) يحيى بن يحيى ضده على مطالبته، ودس من رفع عليه إلى الأمير أنه لا يحسن القضاء، فعزله في آخر سنة تسع ومائتين، وسرحه إلى بلده] اهــ (4).
ويبدو أن ابن حبيب لا يوافق على أن القول المشهور هو قول ابن القاسم، بل يرى اعتماد آراء وسماعات الآخرين من أصحاب مالك، كأشهب وغيره.
وكما تمسكوا برأي ابن القاسم في القضاء فكذلك تمسكوا به في الفتوى منذ وقت مبكر من تاريخ المذهب، فقد ذكر أبو عمر ابن عبد البر عن أصبغ بن خليل أنه [ كان صاحب رياسة الأندلس خمسين سنة ، وكان فقيرا لم يكتسب شيئا ، ولا ترك مالا، بلغت تركته كلها مائة دينار ، قال : وسمعت أحمد بن خالد يقول : دخلت يوما على أصبغ بن خليل فقال لي يا أحمد فقلت : نعم ، فقال انظر إلى هذه الكوة لكوة على رأسه في حائط بيته ، فقلت له نعم ، فقال والله الذي لا إله إلا هو لقد رددت منها ثلاثمائة دينار صحاحا على أن أفتي في مسألة بغير رأي ابن القاسم مما قاله غيره من أصحاب مالك فما رأيت نفسي في سعة من ذلك ] اهـ (5) وكانت وفات أصبغ خلال سنة 273 هـ

وكذلك اعتمد هذا الاتجاه المصريون والقرويون والمغاربة عموما، قال ابن أبي جمرة " وعلى ذلك اعتمد شيوخ الأندلس وأفريقية إذ ترجح ذلك عندهم" (6)
ويقول القابسي القيرواني :" سمعت أبا القاسم حمزة بن محمد الكناني ( المصري توفي 357 هـ) يقول : إذا اختلف الناس عن مالك فالقول ما قال ابن القاسم، وبحضرته جماعة من أهل بلده ومن الرحالين ( يعني الذين وفدوا على مصر لأخذ العلم ) فما سمعت نكيرا من أحد منهم، وهم أهل عناية بالحديث وبعلمه" (7)
إذن فـ" قول ابن القاسم هو المشهور في المذهب إذا كان في المدونة.
والمشهور في اصطلاح علماء المغاربة هو مذهب المدونة، والعراقيون كثيرا ما يخالفون المغاربة في تعيين المشهور ويشهرون بعض الروايات. والذي جرى به عمل المتأخرين اعتبار تشهير ما شهره المصريون والمغاربة " (8)
ثم تغير هذا الوضع فوقع انتقالُ هذا المفهومِ للمشهورِ إلى العَراقْيين أنفسِهم الذين كانوا يأخذون ويشهرون أقوال ابنِ عبدِ الحَكَم، وذلك مَعَ الشيْخِ القاضي عبد الوهاب (ت422هـ ) زعيم الفقهاء االمالكيين في العراق في وقته حيث "رجح مسائل المدونة لرواية سحنون لها عن ابن القاسم، وانفراد ابن القاسم بمالك، وطول صحبته، وأنه لم يخلط غيره إلا في شيء يسير" (9)
وبذلك تكون جميع المدارس الفقهية في المذهب المالكي في بداية القرن الخامس قد أخذت بهذه القاعدة الترجيحية التي بالغت في الأخذ بقول ابن القاسم .

الحيثيات التي تقف وراء هذا الاختيار
قد حصلت كل هذه القوة لقول ابن القاسم وروايته لاعتبارين اثنين :
الأول: اعتبار شخصي، يرجع إلى شخصية ابن القاسم الذي تميز بما يلي:
1 ـ كان ملازما للإمام مالك مدة طويلة استغرقت عشرين سنة، ولم يفارقه حتى مات، ولم يتخلف عن حلقته كل هذه المدة إلا لعذر قاهر.
2 ـ وبسبب هذه الصحبة الطويلة فهو أعلم الناس بمذهب مالك.
3 ـ ثقتنا بعلمه بالمتقدم المتروك والمتأخر المعمول به من أقوال مالك .
4 ـ ولأن المعمول به هو المتأخر من أقوال الإمام دون المتقدم فيعتقد أن ابن القاسم ما نقل إلا القول المتأخر المعمول به، لأنه قد نقل المذهب للناس ليعملوا به، وهو لا ينقل إلا ما يعمل به، فإذا رأى أن مأخذ المتقدم أرجح من مـأخذ المتأخر فإنه يحكي القولين معا ، ويقول : وبأول قوليه أقول ، اجتهادا منه لا تقليدا لمالك ، لأنه لا يجوز له أن يقلد مالكا في قول مرجوع عنه .
5 ـ كثرة ورعه الذي من شأنه أن يحمله على التثبت والضبط في الرواية، وعلى بذل أقصى الجهد في القول والرأي.
الثاني : اعتبار موضوعي، يرجع إلى كتاب المدونة التي تعد بعد المؤطأ المصدر الثاني لمذهب مالك ، وذلك ــ كما قال ابن رشد الجد ـــ "لأن هذه المدونة تدور على مالك بن أنس إمام دار الهجرة وابن القاسم المصري الولي الصالح وسحنون وكلهم مشهور بالإمامة والعلم والفضل" (10)
فبجميع هذا الذي ذكرنا يغلب على الظن أن ابن القاسم وحده يعادل الكثرة المشترطة في المشهور، ويمثل أغلبية معنوية تسد مسد الأغلبية العددية المطلوبة في كون القول مشهورا، فهو وحده بمثابة ثلاثة هم مالك وابن القاسم وسحنون راوي المدونة عنه. وبالتالي فقوله وروايته في المدونة هو المشهور.
وهذا قريب من التواتر المعنوي عند المحدثين .

تعديل القاعدة وتطويرها
لقد شعر فقهاء المذهب ــ منذ بداية القرن الخامس ــ بأن هذه القاعدة ضيقت عليهم المجال في الأخذ بأقوال وسماعات الفقهاء الآخرين من غير ابن القاسم ، والتي قد تكون أرجح وأقوى من جهة الدليل ، لأن هذه القاعدة لم تستثن أحدا حتى الإمام مالكا نفسه ، فقرروا تعديلها بما يفسح المجال للأخذ بأقوال وسماعات أخرى مهملة قد تكون أقوى دليلا وأنسب للزمان والمكان من غيرها .
ويدل على هذا الشعور والرغبة في تطوير القاعدة وتعديلها دون هدمها ورفضها ما ذكرت قبل مما وقع بين ابن حبيب وبين القاضي يحيى بن معمر حيث أراد ابن حبيب الأخذ في النازلة بقول أشهب وأراد القاضي أن يأخذ فيها بقول ابن القاسم .
ومن هنا صاغ أبو محمد صالح ( ت 653 هـ ) القاعدة صياغة أوسع فقال: [ إنما يفتي
بقول مالك في الموطأ فإن لم يجده في النازلة فبقوله في المدونة فإن لم يجده فبقول ابن القاسم فيها وإلا فبقوله في غيرها وإلا فبقول الغير في المدونة وإلا فأقاويل أهل المذهب]
وقد أكد على هذه الصياغة أبو الحسن الطنجي ( ت 734هـ ) مبينا ألأسباب التي كانت وراء هذه الصياغة فقال في كتابه " الطرر" على التهذيب: [ قالوا قول مالك في المدونة أولى من قول ابن القاسم فيها فإنه الإمام الأعظم , وقول ابن القاسم فيها أولى من قول غيره فيها لأنه أعلم بمذهب مالك وقول غيره فيها أولى من قول ابن القاسم في غيرها وذلك لصحتها ] اهـ

يتبع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) " تبصرة الحكام " لابن فرحون نقلا عن كتاب " إقليد التقليد المؤدي إلى النظر السديد " لأبي بكر : محمد بن أحمد ابن أبي جمرة الأموي ولاء الأندلسي
(2) " نفح الطيب " ج3 ص 216 . طبعة إلكترونية ضمن المكتبة الشاملة . ونقله ابن فرحون في التذكرة ج1 ص 52 عن أبي بكر الطرطوشي عن أبي الوليد الباجي أن الولاة كانوا بقرطبة إذا ولوا رجلا شرطوا عليه في سجله أن لا يخرج عن قول ابن القاسم ما وجده . وقد انتقده الطرطوشي وقال : "هذا جهل عظيم منهم " قال ابن فرحون : يريد لأن الحق ليس في شيء معين.
(3) ترتيب المدارك / ترجمة يحيى بن معمر ص 261. طبعة إلكترونية ضمن المكتبة الشاملة. وكانت ليحيى بن معمر رحلة لقي فيها أشهب بن عبد العزيز وسمع منه ومن غيره من أهل العلم وكان ورعاً زاهداً فاضلاً عفاً مقبلاً على عمارة ضيعته وترقيح (= إصلاح) معيشته فانتهى خبره إلى الأمير عبد الرحمن وقد احتاج إلى قاض فاعتامه (= اختاره) للقضاء واستقدمه إلى قرطبة فقلده قضاء الجماعة بها فصدق الظن به واغتدى من خير القضاة في قصد سيرته وحسن هديه وصلابة قناته وإنفاذ الحق على من توجه عليه لا يحفل بلومة لائم فيه.
(4) " المقتبس من أنباء الأندلس" ص 17 . طبعة إلكترونية ضمن المكتبة الشاملة .
(5) " تبصرة الحكام " ج1 ص 54 – 55 / المصدر السابق . وفي ترتيب المدارك أن أصبغ بن خليل كان " معادياً للآثار. وليس له معرفة بالحديث. شديد التعصب لرأي مالك وأصحابه، ولابن القاسم من بينهم "
(6) "تبصرة الحكام" ج1 ص 56 المصدر السابق.
(7) " اصطلاح المذهب عند المالكية" تاليف الدكتور محمد إبراهيم علي ، الطبعة الأولى 2000 م دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث بدولة الإمارات العربية المتحدة.
(8) "تبصرة الحكام " ج1 ص56 . المصدر السابق.
(9) "اصطلاح المذهب عند المالكية" المصدر السابق، نقلا عن "ترتيب المدارك" ج1 ص 156. طبعة إلكترونية ضمن المكتبة الشاملة / ترجمة ابن القاسم.
(10) انظر " تبصرة الحكام" ج1 ص 54 المصدر السابق. وانظر كذلك " رفع النقاب الحاجب عن مصطلح ابن الحاجب" لابن فرحون / ص 68 الطبعة الأولى 1990م دار الغرب الإسلامي / بيروت لبنان .
رد مع اقتباس
  #54  
قديم 06-09-12, 12:11 AM
عبد الله خطاب عبد الله خطاب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-09-11
المشاركات: 796
افتراضي رد: فقه القضاء على المذهب المالكي من خلال "مختصر خليل" ( فروع / وأصول )

أرجو مناقشة الموضوع
والله الموفق
رد مع اقتباس
  #55  
قديم 12-09-12, 08:34 PM
عبد الله خطاب عبد الله خطاب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-09-11
المشاركات: 796
افتراضي رد: فقه القضاء على المذهب المالكي من خلال "مختصر خليل" ( فروع / وأصول )

القسم الثاني من المسالة الرابعة

لقد ذكرت في القسم الأول من هذه المسألة أن فقهاء المذهب ــ منذ بداية القرن الخامس ــ شعروا بأن الأخذ بقول ابن القاسم دون غيره ضيق عليهم المجال في الأخذ بأقوال وسماعات الآخرين من فقهاء المذهب وعلى رأسهم الإمام مالك نفسه .
فبدأوا يخرجون عن قول ابن القاسم إلى أقوال غيره ، واعتمدوا قاعدة أخرى صاغها أبو محمد صالح ( تـ 653 هـ ) بقوله : " إنما يفتي بقول مالك في الموطأ فإن لم يجده في النازلة فبقوله في المدونة فإن لم يجده فبقول ابن القاسم فيها وإلا فبقوله في غيرها وإلا فبقول الغير في المدونة وإلا فبأقاويل أهل المذهب "
هذا ذكرته في القسم الأول من هذه المسألة وأقول الآن :
بعد ذلك طوّر الفقهاء هذه القاعدة وزادوها تفصيلا وتوسيعا لتشمل أكبر عدد من الروايات والسماعات والأقوال ، فقرروها هكذا : " رواية ابن القاسم في المدونة مقدمة على رواية غيره فيها ، ورواية غير ابن القاسم في المدونة مقدمة على قول ابن القاسم في المدونة ، فأولى في غيرها ، وقول مالك الذي رواه عنه ابن القاسم ــ ولو في غير المدونة ــ مقدم على قول ابن القاسم في غيرها ، وأما قوله فيها فهو مقدم على روايته عن الإمام في غيرها " (1)
وعلى ضوء هذا يصبح ترتيب الأقوال والروايات كالتالي :
1 ـــ قول الإمام الذي رواه عنه ابن القاسم في المدونة.
2 ـــ قول الإمام الذي رواه غير ابن القاسم في المدونة.
3 ـــ قول ابن القاسم في المدونة .
4 ـــ قول غير ابن القاسم في المدونة .
5 ـــ قول الإمام الذي رواه ابن القاسم في غير المدونة .
6 ـــ قول الإمام الذي رواه غير ابن القاسم في غير المدونة .
7 ـــ قول ابن القاسم في غير المدونة.
8 ـــ أقوال علماء المذهب .
ويلاحظ ما يلي :
أ ـــ تقديم المدونة على غيرها من أمهات المذهب أيا كان الراوي أو القائل . ولذا فرواية غير ابن القاسم في المدونة مقدمة على رواية ابن القاسم وقوله في غير المدونة.
وهذا خلاف ما كان عليه الحال من قبل ، حيث كان قول ابن القاسم في غير المدونة يعطى الأفضلية على قول غيره فيها . و يوضح هذا ما أصبحت المدونة تتمتع به من درجة عالية في الوثوق بصحة ما ورد فيها ، باعتبارها خلاصة نظر واجتهاد علماء المالكية منذ الصدر الأول " ذلك أنها تداولتها أفكار أربعة من المجتهدين : مالك وابن القاسم وأسد وسحنون " (2)
فهي " تجزئ عن غيرها ولا يجزئ عنها غيرها " كما قال ابن فرحون في " كشف النقاب الحاجب"
بـ ـــ لم تشر القاعدة إلى تقديم أقوال الإمام في الموطأ كما كان عليه الحال من قبل .
وذلك لتأخر المدونة عن المؤطأ ، وبذلك ضمّت المدونة ُالصيغةَ الأخيرةَ لاجتهادات وآراء الإمام التي رواها عنه ابن القاسم الذي هو أوثق تلامذته وأطولهم صحبة له كما أشرنا إليه في القسم الأول من هذه المسألة .
ج ــ محافظة ابن القاسم على مركزه المتقدم لدى الترجيح بين الروايات والأقوال .
ومن هنا نجد في بعض كتب المتأخرين إطلاق عبارة " أن المشهور هو مذهب المدونة " (3)

التعريف الثاني والثالث للمشهور

ثم بعد تخليهم عن اعتبار قول ابن القاسم هو المشهور اختلف المتأخرون في تعريف المشهور على قولين :
الأول : هو ما كثر قائلوه .
الثاني : هو ما قوي دليله .
فعلى الثاني هو مرادف للراجح ، ويكون في مقابلة الضعيف والمرجوح ، وعلى ألأول مقابله هو الشاذ وهو ما قل قائلوه .
والراجح من القولين لدى المتأخرين هو الأول ، وذلك للاعتبارات التالية :
ـــ أن هذا التعريف الاصطلاحي يوافق المعنى اللغوي للمشهور ، وهو الظاهر المنتشر ، ولا يكون القول ظاهرا منتشرا إلا إذا قال به جماعة من الناس أقلهم ثلاثة .
ـــ أنه على التعرف الثاني يكون مرادفا للراجح لا معارضا له ، مع أن التعارض بينهما هو الحاصل عند جمهور الفقهاء والأصوليين .
ـــ لو كان المشهور هو ما قوي دليله لم يتأت في القول الواحد أن يوصف بأنه مشهور راجح باعتبارين مختلفين ، مع أنه ثبت عن العلماء وصفهم بعض الأقوال بأنه مشهور راجح لكثرة قائليه وقوة دليله معا .
فإذا صح في المسألة قول راجح لقوة دليله ، أو قول مشهور لكثرة قائليه ، فالمعتمد أحدهما ولا يجوز العدول عن الراجح إلى المرجوح الضعيف ، ولا عن المشهور إلى الشاذ إلا إذا كان العمل علي الضعيف أو الشاذ فيقدم لأن المعمول به ( = ما جرى به العمل ) يجب المصير إليه وإن كان مخالفا للراجح أو المشهور ، وسنبحث في مسألة قادمة مصطلح "ما جرى به العمل " إن شاء الله تعالى .
ملاحظات
الأولى : من مصطلح ابن الحاجب أنه يعبر أحيانا بـ" الأشهر" فاختلف في مقصوده بذلك
ـــ فقال ابن راشد وهو ممن شرح مختصر ابن الحاجب الفقهي : " جامع الأمهات " : لا يدل ذلك على أن القول الآخر مشهور ، وإنما يختار هذه العبارة لرشاقتها وقلة حروفها .
ـــ وقال غيره : يعبر بذلك لقيام أشهرية ذلك القول عنده .
ـــ ورفض ابن فرحون في " تبصرة الحكام " كلا القولين وقال بأن قصده هو أن يفيد أن في المسألة قولين مشهورين ، فيعبر بالأشهر إشارة إلى أنه هو مذهب المدونة ، وأن القول الثاني مشهور شهره بعض العلماء ، فيفيد بهذه العبارة أن في المسألة قولين مشهورين ، أحدهما أشهر من الآخر.
وفائدة ذلك أن القضاء والفتوى يكون في حق المقلد بالأشهر الذي هو مذهب المدونة لا بالمشهور الذي شهره بعض الفقهاء .
وقد يعبر ــ في كثير من المواضع ــ عن المشهور بالأشهر من دون أن يكون له مقابل مشهور (4)
الثانية : يعبر عن المشهور بعبارات أخرى ، منها : " الجمهور على كذا " و " مذهب الأكثر كذا " و " والمذهب كذا " ويريدون بالمذهب قول أكثر علماء المذهب ، وقد يقصد بعبارة " المذهب كذا " القول المتفق عليه ، و " المعروف من المذهب كذا "
الثالثة : شهرة القول ـــ إذا عرفناه بأنه ما كثر قائلوه ــــ لا تعني أن مدركه ( = دليله) قوي وصحيح ، فقد يكون مدرك القول المشهور صحيحا قويا ، وقد يكون ضعيفا ، وقد لا يكون له مدرك أصلا .
تعارض الراجح والمشهور
اختلف الفقهاء فيما إذا تعارض الراجح والمشهور في قضية واحدة أيهما يقدم ؟
فقيل بتقديم الراجح
وقيل بتقديم المشهور
وقيل بالاختيار
ثم استقر الأمر عند المتأخرين على أن المعتمد هو تقديم الراجح على المشهور متى ثبتت قوة دليله على دليل الرأي المقابل (5)

من الذي يعتمد تشهيره ( = تعيينه المشهور) ؟؟
أشرت في ما سبق إلى أن مدارس المذهب وعلماء المذهب قد تختلفون في التشهير ، فكثيرا ما يختلف العراقيون مع المغاربة والمصريين في الحكم على قول ما بأنه المشهور.
وقد نسب العلماء إلى العلامة:" سند" هذه القاعدة التي تقول :
ــــ إذا اختلف المصريون والمدنيون قدم المصريون غالبا . وذلك لأن من المصريين أعلام المذهب الكبار : ابن وهب وابن القاسم وأشهب .
ـــ وإذا اختلف المدنيون والمغاربة قدم المدنيون ، وذلك لأن منهم الأخوين : مطرف وابن الماجشون .
ــــ وإذا اختلف المغاربة والعراقيون قدم المغاربة ، وذلك لأن منهم الشيخين : ابن أبي زيد القيرواني وأبي الحسن القابسي (6)
ــــ وإذا اختلف المصريون والمغاربة قدم المصريون ، وذلك لأن المصريين يقدمون على من سواهم بفضل ابن القاسم ومن معه من الشيوخ المذكورين .
و الذي استقر عليه عمل المتأخرين اعتبار تشهير المصريين والمغاربة كما في "تبصرة الحكام " لابن فرحون ج1 ص 56 و "المعيار" للونشريسي .
هذا على مستوى المدارس والمجموعات ، أما على مستوى الأفراد فيرى المتأخرون ما يلي :
1 ــ أن ابن رشد والمازري وعبد الوهاب متساوون في التشهير
2 ــ أن ابن رشد يقدم تشهيره على كل من ابن بزيزة وابن يونس واللخمي ، لكن هذا مقيد بأنه فيما عدا ما نبه الشيوخ على ضعف كلام ابن رشد فيه .
3 ــ أن ابن يونس مقدم على اللخمي
مع العلم ان هذا الترتيب ليس محل اتفاق ، فهناك من العلماء من يخالف ذلك ، فقد مشى خليل في مختصره في مواضع عديدة على كلام اللخمي دون ابن رشد مع وقوفه على كلامهما في ذلك الموضع (7)
وتجدر الإشارة إلى أن القول الذي جرى به العمل يقدم على غيره وإن كان مشهورا أو راجحا ، وسنتاول بالبحث "ما جرى به العمل " في الحصة القادمة إن شاء الله تعالى
والله تعالى أعلى وأعلم وأحكم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ
(1) حاشية العدوي على الخرشي المطبوعة بهامش الخرشي ج 1 ص 36 .
(2) المقدمات الممهدات ، نقله في " اصطلاح المذهب عند المالكية" تاليف الدكتور محمد إبراهيم علي ، الطبعة الأولى.
(3) " رفع النقاب الحاجب عن مصطلح ابن الحاجب" لابن فرحون / ص 67 الطبعة الأولى 1990م دار الغرب الإسلامي / بيروت لبنان . وانظر تبصرة الحكام ج 1 ص 56 المصدر السابق
(4) وانظر كذلك " رفع النقاب الحاجب " ص 88 ــ 89 المصدر السابق .
(5) ينظر " نور البصر " ص 120 المصدر السابق . و " حاشية العدوي على الخرشي ج1 ص 36 المصدر السابق .
(6) حاشية العدوي على الخرشي المصدر السابق .
(7 ) " اصطلاح المذهب عند المالكية" تاليف الدكتور محمد إبراهيم علي ، الطبعة الأولى. ص 395 ــ 396 .
رد مع اقتباس
  #56  
قديم 20-09-12, 03:28 AM
عبد الله خطاب عبد الله خطاب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-09-11
المشاركات: 796
افتراضي رد: فقه القضاء على المذهب المالكي من خلال "مختصر خليل" ( فروع / وأصول )

المسألة الخامسة : أسباب تعدد الأقوال والروايات في المذهب المالكي

لقد أشرت في مسألة سابقة إلى تعدد الأقوال والروايات في المذهب المالكي وفي هذه المسالة نبحث الأسباب الكامنة من وراء هذا التعدد

أولا : تعدد الأقوال

في كل المذاهب يوجد تعدد واختلاف في الأقوال والروايات بحيث تجد قولا ونقيضه ورواية وأخرى تضادها، وهنا يثار التساؤل: لماذا تعدد الأقوال ؟
ويمكن تقسيم الإجابة عن هذا التساؤل إلى قسمين اثنين :

[COLOR="red"]الأول: تعدد الأقوال بسبب الاجتهاد.
[/COLOR]
أصحابُ المذهب قسمان: تلاميذ الإمام مالك، ومن جاء بعدهم من المخرِّجين على أقوالهم.
1 ــ لما جاء عصر تلاميذ الإمام مالك ــ وهم من الكثرة بمكان ــ اختلفوا في استنباطهم اختلافا كثيرا، وأضيفت أقوالهم التي لم يُعرَف لمالك رأيٌ فيها إلى المذهب، بل أضيفتْ إلى المذهب أقوالُهم التي خالفوا فيها شيخهم مالكا رحمه الله تعالى.
وإنما اعتبرت أقوالُهم تلك أقوالا في المذهب لسببين اثنين:
أ ـــ أنها مبنية على أصول المذهب ومناهجه في الاستنباط.
ب ـــ أن هؤلاء التلاميذ ــ مهما بلغت درجتهم في الاجتهاد ــ قد استمسكوا بنسبتهم إلى شيخهم وإلى مذهبه، فلم يعرف عن واحد منهم أنه نسب قوله لنفسه واستقل به.
2 ـــ ولما انتهى عصر التلاميذ وجاء عصر "المخرجين" ( = الذين قاسوا غير المنصوص على المنصوص عليه في أقوال الإمام وتلامذته ) أضيفت تخريجاتهم إلى المذهب واعتبرت أقوالا في المسائل المخرَّجة.
ومن الطبيعي أن تختلف النتائج التي توصلوا إليها من خلال عملية التخريج التي قاموا بها ، وذلك للاعتبارات التالية :
أ ــ لأن طبيعة القياس والتخريج الاختلاف في النتائج .
ب ــ لأن وجوه المصالح التي أفتوا على أساسها تختلف وتتباين.
ج ــ لأن المصالح تختلف باختلاف الأشخاص والجماعات والبيئات والأعراف ، خصوصا وأنهم كانوا في أقاليم متباعدة ومتباينة ، فمنهم مدنيون ومصريون ومغاربة وأندلسيون وعراقيون.
ومن هنا تعددت المدارس في المذهب المالكي مع اتحاد الأصول والمناهج التي بنوا عليها.

الثاني: تعدد الأقوال بسبب تأويل المدونة.

قد أشرت فيما سبق من المسائل على المكانة التي تحتلها المدونة في سلَّم أمهات المذهب ، فالمدونة جاءت دائما في الصدارة متقدمة في الاعتماد عليها حتى على موطأ الإمام مالك نفسه فضلا عن عيره .
ومن هنا استحوذت على اهتمام فقهاء المالكية على اختلاف درجاتهم ومدارسهم وأقاليمهم ما بين مختصر كفضل بن سلمة ، وشارح لها كابن يونس وأبي الحسن.
كانت أولا المختصرات ثم الشروح ثم بعد الشروح جاءت الحواشي كحاشية عياض وأبي إبراهيم وغيرهما .
وبطبيعة الحال اختلف الشُّرَّاحُ والمختصرون في فهم المراد من لفظ وعبارة المدونة، وذلك للأسباب التالية :
أ ــ أن نص المدونة نص يحتمل عدة أوجه من الفهم ككل نص أدبي ولغوي، ولذا نجدهم يختلفون في فهم المراد من لفظها.
ب ــ أحيانا يكون الاختلاف راجعا لتعدد الأقوال من خارج المدونة، فتكون تأويلاتهم متقابلة مع ما في الخارج، بحيث إن كل قول يطابقه تأويل.
ج ــ وقد يكون سبب الاختلاف راجعا إلى إعادة النظر في الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة ، فيقتضي نظر أحدهم فيها خلاف مقتضى نظر الآخر فيحمل كل منهم نص المدونة على ما اقتضاه نظره.
والسؤال هنا : هل يعتبر اختلاف شراح المدونة في الفهم والتأويل أقوالا حقيقية في المذهب أو لا ؟؟
يمكن إجمال اختلاف الفقهاء في ذلك في اتجاهين اثنين:

الأول : اتجاه ابن عبد السلام وجماعة من المحققين

رأى ابن عبد السلام الهواري التونسي شارح مختصر ابن الحاجب من معاصري الشيخ خليل ( ت 649 هـ ) أن اختلاف الشراح في فهم مسألة لا يعد أقوالا في تلك المسالة لأن الشراح إنما يبحثون في تصوير اللفظ، والقول الذي ينبغي أن يعد خلافا في المذهب إنما مآله إلى التصديق، لأن الشارح إنما يحتج على صحة مراده بقول الإمام صاحب النص موضوع الشرح وبقرائن كلامه .
وأما غير الشارح من أصحاب الأقوال فإنما يحتج لقوله بالكتاب والسنة أو بغيرهما من الأصول المعتمدة .
فلا ينبغي اعتبار تلك التفسيرات والشروح أقوالا متضمنة لأحكام مختلفة، وإنما ينبغي أن يعد الكلام المشروح قولا.
أما أبو عبد الله المقري المولود بـ"تلمسان" والقاضي بفاس ن وبها توفي ودفن ( ت 758 هـ ) وهو جد المؤرخ صاحب "نفح الطيب" فقد نسب هذا الاتجاه إلى المحققين فقال في كتابه في القواعد الفقهية: " إنه لا يجوز نسبة الإلزام بطريقة المفهوم أو غيره إلى غير المعصوم عند المحققين :
ـــ لإمكان الغفلة
ـــ أو الفارق
ـــ أو الرجوع عن الأصل عند الالتزام
ـــ أو التقييد بما ينفيه
ـــ أو إبداء معارض في المسكوت أقوى
ـــ أو عدم اعتقاد العكس إلى غير ذلك
فلا يعتمد في التقييد ولا يعد في الخلاف ، وقد قيل: إن اللخمي قد اشتهر بذلك حيث قد فرق بين الخلاف المنصوص والخلاف المستنبط ، فإذا قال ( واختلف ) فهو الأول أي الخلاف المنصوص ، وإذا قال ( ويختلف ) فهو الثاني أي الخلاف المستنبط " (1)
وقال أيضا في بعض مقيداته : " إياك ومفهومات المدونة ، فقد اختلف الناس في القول بمفهوم الكتاب والسنة فما ظنك بكلام الناس ، إلا أن يكون من باب المساواة أو الأولى .
وبالجملة إياك ومفهوم المخالفة في غير كلام صاحب الشرع . لكن يجوز الاستنباط من مفهوم الموافقة من كلام من لا يخفى عنه وجه الصواب من الأئمة " (1)
ومع ابن عبد السلام والمقري في هذا الرأي جماعة من الفقهاء منهم الهلالي السجلماسي صاحب " نور البصر في شرح خطبة المختصر" ( ت 1175 هـ ) الذي علق قائلا : " لأن مراد الشارح تصوير معنى اللفظ وبيان مراد صاحبه به ، سواء أكان في نفسه صحيحا أم فاسدا ، ومراد صاحب القول بيان حكم المسألة ، فالأول يؤول إلى التصوير والثاني إلى التصديق ، وشتان ما بينهما ، فشارح كلام مؤلف ما قائل بلسان حاله : هذا مراد المؤلف ، وربما قاله بلسان مقاله ، وصاحب القول قائل بلسان مقاله : هذا حكم الله في المسألة ، وبينهما بون بعيد " اهـ (2)
وإلى هذا الرأي ذهب ابن عاصم في أرجوزته المسماة " مرتقى الأصول" إذ قال :
وكل ما فهمه ذو الفهم = = ليس بنص لعروض الوهم
فالخلف بين شارحي المدوَّنة = = ليس بقول عند من قد دوَّنه
لأنه يرجع للتصور = = فعدُّه قولا من التهور
وهذه الأبيات ضمنها محمد النابغة الشنقيطي في منظومته المسماة "بوطليحة"
ولعل الشيخ خليلا نحا هذا المنحى ولذا يعبر في مختصره عن اختلاف شراح المدونة بـ"تأويلان" و " تأويلات" و " أولت" كما أوضحت في مقدمة هذه البحوث .

الثاني: اتجاه ابن الحاجب وغيره

ذهب ابن الحاجب وعدد من المتأخرين إلى أن اختلاف شراح المدونة يعدّ أقوالا في المذهب ، وعلل ذلك :
أولا: بأن اختلاف الشراح في فهم المراد من نص المدونة وإن كان في التصوير إلا أنه راجع إلى الاختلاف في التصديق، إذ كل منهم يقول : هذا معنى هذه المسالة ولا معنى لها غيره فآل الأمر إلى التصديق .
ثانيا : بأن هذه التأويلات والشروح لو لم تكن أقوالا يجوز العمل بها لم تكن لها فائدة ، وتكون باطلة والاشتغال بها وبتخريجها عبثا ولغوا من الكلام ن بل تصير المسالة المشروحة المختلف حول فهمها ملغاة إذا لم يرجح تأويل أحد الشروح على الآخر بمرجح.
وفصَّل الشيخ عليش في شرحه لمختصر خليل المسمى " منح الجليل على مختصر خليل" في المسالة فقال: [ وتصير مفهوماتهم منها ( = من المسألة المشروحة ) أقوالا في المذهب، يعمل ويفتى ويقضى بأيها إن استوت ، وإلا فبالراجح أو الأرجح، وسواء وافقت أقوالا سابقة عليها منصوصة لأهل المذهب أم لا ، وهذا هو الغالب .
فإن قيل: المدونة ليست قرآنا ولا أحاديث صحيحة، فكيف تستنبط الأحكام منها ؟
قيل: إنها كلام أئمة مجتهدين عالمين بقواعد الشريعة والعربية، مبينين للأحكام الشرعية، فمدلول كلامهم حجة على من قلَّدهم، منطوقا كان أو مفهوما، صريحا كان أو إشارة، فكلامهم بالنسبة له كالقرآن والحديث الصحيح بالنسبة لجميع المؤمنين ] (3)
وقد سأل فقهاء غرناطة الشيخ ابن عرفة ( ت 803 هـ ) عن هذه المسألة بعينها .
فأجاب بأن الاستدلال بمفهوم كلام مالك وابن القاسم لا مانع منه، لأن مالكا وابن القاسم وأمثالهما علماء عارفون باللسان العربي وبقواعد أصول المذهب التي منها النص والظاهر والمفهوم وغير ذلك، فكلام مالك وابن القاسم في الأمهات العلمية جار على قواعد اللغة العربية ، وإذا ثبت هذا فالأخذ بالمفهوم من كلامهما مقبول . (4)

ثانيا : تعدد الروايات والسماعات

من اللافت للنظر وجود روايات متعددة ومتباينة في مسألة واحدة عن الإمام مالك وعن غيره من تلامذته وأعلام مذهبه.
وهذا لا يجانب الصواب ما دام الراوي موثوقا به وغير متهم في نقله، أي ما دام النقل صحيحا على حد تعبير المحدثين.
لكن ما هي الأسباب الكامنة من وراء هذا التعدد والتباين مع أن المفروض أن لا يكون هناك تعدد أصلا ؟؟
لخَّص بعض الباحثين من المغرب الأقصى (5) تلك الأسباب كالتالي :
1 ــ كان للإمام مالك رحمه الله تعالى آراء مختلفة ومتباينة في بعض المسائل ولم يعرف السابق منها حتى يعرف رجوعه عنه. وفي بعض الأحيان كان بعض الرواة يعلم رجوعه عنه فيروي القول الثاني بينما يروي الثاني القول الأول لكونه لم يحضر لسماع الثاني.
2 ــ الغلط في السماع .
3 ــ أن يكون الإمام قال أحد القولين على وجه القياس والآخر على وجه الاستحسان، فيسمع كل واحد من الرواة أحد القولين فينقل ما سمع.
4 ــ النقل بالمعنى كثيرا ما يؤدي إلى الاختلاف وتعدد المنقول.
5 ــ أن يكون الجواب في المسألة من وجهين من جهة الحكم ومن جهة الاحتياط، فيتقل الرواة كل واحد منهم كما سمع، وكثير من المسائل المختلف فيها في باب الذرائع ترجع إلى هذا السبب.
وينبغي أن نلاحظ الفرق بين اختلاف الروايتين واختلاف القولين، فاختلاف القولين يرجع إلى المنقول عنه ( = الإمام مالك ) لا إلى الناقل ( = الراوي ) فالقولان المختلفان نص عليهما معا الإمام في اجتهاده، وأما اختلاف الروايتين فيرجع إلى الناقلين لا إلى المنقول عنه.
واختلاف الروايتين مبني على اختلاف القولين المرويين، ويبين هذا أن ناقل الروايتين قد يكون واحدا. (6)
ومن هنا نشأت في المذهب المالكي أقوال وروايات متعددة متفاوتة لم تكن في درجة واحدة من القوة بحسب ما يؤيد كل قول ورواية من أدلة كما أشرت إليه في المسائل أعلاه .
فكان من تلك الأقوال والروايات ما يلي :
1 ــ المتفق عليه
2 ــ الراجح
3 ــ المشهور
4 ــ المساوي لمقابله
5 ــ الضعيف في مقابلة الراجح
6 ــ الشاذ في مقابلة المشهور .
7 ــ ينضاف لواحد من الستة وصف " ما جرى به العمل "
وقد قدمت فيما سبق بحثا في الأقوال الستة ، وبقي لنا " ما جرى به العمل" وسيكون موضوع المسألة الموالية إن شاء الله تعالى
والله الموفق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نقله الونشريسي في المعيار / ج 6 ص 376 ــ 377 . المصدر السابق .
(2) "نور البصر في شرح خطبة المختصر"
(3) منح الجليل على مختصر خليل للشيخ عليش عند قول المختصر في الخطبة : " وبأول ..."
(4) المعيار / ج 6 ص 376 . المصدر السابق .
(5) هو الأستاذ عبد السلام العسري في بحثه القيم " نظرية الأخذ بما جرى به العمل في المغرب في إطار المذهب المالكي " صبعة وزارة الأوقاف المغربية سنة 1417 هـ / 1996 م ص 32 ــ 33 ــ 34 .
(6) " نظرية الأخذ بما جرى به العمل" المصدر السابق .
رد مع اقتباس
  #57  
قديم 09-10-12, 02:13 AM
عبد الله خطاب عبد الله خطاب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-09-11
المشاركات: 796
افتراضي رد: فقه القضاء على المذهب المالكي من خلال "مختصر خليل" ( فروع / وأصول )

المسألة السادسة : [ ما جرى به العمل ]

سأتناول هذه المسالة في فصلين اثنين :

الفصل الأول : صور تعارض الأقوال وطرق الترجيح بينها .
الفصل الثاني : جريان العمل / معناه / أنواعه / ضوابطه / ثبوته / أسبابه .


والآن مع الفصل الأول فأقول:

1 ـــ صور تعارض الأقوال :

أشرت فيما سبق ــ وبشيء من التفصيل والتوضيح ــ إلى الأقوال المتقابلة الموجودة في المذهب ، وبإجراء مقابلة بينها نحصل على ثلاثة أقسامٍ ، كلُّ قسمٍ يحتوي على صورٍ من التعارضِ وذلك كالتالي :
أ ـــ صور ستة : أحد القولين فيها أقوى من مقابله .

الأولى : القول الأول مشهور ومقابله شاذ ، مثاله : كراء الأرض بما يخرج منها ، فالمشهور : المنع ، والشاذ الجواز .
الثانية : الأول راجح ، ومقابله ضعيف ، مثاله : مسألة التفرقة بين الصبيان في المضاجع ، فالراجح : ندبها عند عشر سنين كما في الحديث الصحيح ، والضعيف ندبها عند السبع.
الثالثة : القول الأول راجح ، ومقابله مشهور ضعيف المدرك ــ على القول بتباينهما ــ مثاله : تحلية الصبي بالذهب والفضة والحرير الخالص ، فالراجح أن ذلك حرام ، والمخاطب بالحرمة ولي الصبي ، والمشهور : جواز تحليته بالفضة وكراهة تحليته بالذهب والحرير .
الرابعة : القول الأول : راجح ومشهور ، والمقابل : ضعيف وشاذ ، مثاله : جلوس الرجال على الحرير ، فالشهور أنه حرام لكثرة قائليه ، وهو الراجح لقوة دليل التحريم ، الوارد في حديث النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ الذي نهى فيه الرجال عن لباس الحرير ، والجلوسُ عليه من جملة لباسه ، لحديث أنس (ض) : " إن هذا الحصير قد اسود من طول ما لبس " فسمى الجلوس على الحصير لباسا .
ومقابله : جواز الجلوس عليه ، وهو لابن الماجشون من تلاميذ مالك ، واحتج بأن الجلوس ليس من اللباس ، وهو محجوج بقول أنس المتقدم ، فيكون قوله هذا ضعيفا لضعف حجته ، وشاذا لمخالفته لجمهور المالكية .
الخامسة : القول الأول راجح ومشهور والآخر : راجح فقط ، مثاله : الدلك في الغسل فالمشهور والراجح : وجوبه لذاته ، والراجح : وجوبه لإيصال الماء إلى البشرة .
السادسة : القول الأول مشهور وراجح ، ومقابله : مشهور فقط ، مثاله : مسألة وقت صلاة المغرب ، فالمشهور الراجح : أنه موسع وأنه ممتدٌّ إلى مغيب الشفق الأحمر ، والمشهور فقط : أنه مضيق وأنه مقدَّرٌ بفعلها بعد تحصيل شروطها، وهو الذي مشى عليه خليل في المختصر حيث قال : [والمغربُ غروبُ الشمسِ يقدَّرُ بفعلها بعدَ شروطِها ] يعني أن وقت صلاة المغرب هو غروب الشمس ، وهو مضيق يقدَّر بفعلها بعد تحصيل شروطها .
وإلى القول الأول أشار من قال :

وامتد للشفق وقت المغرب = = قد قاله الرجراجي وابن العربي

بـ ـــ ثلاثة صور: القولان فيها متساويان في الترجيح .

الأولى : القولان معا مشهوران ، مثاله : مسألة ستر العورة في الصلاة ، فهناك قولان في المذهب ، أحدهما : أن ستر العورة شرط في صحة الصلاة بالنسبة للقادر عليه الذاكر له ، والثاني : عدم اشتراطه ، الأول شهره ابن عطاء الله ، والثاني شهره ابن العربي .
الثانية : القولان معا راجحان ، مثاله : مسألة تأخير الصلاة عن وقتها الاختياري إلى الضروري ، ففي المسألة قولان كل منهما راجح ، الأول يقول بالحرمة ، والثاني يقول بالكراهة ، وكل منهما رجَّحه قوم من الفقهاء .
الثالثة : القولان معا مشهوران وراجحان ، مثاله : مسألة الوقت المختار لصلاة الصبح ، فقد اختلف فيه على قولين :
الأول : أنه ممتد إلى الإسفار البيِّن ، ومن الإسفار إلى طلوع الشمس هو الوقت الضروري ، وعليه فلها وقتان : وقت اختيارٍ ووقت ضرورةٍ ، وهذا شهَّره ورجَّحه قوم .
والثاني : أن وقتها الاختياري ممتد إلى طلوع الشمس ، وعليه فليس لها وقت ضرورة ، وهذا أيضا شهَّره ورجَّحه قوم .

ج ـــ صورة واحدة القولان متساويان في عدم الترجيح.

الصورة الوحيدة التي يكون فيها كل من القولين متساويين بدون ترجيح أو تشهير نجد مثالها في مسألة التطهير بالماء المجعول في الفم ، ففي جواز التطهير به وعدم جوازه قولان متساويان ، وإليهما أشار خليل في المختصر بقوله : [ وفي التطهير بماء جعل في الفم قولان ] واصطلاحه أنه إذا ذكر قولين أو أقوالا فذلك "لعدم اطلاعه على أرجحيَّة منصوصة" ، كما تقدم لنا بيانه في مطلع هذا الموضوع .

الفقرة الموالية نخصصها للشق الثاني من هذا الفصل وهو : طرق الرجيح بين الأقوال المتعارضة.

والله أعلم .
رد مع اقتباس
  #58  
قديم 19-10-12, 05:27 PM
عبد الله خطاب عبد الله خطاب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-09-11
المشاركات: 796
افتراضي رد: فقه القضاء على المذهب المالكي من خلال "مختصر خليل" ( فروع / وأصول )

الفقرة الثانية من الفصل الأول من المسألة السادسة

2 ـــ طرق الترجيح بين القوال المتعارضة .

لقد سبق أن أشرت إلي بعض قواعد الترجيح، ولكن من دون تفصيل في المسالة، وهنا أعيد الكرة فافصل في المسالة شيئاً مَّا، وأقول:
لقد سن الفقهاء والأصوليون ــ رحمهم الله تعالى ــ طرقا مسلوكة، وقواعد محكمة للترجيح بين الأقوال المتعارضة، وفقا لصور التعارض بينها، وهي كالتالي :

أ ــ قواعد الترجيح فيما إذا تعارض المشهور والراجح مع الشاذ والضعيف.

أولا :
يجب تقديمُ المشهور والراجح على مقابلهما: الشاذ والضعيف في الأحوال العادية ، وفي الأحوال الاستثنائية قد يجوز العمل بالضعيف والشاذ لظهور مصلحة راجحة تقتضي الخروج عن المشهور أو الراجح .
هذه قاعدة عامة قال بها أغلب الفقهاء والأصوليين.
وأشهرُ من نسبت إليه من الفقهاء الإمامُ : أبو عبد الله المازري ( ت 536 هـ ) وقد سبق أن نقلتُ عنه نصا يقول فيه : [ لا أفتي بغير المشهور ولا أحمل الناس على غيره ] وعلل ذلك :
ــ بقلة الورع.
ــ كثرة ادِّعاء العلم.
ــ التجاسر على الفتوى بغير بصيرة .
ــ سَدُّ الذرائع أمام أهل الأهواء حتى لا يهتكوا هيبةَ المذهبِ، وحتى لا يكونَ الشاذُّ والضعيفُ سُلَّمًا لنيل الأغراض الفاسدة والشهوات الباطلة ، وفي سد هذا مصلحة ضرورية ، على حد تعبير الشاطبي الآتي بعد قليل .
وقد اتبع المازريَّ في الأخذ بهذه القاعدة أغلبُ من جاء بعده، وعلى رأسهم الإمام الشاطبي صاحب "الموافقات " ، الذي علق على قول المازري المذكور بقوله : [ فانظر كيف لم يستجز ــ وهو المتفق على إمامته ــ الفتوى بغير مشهور المذهب ولا بغير ما يعرف منه ، بناء على قاعدة مصلحية ضرورية ، إذ قل الورع والديانة من كثير ممن ينتصب لبث العلم والفتوى كما تقدم تمثيله ، فلو فتح لهم هذا المذهب لانحلت عرى المذهب ، بل جميع المذاهب ، لأن ما وجب للشيء وجب لمثله ... ] (1)

وإلى هذا المنحى نحى عبد الرحمن الفاسي في نظم العمل الفاسي حيث قال :

حُكْمُ قضاةِ الوَقْتِ بِالشُّذُوذِ = = يُنقَضُ لاَ يَتِمُّ بِالنُّفُوذِ

لكن هناك أحوال استثنائية لا ينقض فيها الحكم بالضعيف والشاذ ، وقد حصرها السنوسي في حالات :
الأولى: أن لا يكون الحكم بالضعيف والشاذ خطأ بينا، فلو كان خطأ بينا نقض.
الثانية: أن لا يكون غلطا، فلو حكم به غلطا نقض. (والفرق بين الخطأ والغلط واضح )
الثالثة: أن يقع الحكم بهما على سبيل تحري الصواب لا على سبيل قصد الهوى والميل للمحكوم له.
وهناك من اشترط في القاضي لكي يمضي حكمه بالشاذ أو الضعيف شرطين آخرين، وهما:
ــ أن يكون القاضي بذلك من أهل الترجيح.
ــ أن يكون لذلك الحكم مدرك ترجَّحَ لدى الحاكمِ .
الرابعة : التفرقة بين حالين : قبل وقوع الحكم وبعد وقوع الحكم :
فـ" بعد الوقوع " يتساهل في إمضائه بشروط :
الأول: إذا صدر على سبيل تحري الصواب،
الثاني: أن يكون القول المحكوم به منسوبا لفقيهٍ،
الثالث: أن لا يقع القول المحكوم به خارج دائرة المذهب.
لكن المالكية المتأخرين من المصريين يقدمون الحكم بالراجح أو المشهور خارج المذهب على الحكم بالشاذ أو الضعيف من المذهب عند الضرورة ، على عكس متأخري المغاربة الذين يقدمون الشاذ أو الضعيف من المذهب على الراجح أو المشهور خارج المذهب ، تمسكا منهم بالمذهب ما أمكن .

ثانيا : القول بالاختيار

في مقابل ذلك هناك من الفقهاء المالكية من يقول بالاختيار بين مختلف الأقوال ، فيختار أيها شاء ، فيحكم به أو يفتي به ، سواء كان مشهورا أم راجحا أم ضعيفا أم شاذا .
قال الشاطبي بعد ما أفاض في التدليل على الأصل الذي قرره، وهو أن " الشريعة كلها ترجع إلى قول واحد في فروعها وإن كثر الاختلاف ، كما أنها في أصولها كذلك ولا يصلح فيها غير ذلك " وانه " ليس للمقلد أن يتخير في الخلاف " قال بعد ذلك : [ وقد أدى إغفال هذا الأصل إلى أن صار كثير من مقلدة الفقهاء يفتي قريبه أو صديقه بما لا يفتي به غيره من الأقوال؛ اتباعا لغرضه وشهوته، أو لغرض ذلك القريب وذلك الصديق.
ولقد وجد هذا في الأزمنة السالفة فضلا عن زماننا كما وجد فيه تتبع رخص المذاهب اتباعا للغرض والشهوة، وذلك فيما لا يتعلق به فصل قضية وفيما يتعلق به ذلك.
فأما ما لا يتعلق به فصل قضية، بل هو فيما بين الإنسان وبين نفسه في عبادته أو عادته؛ ففيه من المعايب ما تقدم ] اهـ (3)
وحكى الباجي عن بعض الفقهاء من أصحابه أنه يقول معلنا بذلك : " إن الذي لصديقي عليَّ إذا وقعتْ له حكومةٌ أن أفتيَه بالرواية التي توافقه " (4)
وقد أطال الشاطبي في رد هذا القول بما يعلم بالوقوف عليه. وكذلك رده ابن فرحون في التبصرة .
ويستدل هؤلاء بما يلي :
ـــ مقولة أن الاختلاف رحمة
ـــ أن الجمود على المشهور أو الراجح تحجير للواسع، والميل بالناس إلى الحرج، وقد رفع الله الحرج عن هذه الأمة ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) .

تنبيه :
في هذا العصر سلك الفقهاء المعاصرون هذا المسلك ، فشرعوا يختارون من كل المذاهب أقوالا في مختلف أبواب الفقه ، بدعوى التيسير على الناس ورفع الحرج ، والتجديد ومسايرة التطور الواقع في كل مجالات الحياة ، وهذا واضح جدا في كل الكتابات الفقهية التي تمت في الفقه المعاصر ، لاسيما في المعاملات ، والمسائل المتعلقة بالاقتصاد والسياسة .

ب ــ طرق الترجيح عند تعارض الراجح مع المشهور.

إذا تعارض الراجح مع المشهور ــ على القول بتباينهما ـــ اختلف الفقهاء حول الذي يجب تقديمه منهما ، وهذا الخلاف خاص بما إذا كان القاضي والمفتي مجتهدا ، وأما إذا كان مقلدا فلا خلاف أنه ملزم باتباع المشهور .
ويرجع الخلاف في المسالة إلى ثلاثة:
الرأي الأول :
يجب تقديم المشهور على الراجح ، وهذا قال به جمع من الفقهاء المتأخرين كالعدوي الصعيدي في حاشية الخرشي ، وعبد الباقي الزرقاني في شرح مختصر خليل ، وقال عند شرحه لمسالة الدلك في الغسل من المختصر : " إنه مهما فسرنا المشهور بما كثر قائله إلا ولا يعدل عنه ، ولو ضعف مدركه في ظننا وكان مدرك مقابله قويا ، وضعف المدرك لا يلزم منه ضعف القول بنفسه ، لما تقرر من أنه : لا يلزم من بطلان الدليل ــ فضلا عن ضعفه ــ بطلان المدلول " .
ومما يستدل به هؤلاء على تقديم المشهور على الراجح : أن المشهور كثر القائلون به لدليل قوي لم نطلع عليه ، زيادة على الدليل الضعيف الذي اطلعنا عليه ، فيكون المشهور بهذا التحليل راجحا أيضا إلا أن دليل رجحانه لم نطلع عليه .
الرأي الثاني:
يذهب أصحاب هذا الرأي إلى تقديم الراجح على المشهور ، وينسب هذا إلى الجمهور من الفقهاء والأصوليين ، وممن صرح به ابن العربي في أحكام القرآن والقرافي وعلي الأجهوري والهلالي وغيرهم ، واحتجوا بما يلي :
ــ أن قوة الدليل مقدمة على كثرة القائلين لأنه من الجائز أن يكون ما ذهب إليه القليل صوابا وحقا وما قال به الكثير خطأ لضعف دليله.
ــ لم يقم دليل من عقل أو نقل على أن الصواب مع الكثرة والخطأ مع القلة، بل الذي يحدد الصواب من الخطأ هو قوة الدليل وضعفه.
ــ أن العمل بالراجح عمل بما قوي دليله ، وما قوي دليله يجب العمل به نصا لقوله تعالى : [ قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين ] فلم يطالبهم الله تعالى بالكثرة بل بالدليل والبرهان.
ــ أن في تقديم المشهور مع ضعف دليله على الراجح مع قوة دليله تقديما للمرجوح على الراجح وهو ممتنع عقلا وشرعا .
ــ إجماع الصحابة على العمل بالراجح وتقديمه على غيره ، يدل على ذلك تصرفهم في عدد من القضايا .
الرأي الثالث :
هناك من ينفي وجود المشهور في المذهب ، وقال : إن كثرة القائلين إنما تعتبر إذا كانوا مجتهدين ، وذلك لأن قول كل واحد منهم يكون ناشئا عن بحث ونظر واستدلال فتكون كثرتهم واتفاقهم على قول واحد ، مع توفر أسباب اختلاف أنظارهم داليْن على أن قطعية الدليل هي جمعتهم على قول واحد وغلبت عوامل وأسباب اختلافهم ، وأما كثرة القائلين المقلدين فغنها ترجع إلى قول إمام واحد تتابعوا على نقله فصار بكثرة النقل مشهورا ، وليس هو في الواقع إلا قول واحد ،
وممن قال بهذا عبد الحي بن الصديق الطنجي في كتابه " بذل الماعون في مسألة أماوون "

ج ــ طرق الترجيح عند حصول التساوي بين الأقوال .

في هذه القضية ثلاثة آراء :
[COLOR="]"]الرأي الأول :[/COLOR]
إذا لم يتبن للقاضي أو المفتي ترجيح أي من القولين المتساويين يتوقف ولا يحكم ويأمر بالصلح ولا يحكم بالتخمين ، قال الشاطبي : [ إذا وجدت قولين في المذهب فلا أفتي بأحدهما على التخمين مع أني مقلد ، بل أتحرى ما هو المشهور والمعمول به فهو الذي أذكره للمستفتي ولا أتعرض للقول الآخر فإذا أشكل علي المشهور ولم أر لحد من الشيوخ في أحد القولين ترجيحا توقفت ]
وإليه ذهب ابن عاصم في قوله في التحفة :

وَلَيْسَ بِالْجَائِزِ لِلْقاضِي إِذَا = = لَمْ يَبْدُ وَجْهُ الْحُكْمِ أَنْ يُنَفِّذَا
وَالصُّلْحُ يَسْتَدْعِي لَهُ إِنْ أَشْكَلاَ = = حُكْمٌ وَإِنْ تَعَيَّنَ الْحَقُّ فَلاَ

الرأي الثاني :

يقول أصحاب هذا الرأي بعدم التوقف ، وإنما يجب على الحاكم أو المفتي إصدار الحكم والفتيا بأحد القولين المتساويين ، قال القرافي معللا ذلك : " إن العلماء اختلفوا ــ إذا تعارضت الأدلة عند المجتهدين وتساوت وعجز عن الترجيح ــ هل يتساقط الدليلان أو يختار أحدهما يفتي به ؟؟
فعلى أنه يختار أحدهما يفتي به فله ( = للحاكم) أن يختار أحدهما ( = احد القولين ) يحكم به ، لأن الفتوى شرع عام على المكلفين إلى قيام الساعة ، والحكم شرع خاص يختص بالوقائع الجزئية ، فإذا جاز الاختيار في الشرائع العامة فأولى أن يجوز في الأمور الجزئية الخاصة ، وهذا مقتضى الفقه والقواعد ، وعلى هذا يتصور الحكم بالراجح وغير الراجح ، وليس اتباعا للهوى، بل ذلك بعد بذل الجهد والعجز عن الترجيح وحصول التساوي، أما الفتيا والحكم بما هو مرجوح فخلاف الإجماع " (5)
وفرق الشيخ الحسن بن رحال المعداني ( ت 1140 هـ ) بين الفتوى والقضاء ، فأجاز للمفتي أن يختار احد القولين المتساويين ، ولم يجز ذلك للقاضي ، قال : لأن من حجة المحكوم عليه أن يقول للقاضي : هذا تحكم منك أيها القاضي ، فبأي وجهٍ رجحت خصمي علي، ولك مندوحة في التوقف أو الأمر بالصلح أو بالاستفتاء أو بالرفع إلى قاض آخر لعله يكون عنده علم بترجيح أحد القولين .
وفرق الشيخ أبو عبد الله المسناوي ( ت 1136هـ = ) بين ما قبل الحكم وما بعد الحكم بأحد المتساويين ، فقبل الحكم يرى أنه يتوقف كما قال الشاطبي ، وبعده يرى أنه لا ينقض الحكم ، قال وهو الذي يقتضيه كلام غير واحد من الفقهاء .

ومما يقع به الترجيح "جريان العمل ن وهذا هو مضمون الفضل الثاني ، فلنرجئ القول فيه إلى فرصة لاحقة عن شاء الله تعالى .

ولا يفوتني أن أنبه على أنني قد استلخصت مباحث هذا الفصل أساسا من كتاب الأستاذ عبد السلام العسري " نظرية الأخذ بما جرى به العمل في المغرب في إطار المذهب المالكي " طبعة وزارة الأوقاف المغربية سنة 1417 هـ ــ 1996م إضافة إلى المصادر والمراجع المذكورة في الهامش .

والله أعلى وأعلم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الموافقات ج 4 ص 146 طبعة دار المعرفة . بدون تاريخ .
(2) الموافقات ج 4
رد مع اقتباس
  #59  
قديم 19-10-12, 06:48 PM
عبد الله خطاب عبد الله خطاب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-09-11
المشاركات: 796
افتراضي رد: فقه القضاء على المذهب المالكي من خلال "مختصر خليل" ( فروع / وأصول )

تصحيحات لأخطاء وقعت عند التحرير ، وهي الملونة بلون أحمر
ـــ [وأما كثرة القائلين المقلدين فغنها ترجع إلى قول إمام ]
التصحيح ..... فإنها ....
ــــ [ فإذا أشكل علي المشهور ولم أر لحد من الشيوخ في أحد القولين ترجيحا توقفت ]
التصحيح ... لأحد ...
ـــ [ وهذا هو مضمون الفضل الثاني ]
التصحيح ... الفصل ...
والله الموفق
رد مع اقتباس
  #60  
قديم 04-11-12, 07:16 PM
عبد الله خطاب عبد الله خطاب غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 01-09-11
المشاركات: 796
افتراضي رد: فقه القضاء على المذهب المالكي من خلال "مختصر خليل" ( فروع / وأصول )

قريبا سينزل الفصل الثاني من المسألة السادسة والذي سنخصصه لــ " ما جرى به العمل " في المذهب المالكي
فريثما تكمل فقراته فتعالوا بنا لنناقش الفصل الأول من المسألة السادسة .
أرجو من الإخوة التفضل بمناقشة الموضوع
وبالله تعالى التوفيق
والسلام عليكم
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:08 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.