ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى أصول الفقه
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #11  
قديم 15-04-19, 03:37 AM
نضال مشهود نضال مشهود غير متصل حالياً
يغفر الله له ويرحمه
 
تاريخ التسجيل: 16-06-05
المشاركات: 790
افتراضي رد: مسألة الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده (نقول من كتب الأصول)

المعتمد (1/ 97):

بَاب فِي الْأَمر بالشَّيْء هَل هُوَ نهي عَن ضِدّه دَال على قبحه أم لَا

ذهب قوم إِلَى أَن الْأَمر بالشَّيْء نهي عَن ضِدّه وَخَالفهُم أخرون على ذَلِك وَإِلَيْهِ ذهب قَاضِي القاضة واصحابنا وَالْخلاف فِي ذَلِك إِمَّا فِي الِاسْم وَإِمَّا فِي الْمَعْنى
فَالْخِلَاف فِي الِاسْم أَن يسموا الْأَمر نهيا على الْحَقِيقَة وَهَذَا بَاطِل لِأَن أهل اللُّغَة فصلوا بَين الْأَمر وَالنَّهْي فِي الِاسْم وَسموا هَذَا أمرا وَسموا هَذَا نهيا وَلم يستعملوا اسْم النَّهْي فِي الْأَمر فَإِن استعملوه فِيهِ فقليل نَادِر
وَالْخلاف فِي الْمَعْنى من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يُقَال إِن صِيغَة لَا تفعل وَهُوَ النَّهْي مَوْجُودَة فِي الْأَمر وَهَذَا لَا يَقُولُونَهُ لِأَن الْحس يَدْفَعهُ وَالْآخر أَن يُقَال إِن الْأَمر نهي عَن ضِدّه فِي الْمَعْنى من جِهَة أَن يحرم ضِدّه وَهَذَا يكون من وُجُوه
مِنْهَا أَن يُقَال إِن صِيغَة الْأَمر تَقْتَضِي إِيقَاع الْفِعْل ونمنع من الْإِخْلَال بِهِ وَمن كل فعل يمْنَع من فعل الْمَأْمُور بِهِ فَمن هَذِه الْجِهَة يكون محرما لضد الْمَأْمُور بِهِ وَهَذَا قد بَينا صِحَّته من قبل
وَمِنْهَا أَن يُقَال إِن الْأَمر يَقْتَضِي الْوُجُوب لدَلِيل سوى هَذَا الدَّلِيل فاذا تجرد الْأَمر عَن دلَالَة تدل على أَن أحد أضداد الْمَأْمُور بِهِ يقوم مقَامه فِي الْوُجُوب اقْتضى قبح أضداده إِذْ كل وَاحِد مِنْهَا يمْنَع من فعل الْمَأْمُور بِهِ وَمَا منع من فعل الْوَاجِب فَهُوَ قَبِيح وَهَذَا الْوَجْه أَيْضا فَهُوَ صَحِيح إِذا ثَبت أَن الْأَمر يدل على الْوُجُوب
وَمِنْهَا أَن يُقَال إِن الْأَمر يدل على كَون الْمَأْمُور بِهِ ندبا فَيَقْتَضِي أَن الأولى أَن لَا يفعل ضِدّه كَمَا أَن النَّهْي على طَرِيق التَّنْزِيه يَقْتَضِي أَن الأولى أَن لَا يفعل الْمنْهِي عَنهُ وَهَذَا لَا يأباه الْقَائِلُونَ بِأَن الْأَمر على النّدب غير أَنه لَو سمي الْأَمر بالندب نهيا عَن ضد الْمَأْمُور بِهِ لَكنا منهيين عَن البيع وَسَائِر الْمُبَاحَات لأَنا مأمورون بأضدادها من النّدب
وَمِنْهَا أَن يُقَال إِن الْأَمر بالشَّيْء يَقْتَضِي حسنه أَو كَونه ندبا وَحسن الشَّيْء يَقْتَضِي قبح ضِدّه وَأَن الْأَمر يدل على إِرَادَة الْآمِر للْمَأْمُور بِهِ وَإِرَادَة الشَّيْء كَرَاهَة ضِدّه أَو تتبعها لَا محَالة كَرَاهَة ضِدّه إِمَّا من جِهَة الْحِكْمَة أَو الصِّحَّة والحكيم لَا يكره إِلَّا الْقَبِيح وَهَذَا كُله بَاطِل بالنوافل لِأَنَّهَا حَسَنَة وَمرَاده لَيست اضدادها قبيحة وَلَا مَكْرُوهَة
فَإِن قَالُوا صِيغَة افْعَل إِذا تعلّقت بالنوافل لم تكن أمرا على الْحَقِيقَة فَلهَذَا لم تكن نهيا عَن أضدادها قيل إِنَّمَا كلامنا على قَوْلكُم إِن حسن الشَّيْء وَتعلق الْإِرَادَة بِهِ يَقْتَضِي قبح ضِدّه وَكَونه مَكْرُوها وَهَذَا منتقض بالنوافل سَوَاء سميتم مَا تعلق بِهِ أمرا أم لَا ثمَّ يُقَال لَهُم فاذا كَانَ مَا تعلق بالنوافل لَيْسَ بِالْأَمر فَمَا الْأَمر فان قَالُوا مَا دلّ على الْوُجُوب كَانُوا قد تركُوا هَذَا الْقسم وَعدلُوا إِلَى مَا تقدم فَأَما النَّهْي عَن الشَّيْء فانه دُعَاء إِلَى الْإِخْلَال بِهِ فَيجب كَونه فِي معنى الْأَمر بِمَا لَا يَصح الْإِخْلَال بالمنهي عَنهُ إِلَّا مَعَه فَإِن كَانَ للمنهي عَنهُ ضد وَاحِد وَلَا يُمكن الِانْصِرَاف عَنهُ إِلَّا إِلَيْهِ كَانَ النَّهْي دَلِيلا على وُجُوبه بِعَيْنِه وَإِن كَانَ لَهُ اضداد كَثِيرَة وَلَا يُمكن الِانْصِرَاف عَنهُ إِلَّا إِلَى وَاحِد مِنْهَا كَانَ النَّهْي فِي حكم الْأَمر بهَا أجمع على الْبَدَل

________________
الكتاب: المعتمد في أصول الفقه
المؤلف: محمد بن علي الطيب أبو الحسين البَصْري المعتزلي (المتوفى: 436هـ)
المحقق: خليل الميس
الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت
الطبعة: الأولى، 1403
عدد الأجزاء: 2
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
__________________
أبو الأشبال الإندونيسي
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 15-04-19, 03:42 AM
نضال مشهود نضال مشهود غير متصل حالياً
يغفر الله له ويرحمه
 
تاريخ التسجيل: 16-06-05
المشاركات: 790
افتراضي رد: مسألة الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده (نقول من كتب الأصول)

منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي (ص5):

المسألة الخامسة: وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه؛ لأنها جزؤه فالدال عليه يدل عليها بالتضمن قالت المعتزلة وأكثر أصحابنا الموجب قد يغفل عن نقيضه، قلنا لا فإنَّ الإيجاب بدون المنع من نقيضه محال، وإن سلم فمنفوض لوجوب المقدمة.

_________________
الكتاب: متن منهاج الوصول إلى علم الأصول
للقاضي البيضاوي
المتوفى سنة 685 هـ
تجهيز ومراجعة / تيسير إبراهيم
كلية الشريعة والقانون - الجامعة الإسلامية - غزة
1429هـ /2008م
__________________
أبو الأشبال الإندونيسي
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 15-04-19, 03:50 AM
نضال مشهود نضال مشهود غير متصل حالياً
يغفر الله له ويرحمه
 
تاريخ التسجيل: 16-06-05
المشاركات: 790
افتراضي رد: مسألة الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده (نقول من كتب الأصول)

الإبهاج في شرح المنهاج ط دبي (2/ 329):

قال: (الخامسة: وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه ؛ لأنها جزؤه. فالدال عليه يدل عليها بالتضمن. قالت المعتزلة وأكثر أصحابنا: الموجب قد يغفل عن نقيضه. قلنا: لا، فإن الإيجاب بدون المنع من نقيضه محال، وإنْ سُلِّم فمنقوض بوجوب المقدِّمة).

هذه هي المسألة المعروفة بأنَّ الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده ؟ .
اعلم أنه لا نزاع في أن الأمر بالشيء نهيٌ عن تركه بطريق التضمن، وإنما اختلفوا في أنه هل هو نهي عن ضده الوجودي ؟ على مذاهب:
أحدها: أن الأمر بالشيء نفس النهي عن ضده.
الثاني: أنه غيره ولكنه يدل عليه بالالتزام، وهو رأي الجمهور، منهم الإمام وصاحب الكتاب . وعلى هذا فالأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده؛ (لانتفاء حصول المقصود (إلا بانتفاء كل ضد) ، والنهي عن الشيء أمرٌ بأحد أضداده لحصول المقصود) بفعل ضدٍّ واحد، فالأولى التعبير بهذه العبارة وبها صَرَّح إمام الحرمين .
والثالث: أنه لا يدل عليه أصلًا، ونَقَله في الكتاب عن المعتزلة وأكثر أصحابنا، واختاره ابن الحاجب .
واستدل المصنف على اختياره: بأن حرمة النقيض جزء من الوجوب؛ لأن الواجب: هو الذي يجوز فعله ويمتنع تركه . وإذا كان كذلك فالدالُّ على الوجوب يدل على حرمة النقيض بالتضمن؛ لأن المراد مِنْ دلالة التضمن: أن اللفظ يدل على جُزء ما وُضع له. والمراد بدلالة الالتزام هنا: دلالة اللفظ على كلِّ ما يُفهم منه غير المسمَّى، سواء كان داخلًا فيه، أو خارجًا عنه. فيصدق قوله: "يدل بالتضمن" مع قوله: بالالتزام .
واحتجت المعتزلة: بأن الموجِب للشيء قد يكون غافلًا عن نقيضه، فلا يكون النقيض مَنْهيًا عنه؛ لأن النهي عن الشيء مشروطٌ بتصوره.
وأجاب عنه: بأنا لا نسلم أن الموجب للشيء قد يَغْفَل عن نقيضه؛ لأن الموجب للشيء ما لم يتصور الوجوبَ لا يَحْكم به، ويلزم مِنْ تصور الوجوب تصور المنع من النقيض؛ لأنه جزؤه ، وتصور الكل مستلزمٌ لتصور الجزء. ولو سلمنا أنه يجوز أن يكون الموجِب للشيء قد يغفل عن نقيضه - فذلك لا يمنع حرمة النقيض، بدليل وجوب المقدِّمة، أعني: ما لا يتم الواجب إلا به، فإن الموجِب للشيء قد يكون غافلًا عن مقدمته مع استلزام وجوبِه لوجوبِها، كما تقدم. هذا شرح ما في الكتاب.
واعلم أنه قد تردد كلام الأصوليين في المراد مِنَ الأمر المذكور في هذه المسألة: هل هو النفساني؟ فيكون الأمر النفساني نهيًا عن الضد نهيًا نفسانيًا.
أو اللساني؟ فيكون نهيًا عن الأضداد بطريق الالتزام، وهذا هو الذي ذكره الإمام حيث صرح بلفظ الصيغة .
وإذا عرفت هذا فنقول: إنْ كان الكلام في النفساني تعيَّن التفصيل بين مَنْ يعلم بالأضداد ومن لا يعلم . فالله تعالى بكل شيء عليم، وكلامه واحد، وهو أمر ونهي وخبر، فأمره عَيْن نهيه وعَيْن خبره، غير أنَّ التعلُّقات تختلف، فالأمر عَيْنُ النهي باعتبار الصفة المتعلّقة نفسها التي هي الكلام ، وهو غيره باعتبار أن الكلام إنما يصير أمرًا بإضافة تعلُّق خاصٍّ: وهو تعلق الكلام بترجيح طلب الفعل، وإنما يصير نهيًا بتعلقه بطلب الترك . والكلام بقيد التعلق الخاص غيرُه بالتعلق الآخر . فهذه الأقسام والتفاصيل لا ينبغي الخلاف فيها لِمَنْ تصورها، فإنَّ أمر الله تعالى بالشيء نهيٌ عن ضده باعتبار أنه لا بد من حصول التعلق بالضد المنافي.
وأما من لا شعور له بضد المأمور فلا يُتصور منه النهي عن جميع الأضداد بكلامه النفسي تفصيلًا؛ لعدم الشعور بها، ولكن يصدق أنه نهيٌ عنها بطريق الإجمال؛ لأنه طالب للمأمور على التفصيل، ولتحصيله بكل طريق مفض إلى ذلك، ومن جملتها اجتناب الأضداد.
وإن كان في اللساني فلا يتجه أن يقال: الأمر بالشيء نهي عن ضده، فإن صيغة قولنا: "تَحَرَّك" ليست صيغة قولنا: "لا تسكن". والمكابر في ذلك مُنَزَّل منزلة مُنْكِري المحسوسات، وإنما يتجه الخلاف في أن صيغة الأمر هل دلت التزامًا؟ وهذا الذي قررناه هو الذي اقتضاه كلام إمام الحرمين، فإنه حكى اختلاف أصحابنا في أن الأمر بالشيء نهي عن أضداد المأمور به، ثم قال: "وأما المعتزلة فالأمر عندهم هو العبارة، وهو قول القائل: افْعَلْ، أصواتٌ منظومة معلومة، وليس هي على نظم الأصوات في قول القائل: لا تَفْعل، ولا يمكنهم أن يقولوا: الأمر هو النهي" . وهذا هو مقتضى كلامه في "التلخيص" الذي اختصره من "التقريب والإرشاد" للقاضي أبي بكر.
فَحَصَلْنا مِنْ هذا على أنَّ القائل: بأن الأمر بالشيء هو نفس النهي عن ضده - إنما كلامه في النفسي، وأن المتكلمين في النفسي يقع اختلافهم على مذاهب:
أحدها: أن الأمر بالشيء نفس النهي عن ضده، واتصافه بكونه أمرًا نهيًا بمثابة اتصاف الكَوْن الواحد بكونه قريبًا من شيء بعيدًا من غيره.
والثاني: وهو الذي مال إليه اختيار القاضي في آخر مصنفاته أنه ليس هو، ولكن يتضمنه .
والثالث: أنه لا يدل عليه أصلًا، وإليه ذهب إمام الحرمين والغزالي .
ويتعين أن تكون هذه المذاهب في الكلام النفسي بالنسبة إلى المخلوق ، وأما الله تعالى فكلامه واحد كما عرفت، لا تتطرق الغَيْرِيَّة إليه، ولا يمكن أن يأمر بشيء إلا وهو مستحضر لجميع أضداده؛ لعلمه بكل شيء، بخلاف المخلوق فإنه يجوز أن يَذْهل ويَغْفَل عن الضد. وبهذا الذي قلناه صرَّح الغزالي ، وهو مقتضى كلام إمام الحرمين والجماهير.
وأما المتكلمون في اللساني فيقع اختلافهم على قولين:
أحدهما: أنه يدل عليه بطريق الالتزام، وهو رأي المعتزلة.
والثاني: أنه لا يدل عليه أصلًا.
ولبعض المعتزلة مذهب ثالث: وهو أن أمر الإيجاب يكون نهيًا عن أضداده، ومُقَبِّحًا لها؛ لكونها مانعةً من فعل الواجب، بخلاف المندوب فإن أضداده مباحةٌ غير منهيٍّ عنها ، لا نهيَ تحريم، ولا نهيَ تنزيه، ولم يقل أحد هنا: إن الأمر بالشيء نفس النهي عن ضده؛ لكونه مكابرة وعنادًا، كما قررناه .
واختار الآمدي أن يقال: إنْ جَوَّزنا تكليف ما لا يطاق - فالأمر بالفعل ليس نهيًا عن الضد، ولا مستلزمًا للنهي عنه، بل يجوز أن يُؤمر بالفعل وبضده في الحالة الواحدة. وإن مُنع فالأمر بالشيء مستلزمٌ للنهي عن ضده.
هذا خلاصة ما يجده الناظر في كتب الأصول من المنقول في هذه المسألة، وهو هنا على أحسن تهذيب وأوضحه.
ومنهم مَنْ أجرى الخلاف في جانب النهي هل هو أمر بضد المنهي عنه؟ وقال إمام الحرمين: "مَنْ قال: النهي عن الشيء أمرٌ بأحد أضداده فقد اقتحم أمرًا عظيمًا، وباح بالتزام مذهب الكعبي في نفي الإباحة، فإنه إنما صار إلى ذلك من حيث قال: لا شيءَ يُقَدَّر مباحًا إلا وهو ضدُّ محظور؛ فيقع من هذه الجهة واجبًا، ومَنْ قال: الأمر بالشيء نهي عن الأضداد ومتضمن لذلك [وليس النهي عن الشيء أمرًا بأحد الأضداد] مِنْ حيث تَفَطَّنَ لمقالة الكعبي - فقد ناقض كلامه؛ فإنه كما يستحيل الإقدام على المأمور به دون الانكفاف عن أضداده، فيستحيل الانكفاف عن المنهي دون الاتصاف بأحد أضداده" .
ونختم الكلام في المسألة بفوائد:
إحداها: قال القاضي عبد الوهاب في "الملخص" بعد أن حكى عن الشيخ أبي الحسن رحمه الله أن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضدِّه إنْ كان ذا ضِدٍّ واحد، وأضدادِه إنْ كان ذا أضداد: إنَّ الشيخ شَرَط في ذلك أن يكون واجبًا لا ندبًا.
قال القاضي عبد الوهاب: وقد حُكي عن الشيخ أنه قال في بعض كتبه: إن الندب حسن وليس مأمورًا به. وعلى هذا القول لا يحتاج إلى اشتراط الوجوب في الأمر إذ هو حينئذ لا يكون إلا واجبًا.
قال القاضي عبد الوهاب: ولا بد أن يشترط الشيخ في ذلك أن يكون مع وجوبه مضيَّقًا مستحق العين؛ لأجل أن الواجب الموسع ليس بنهي عن ضده. (قال: ولا بد أيضًا من اشتراط كونه نهيًا عن ضده) (وضد البدل منه، الذي هو) بدل لهما إذا كان أمرًا على غير وجه التخيير انتهى.
وما قاله من اشتراط كونه نهيًا عن ضدِّه وضد البدل منه لا يُحتاج إليه بعد معرفة صورة المسألة، فإنَّ صورتها في الأمر الذي على غير وجه التخيير كما صرَّح به القاضي في "مختصر التقريب والإرشاد" لإمام الحرمين، فإنَّه قيَّد الكلام بالأمر على التنصيص لا على التخيير . ثم قال: "وإنما قيدنا الكلام بانتفاء التخيير؛ لأن الأمر المنطوي على التخيير قد يتعلق بالشيء وضده، ويكون الواجب أحدهما لا بعينه، فلا سبيل لك إلى أن تقول فيما هذا وصفه إنه نهي عن ضده إذا خُيِّر المأمور بينه وبين ضده"
ولقائل أن يقول: محل التخيير لا وجوب فيه، فأين الأمر حتى يقال ليس نهيًا عن ضده؟ ومحل الوجوب لا تخيير فيه وهو نهي عن ضده. وما قاله القاضي عبد الوهاب من اشتراط التضييق لم يتضح لي وجهه، فإن الموسَّع إن لم يَصْدق عليه أنه واجب فأين الأمر حتى يستثنى من قولهم: الأمر بالشيء نهي عن ضده؟ وإن صدق عليه أنه واجب بمعنى أنه لا يجوز إخلاء الوقت عنه، فضده الذي يلزم من فعله تفويتُه منهِيٌّ عنه.
وحاصل هذا أنه إنْ صدق الأمر عليه انقدح كونه نهيًا عن ضده، وإلا فلا وجه لاستثنائه كما قلناه في المخيَّر.
الثانية: قال النقشواني: لو كان الأمر بالشيء نهيًا عن ضده للزم أن يكون الأمر للتكرار وللفور؛ لأن النهي كذلك .
وأجاب القرافي: بأنَّ القاعدة أن أحكام الحقائق التي تثبت لها حالة الاستقلال لا يلزم أن تثبت لها حالة التبعية .
الثالثة: سأل القرافي في مسألة مقدمة الواجب عن الفرق بينها وبين هذه المسألة، فإن عدم الضد مما يتوقف عليه الواجب .
وأجيب: بأن ما لا يتم الواجب إلا به وسيلةٌ للواجب لازم التقدم عليه، فيجب التوصل به إلى الواجب؛ لئلا يعتقد أن حالة عدم المقدم خال عن التكليف؛ لزعمه بأن الأصل ممتنع الوقوع، وهو غير مكلف بالمقدمة. فقلنا: هذا غلط، بل أنت قادر على تحصيل الأصل بتقديم هذه المقدمة، فعليك فِعْلها، فكان إيجاب المقدمة تحقيقًا لإيجاب الأصل مع تقدير عدم المقدمة وترك الضد أمرٌ يَتْبع حصولُه حصولَ المأمور به من غير قصد، وهذا أصلح وجهين أجاب بهما في شرح المحصول.
الرابعة: سأل القرافي أيضًا عن الفرق بين هذه المسألة وقولهم: متعلَّق النهي فعل الضد لا نفس: "لا تفعل"، فإن قولهم: نهيٌ عن ضدٍّ معناه أنه تَعَلَّق بالضد. وقولهم: متعلَّقُه ضد المنهي عنه - هو الأول بعينه.
وسنستقصي الجواب عن هذا في كتاب الأمر والنهي إن شاء الله تعالى، فإن المصنف ذكر تلك المسألة ثَمَّ .
الخامسة: من فوائد الخلاف في هذه المسألة من الفروع ما إذا قال لزوجته: إنْ خالفتِ نَهيي فأنت طالق. ثم قال: قُومي. فقعدت، ففي وقوع الطلاق خلاف مُسْتَنِدٌ إلى هذا الأصل .

____________________
الكتاب: الإبهاج في شرح المنهاج (شرح على منهاج الوصول إلى علم الأصول للقاضي البيضاوي المتوفى سنة 685 هـ)
المؤلف: شيخ الإسلام علي بن عبد الكافي السبكي (المتوفى: 756 هـ) وولده تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي (المتوفى: 771 هـ)
تنبيه: شرح التقي السبكي قطعة يسيرة من أول المنهاج، ثم أعرض عنه فأكمله ابنه التاج، بداية من قول البيضاوي: «الرابعة: وجوب الشيء مطلقًا يوجب وجوب ما لا يتم إلا به وكان مقدورًا».
دراسة وتحقيق: الدكتور أحمد جمال الزمزمي - الدكتور نور الدين عبد الجبار صغيري
أصل الكتاب: رسالة دكتوراه - جامعة أم القرى بمكة المكرمة
الناشر: دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث
الطبعة: الأولى، 1424 هـ - 2004 م
عدد الأجزاء: 7 (الجزء الأول للدراسة)
أعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (مؤسسة سليمان الراجحي الخيرية)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
__________________
أبو الأشبال الإندونيسي
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 15-04-19, 03:56 AM
نضال مشهود نضال مشهود غير متصل حالياً
يغفر الله له ويرحمه
 
تاريخ التسجيل: 16-06-05
المشاركات: 790
افتراضي رد: مسألة الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده (نقول من كتب الأصول)

الإشراف على نكت مسائل الخلاف (1/ 467):

[733] مسألة: العمرة سنة مؤكدة. خلافاً للشافعي في قوله: إنها فريضة. لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (الحج فرض والعمرة تطوع). وقوله لمن سأله عن الحج أواجب هو؟ قال: نعم، قيل فالعمرة؟ قال: لا، ولأن تعتمر خير لك) ففيه أدلة:

أحدها: أنه فرق بينها وبين الحج في الوجوب.

والثاني: نصه على أنها غير واجبة. الثالث: أنه قال له: ولأن تعتمر خير لك لئلا تترك فلا تفعل، ولم يقل هذا في الحج، لأن الوجوب يتضمن تحريم الترك، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة). ومفهوم هذه الصيغة سقوط وجوبها بفعل الحج، وقوله: (من مشى إلى مكتوبة كمن مشى إلى حجه ومن مشى إلى نافلة فهي كعمرة تامة). ولأنها نسك ليس له وقعت معين، فلم يكن بانفراده فرضا، أصله الطواف، ولأن كل نسك يكون تارة منفرداً بنفسه ويكون تارة فعله بعضاً لغيره لم يكن واجباً، كالطواف المنفرد، ولأنها عبادة لا تتعلق بمكان مخصوص، ولا تتعلق بزمان معين فلم تكن واجبة بأصل الشرع كالاعتكاف.

===

الإشراف على نكت مسائل الخلاف (1/ 271):

[الصلاة داخل الكعبة]
[295] مسألة: مذهب مالك في صلاة الفرض داخل الكعبة أنها تكره وتجزئ. وقال أصبغ لا تجزيه، وهو المشهور عند المحققين من أهل مذهبنا. فوجه الأول قوله تعالى: {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} وهذا قد فعل. وروى بلال أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل الكعبة فصلى بها. ولأنه مستقبل بجميع بدنه من البيت كالخارج، ولأن كل بقعة صحت فيها النافلة على الإطلاق صحت فيها الفريضة كسائر المواضع. ووجه المنع قوله تعالى: {وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره}، والمراد بالشطر القبالة والنحو
ففيه أدلة:
أحدها: أنه يوجب استقبال جملته وذلك ينفي استدبارها ومن كان داخلها فلابد أن يستدير شيئاً منها.
والثاني: أن الأمر إنما يتوجه إلينا إذا كنا على صفة يصح فيها فعل المأمور وتركه؛ لأن المأمور إنما يكلف ليفعل أو يترك، وما لا يُفعل إلا على وجه فلا يصح أن يؤمر بفعله، ومعلوم أن من كان داخل الكعبة لو أراد أن لا يولي وجهه شطره لم يمكنه فعلم أنه مأمور بأن يحصل على صفة يصح منه الفعل والترك وهو الخروج عنه.
والثالث: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده من حيث المعنى؛ لأن أمره إيانا أن نولي وجوهنا شطره يتضمن منع استدبار بعضه في معنى استدبار كله لا ينفي كونه مستقبلاً لها ولا يجوز أن يقابل بأن يقال إن استقبال بعضه كاستقبال جميعه لما بينا أن الاستقبال المأمور به لا يتصور إلا بحيث يمكن الاستدبار بدلاً منه.

===

الإشراف على نكت مسائل الخلاف (1/ 327):

[السفر يوم الجمعة]
[404] مسألة: السفر يوم الجمعة قبل الزوال مكروه غير ممنوع، خلافاً لأحد قولي الشافعي أنه ممنوع. لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه جهز جيش مؤتة يوم الجمعة، وفيه جعفر بن أبي طالب وعبدالله ابن رواحة، فخرج جعفر وأقام عبدالله حتى يصلي الجمعة فرآه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: (ما أخرك؟) قال الجمعة. فقال عليه السلام: (لروحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها فانطلق سائراً). ولأن وقت وجوبها لم يدخل فأشبه ما قبل الفجر.
[405] (فصل): فأما إذا زالت الشمس فلا يجوز السفر لمن تلزمه الجمعة خلافاً لما يحكى عن بعض أصحاب أبي حنيفة. لقوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا} والأمر بالفعل نهي عن ضده. ولأنه قد تعين عليه فعل الجمعة، فلم يجز له تركها بالسفر، أصله، إذا أحرم بها. ولأن هذا مبني على أصلنا أن الصلاة تجب بأول الوقت ولا يجوز أن يتشاغل عنها بما يسقطها من غير ضرورة.

===

الإشراف على نكت مسائل الخلاف (1/ 335):

[تحريم البيع عند الأذان]
[425] مسألة: إذا جلس الإمام على المنبر وأخذ المؤذنون في الأذان، حرم البيع وفسخ ما وقع منه في تلك الحال، لا فرق بين من تلزمهما الجمعة أو أحدهما.
خلافاً لأبي حنيفة والشافعية. لقوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع}
ففيه دليلان:
أحدهما: قوله: {فاسعوا إلى ذكر الله} وذلك أمر بالسعي، والأمر بالشيء نهي عن ضده، فيجب أن يكون منهيا عما يشغله عنه، والنهي يقتضي الفساد.
والآخر: قوله عز وجل: {وذروا البيع}، وهذا نص في تحريمه، وذلك يتضمن فساده إذا وقع، ولأنه عقد معاوضة نهي عنه لحق الله، لا يجوز التراضي بإباحته، فوجب فساده، أصله نكاح المحرم.

_______________
الكتاب: الإشراف على نكت مسائل الخلاف
المؤلف: القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي المالكي (422هـ)
المحقق: الحبيب بن طاهر
الناشر: دار ابن حزم
الطبعة: الأولى، 1420هـ - 1999م
عدد الأجزاء: 2 (في ترقيم مسلسل واحد)
أعده للشاملة/ فريق رابطة النساخ برعاية (مركز النخب العلمية)
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
__________________
أبو الأشبال الإندونيسي
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 15-04-19, 04:02 AM
نضال مشهود نضال مشهود غير متصل حالياً
يغفر الله له ويرحمه
 
تاريخ التسجيل: 16-06-05
المشاركات: 790
افتراضي رد: مسألة الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده (نقول من كتب الأصول)

نهاية السول شرح منهاج الوصول (ص: 49):

المسألة الخامسة:
قال: "المسألة الخامسة: جوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه؛ لأنها جزؤه, فالدال عليه يدل عليها بالتضمن. قالت المعتزلة وأكثر أصحابنا: الموجب قد يغفل عن نقيضه قلنا: لا, فإن الإيجاب بدون المنع من نقيضه محال, وإن سلم فمنقوض بوجوب المقدمة" أقول: هذه هي المسألة المعروفة بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده وفيها ثلاثة مذاهب مشهورة ممن حكاها إمام الحرمين في البرهان, أحدها: أن الأمر بالشيء هو نفس النهي عن ضده، فإذا قال مثلا: تحرك فمعناه: لا تسكن واتصافه بكونه أمرا ونهيا باعتبارين كاتصاف الذات الواحدة بالقرب والبعد بالنسبة إلى شيئين, وهذا المذهب لم يذكره المصنف، والثاني: أنه غيره ولكنه يدل عليه بالالتزام, وعلى هذا فالأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده, بخلاف النهي عن الشيء فإنه أمر بأحد أضداده, وشرط كونه نهيا عن ضده أن يكون الواجب مضيقا كما نقله شراح المحصول على القاضي عبد الوهاب؛ لأنه لا بد أن ينتهي الترك المنهي عنه حين ورود النهي، ولا يتصور الانتهاء عن الترك إلا بالإتيان بالمأمور به، فاستحال النهي مع كونه موسعا, وهذا المذهب وهو كونه يدل عليه بالتزام نقله صاحب الإفادة عن أكثر أصحاب الشافعي واختاره الآمدي, وكذا الإمام وأتباعه ومنهم المصنف، وعبروا كلهم بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فدخل في كلامهم كراهة ضد المندوب إلا المصنف، فإنه عبر بقوله: وجوب بالشيء يستلزم حرمة نقيضه، وسبب تعبيره بهذا أن الوجوب قد يكون مأخوذا من غير الأمر كفعل الرسول عليه الصلاة والسلام، والقياس، وغير ذلك، فلما كان الواجب أعم من هذا الوجه عبر به، وأما الكراهة ضد المندوب فإن المصنف قد لا يراه؛ وذلك لأنا إذا قلنا: إن الأمر بالشيء نهي عن ضده فهل يكون خاصا بالواجب؟ فيه قولان شهيران حكاهما الآمدي وابن الحاجب وغيرهما, ولكن الصحيح أنه لا فرق كما صرح به الآمدي وغيره، والمذهب الثالث: أنه لا يدل عليه البتة، واختاره ابن الحاجب ونقله المصنف عن المعتزلة, وأكثر الأصحاب تبع لصاحب الحاصل، وأما الإمام في المحصول والمنتخب فنقله عن جمهور المعتزلة وكثير من أصحابنا, وفائدة الخلاف من الفروع ما إذا قال: إن خالفت نهيي فأنت طالق، ثم قال: قومي فقعدت ففي الطلاق خلاف، ومستند الوقوع في هذه القاعدة صرح به الرافعي في الشرح الصغير, وفي المسألة اختلاف في الترجيح المذكور مبسوط في المهمات. قوله: "لأنه جزؤه" أي: الدليل على أن وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه؛ لأن حرمة النقيض جزء من ماهية الوجوب، إذ الوجوب مركب من طلب الفعل مع المنع من الترك كما تقدم في موضوعه، فاللفظ الدال على الوجوب يدل على حرمة النقيض بالتضمن, وهذا الدليل أخذه المصنف من الإمام، وإنما ادعى الالتزام وأقام الدليل على التضمن لأن الكل يستلزم، وبالجملة فهو دليل باطل وممن نبه على بطلانه صاحب التحصيل، وتقرير ذلك موقوف على مقدمة وهو أنه قال السيد مثلا لعبده: اقعد, فمعنا أمران منافيان للمأمور به وهو وجود القيود, أحدهما: مناف له بذاته أي بنفسه وهو عدم القعود؛ لأن المنافاة بين النقيضين بالذات، فاللفظ الدال على القعود دال على النهي عن عدمه، أو على المنع منه بالذات، والثاني: منافٍ له بالعرض أي: بالاستلزام وهو الضد كالقيام مثلا أو الاضطجاع، وضابطه أن يكون معنى وجوديا يضاد المأمور به, ووجه منافاته بالاستلزام أن القيام مثلا يستلزم عدم القعود هو نقيض القعود، فلو حصل القعود لاجتمع النقيضان فامتناع اجتماع الضدين إنما هو لامتناع اجتماع النقيضين لا لذاتهما، فاللفظ الدال على القعود يدل على النهي عن الأضداد الوجودية كالقيام مثلا بالتزام، والذي يأمر قد يكون غافلا عنهما هكذا ذكره الإمام في المحصول وغيره، وفي المسألة قول آخر: أن المنافاة بين الضدين بالذات إذا علمت ذلك فقول المصنف: "وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه؛ لأنه جزؤه" لقائل أن يقول: إذا أراد بذلك أنه يدل على المنع من أضداده الوجودية فهذا مسلم، ولكن لا نسلم أنه جزء من ماهية الوجوب بل جزؤه المنع من الترك، وإن أراد به أنه دال على المنع من الترك فليس محل النزاع, إذ لا خلاف أن الدال على الوجوب دال على المنع من الترك لأنه جزؤه، وإلا خرج الواجب عن كونه واجبا، بل النزاع في دلالته على المنع من أضداده الوجودية كما اقتضاه كلام الإمام فيلزم إما فساد الدليل أو نصبه في غير محل النزاع، وإذا أردت إصلاح هذا الدليل بحيث يكون مطابقا للمدعى فقل: الأمر دال عن المنع من الترك, ومن لوازم المنع من الترك المنع من الأضداد فيكون الأمر دالا على المنع من الأضداد بالالتزام وهو المدعى. قوله: "قالت المعتزلة" أي: واستدلت المعتزلة على أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده بأن الموجب للشيء قد يكون غافلا عن نقيضه, فلا يكون النقيض منهيا عنه؛ لأن النهي عن الشيء مشروط بتصوره، ويغفل بضم الفاء كما ضبطه الجوهري قال: ومصدرها غفلة وغفولا وأجاب المصنف بوجهين أحدهما: لا نسلم إمكان الإيجاب للشيء مع الغفلة عن نقيضه؛ لأن المنع من النقيض جزء من ماهية الوجوب كما قررناه، فيستحيل وجوب الإيجاب بدونه لاستحالة وجود الشيء بدون جزئه، وإذا استحال وجوده بدونه فالمتصور للإيجاب متصور للمنع من الترك فيكون متصورا للترك لا محالة، وهذا الجواب باطل؛ لكونه في غير محل النزاع كما تقدم، الثاني: سلمنا أن النقيض قد يكون مغفولا عنه, لكن لا يلزم من ذلك أن لا يكون منهيا عنه, فإنه ينتقض بوجوب مقدمة الواجب أي: ما لا يتم الواجب إلا به, فإنه واجب كما تقدم مع الموجب قد يكون غافلا عنه فكذلك حرمة النقيض.

________________
الكتاب: نهاية السول شرح منهاج الوصول
المؤلف: عبد الرحيم بن الحسن بن علي الإسنوي الشافعيّ، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 772هـ)
الناشر: دار الكتب العلمية -بيروت-لبنان
الطبعة: الأولى 1420هـ- 1999م
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
__________________
أبو الأشبال الإندونيسي
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 15-04-19, 04:07 AM
نضال مشهود نضال مشهود غير متصل حالياً
يغفر الله له ويرحمه
 
تاريخ التسجيل: 16-06-05
المشاركات: 790
افتراضي رد: مسألة الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده (نقول من كتب الأصول)

العدة في أصول الفقه (2/ 368):

مسألة الأمر بالشيء نهي عن ضده
مدخل
...
مسألة 1 [الأمر بالشيء نهي عن ضده] :
الأمر بالشيء نهي عن ضده من طريق المعنى، سواء كان له ضد واحد، أو أضداد كثيرة، وسواء كان مطلقًا أو معلقًا بوقت مضيق؛ لأن من أصلنا: أن إطلاق الأمر يقتضي الفور2.
وقد قال أحمد رحمه الله في رواية أبي طالب: لا يتنحنح في صلاته فيما نابه3؛ فإن النبي [45/ب] صلى الله عليه وسلم قال: "إذا نابكم في صلاتكم شيء، فليسبح الرجال، ولتصفق النساء" 1، فجعل أمره بالتسبيح نهيًا عن ضده الذي هو التصفيق.
وهو قول أصحاب أبي حنيفة1 وأصحاب الشافعي2.
وقال الأشعرية3: هو نهي عن ضده من طريق اللفظ، وهذا بنوه على أصلهم: أن4 الأمر لا صيغة له.
وقالت المعتزلة: الأمر بالشيء ليس بنهي عن ضده؛ لا من جهة اللفظ ولا من طريق المعنى، وبنوا هذا على أصل: أن5 النهي لا يكون نهيًا لصيغته، حتى تنضم إليه قرينة، وهي6: إرادة الناهي، وذلك غير معلوم عندهم.
ويفيد الخلاف: توجه المأثم عليه بفعل صلاة بمجرد الأمر.

دليلنا:
أن الأمر عندنا يقتضي الوجوب والفور، وقد دللنا على صحة ذلك.
وإذا كان كذلك؛ وجب أن يكون تركه محرمًا، وتركه: فعل ضده؛ فوجب أن يكون فعل ضده منهيًا عنه، فكان الأمر باللفظ متضمنًا لتحريم فعل ضده.
فإن قيل: يجوز أن يكون تاركًا لفعل من غير أن يكون فاعلًا لضده؛ لأن السكون معنى يبقى، فلا يكون فاعلًا له في حال بقائه.
قيل: السكون لا يبقى، وكل تارك للفعل؛ فإنما هو تارك بفعل ضده، فالتارك للحركة فاعل للسكون، والتارك للسكون فاعل للحركة.
ولأن قولهم: أمر بالقيام، ولا يمكنه فعله إلا بترك القعود، فثبت أنه ممنوع من القعود.
ولأن من أذن لغيره في دخول الدار، ثم قال له: اخرج، تضمن هذا القول منعه من المقام فيها، واللفظ إنما هو أمر بالخروج، وقد عقل منه المنع من المقام الذي هو ضده.
ولأن السيد إذا قال لعبده: قم، فقعد؛ صلح أن يعاقبه على القعود، فلولا أن أمره تضمن رد ذلك لما صلح توبيخه.
ولأن الأمر بالشيء لو لم يكن نهيًا عن ضده لصلح أن يبيح له ضده مع الأمر به، وفي اتفاق الجميع على امتناع ذلك دليل على ما قلناه.
ولأن الأمر بالشيء لو لم يكن نهيًا عن ضده؛ لما كان الكافر منهيًا عن الكفر، وحيث كان مأمورًا بالإيمان، وفي اتفاق الجميع على أن كون الكافر منهيًا عن الكفر لكونه مأمورًا بالإيمان؛ دليل على أن الأمر بالشيء نهي عن ضده.

حجة المخالف
...
واحتج المخالف:
بأن لفظ النهي قوله: "لا تفعل"، ولفظ الأمر قوله: "افعل"، فلا يجوز أن يجعل الأمر نهيًا.
والجواب: أنه نهى عن ضده من طريق المعنى دون اللفظ؛ فلا يلزمنا ذلك. وعلى أن اللفظ قد يدل على الشيء، وإن لم يكن عبارة عنه، مثل قوله: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} 1، أن هذه الصيغة لا يعبر بها عن الضرب والقتل، وإن كانت دالة2 على نفيهما.
واحتج: بأن النوافل مأمور بها، وضدها وهو الترك غير منهي [46/أ] عنه.
والجواب أنا لا نسلم هذا؛ بل نقول: ضدها منهي عنه، لا يستحب تركه؛ فيكون الأمر الذي هو ندبه يتضمن النهي، وكل أمر يتضمن النهي على حسب الأمر، إن كان الأمر إيجابًا؛ كان النهي محرمًا، وإذا كان الأمر استحبابًا؛ كان النهي تنزيهًا، فسقط ما قاله.
واحتج بأن النهي عن الشيء ليس بأمره بضده3، كذلك الأمر بالشيء؛ ليس بنهي عن ضده.
والجواب: أن هذا على وجهين: إن كان له ضد واحد؛ كان النهي عنه أمر بضده، كالكفر منهي عنه ويتضمن الأمر بضده من جهة المعنى، وهو الإيمان، وكذلك النهي عن الحركة يتضمن الأمر بضدها، وهو السكون. وإن كانت له أضداد كثيرة؛ فهو مأمور بضد من أضداده، يترك به النهي عنه، ويكون مخيرًا فيها، مثل النهي عن القيام، له أضداد من النوم والقعود والمشي؛ فهو مأمور بواحد منها4؛ لأنه لا يكون ممتنعًا عن المنهي عنه بفعل ضد واحد من أضداده، ولا يكون ممتثلًا للمأمور به إلا بترك جميع أضداده، فلا فرق بينهما.
واحتج بأنه إذا لم يكن العلم بالشيء جهلًا بضده، والقدرة على الشيء عجزًا عن ضده، وإرادة الشيء1 كراهة لضده، كذلك الأمر بالشيء؛ وجب أن لا يكون نهيًا عن ضده.
والجواب: عن العلم: فهو أنه لا يمتنع أن يكون عالمًا بالشيء وبضده، ويمتنع أن يكون الشيء واجبًا، ولا يكون ضده محرمًا، أو يكون مستحبًا، ولا يكون ترك ضده مستحبًا؛ فإذا كان كذلك؛ فبان الفرق2.
وأما القدرة على الشيء؛ فإنها ليست بعجز عن ضده؛ لأن الاستطاعة عندنا مع الفعل، فيكون القادر على الشيء هو الفعل التارك لضده، والتارك للشيء لا يكون عاجزًا عنه، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإنه لا يجوز أن يكون مأمورًا بالفعل؛ إلا وهي منهي عن فعل ضده.
وأما إرادة الشيء؛ فهي كراهية لضده عندنا.
فإن قيل: أليس لو قال لزوجته: أنت طالق إن أمرتك بأمر فخالفتيني، ثم قال: لا تكلمي أباك؛ فكلمته؛ لم يحنث؛ لأنه إنما نهاها ولم يأمرها، فدل على أن الأمر بالشيء ليس بنهي عن ضده.
قيل: الأيمان محمولة على العرف، والعرف في الأمر: صيغة الأمر وهو قوله: افعلي، فلهذا لم تحمل يمينه على صيغة النهي؛ لأنه ليس صيغة النهي صيغة الأمر، ولهذا قلنا: الأمر بالشيء؛ نهي عن ضده من طريق الحكم لا من طريق اللفظ.
فأما من قال: الأمر بالشيء نهي عن ضده من طريق اللفظ فغير صحيح؛ لأن العرب فرقت بين لفظ الأمر والنهي؛ فجعلت لفظ الأمر موضوعًا للإيقاع والحث على الفعل، ولفظ النهي لنفي الفعل؛ فلم يجز أن يجعل أحدهما الآخر، كما لا يجوز ذلك في الخبر والاستخبار.
فإن قيل: ليس يمنع [46/ب] هذا، ألا ترى أن القائل إذا قال: ائت الشمس من المغرب، عقل منه: أنها تغرب من المشرق.
قيل: إنما عقل هذا من معنى اللفظ، لا من موضوعه وصيغته، ونحن لا نمنع هذا في الأمر؛ وإنما نمنع أن يعقل النهي من نفس اللفظ.


__________
1 راجع في هذه المسألة: المسودة ص"49-50"، وشرح الكوكب المنير ص"330-331" من الملحق، وروضة الناظر ص"25-26".
2 قد مضى في مسألة: الأمر الملطق هل يقتضي الفور؟ أن للإمام أحمد روايتين في هذه المسألة.
3 هذه الرواية ذكرها الموفق ابن قدامة في كتابه المغني "2/46" في كتاب الصلاة فصل: وأما النحنحة.. كما أنه ذكر رواية أخرى نقلها المروزي عن الإمام أحمد أنه كان يتنحنح في صلاته، ليعلمه أنه يصلي.
__________
1 هذا الحديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه، أخرجه عنه البخاري في أبواب العمل في الصلاة، باب التصفيق للنساء "2/76".
وأخرجه عنه مسلم في كتاب الصلاة باب تسبيح الرجل وتصفيق المرأة إذا نابهما شيء في الصلاة "1/318-319".
وأخرجه عنه الترمذي في كتاب الصلاة باب ما جاء أن التسبيح للرجال والتصفيق للنساء "2/205-206"، وقال فيه: "حديث حسن صحيح".
وأخرجه عنه أبو داود في كتاب الصلاة باب التصفيق في الصلاة، كما أخرجه عنه سهل بن سعد الساعدي "1/215-216".
وأخرجه عن أبي هريرة ابن ماجه في كتاب الصلاة باب التسبيح للرجال في الصلاة والتصفيق للنساء، كما أخرجه عن سهل بن سعد الساعدي وعن ابن عمر رضي الله عنهما "1/ 329-330".
وأخرجه عن أبي هريرة النسائي في كتاب السهو باب التصفيق في الصلاة، وباب التسبيح في الصلاة "3/11".
وأخرجه عنه الدارمي في كتاب الصلاة باب التسبيح للرجال والتصفيق للنساء "1/257".
وأخرجه عند الدارقطني في كتاب الصلاة باب الإشارة في الصلاة "2/83".
وأخرجه الطيالسي في مسنده في كتاب الصلاة باب ما يجوز فعله في الصلاة "1/109".
وأخرجه الإمام الشافعي عنه في كتاب الصلاة باب ما يبطل الصلاة وما يكره وما يباح فيها "1/98-99". كما أخرجه عن سهل بن سعد الساعدي.
__________
1 راجع في هذا: مسلم الثبوت مع شرحه "فواتح الرحموت" مسألة: وجوب الشيء يتضمن حرمة ضده "1/97"، وتيسير التحرير مسألة: الأمر يقتضي كراهة الضد "1/373".
2 الحقيقة: أن أصحاب الشافعي لم يتفقوا على هذا الرأي؛ بل هناك لهم قولان آخران هما:
الأول: أن الأمر بالشيء يتضمن النهي عن ضده.
الثاني: أن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده، لا عينه ولا يتضمنه.
راجع في هذا: الإحكام للآمدي "2/159"، وجمع الجوامع وشرحه مع حاشية البناني "1/385-388".
3 نقل ابن السبكي في جمع الجوامع "1/385-386" عن الشيخ أبي الحسن الأشعري قوله: "إن الأمر النفسي بشيء معين نهى عن ضده الوجودي".
4 في الأصل "وأن" بإثبات الواو، والصواب: حذفها، وقد حذفها ابن تيمية الجد - "المسودة" ص"49" - عند نقله كلام القاضي في هذه المسألة.
5 في الأصل "وأن" بإثبات الواو، والصواب: حذفها، والكلام فيه كسابقه.
6 في الأصل: "وهو".
__________
1 "23" سورة الإسراء.
2 في الأصل: "دلالة".
3 في الأصل: "عن ضده".
4 في الأصل: "منهما".
__________
1 في الأصل "الشرك"، والصواب: "الشيء" كما أثبتناه؛ لأن المؤلف قد أتى بالصواب في معرض الرد على هذا الدليل.
2 كلمة: "فبان" مكررة في الأصل، والفاء في هذه الكلمة قلقة لا وجه لها، فالأولى حذفها.

____________________
الكتاب : العدة في أصول الفقه
المؤلف : القاضي أبو يعلى ، محمد بن الحسين بن محمد بن خلف ابن الفراء (المتوفى : 458هـ)
حققه وعلق عليه وخرج نصه : د أحمد بن علي بن سير المباركي، الأستاذ المشارك في كلية الشريعة بالرياض - جامعة الملك محمد بن سعود الإسلامية
الناشر : بدون ناشر
الطبعة : الثانية 1410 هـ - 1990 م
عدد الأجزاء : 5 أجزاء في ترقيم مسلسل واحد
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]الإصدار 2 : تم مراجعة الكتاب وإصلاح الكثير من الأخطاء الإملائية
__________________
أبو الأشبال الإندونيسي
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 15-04-19, 04:13 AM
نضال مشهود نضال مشهود غير متصل حالياً
يغفر الله له ويرحمه
 
تاريخ التسجيل: 16-06-05
المشاركات: 790
افتراضي رد: مسألة الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده (نقول من كتب الأصول)

الواضح في أصول الفقه (3/ 150):

فصلٌ
إذا أمرَ الله تعالى بعبادةٍ، كان أمرُه بها نطقاً، نهياً عن ضدها من طريق المعنى، وسواءٌ كان لها ضدٌّ واحد أو أضداد (1).
وتفصيل هذا الكلام: أن كل مأمورٍ به من جهةِ آمر، يقتضي النهيَ عن تركِ ذلك المأمورِ به، وكل فعل يضاد المأمور به لا يصح أن يجمع معه كما لا يجمعُ التركُ، فكانَ حكمُ المضادِ للعبادةِ المأمورِ بها حكمَ الترك، فلا بد أن نقول: إِذا لم يكن الآمرُ قد خير بين فعلها وفعلِ ضدِّها، فأمَّا إِن وُجدَ التخيير بين المأمورِ وبين ضدِه صارَ بمثابةِ التخيير بين فعلهِ وتركه، فيخرجُ بالتخيير عن أن يكون منهياً عنه من طريق المعنى ونهياً.
قاله أكثر أصحاب أبي حنيفةَ، وأصحابِ الشافعيِّ، وأصحاب الأشعري (1)، وزاد بعض الأشعرية، فقال: هو نهي عن ضده من طريق اللفظ (2).
وقال المعتزلة وبعض أصحاب الشافعى (3): ليس بنهي عن ضدِه لا لفظاً ولا معنىً.
وفائدة قولنا: إنه إذا فعلَ الضدّ كان آثماً بفعل الضدّ من جهة الأمرِ، ولا فرقَ بين كونِ الأمر ندباً أو واجباً.
وقد فصَّل بعض المتكلمين، فقال في الأمرِ الواجبِ: يكون نهياً عق ضده، وأما المندوبُ فلا.
وذهب المحققونَ والأكثرونَ من أهلِ هذه المقالةِ إلى أنَّ النهي يكونُ بحسبِ الأمرِ، فإن كان أمراً موجباً، كان نهياً عن ضدِه جازماً، وإن كان أمرَ ندبٍ، كان النهي عن ضده تنزيهاً وكراهية.

فصل
في جمعِ الأدلةِ على مذهبنا
فمنها من جهة البناءِ على أصلنا، وهو أنَّ الأمرَ على الوجوبِ على الفورِ، فإذا ثبت هذان الأصلان، وقد حرمَ التركُ بإشغال الوقت الذي يلي الأمرَ بما يضادُّ الأمرَ، التفاتٌ عن المأمور إلى غيره، وذلك محظورٌ من حيث كان إخلالاً بالمأمور.
ومن ذلك: أن فعل المأمورِ به لا يمكنُ إلا بتركِ ضده إن كان له ضدٌّ واحدٌ، وبتركِ جميعِ أضداده إن كان له أضدادٌ، وما لا يمكنُ فعلُ الواجبِ إلا به يكونُ واجباً فعلُه، فما لا يمكن فعلُ الواجب إلا بتركِه يجبُ أن يكونَ واجباً تركُه، ولا يجبُ تركُه إلا وهو منهيٌّ عنه.
مثالُ ذلك: أنَّ الطهارةَ والستارةَ والاستقبال شروطٌ شرعيةٌ لا يمكنُ فعلُ الصلاةِ الشرعيةِ إلا بها، فكانت مشاركةً للصلاةَ في الوجوبِ، فكذلك تركُ هذه الأضدادِ لا يمكن فعل العبادة إلا بها، فكان شرطاً واجباً، ووجوبُ التركِ لا يكونُ إلا بنهي، وما وجدَ سوى الأمرِ بالعبادةِ،
فثبت أنَ في طيهِ النهي عن الضد المعوِّق عن فعلها.
ومثاله من مسألتنا، إذا قال لعبدِه: اخرج من الدارِ. فإنَه يعقل منه الأمرُ بفعلِ الخروج، والنهيُ عن المقام، حتى إن السيدَ إذا رأى العبدَ مقيماً فيها حسُن أن يقول: ألم أنهك عن المقام؟! كما يحسُن به أن يقول: ألم آمُرْكَ بالخروج؟
وكذلك إذا قال له: قمْ، فقعدَ، حَسُن أن يوبِّخه ويعاقبه إن شاءَ على تركِ القيامِ فيقول له: ألم اَمُركَ بالقيامِ؟ وإن شاء على ما ارتكبه من النهي عن القعودِ، فيقولُ له: ألم أنهَكَ عن القعود حيث أمرُتك بالقيامِ؟ ولا يحسُن أن يقول: لم أنهه عن القعودِ، إنما أمرتُه بالقيامِ.
ومن ذلك: أنَّ من مذهبِ المعتزلةِ أن الأمرَ يقتضي إرادةَ المأمورِ به وحسنه، فكانَ تركهُ يقتضي ضدَّ الإِرادةِ والحُسنِ، وهو كراهيتُه وقُبحه، وفعلُ الضدِّ تركٌ في الحقيقة، والقبحُ والكراهيةُ تقتضي حظره، وكل محظور فمنهيٌّ عنه.

فصل
في أسئلتهم على ما ذكرنا من أدلتنا
قالوا: هذا باطل بالنوافل، فإنَها حسنةٌ مرادةٌ، ولا يقال: إن ضدَّها قبيحٌ مكروه.
قيل: إنَما أتينا بالطريقةِ لإِفسادِ مذهبكم، ولا يصحُّ أن يكونَ جوابُه المناقضةَ، والله أعلم.

فصلٌ
في جمع شبهِ من قال: إنّه ليسَ بنهيٍ من طريق المعنى، دونَ من قال: إنه نهيٌ من جهةِ اللفظ والقولِ.
فمنها: أنَّ الأمرَ استدعاءُ الفعلِ بقوله: افعل، والنهي استدعاءُ الكف والترك بقوله: لا تفعل، فلا يجوزُ أن يجتمعا، وهما ضدان لصيغةٍ واحدةٍ، كما لا يجتمعُ الضدان في محلٍ واحدٍ، ولا يجتمعُ لجوهر الواحدِ حركةٌ وسكون في حالةٍ، كذلك لا يجتمعُ للصيغةِ الواحدة، استدعاءُ الفعلِ، واستدعاءُ التركِ.
ومن ذلك: أنه لو كانَ الأمرُ بالشيءِ نهياً عن ضدّه، لكانَ الأمرُ بالنوافل نهياً عن تركها.
وللنهي حالتان:
نهيُ حظرٍ.
ونهيُ تنزيهٍ وكراهة.
ولو كانت النافلةُ منهياً عن تركهِا حيث كانت مأموراً بها ندباً، لكانَ النهيُ عنها إن كان حظراً عادَ بوجوبها، لأنَّ المحظورَ تركُه ليس إلا الواجبَ فعله، وفي إجماعنا على نفي وجوب النوافل إبطال لدعوى النهي عن تركها على وجه الحظر.
وإن كانَ الأمرُ بها نهياً عن تركهِا تنزيهاً وكراهةً، فقد أجمعَ الناس على أن فعلها مستحب وتركَها غيرُ مكروهٍ، كما كانَ غيرَ محظورٍ، فبطَل قَولكم: إنَ الأمرَ بالشيء نهى عن ضده.
ومن ذلكَ قولهم: لو كانَ الأمرُ والنهيُ يتضادان، لتضادَّ العلم، بالجهل، ولو كانَ الأمرُ بالشيء نهياً عن ضدّه، لكانَ العلمُ بالشيءِ جهلاً لضدَه، فلما لم يكن العلم بالشيءِ جهلًا لضده، كذلكَ لا يكونُ الأمرُ بالشيءِ نهياً عن ضده.
ومن ذلك قولُهم: لو كان الأمرُ بالشيء نهياً عن ضده، لكان النهي عنه أمراً بضده، ولما لم يكن النهيُ عن الشيء أمراً بضده، كذلك لا يكون الأمرُ به نهياً عن ضده.
ومن ذلك: ما اعتمدَ عليه المتكلمون منهم، فقالوا: إنَ النهيَ إنما يتناولُ الممكنَ، فأمَّا ما يُضطر الِإنسانُ إليه، فلا يؤمرُ به ولا يُنهى عنه، والأعلى إذا قال للأدنى: قُم، أو قال له: تكلمْ. كان مستدعياً منه القيامَ والكلامَ الذي لا يمكن معه القعودُ والصمتُ، فصار عدمُ وقوعِ القعودِ منه والسكوتِ منفيين ضرورةً بوجودِ ضدّهما، فالضدُّ ينفي ضده، فلا يبقى للنهي عن الضدِّ مساغ، مع كونه ينتفي بحصولِ الضدّ.
وتفصيح هذا وإخراجُه إلى النطقِ به يكشفُ عن صحته أن هذا المستدعي لقيامه لو قال له: قم، ولا تكن حالَ قيامِك جالساً، وانطق، ولا تكن حال نطقك ساكتاً، لعُدَ لاغياً عابثاً، وما كانَ ذلك لغواً إلا لما ذكرنا من أن قيامه ينفي قعوده، وكلامَه ينفي صماتَه، فلا يبقى ما يقع عليه النهي، ولا يدخلُ تحتَ إمكانِ المأمورِ بالضدَّ فعلُ الضدِّ فنهيَ عنه.
ومن ذلكَ: ما تعلّق به أهلُ الكلامِ منهم: لو كانَ الأمرُ بالشيء نهياً عن ضدّه، لكانَ له متعلّقان، أحدُهما مأمورٌ به، والآخر منهيٌ عنه، ولوجبَ أن يتعلق بشيئين على جهةِ العكس، وهذا باطلٌ لأن كلَّ ماله تعلق من الصفاتِ لا يصحُ أن يتعلق إلا بمتعلقٍ واحدٍ على وجهٍ واحدٍ.

فصل
يجمع الأجوبةَ عن شبههم
فأمَّا قولهم: إنَّ صيغةَ الأمرِ والنهي ضدّان فلا يجتمعان. فلا تضاد بينهما إذا تغاير ما ينصرفان إليه، فإنَه يحسُنُ أن يقول: لا تقعدْ. مكانَ قوله: قم، وبدلًا منه، فإذا قال: قم، فهو آمرٌ بالقيام، ويندرج فيه النهيُ عن القعودِ معنىً، والذي يتضادُ مضادةً يستحيلُ اجتماعُهما في حق الواحد أن يقول: قمْ اقعدْ، أو قمُ اضطجعْ في حال. فذاكَ الذي لا يجوزُ اجتماعُه في الخطاب، كما لا يصحُ اجتماعُ المأمورِ به في المحل الواحد، وكل عاقلٍ من أهل اللغةِ يفهم من قوله: قمْ أنَه قد نهاه عن أن يقعدَ ويضطجع، وعن كل ضد يخرج باعتمادِه عن القيام المأمور به، كما يعقل للنهي عن ترك ما أمر به، ولا فرقَ بين تركِ ماَ أمره به، وبينَ فعل ضده، إذ لا يُتصور تركُ القيام إلا بفعلِ ضدٍّ من أضدادهِ، مثل قعودَ أو اضطجاعٍ، وقد أوضحَ اللهَ تعالى ذلكَ بقوله: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة: 9] هذا أمر بالسعي، ثمَ قال: {وَذَرُوا الْبَيْعَ} فيفصح بالنهي عما الاشتغال به، يقطعُ عن السعي، ولو سكتَ عنه لكان في قوةِ اللفظِ ما يُعلمُ به أنه نهيٌ عن كل قاطعٍ عن السعي، وإنما اقتصرَ على النهي عن السعي لأنَه أهمُ أشغالِ الناس وهو الذي ذَكَرَ الله تعالى عن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم انفضوا إليه وتركوه قائماً (1)، فقال: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا} [الجمعة: 11] يعني التجارةَ، لكن اللهو الذي كان يُفعل بين يدي القوافلِ تابعٌ لها ومنبه عليها، وهي المقصودةُ بالتجارةِ، فصرفَ النهي إلى البيع لهذه العلةِ، والمعقولُ من ذلكَ: النهيُ عن كل مشغلٍ عن السعي إلى الجمعةِ. ومما يشهد لاندراج النهي في لفظِ الأمرِ وإن لم يكق مصرَّحاً به وأنه لو صرّح به لما كان من المضادِّ له، قوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء: 23] نهى عن التأفيف، ونبه على ما زاد عليه، فكأنه قال: لا تؤذِهما بأقلِّ الأذى. منبهاً على أكثره، وإن لم يوجد في اللفظ ذلكَ فقد وُجِدَ معناه، كذلك النهيُ هاهنا مندرج، وليس بين الأمر بالشيء والنهي عن ضدهِ تضادٌ، بل أكثرُ موافقة، وإنما التضادُ بين الأمرِ المطلقِ والنهيِ المطلقِ، والأمرِ بعينِ شيء، والنهي عن عينِ ذلك الشيء، فبطلَ ما تعلقوا به من الِإحالةِ لاجتماعٍ من جهةِ التضاد بين الصيغتين.
ولأنّه إذا كان تركُ الضدين شرطاً لفعلِ المأمور به، حسُن أن يجعلَ الأمر بالمشروطِ أمراً بالشرطِ من طريقِ المعنى، وإن لم يكن من طريقِ اللفظِ، كمن أمرناه بالصلاةِ التي قد ثبت أنَّ من شرطها تقدمَ الطهارةِ، حسُن أن نقول بأنَ الأمرَ بها أمر بالطهارةِ معنى، كذلكَ حسُن أن نقول: إنّ استدعاءَ الفعلِ ها هنا استدعاء لتركِ ضدّه معنىً، إذ كان ذلكَ شرطاً له.
وأمَّا قولهم: لو كانَ الأمرُ بالشيء نهياً عن ضدّه، لكانَ منهياً عن ضدّ النوافل وهو التركُ لها، أو كل فعل يضادها من الخياطةِ والتجارةِ وغيرِ ذلك، ولو كانَ منهياً عنه لكانَ مكروهاً أو منزَهاً عنه. فلا يلزمُ، لأن النهيَ عن الضدّ بحسب الأمر، وإذا قلنا: المندوبُ مأمور، فإن كلَّ ضدٍ لها يستحبُ تركُه إذا لم يكن واجباً لأجلِ قضاءِ دين أو إنفاقٍ على عيال، كما يجبُ تركُ ما يسقطُ بفعلِه الواجب من أضداده، إلا أن يكون الضدّ واجباً فعلُه مقدَّماً وجوبُه على وجوب المأمورِ به، فعلى هذا إذا أمر بصلاةِ التراويح، كان أمرَ استحباب، اَستحببنا له تركَ كلِّ شُغل عنها، ونهيناه على حدِّ الأمر بها عن كل ضدٍّ لها.
وأمَّا قولُهم: لو كانَ الأمرُ بالشيء نهياً عن ضده، لكانَ العلمُ بالشيء جهلًا بضدّه. لا يصحّ، لأنَّنا نقول: وما الجامعُ بين الأمرِ والعلم؟!
على أنَّ الحق أن يقال: يصحُّ أن يعلمَ الشيءَ وضدَّه في حالةٍ واحدةٍ، ولا يأمرُ بالشيء وضدّه، وذلك لأنَّ العلمَ بالشيء لا ينافي العلمَ بضدّه، والأمرُ بالشيء ينافي الأمرَ بضدّه، فلا يكونُ فاعلًا لشيءٍ إلا بتركِ ضدِّه، ويكونُ عالماً بالشيء، وإن لم يكن جاهلاً بضدّه، ولأنهم وافقوا أنَّ كلّ آمرٍ بشيء ناهٍ عن ضدّه، وليسَ يجبُ أن يكونَ كل عالمٍ بشيءٍ جاهلًا بضده.
وأما قولهم: لما لم يكن النهيُ بالشيء أمراً بضدّه، لا يكونُ الأمرُ بالشيء نهياً عن ضده. فكذلكَ نقول: وإنّه إذا نهاه عن شيءٍ له ضدَّ واحد كالحركةِ، فقد أمرَه بالسكون معنىً، وإن نهاه عما له أضداد، فقد أمره بواحد من تلكَ الأضدادِ، مثل أن ينهاه عن الاضطجاعِ، فيكون آمراً له بالجلوسِ أو القيامِ، وفي الجملة، ما يكون به خارجاً عن الاضطجاعِ أيّ الأضداد كان.
وأمَّا قولهم: يفضي إلى أن يكون للأمر متعلقان، لأن كل ماله تعلُّق من الصفاتِ لا يصحُ أن يتعلّق إلا بمتعلَّقٍ واحد على وجهٍ واحدٍ.
فليسَ بصحيح، لأنَّ صفاتِ القديمِ سبحانه خاصة يصحُّ أن تتعلّق بكل ما يصحُ أن تتعلق به صفاتنا من العلمِ بالعلومِ، تعلق العلم بالمعلوماتِ، وقد بينا ذلكَ في أُصولِ الديانات.
على أنَهم قد ناقضوا هذا بقولهم: إنَ القدرةَ الواحدةَ تكون قدرةً على الشيء ومثله وضده وخلافه. وأوضحنا أنَّ نفسَ الِإرادةِ للشيء كراهيةٌ لضدّه، وأنها تتعلق بشيئين، وتكونُ متعلّقة بأحدِهما على العكس من تعلّقها بالآخر، فبطلَ ما قالوه (1).


__________
(1) انظر هذا الفصل في "العدة"2/ 368، و"التمهيد"1/ 329، و" المسوّدة" ص (49) و"شرح مختصر الروضة" 2/ 380 و "شرح الكوكب المنير" 3/ 51.
__________
(1) أي أن كثر الحنفية والشافعية قالوا: بأن الأمرَ بالشيء نهى عن ضده من طريق المعنى.
انظر ذلك في "الفصول في الأُصول" 3/ 158، و"أصول السرخسي" 1/ 94، و"التبصرة" ص (89)، و "الإحكام" للآمدى 2/ 251، و"المحصول" 2/ 199.
(2) أي أن بعض الأشاعرة قالوا: بأن الأمرَ بالشيء نهى عن ضده من طريق المعنى واللفظ معاً، وهو قول أبي الحسن الأشعري كما في "البحر المحيط" 2/ 417، وهو مبني على قوله: إن الأمرَ لا صيغة له.
(3) من أصحاب الشافعي الدين قالوا بأنَّ الأمر بالشيء ليس نهياً عن ضده لا لفظاً ولا معنى، الجويني كما في "البرهان" 1/ 252، والغزالي في "المستصفى" 1/ 82 وانظر تفصيل المسألة في "البحر المحيط" 2/ 416.
__________
(1) وردَ ذلكَ من حديث جابر بن عبد الله: "بينما نَحنُ نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أقبلت من الشام عيرٌ تحملُ طعاماً، فالتفتوا إليها حتى ما بقيَ مع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - إلا اثنا عشر رجَلاً، فنزلت: {وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا ...} [الجمعة: 11].
أخرجه البخاري (936) و (2058) و (4899)، ومسلم (863)، والترمذي (3311).
__________
(1) ورد هنا في نسخة الأصل ما نصه:
"آخر الأول، يتلوه: الأمرُ بالشيء ليس بنهي عن ضدّه من طريقِ اللفظ.
تممه محمد بن محمود المراتبي، في الثالث من ربيع الثاني سنة ثمانٍ وعشرين وست مئة. وصلى الله على محمدٍ وآله.
يا رب، يا رب، يا رب، يا حي يا قيوم، ياذا الجلال والإكرام، اغفر لي".

_________________________
الكتاب: الوَاضِح في أصُولِ الفِقه
المؤلف: أبو الوفاء، علي بن عقيل بن محمد بن عقيل البغدادي الظفري، (المتوفى: 513هـ)
المحقق: الدكتور عَبد الله بن عَبد المُحسن التركي
الناشر: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان
الطبعة: الأولى، 1420 هـ - 1999 م
عدد الأجزاء: 5
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
__________________
أبو الأشبال الإندونيسي
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 15-04-19, 04:15 AM
نضال مشهود نضال مشهود غير متصل حالياً
يغفر الله له ويرحمه
 
تاريخ التسجيل: 16-06-05
المشاركات: 790
افتراضي رد: مسألة الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده (نقول من كتب الأصول)

الواضح في أصول الفقه (3/ 161):

فصل (1)
الأمرُ بالشيء ليسَ بِنَهى عن ضدِّه من طريقِ اللفظِ (2) خلافاً للأشعرية (3).
وذكرَ أبو بكر الباقِلاني (4): أنَ ذلكَ في الأمرِ من كلام اللهِ تعالى خاصةً بما قرروه من أصلهم، وأنَ كلام اللهِ شيءٌ واحد، ليسَ بأشياءَ متغايرة، وليس ذلكَ في كلامِ الآدميين؛ لأنه متغايرٌ في النفسِ، كما يتغايرُ عندَ من أثبته صيغاً في النطق.

فصل
في الدلالةِ على ذلك
إن الأمر استدعاءُ الفعل، والنهيَ استدعاءُ الترك، وكما لا يجتمعان في الصيغةِ التي هي حكايةٌ عند المخالف، لا يكونُ المحكيُّ أمراً ناهياً، ولا في محل إلي محل، كالكراهةِ والإرادة، ولأنَ العرب -وهي الأصل في هذا- وضعت الأمرَ استدعاءً للفعل وحثاً عليه، والنهيَ للكف عنه والإبعادِ منه، وإذا فَصَلَتْ بين الأمرينِ لم يُلتفت إلى مخالفِها بما يضعه من مذهب، وصار كالخبرِ بالإثبات مع الإخبارِ بالنفي لمّاَ وضعت له صيغتان تدلُّ على معنيين مختلفين، لم يكن قولها: زيدٌ في الدار, ليس هو قولها: ليس زيدٌ في السوق، لكن نعلمُ ذلك من طريق الاستدلالِ، وأنَ الجسم لا يكونُ في مكانين، فأما من طريق اللفظ، فلا.
فصل
في شُبههم
فمنها: أنه لا فرقَ بين قولِ القائل: دَنَت الشمسُ من المغربِ، وبين قوله: [21/ 2] بَعُدت من المشرقِ. فكذلك قوله لمن كان من عبيدهِ مقارِباً لزيدٍ: اقترب من عمرو.
(1 .................................................. .............................. 1)
له دراهم -لفظان: ثمانية وعشرة إلا درهمين- أن هذا غير هذا، كذلك لا يكونُ النطقُ بالأمر بالشيء ليس هو النهيَ عن ضدّه، ولا يقالُ: هو غيره.

فصل
في أجوبة شُبههم
أمَّا دعواه أنهُ لا فرقَ في اللفظِ الأوّل بين البعدِ والقربِ، فلعمري أنه لا فرقَ في المعنى، فأمَّا من طريقِ اللفظ، فبلى، ونحنُ لا نمنعُ أنهما في المعنى سواء، ألا ترى أنَّ زيداً (2) الفقيه الشيخَ العربي، إذا نوديَ بيا زيدُ، أو يا رجُل، أو بيا فَقيهُ، أو بيا شَيخُ، أو بيا عَربي، كان النداءُ في المعنى واحداً وفي الألفاظِ مختلفاً؟ وكلامُنا في النهي من طريقِ اللفظ.
وأمَّا الثمانية، فداخلة في العشرة دخولَ البعضِ في الجملةِ، وليس دخولُ النهي في الأمرِ دخولَ البعض، لأنه ليس في الأمرِ نهي وتحتَ العشرة ثمانية، فإذا أخرجَتْ بالاستثناءِ الدرهمان، بقي ثمانيةٌ لا محالة.

__________
(1) من هنا بداية الجزءالثاني من الأصل الخطي.
(2) مقصودُه أن الأمرَ بالشيءِ نهيٌ عن ضده من طريق المعنى لا اللفظ، وهذا مذهبُ الحنابلة كما ذكر ابن تيمية الجذُ في" المسؤَدة" ص 49، وانظر تفصيل المسألة في "شرح مختصر الروضة" 2/ 380، و"التمهيد" 1/ 329، و"العدة"2/ 368.
(3) انظر "البرهان" 1/ 250، و"العدة" 2/ 370.
(4) ذكر قول الباقلاني هذا إمام الحرمين في "البرهان" 1/ 250.
__________
(1 - 1) هنا طمسٌ في الأصل بمقدار سطرين.
(2) في الأصل "زيد"، والصواب ما أثبتناه.
__________________
أبو الأشبال الإندونيسي
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 15-04-19, 04:16 AM
نضال مشهود نضال مشهود غير متصل حالياً
يغفر الله له ويرحمه
 
تاريخ التسجيل: 16-06-05
المشاركات: 790
افتراضي رد: مسألة الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده (نقول من كتب الأصول)

المسودة في أصول الفقه (ص: 49):

مسألة: الأمر بالشيء نهي عن ضده
من طريق المعنى دون اللفظ في قول أصحابنا وأصحاب أبي حنيفة والشافعي والكعبي [ح] ومالك وقالت الأشعرية هو نهي عنه من جهة اللفظ بناء على أصلهم أن الأمر والنهي لا صيغة لهما وقال سائر المعتزلة وبعض الشافعية لا يكون نهيا عن ضده لا لفظا ولا معنى قال القاضي: بناء على أصلهم يعنى المعتزلة في اعتبار إرادة الناهي وذلك غير معلوم عندهم وأما قول بعض الشافعية فحكاه ابن عقيل وقال ابن برهان هو بناء على مسألة لا يتم الواجب إلا به [ح] وقال القاضي في مسألة الوجوب الأمر إذا كان مضيقا كان نهيا عن ضده والذي اختاره الجويني أن الأمر بالشيء لا يكون نهيا عن ضده لا لفظا ولا معنى وزيف قول أصحابه1 بأن عين الأمر2 بالشيء نهي عن ضده قال: لأن المعنى القائم بالنفس المعبر عنه بأفعال مغاير للمعنى القائم بالنفس المعبر عنه بلا تفعل قال: ومن أنكر هذا فقد باهت وسقطت مكالمته وحكي عن ابن الباقلاني والمعتزلة [نحو قولنا] وأن الأمر بالشيء نهي عن ضده تضمنا بعد ما وجه قول أصحابنا بأنهم قدروا عين الأمر نهيا وأنهم زعموا أن اتصافه بكونه أمرا نهيا كالكون الواحد المتصف بكونه قريبا من شخص بعيدا من غيره
[ح] فصل:
فأما أمر الندب فهل يكون نهيا عن ضده على طريق الندب فيه قولان والإثبات قول ابن الباقلاني والنفي قول الأشعري مع موافقته في أمر الإيجاب.
__________
1في ب "وزيف قول أصحابنا".
2 في ب "بأن غير الأمر - إلخ" تحريف.

_________________
الكتاب: المسودة في أصول الفقه
المؤلف: آل تيمية [بدأ بتصنيفها الجدّ: مجد الدين عبد السلام بن تيمية (ت: 652هـ) ، وأضاف إليها الأب، : عبد الحليم بن تيمية (ت: 682هـ) ، ثم أكملها الابن الحفيد: أحمد بن تيمية (728هـ) ]
المحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد
الناشر: دار الكتاب العربي
عدد الأجزاء: 1
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
__________________
أبو الأشبال الإندونيسي
رد مع اقتباس
  #20  
قديم 15-04-19, 04:22 AM
نضال مشهود نضال مشهود غير متصل حالياً
يغفر الله له ويرحمه
 
تاريخ التسجيل: 16-06-05
المشاركات: 790
افتراضي رد: مسألة الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده (نقول من كتب الأصول)

شرح مختصر الروضة (2/ 380):

الرَّابِعَةُ: الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ أَضْدَادِهِ، وَالنَّهْيُ عَنْ أَمْرٍ بِأَحَدِ أَضْدَادِهِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لَا الصِّيغَةُ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ.
لَنَا: الْآمِرُ بِالسُّكُونِ نَاهٍ عَنِ الْحَرَكَةِ، وَبِالْعَكْسِ ضَرُورَةٌ.
قَالُوا: قَدْ يَأْمُرُ بِأَحَدِ الضِّدَّيْنِ أَوْ يَنْهَى عَنْهُ مَنْ يَغْفُلُ عَنْ ضِدِّهِ، وَالْأَمْرُ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَا يُتَصَوَّرُ. وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ ضَرُورِيٌّ، لَا اقْتِضَائِيٌّ طَلَبِيٌّ، حَتَّى لَوْ تُصُوِّرَ تَرْكُ الْحَرَكَةِ بِدُونِ السُّكُونِ، لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ.
قُلْنَا: فَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ.
•---------------------------------•
الْمَسْأَلَةُ " الرَّابِعَةُ: الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ أَضْدَادِهِ، وَالنَّهْيُ عَنْهُ أَمْرٌ بِأَحَدِ أَضْدَادِهِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لَا الصِّيغَةُ "، أَيْ مِنْ جِهَةِ الِالْتِزَامِ عَقْلًا " خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ "، هَذَا نَقْلُ " الْمُخْتَصَرِ " - وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: إِنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ أَضْدَادِهِ، لَكِنِ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ هَلْ ذَلِكَ بِاللَّفْظِ أَوْ بِطَرِيقِ الِاسْتِلْزَامِ، وَهُوَ آخِرُ قَوْلَيْهِ.
قَالَ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ مُطْلَقًا أَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَقَالُوا: لَيْسَ الْأَمْرُ بِعَيْنِهِ نَهْيًا عَنْ أَضْدَادِهِ، وَهَلْ يَكُونُ نَهْيًا عَنْهَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى؟ مَنَعَهُ قُدَمَاؤُهُمْ، وَأَثْبَتَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِيهِمْ، كَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَ ذَلِكَ فِي أَمْرِ الْإِيجَابِ، دُونَ النَّدْبِ.
وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ: أَنَّا لَوْ جَوَّزْنَا تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ ; لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ نَهْيًا عَنْ أَضْدَادِهِ، وَإِلَّا كَانَ نَهْيًا عَنْهَا مُطْلَقًا، فِي أَمْرِ الْإِيجَابِ وَالنَّدْبِ، بِطَرِيقِ الِاسْتِلْزَامِ.
قُلْتُ: وَهُوَ تَحْقِيقٌ جَيِّدٌ. وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ: هُوَ نَهْيٌ عَنْ أَضْدَادِهِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، لَا الصِّيغَةُ، أَوْ نَهْيٌ عَنْهَا بِطَرِيقِ الِاسْتِلْزَامِ لَا بِعَيْنِهِ، أَوْ أَنَّ ذَلِكَ الْتِزَامِيٌّ، لَا لَفْظِيٌّ، كُلُّهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ: قُمْ، غَيْرُ قَوْلِهِ: لَا تَقْعُدْ، وَقَوْلُهُ: تَحَرَّكْ، غَيْرُ قَوْلِهِ: لَا تَسْكُنْ، لَفْظًا وَمَعْنًى، وَلَكِنْ يَلْزَمُ مِنْ قِيَامِهِ أَنْ لَا يَقْعُدَ، وَمِنْ حَرَكَتِهِ أَنْ لَا يَسْكُنَ، لِاسْتِحَالَةِ اجْتِمَاعِ الضِّدَّيْنِ.
وَمَنْ يَقُولُ: هُوَ نَهْيٌ عَنْ أَحَدِ أَضْدَادِهِ بِعَيْنِهِ، أَوْ مِنْ حَيْثُ الصِّيغَةُ، يُرِيدُ أَنَّ قَوْلَهُ: قُمْ، يُسْتَفَادُ مِنْهُ اسْتِفَادَةُ لَفْظِيَّةِ عَدَمِ الْقُعُودِ، لَا اسْتِفَادَةٌ الْتِزَامِيَّةٌ، أَيْ أَنَّ طَلَبَ عَدَمِ الْقِيَامِ بِعَيْنِهِ هُوَ طَلَبُ الْقُعُودِ، وَعِنْدَ التَّحْقِيقِ يَرْجِعُ هَؤُلَاءِ إِلَى الْأَوَّلِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: فِعْلُ الضِّدِّ هُوَ عَيْنُ تَرْكِ ضِدِّهِ الْآخَرِ ; فَالسُّكُونُ عَيْنُ تَرْكِ الْحَرَكَةِ، وَالْبُعْدُ مِنَ الْمَغْرِبِ هُوَ الْقُرْبُ مِنَ الْمَشْرِقِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ; لِأَنَّ الْقُرْبَ وَالْبُعْدَ مَعْنَيَانِ إِضَافِيَّانِ، وَالْفِعْلُ وَالتَّرْكُ مَعْنَيَانِ حَقِيقِيَّانِ ; فَلَا يَصِحُّ التَّنْظِيرُ وَالْقِيَاسُ.
عُدْنَا إِلَى تَوْجِيهِ كَلَامِ " الْمُخْتَصَرِ ".
قَوْلُهُ: " لَنَا ": أَيْ: عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ: أَنَّ " الْآمِرَ بِالسُّكُونِ نَاهٍ عَنِ الْحَرَكَةِ. وَبِالْعَكْسِ، أَيْ: وَالْآمِرُ بِالْحَرَكَةِ نَاهٍ عَنِ السُّكُونِ " ضَرُورَةَ " أَنَّ الْحَرَكَةَ وَالسُّكُونَ وَنَحْوَهُمَا مِنَ الْأَضْدَادِ لَا يَجْتَمِعَانِ ; فَالْأَمْرُ بِفِعْلِ أَحَدِهِمَا يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنِ الْآخَرِ، كَمَا أَنَّ فِعْلَ أَحَدِهِمَا يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ الْآخَرِ، كَمَا تَسْتَلْزِمُ الْحَرَكَةُ تَرْكَ السُّكُونِ، وَالسُّكُونُ تَرْكَ الْحَرَكَةِ. وَلِهَذَا قُلْنَا: إِنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ جَمِيعِ أَضْدَادِهِ، إِذَا كَانَ لَهُ أَضْدَادٌ، ضَرُورَةَ تَوَقُّفِ فِعْلِهِ عَلَى تَرْكِ جَمِيعِهَا، كَمَا قُلْنَا فِي الْقِيَامِ مَعَ الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَالْقُعُودِ، وَالِاضْطِجَاعِ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْأَمْرِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، مَعَ أَضْدَادِهِ الْبَاقِيَةِ، وَإِذَا كَانَ لَهُ ضِدٌّ وَاحِدٌ، كَالْحَرَكَةِ مَعَ السُّكُونِ ; فَالْأَمْرُ بِهِ يَسْتَلْزِمُ النَّهْيَ عَنْ عَيْنِ ذَلِكَ الضِّدِّ. أَمَّا النَّهْيُ عَنِ الشَّيْءِ ; فَإِنَّمَا يَسْتَلْزِمُ الْأَمْرَ بِضِدٍّ وَاحِدٍ مِنْ أَضْدَادِهِ، إِذَا كَانَ لَهُ أَضْدَادٌ، لِاسْتِحَالَةِ تَرْكِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، بِدُونِ التَّلَبُّسِ بِمَا يُنَافِيهِ، لِيَشْتَغِلَ بِهِ عَنْ فِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَذَلِكَ التَّلَبُّسُ ضَرُورِيٌّ، يَنْدَفِعُ بِفِعْلِ ضِدٍّ وَاحِدٍ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ إِيجَادَ بَقِيَّةِ الْأَضْدَادِ، كَمَا فِي الْأَمْرِ ; فَحَصَلَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ، إِنْ كَانَ لَهُ ضِدٌّ أَوْ أَضْدَادٌ، تَعَيَّنَ النَّهْيُ عَنِ الْجَمِيعِ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ إِنْ كَانَ لَهُ ضِدٌّ وَاحِدٌ، تَعَيَّنَ الْأَمْرُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَضْدَادٌ ; فَالْمَأْمُورُ بِهِ مِنْهَا وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ، ضَرُورَةَ تَوَقُّفِ تَرْكِ الْمَنْهِيِّ عَلَى فِعْلِ الضِّدِّ، الْمُعَيَّنِ أَوِ الْمُبْهَمِ.
قَوْلُهُ: " قَالُوا "، يَعْنِي الْمَانِعِينَ فِي الْمَسْأَلَةِ: " قَدْ يَأْمُرُ بِأَحَدِ الضِّدَّيْنِ " مَنْ يَغْفُلُ عَنِ الْآخَرِ، وَيَنْهَى عَنْ أَحَدِهِمَا مَنْ يَغْفُلُ عَنِ الْآخَرِ ; فَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِأَحَدِهِمَا نَهْيًا عَنِ الْآخَرِ، أَوِ النَّهْيُ عَنْ أَحَدِهِمَا أَمْرًا بِالْآخَرِ، لَمَا صَحَّتِ الْغَفْلَةُ عَنْ أَحَدِهِمَا، إِذِ الْأَمْرُ بِهِ، أَوِ النَّهْيُ عَنْهُ مَعَ الْغَفْلَةِ عَنْهُ لَا يُتَصَوَّرُ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ يَسْتَدْعِيَانِ تَصَوُّرَ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ، لِيَصِحَّ تَوَجُّهُ الْقَصْدِ إِلَيْهِمَا، لِتَعَلُّقِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِهِمَا. قَالُوا: وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ تَوَقُّفِ فِعْلِ أَحَدِ الضِّدَّيْنِ، عَلَى تَرْكِ الْآخَرِ، " هُوَ ضَرُورِيٌّ، لَا اقْتِضَائِيٌّ طَلَبِيٌّ "، أَيْ: هُوَ مِنْ حَيْثُ ضَرُورَةُ التَّوَقُّفِ الْمَذْكُورِ، لَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنِ اقْتِضَاءِ اللَّفْظِ، وَطَلَبِ الْمُتَكَلِّمِ لَهُ، يَعْنِي أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَطْلُبُ بِقَوْلِهِ: تَحَرَّكْ، تَرْكَ السُّكُونِ، بَلْ تَرْكُ السُّكُونِ وَجَبَ ضَرُورَةَ أَنَّ الْحَرَكَةَ لَا تَحْصُلُ بِدُونِهِ، حَتَّى لَوْ تُصُوِّرَ تَرْكُ الْحَرَكَةِ مَثَلًا، بِدُونِ السُّكُونِ، أَوِ التَّحَرُّكِ، بِدُونِ تَرْكِ السُّكُونِ، لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ.
قَوْلُهُ: " قُلْنَا: فَهَذَا هُوَ الْمَطْلُوبُ "، أَيْ: هَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِنَا: الْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ أَضْدَادِهِ، مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى لَا الصِّيغَةُ، أَيْ: أَنَّ تَرْكَ أَضْدَادِهِ لَيْسَ مَنْهِيًّا عَنْهُ بِمُقْتَضَى لَفْظِ الْأَمْرِ، بَلْ لِضَرُورَةِ تَوَقُّفِ امْتِثَالِ أَمْرِهِ عَلَيْهِ، وَاسْتِحَالَةِ فِعْلِ الشَّيْءِ بِدُونِ تَرْكِ أَضْدَادِهِ.

__________________
الكتاب : شرح مختصر الروضة
المؤلف : سليمان بن عبد القوي بن الكريم الطوفي الصرصري، أبو الربيع، نجم الدين (المتوفى : 716هـ)
المحقق : عبد الله بن عبد المحسن التركي
الناشر : مؤسسة الرسالة
الطبعة : الأولى ، 1407 هـ / 1987 م
عدد الأجزاء : 3
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
__________________
أبو الأشبال الإندونيسي
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 01:28 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.