ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > منتدى القرآن الكريم وعلومه
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 13-11-19, 03:52 PM
نعمان جغيم نعمان جغيم غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 12-12-11
المشاركات: 90
افتراضي النسخ في القرآن الكريم: مراجعة وتحرير (7) دعاوى النسخ المتعلقة بآيات الأحكام العملية

دعاوى النسخ المتعلقة بآيات الأحكام العملية


لقد تحدثت كتب الناسخ والمنسوخ بالتفصيل عن دعاوى النسخ في الآيات المتعلقة بالأحكام الشرعية. ولما كان القصد من هنا التحرير وليس مجرد تكرار ما هو موجود في مصنفات المتقدمين، فسوف أنطلق في دراسة دعاوى النسخ من خلاصة ما وصل إليه العلماء المحققون في هذا الموضوع. وزبدة ذلك التحقيق هو ما قدمه شاه ولي الله الدهلوي من تعقيبات على تحرير السيوطي. ثم أقدم دراسة مفصّلة لزبدة الزبدة التي خلص إليها الدهلوي.

تحرير السيوطي وتعليقات الدهلوي
قام السيوطي بتحرير دعاوى النسخ في القرآن الكريم، وحصرها في إحدى وعشرين آية.[1] وقد تعقّب الدهلوي تحرير السيوطي، وبيَّن أن الراجح في أغلب تلك الآيات عدم النسخ. وفيما يأتي عرض تلك الآيات مع تعقيبات الدهلوي وتعليقي على ما يحتاج إلى تعليق، ثم تقديم دراسة مفصلة للآيات التي رجح الدهلوي كونها منسوخة.

أولا: قَوْلُهُ تَعَالَى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (البقرة: 180) مَنْسُوخَةٌ. قِيلَ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ، وَقِيلَ: بِحَدِيثِ "أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ"، وَقِيلَ بِالْإِجْمَاعِ.

قال الدهلوي: هي منسوخة بآية (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ)، وحديث "لا وصية لوارث" مُبيِّن للنسخ.[2]

قلت: سيأتي في الدراسة المفصلة لهذه الآية أن الراجح كونها مخصوصة.

ثانيا: قَوْلُهُ: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) (البقرة: 187) قيل إنها ناسِخَةٌ لِقَوْلِهِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 183) لأَنَّ مُقْتَضَاهَا الْمُوَافَقَةُ فِيمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالْوَطْءِ بَعْدَ النَّوْمِ. ذَكَرَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. وَحَكَى قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ نَسْخٌ لِمَا كَانَ ثابتا بالسُّنَّة النبوية.

قال الدهلوي: معنى "كما كُتِبَ" التشبيه في نفس الوجوب، فلا نسخ. وإنما هو تغيير لما كان عندهم قبل الشرع. ولم نجد دليلاً على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- شرع لهم ذلك، ولو سُلِّمَ، فإنما كان ذلك ثابتاً بالسنَّة، أي فتكون الآية ناسخة لما ثبت بالسنَّة.[3]

ثالثا: قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة: 217) مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً) (التوبة: 36). أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ مَيْسَرَةَ.

قال الدهلوي: هذه الآية لا تدل على تحريم القتال، بل تدل على تجويزه، وهي من قبيل تسليم العلة وإظهار المانع. فالمعنى أن القتال في الشهر الحرام كبير شديد، ولكن الفتنة أشد منه، فجاز في مقابلتها، وهذا التوجيه ظاهر من سياقها كما لا يخفى.[4]

رابعا: قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (البقرة: 240) مَنْسُوخَةٌ بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (البقرة: 234). وَالْوَصِيَّةُ مَنْسُوخَةٌ بِالْمِيرَاثِ. وَالسُّكْنَى ثَابِتَةٌ عِنْدَ قَوْمٍ مَنْسُوخَةٌ عِنْدَ آخَرِينَ.

قال الدهلوي: هي منسوخة عند جمهور المفسرين. ويمكن أن يقال: يُستحب أو يجوز للميت الوصية، ولا يجب على المرأة أن تسكن في وصيته، وعليه ابن عباس -رضي الله عنه-. وهذا التوجيه ظاهر من الآية.[5]

قلت: سيأتي بحثها بالتفصيل، وبيان أنها غير منسوخة.

خامسا: قَوْلُهُ تَعَالَى: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: 284) مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا).

قال الدهلوي: هو من باب تخصيص العام، بيَّنت الآية المتأخرة أن المراد ما في أنفسكم من الإخلاص والنفاق لا من أحاديث النفس التي لا اختيار فيها، فإن التكليف لا يكون إلا فيما هو في وسع الإنسان.[6]

سادسا: قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (آل عمران: 102) قيل إِنَّهُ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (التغابن: 16)، وَقِيلَ لَا، بَلْ هُوَ مُحْكَمٌ. ورجح السيوطي أنها منسوخة.

قال الدهلوي: قلت: (حَقَّ تُقَاتِهِ) في الشرك والكفر وما يرجع إلى الاعتقاد، و(مَا اسْتَطَعْتُمْ) في الأعمال: من لم يستطع الوضوء يتيمَّم، ومن لم يستطع القيام يصلي قاعداً. وهذا التوجيه ظاهر من سياق الآية، وهو قوله تعالى: (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).[7]

سابعا: قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآَتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا) (النساء: 33) مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: (وَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الأنفال: 75).

قال الدهلوي: ظاهر الآية أن الميراث للموالي، والبِرُّ والصلة لمولى الموالاة، فلا نسخ.[8]

ثامنا: قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا) (النساء: 8) قِيلَ: مَنْسُوخَةٌ، وَقِيلَ لَا، وَلَكِنْ تَهَاوَنَ النَّاسُ فِي الْعَمَلِ بِهَا. ورجح السيوطي أنها غير منسوخة.

قال الدهلوي: قال ابن عباس رضي الله عنه هي محكمة، والأمر للاستحباب، وهذا أظهر.[9]

تاسعا: قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا (*) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا) (النساء: 15-16) الآية مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ النُّورِ.

قال الدهلوي: لا نسخ في ذلك. بل هو ممتد إلى الغاية فلما جاءت الغاية بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن السبيل الموعود كذا وكذا، فلا نسخ.[10]

قلت: سيأتي مناقشة قضية النسخ فيها بالتفصيل.

عاشرا: قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (المائدة: 2) مَنْسُوخَةٌ بِإِبَاحَةِ الْقِتَالِ فِيهِ.

قال الدهلوي: لا نجد في القرآن ناسخاً له، ولا في السنة الصحيحة. ولكن المعنى: أن القتال المحرَّم يكون في الشهر الحرام أشدّ تغليظاً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة: "إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا."[11]

الحادي عشر: قَوْلُهُ تَعَالَى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (المائدة: 42) مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ) (المائدة: 49).

قال الدهلوي: معناه إن اخترت الحكم فاحكم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم. فالحاصل أنه لنا أن نترك أهل الذمة أن يرفعوا القضية إلى زعمائهم، فيحكموا بما عندهم، ولنا أن نحكم بما أنزل الله علينا.[12]

قلت: لا وجه للقول بالنسخ فيها، فالآية الأولى صريحة في تخيير النبي صلى الله عليه وسلم بين الحكم بينهم وبين عدم الحكم بينهم. والآية الثانية تبين أنه إن اختار الحكم بينهم، فهو يحكم بما أنزل الله تعالى. وحتى إن حكم بينهم بما أنزل الله في التوراة، فإن ذلك يكون حكما بما أنزل الله تعالى.

الثاني عشر: قوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ) (المائدة: 106) مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا) (الطلاق: 2).

قال الدهلوي: قال أحمد بظاهر الآية، ومعناها عند غيره: أو آخران من غير أقاربكم، فيكونون من سائر المسلمين.[13]

قلت: حتى إذا فسرنا قوله تعالى: (أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) على أنها في الشهود غير المسلمين، فإن هذا الحكم في حال الضرورة، وهو عدم وجود الشهود المسلمين، والضرورة رُخْصَة لا تُلغي الحكم الأصلي. وبناء على ذلك فإنه لا نسخ في جميع الاحتمالات.

الثالث عشر: قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ) (الأنفال: 65) منسوخة بقوله تعالى بعدها: (الآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (الأنفال: 66).

قال الدهلوي: منسوخة.[14]

قلت: سيأتي الحديث عنها بالتفصيل.

الرابع عشر: قَوْلُهُ تَعَالَى: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (التوبة: 41) منسوخة بآيات العذر، مثل قوله: (لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا) (الفتح: 17).

قال الدهلوي: خفافاً أي مع أقلّ ما يتأتَّى به الجهاد من مركوب وعبد للخدمة ونفقة يقنع بها. وثقالاً: مع الخدم الكثيرين، والمركب الكثيرة، فلا نسخ.[15]

قلت: الآية الأولى في التحريض على النفير للقتال في حال اليُسْر وفي حال العُسْر وقلة الإمكانات. والآية الثانية في بيان رفع الحرج عن أصحاب الأعذار الذين يتعذَّر عليهم النفير. وهما حكمان مختلفان لصنفين مختلفين من الناس، فكيف يُقال بنسخ أحدهما للآخر؟!

الخامس عشر: قَوْلُهُ تَعَالَى: (الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ) (النور: 3) مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (النور: 32).

قال الدهلوي: قال أحمد بظاهر الآية، ومعناها عند غيره: أن مرتكب الكبيرة ليس بكفْءٍ إلا للزانية، أو لا يستحب اختيار الزانية. وقوله تعالى: (وَحُرِّمَ ذَلِكَ) إشارة إلى الزنا والشرك، فلا نسخ. وأما قوله تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى) فعام لا ينسخ الخاص.[16]

السادس عشر: قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (النور: 58) قِيلَ مَنْسُوخَةٌ، وَقِيلَ لَا، وَلَكِنْ تَهَاوَنَ النَّاسُ فِي الْعَمَلِ بِهَا. ورجح السيوطي أنها غير منسوخة.

قال الدهلوي: مذهب ابن عباس رضي الله عنهما أنها ليست بمنسوخة، وهذا أوجه وأولى بالاعتماد.[17]

قلت: هذه آداب اجتماعية أمر بها القرآن الكريم لحفظ الأخلاق، فكيف يُقال إنها نُسخت؟ وإن زعم زاعم أنها نُسخت، فأين ناسخها؟ كيف يُدعى نسخ آداب اجتماعية ضرورية لحفظ الأخلاق ومن دون ناسخ أصلا؟!

السابع عشر: قَوْلُهُ تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المجادلة: 12) منسوخ بقوله تعال: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المجادلة: 13).

قال الدهلوي: هذا كما قال، أي هي منسوخة.[18]

قلت: سيأتي الكلام مفصلا عن هذه المسألة.

الثامن عشر: قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآَتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ) (المجادلة: 11) قِيلَ: مَنْسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وَقِيلَ: بِآيَةِ الْغَنِيمَةِ، وَقِيلَ: مُحْكَمٌ.

قال الدهلوي: الأظهر أنه مُحْكَم، ولكن الحكم في المهادنة وعند قوة الكفار.[19]

قلت: نعم، هي محكمة. الآيات تتحدث عن أحكام خاصة بظروف معيَّنة، تُطبَّق في مثل تلك الظروف. وكيف يَدَّعى أحد نسخ أحكام في القرآن الكريم دون وجود ناسخ لها، ثم يلجأ إلى افتراض ناسخ غير معلوم!

التاسع عشر: قَوْلُهُ تعالى: (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (*) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (*) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا) (المزمل: 2-4) قيلَ مَنْسُوخٌ بِآخِرِ السُّورَةِ، وهو قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المزمل: 20). ثُمَّ نُسِخَت هذه الآية الأخيرة بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ.

قال الدهلوي: دعوى النسخ بالصلوات الخمس غير متَّجهة، بل الحق أن أول السورة في تأكيد الندب إلى قيام الليل، وآخرها نسخ التأكيد إلى مجرد الندب.[20]

[1]السيوطي، البرهان في علوم القرآن، ج3، ص73-77.
[2]الدهلوي، الفوز الكبير في أصول التفسير، ص59.
[3]الدهلوي، الفوز الكبير، ص60.
[4]الدهلوي، الفوز الكبير، ص61.
[5]الدهلوي، الفوز الكبير، ص61.
[6]الدهلوي، الفوز الكبير، ص61-62.
[7]الدهلوي، الفوز الكبير، ص62.
[8]الدهلوي، الفوز الكبير، ص62.
[9]الدهلوي، الفوز الكبير، ص63.
[10]الدهلوي، الفوز الكبير، ص63.
[11]الدهلوي، الفوز الكبير، ص63-64.
[12]الدهلوي، الفوز الكبير، ص64.
[13]الدهلوي، الفوز الكبير، ص64.
[14]الدهلوي، الفوز الكبير، ص65.
[15]الدهلوي، الفوز الكبير، ص65.
[16]الدهلوي، الفوز الكبير، ص66.
[17]الدهلوي، الفوز الكبير، ص66.
[18]الدهلوي، الفوز الكبير، ص67.
[19]الدهلوي، الفوز الكبير، ص68.
[20]الدهلوي، الفوز الكبير، ص68.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 13-11-19, 08:21 PM
حسين صبحي حسين صبحي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-04-16
المشاركات: 475
افتراضي رد: النسخ في القرآن الكريم: مراجعة وتحرير (7) دعاوى النسخ المتعلقة بآيات الأحكام العملية

بسم الله وبعد:

بعض اوجه الجمع هذه لا تستقيم وأتفق ان القول بالنسخ ترجيح والجمع مقدم عليه فالعمل بنصين خير من العمل بنص واحد, والقول بالنسخ لمشقة الجمع عند المجتهد لا يستقيم ايضا.
__________________
السلف أسلم وأعلم وأحكم
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 15-11-19, 10:06 AM
نعمان جغيم نعمان جغيم غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 12-12-11
المشاركات: 90
افتراضي رد: النسخ في القرآن الكريم: مراجعة وتحرير (7) دعاوى النسخ المتعلقة بآيات الأحكام العملية

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة حسين صبحي مشاهدة المشاركة
بسم الله وبعد:

أتفق ان القول بالنسخ ترجيح والجمع مقدم عليه فالعمل بنصين خير من العمل بنص واحد, والقول بالنسخ لمشقة الجمع عند المجتهد لا يستقيم ايضا.
جزاكم الله خيرا
الأمر كما قلتم
أما عن وجوه الجمع التي ذكرها الدهلوي، فسواء اتفقنا معه أم اختلفنا، فإن المهم هو بيان أن دعاوى النسخ التي أطلقها البعض محل خلاف، ويوجد من لا يرى فيها نسخا، ولذلك فهي تبقى مجرد دعاوى
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 16-11-19, 10:54 PM
حسين صبحي حسين صبحي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 18-04-16
المشاركات: 475
افتراضي رد: النسخ في القرآن الكريم: مراجعة وتحرير (7) دعاوى النسخ المتعلقة بآيات الأحكام العملية

تماما
__________________
السلف أسلم وأعلم وأحكم
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:34 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.