ملتقى أهل الحديث

العودة   ملتقى أهل الحديث > المنتدى الشرعي العام
.

الملاحظات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع
  #1  
قديم 26-04-05, 01:05 PM
أبو عبد الباري أبو عبد الباري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-07-04
المشاركات: 752
افتراضي القول النفيس في تحريم الفعل الخسيس

مقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد ،،،

فهذه رسالة مختصرة في مسألة من نوازل الزمان، عمت بها البلوى بين طائفة كبيرة من المسلمين الذين غلبتهم تبعية الغربيين، واضطربت فيها أقوال المفتين والمؤلفين، من بين مبيح قائل برفع الحرج عنها، متساهل في حكمها، وآخر يحرمها، ويقول بتأثيم من وقع فيها، وهي مسألة اللحس والمص أي لحس الرجل فرج المرأة، ومص المرأة ذكر الرجل.

وهذه المسألة قد عمت بها البلوى عندما صار العالم قرية واحدة عن طريق وسائل الإعلام الماجنة، والثقافة الغربية الزائفة، وتلاقيهما مع العقول الضعيفة، والنفوس المريضة، التي ابتليت بالتبعية، والتسارع إلى ما في هذه الثقافة الوافدة.

ولما رأيت اضطراب الأقوال، و تباعد الآراء، واختلاف المآخذ، وصار الناس فيها ما بين مشرق ومغرب، وسكت البعض عن الخوض فيها، وتضايق من سماعها، مع انتشارها السريع، وتفشيها المخيف، رأيت ضرورة البحث والتنقيب، والتأصيل والتأليف، والنظر فيما ورد في الباب، مع المقايسة بين المتماثلات والمتشابهات، والتفريق بين المتباعدات المختلفات، حتى تعود الأمور إلى نصابها، وينجلي عن الحقيقة غبارها، وينكشف عن المسألة غموضها، وسميت هذه الرسالة بـ(القول النفيس في تحريم الفعل الخسيس ) سائلا المولى التوفيق والسداد، إنه نعم المولى ونعم النصير.

تنبيهان :
الأول: الأدلة التي ذكرت في هذه الرسالة بعضها أقوى من بعض، فما كان منها قويا ظاهر الدلالة يٌقَوِّي ما كان خفي الدلالة، أو في دلالته نوع ضعف، لأن الهيئة الاجتماعية غير الانفرادية، فقد يكون دليل ما ضعيفا إما من حيث ثبوته، أو دلالته لكنه يتقوى بوجوه أخرى ترفع دلالته أو ثبوته من الضعف إلى القوة.

الثاني: لم يتم ترتيب الأدلة حسب قوة دلالتها على التحريم، وإنما حسب ترتيبها في مراتب الأدلة، فقدم النص القرآني والحديثي على غيره وإن كانت دلالة القياس أقوى من النص في هذه المسألة فكن على ذكر بهذا.
هذا وقد قسمت البحث إلى فصلين:

الأول: في الوجوه الدالة على التحريم وهو أصل الرسالة وصلبها.
الثاني: الرد على شبهات المبيحين وبيان ضعفها.



كتبه / أبو عبد الباري الصومالي




يتبع .................................................. ...........
__________________
يا نفس إن الحق ديني
فتذللي ثم استكيني
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 26-04-05, 01:29 PM
أبو عبد الباري أبو عبد الباري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-07-04
المشاركات: 752
افتراضي

الفصل الأول:

الأدلة الشرعية على تحريم هذه الفعلة


قد دل على تحريم هذه الفعلة الكتاب والسنة والدليل الصحيح المقتبس منهما المقتضي للتحريم والاستثناء من أصل الإباحة، و بيان ذلك من وجوه هي:

الوجه الأول: دلالة القرآن على التحريم
الوجه الثاني: دلالة السنة على التحريم
الوجه الثالث: دلالة القياس على التحريم
الوجه الرابع: دلالة مباشرة النجاسة على التحريم
الوجه الخامس: ما قيل من نجاسة رطوبة فرج المرأة ودلالة على التحريم
الوجه السادس: ما قيل من نجاسة المني ودلالته على التحريم
الوجه السابع: قذارة إفرازات الفرجين ودلالتها على التحريم
الوجه الثامن: الضرر الصحي لهذه الفعلة ودلالته على التحريم

* وهذا أوان التفصيل في هذه الوجوه الثمانية وبيان دلالة كل واحد منها على التحريم، والله أسأل التوفيق والسداد، وبه أستعين.




الوجه الأول: دلالة القرآن على التحريم

قد جاء في كتاب الله تعالى ما يدل على تحريم هذه الفعلة وذلك قوله تعالى في سورة البقرة نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ 

ففي هذه الآية الكريمة سمى الله تعالى المرأة حرثا ومزدرعا، وسمى إتيانها حرثا وزراعة، وأمر الأزواج أن يأتوا زوجاتهم في موضع الحرث الذي هو موضع زرع الأولاد وتلقيح الأرحام، وذلك لا يكون إلا في الفروج.
ولما أمر الله تعالى ذلك في هذه الآية أحال عليه في موضع آخر من كتابه فقال تعالى  فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ فأجمل موضع الإتيان من المرأة هنا وأحاله على أمره سبحانه في الآية المذكورة بعدها.

ولما كان إتيان المرأة من موضع الحرث هو الازدراع، أمر الله في آية أخرى طلب ما كتب الله تعالى من العشرة الزوجية فقال سبحانه وتعالى  فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ .

بهذا جاء التفسير لهذه الآية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء المعتبرين. فروى أحمد وأبو داود والطبراني في الكبير وغيرهم من طرق عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال: قلت يا رسول الله : نساؤنا ما نأتي وما نذر ؟ قال: " حرثك ائت حرثك أني شئت"(1).

فهذا الحديث على لفظ الآية الكريمة، فيدل على تحريم إتيان المرأة في غير موضع الحرث كما سيأتي تقريره عن العلماء. وسيأتي مزيد إيضاح للتفسير النبوي في الوجه الثاني إن شاء الله تعالى . وأما الآثار عن الصحابة والتابعين فكثيرة منها :

قال ابن عباس رضي الله عنهما: الحرث موضع الولد، وهو صحيح عنه على شرط مسلم كما قال الشيخ مقبل الوادعي في تحقيق تفسير ابن كثير (1/480) وبنحوه قال مجاهد وغير واحد.
وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في قوله تعالى  نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ  قال: قائما وقاعدا وباركا بعد أن يكون في المأتي. رواه النسائي في تفسيره وهذا لفظه، ومسلم والبيهقي ( النسائي رقم ( 59 ) ومسلم (1435) والبيهقي (7/195) .). وقال الحسن البصري كما في الدر المنثور (1/ 628 ): لا بأس أن يغشى الرجل المرأة كيف شاء إذا أتاها في الفرج اهـ.

وأما التفسير عن العلماء المشهورين من أئمة العلم والتفسير فأكثر من أن يحصى، ومن ذلك ما يلي:
* - قال الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسيره "أضواء البيان" (1/22) قوله  حَرْثَكُمْ  يعين محل الإتيان، وأنه هو محل حرث الأولاد وهو القبل دون الدبر، فاتضح أن محل الإتيان المأمور به المحال عليه هو محل بذر الأولاد ومعلوم أنه القبل اهـ.
وقال أيضا فيه (1/124) قوله  حَرْثَكُمْ يبين أن الإتيان المأمور به إنما هو في محل الحرث يعني بذر الولد بالنطفة وذلك هو القبل دون الدبر كما لا يحفى، لأن الدبر ليس محل بذر للأولاد كما هو ضروري اهـ.
وقال القرطبي رحمه الله في تفسيره (3/93): وحرث تشبيه، لأنهن مزدرع الذرية، فلفظ (الحرث ) يعطي أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج خاصة إذ هو المزدرع اهـ وكذلك قال ابن عطية في تفسيره(2/255).
وزاد الشوكاني رحمه الله توضيحا لهذا التشبيه فقال في فتح القدير (1/396): لفظ (الحرث) يفيد أن الإباحة لم تقع إلا في الفرج الذي هو القبل خاصة، إذ هو مزدرع الذرية، كما أن الحرث مزدرع النبات، فقد شبه ما يلقى في أرحامهن من النطف التي منها الغسل بما يلقى في الأرض من البذور التي منها النبات بجامع أن كل واحد منهما مادة لما يحصل منه، وهذه الجملة بيان للجملة الأولى أعني قوله  مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ  اهـ.
وقال صديق خان رحمه الله في تفسيره فتح البيان (1/449) في قوله  مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ : أي فجامعوهن، والمراد أنهم يجامعونهن في المأتي الذي أباحه الله وهو القبل اهـ

وقال أيضا في قوله  فَأْتُوا حَرْثَكُمْ : أي محل زرعكم واستنباتكم الولد وهو القبل، وهذا على سبيل التشبيه، فجعل فرج المرأة كالأرض والنطفة كالبذر والولد كالزرع اهـ .
وهذا الاستدلال هو الذي نقله القرطبي رحمه الله في تفسيره عن الإمام مالك رحمه الله فقال (3/94-95 ): وقال مالك لابن وهب وعلي بن زياد لما أخبراه أن ناسا بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك - أي الدبر - فنفر من ذلك وبادر إلى تكذيب الناقل فقال : كذبوا علي، كذبوا علي، كذبوا علي، ثم قال ألستم قوما عربا ؟ ألم يقل الله تعالى  نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ وهل يكون الحرث إلا في موضع النبت اهـ .

فانظر رحمك الله كيف استدل مالك بلفظ (الحرث ) على تحريم الدبر لأنه ليس موضع حرث، أفترى فم المرأة موضع حرث للذرية ؟!
وقال السندي رحمه الله: وقوله  فَأْتُوا حَرْثَكُمْ  لإفادة أن المأتي لا بد أن يكون في موضع حرث، ولا دلالة له على نفي التفخيذ، لأن ذلك تابع للإتيان في موضع الحرث بخلاف الإتيان في موضع آخر غير موضع الحرث لأنه غير تابع فلا يجوز أصلا اهـ نقله الأرناؤط وزملاؤه في تحقيق المسند (4/238) .

وقال ابن كثير في تفسيره (1/247) في قوله  فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ  أي كيف شئتم مقبلة ومدبرة في صمام واحد كما ثبتت بذلك الأحاديث اهـ

قال أبو عبد الباري: هذه جملة من أقوال العلماء في تفسير الآية من الصحابة والتابعين فمن بعدهم من أئمة التفسير، وهي تدل على أن الآية دلت على أن الإتيان المباح خاص في الفرج لا غير، وذلك لأن الله تعالى سماه (حرثا ) وأمر به، فكل موضع آخر لا يتحقق فيه وصف الحرث لا يكون مباحا بدلالة الآية .

وبناء على ذلك صح الاستدلال بهذه الآية في قول جماهير العلماء على تحريم الدبر لفقدان وصف الحرث الوارد في الآية فيه، وذلك لأن الكلام في إتيان المرأة في دبرها كان موضع البحث حينها ولا زال، فإذا جاء البحث في موضع آخر غير موضع الحرث - أي الفرج - دلت الآية في قولهم – تخريجا - على تحريمه لنفس العلة وبنفس قوة الدلالة، وقد علم يقينا أن إتيان المرأة في فمها ليس من الحرث في شيء، بل هو أبعد ما يكون معنى وموضعا من الحرث.


اعتراض مردود

فإن قيل: ليس لعق الأعضاء التناسلية من الإتيان في شيء، والذي دلت عليه الآية إنما هو الإتيان، وهو غير اللعق واللحس .
أجيب: بأن ذلك مسلم في لعق الرجل عورة المرأة، وأما لعق المرأة ذكر الرجل فيصدق فيه أنه إتيان .
بيانه : أن العلماء أطبقوا على أن الجماع الموجب للحد هو: إيلاج الحشفة في فرج محرم، كما قال في مغني المحتاج (4/143-144 ): " الزنى إيلاج حشفة أو قدرها من الذكر المتصل من الآدمي ولو أشل وغير منتشر وكان ملفوفا في خرقة " اهـ .
وقد جمع أقوال الفقهاء فيه ولخصه كل من الدكتور عبد الكريم زيدان في المفصل في أحكام المرأة (5/46-47 ) والشيخ عبد القادر عودة رحمه الله في التشريع الجنائي (2/350-351)، فقال الأخير منهما " الوطء المعتبر زنا : هو الوطء في الفرج بحيث يكون الذكر في الفرج كالميل في المكحلة والرشاء في البئر، ويكفي لاعتبار الوطء زنا أن تغيب الحشفة على الأقل في الفرج أو مثلها إن لم يكن للذكر حشفة، ولا يشترط على الرأي الراجح أن يكون الذكر منتشرا " اهـ المراد منه. ولعق المرأة ذكر الرجل إيلاج وزيادة، فصح أنه إتيان للمرأة من فمها، وقضاء للشهوة فيه مع التلذذ، بحيث يستفرغ فيه أحيانا، كالإتيان تماما.


الوجه الثاني: دلالة السنة على التحريم

وهذا الذي دل عليه الكتاب الكريم دلت عليه السنة الصحيحة أيضا على وجه أصرح من دلالة القرآن، وذلك في أحاديث نذكر طرفا منها، وقد أوردها المفسرون في تفسير الآية المذكورة في الوجه الأول، وتقدم قول ابن كثير أن الأحاديث ثبتت بذلك، ومن هذه الأحاديث :
1. حديث أم سلمة رضي الله عنها
روى أحمد والترمذي وغيرهما من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم عن عبد الله بن سابط عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن أم سلمة في حديث طويل وفيه أن أم سلمة سألت النبي صلى الله عليه و سلم لامرأة من الأنصار فقال: " أدعي الأنصارية " فدعتها، فتلا عليها هذه الآية  نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ "صماما واحدا"(2).
2. حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما
روى ابن أبي حاتم (كما في تفسير ابن كثير1/247) من طريق يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن مالك وابن جريج والثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر أن اليهود قالوا للمسلمين: من أتى امرأة وهي مدبرة جاء الولد أحول، فأنزل الله تعالى  نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ  قال ابن جريج في الحديث: فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم "مقبلة ومدبرة إذا كان في الفرج" (3).
3. حديث ابن عباس رضي الله عنهما
روى أحمد (1/268) من طريق يحيى بن غيلان عن رشدين عن الحسن بن ثوبان عن عامر بن يحيى المعافري عن حنش عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : أنزلت هذه الآية  نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ  في أناس من الأنصار أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه فقال النبي  "ائتها على كل حال إذا كان في الفرج" (4).
فهذه الأحاديث الثابتة من هذه الطرق وغيرها تدل على اشتراط الإتيان في الفرج، وهو المراد بالصمام الواحد، وهو الذي وقعت عليه الإباحة لا غيره. وقضية الاشتراط تدل على حرمة الإتيان في غير الفرج كما لا يخفى، وهو المطلوب، فتتفق دلالتها مع الآية في تحريم هذه الفعلة الشنيعة والخصلة الذميمة.

قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره (3/93) بعد إيراده بعض هذه الأحاديث : هذه الأحاديث نص في إباحة الحال والهيئات كلها إذا كان الوطء في موضع الحرث، أي كيف شئتم من خلف ومن قدام وباركة ومستلقية ومضطجعة، فالإتيان في غير المأتي فما كان مباحا ولا يباح، وذكر الحرث يدل على أن الإتيان في غير المأتي محرم اهـ. وروى البخاري في صحيحه أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال لعروة بن مسعود بحضرة النبي  يوم الحديبية عند ما وصف عروة المسلمين أوباشا لا يثبتون بل سرعان ما يتفرقون عن النبي  قال أبو بكر والنبي  يسمع" أمصص بظر اللات أنحن نفر من رسول الله  وندعه " (رواه البخاري رقم2731 ).
ولم يكن النبي  يسكت على أبي بكر وهو يعيب رجلا بما يحل ويجوز فعله، هذا أمر لا يجوز اعتقاده، كما يدل صنيع أبي بكر وغضب عروة بن مسعود أن هذه الفعلة كانت من الرذائل التي تأنف منها الفطر السليمة ولا تبيحها القيم المستقيمة، فتأمل هذا فإنه مفيد لتحريم هذه الفعلة الشنيعة.
اعتراض مردود

فإن قيل: غاية ما في هذا الوجه والذي قبله هو تحريم ذلك على المرأة، وليس فيه ما يدل على تحريم اللحس واللعق على الرجل؟

أجيب: بأن هذا صحيح، لكنه إنما يقال مثل هذا الاعتراض إذا لم يكن في الباب غير هذا الدليل، وليس هنا كذلك فسيأتي في الوجوه التالية ما يعم الحالتين أي اللحس والمص، فسقط هذا الاعتراض من أصله، وليس من شرط الدليل لا عرفا ولا شرعا أن يكون دالا على الحالتين، بل يكفي دلالة هذا الوجه والذي قبله على تحريم ذلك على المرأة، كما يدل الوجه الخامس على تحريم ذلك على الرجل فقط، ومع ذلك ففي بعض الوجوه كالثالث والرابع والسادس وغيرها ما يدل على تحريم الحالتين مطلقا والله أعلم .


الوجه الثالث: دلالة القياس على التحريم

قد دل القياس الجلي الذي لم يختلف في حجيته حتى ابن حزم رحمه الله تعالى على تحريم المص واللحس كدلالة القرآن والسنة الصحيحة كما تقدم في الوجهين السابقين .

تحريم لمس الفرج باليمين و أقوال المحققين فيه
بيانه: أنه جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن مس الذكر باليمين عند البول، وعن الاستنجاء باليمين في صحاح الأخبار وهي تفيد التحريم في أصح قولي العلماء .

ومن هذه الأحاديث:
ما روى البخاري وسلم في صحيحيهما من حديث أبي قتادة رضي الله عنه عن النبي  أنه قال " لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه، ولا يتنفس في الإناء " وهذا لفظ مسلم.
ولفظ البخاري " إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه ولا يستنجي بيمينه " (رواه البخاري في صحيحه (رقم 153 ، 154) ومسلم في صحيحه أيضا (رقم 267 ).
ومنها ما رواه مسلم في صحيحه من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه قال " نهانا- أي النبي  - أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين " (رواه مسلم في صحيحه (رقم 262).
ومنها ما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحو حديث سلمان الفارسي وفيه" ولا يستطيب بيمينه " (رواه أبو داود (رقم 6 ) والنسائي (1/38 ) وابن ماجه ( رقم303 ) وهو صحيح كما في صحيح أبي داود (رقم 6) وصحيح ابن ماجه (رقم 252).
فهذا النهي الوارد في هذه الأحاديث يدل في أصل دلالته على تحريم مس الذكر باليمين وتحريم الاستنجاء بها، ولم يرد ما يصرفه عن حقيقته التي هي التحريم .
قال الشوكاني في نيل الأوطار (1/94): والحاصل أنه قد ورد النهي عن مس الذكر باليمين في الحديث المتفق عليه، وورد النهي عن الاستنجاء باليمين في هذا الحديث- يعني حديث سلمان- فلا يجوز استعمال اليمين في أحد الأمرين، وإذا دعت الضرورة إلى الانتفاع بها في أحدهما استعملها قاضي الحاجة في أخف الأمرين اهـ .
وقال أيضا في السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار (1/195) عند قول صاحب الأزهار ضمن المحرمات (والانتفاع باليمنى ) : قول - أي الشوكاني-: الأحاديث مصرحة بالنهي عن ذلك، والنهي حقيقة في التحريم كما عرفت، ولم يرد ما يقتضي صرف ذلك عن معناه الحقيقي اهـ .
وقال أيضا في نيل الأوطار (1/79): وهو - أي التحريم - الحق، لأن النهي يقتضي التحريم، ولا صارف له، فلا وجه للحكم بالكراهة فقط اهـ .
قال ذلك ردا على الإمام النووي الذي قال في شرح مسلم (3/156) : قد أجمع العلماء على أنه -أي الاستنجاء باليمين -منهي عنه، ثم الجماهير على أنه نهي تنزيه وأدب لا نهي تحريم، وذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه حرام اهـ .

مسألة: هل التحريم يختص بمس الذكر عند البول وبالاستنجاء به ؟
اختلف العلماء في ذلك على قولين معروفين ليس هنا موضع تفصيلهما، لكن من قيد التحريم بما ذكر نظر إلى اتحاد مخرج الحديث الذي ورد مرة مطلقا ومرة مقيدا، وقد قيل إن الخلاف في حمل الطلق على المقيد إنما هو فيما لم يتحد مخرجه. واحتجوا أيضا بحديث طلق بن علي رضي الله عنه حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن مس الذكر هل يوجب الوضوء ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم "إنما هو بضعة منك" رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وهوصحيح ( رواه أبو داود (رقم 182-183 ) والترمذي (رقم 85 ) والنسائي (1/101) وابن ماجه (رقم 64 ) وهو في صحيح أبي داود (رقم 167).
قالوا: فدل على الجواز في كل حال، وخرجت حالة البول بهذا الحديث الصحيح وبقي ما عداها على الإباحة .

وأما من قال بالتحريم مطلقا أي في غير حالة قضاء الحاجة، فلهم في بيان دليل التحريم مأخذان :
أولهما: ما عرف من الخلاف في حمل المطلق على المقيد، من غير تفريق بين اتحاد المخرج وعدمه، وهو خلاف مشهور في علم الأصول فليرجع إليه من شاء .
ثانيهما: أن التحريم في غير حالة البول من باب أولى، لأنه نهى عن ذلك في مظنة الحاجة في تلك الحالة، فيكون في غير وقت الحاجة ممنوعا من باب أولى وأحرى. ينظر معنى ذلك في فتح الباري (1/306).
وقال الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع (1/97) بعد حكاية القولين : وكلا الاستدلالين له وجه، والاحتمالان واردان، والأحوط أن يتجنب مسه مطلقا اهـ المراد منه .

تعليل النهي بصيانة اليمين و تكريمها

والمقصود أن النص صريح في تحريم مس الذكر باليمين عند قضاء الحاجة، وعن الاستنجاء بها، وقد علم من عرف الشرع أن الشمال تستعمل فيما سبيله الإهانة كالانتثار بعد الاستنشاق وغيره، وأن اليمين تستعمل في الطعام والشراب وما يتصل بمواضع التكريم من الجسد.
وقد علل هذا النهي بصيانة اليمين من مباشرة النجاسة ومن الاقتراب منها سدا للذريعة كما قال ابن أبي جمرة فيما حكاه الحافظ عنه في الفتح (1/306): وإنما خص النهي بحالة البول من جهة أن مجاور الشيء يعطى حكمه، فلما منع الاستنجاء باليمين منع مس آلته حسما للمادة .
وقال الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع (1/97): وتعليل الكراهة: أنه من باب إكرام اليمين اهـ .
وقال العلامة عبيد الله المباركفوري في المرقاة (2/50 ) في شرح في حديث سلمان رضي الله عنه: وفيه دليل على تحريم الاستنجاء باليمين، لأنه الأصل في النهي، ولا صارف له فلا وجه للحكم بالكراهة فقط، وهذا تنبيه على شرف اليمين وصيانتها عن الأقذار اهـ.
يؤيده: أن من قال من العلماء بجواز الاستمناء مطلقا، أو بيد الزوجة فقط اشترط أن يكون باليد اليسرى لا اليمنى كما قال الشوكاني في بلوغ المنى (ص 65): "ويكون الممنوع منه الاستمناء باليمين لا باليسار" اهـ المراد منه وهو ما ذهب إليه ابن حزم في المحلى (11/392 ) .
ويؤيده أيضا: ما جاء من حديث حفصة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم" كان يجعل يمينه لطعامه، ويجعل شماله لما سوى ذلك"(5).
فإذا كانت اليمين تصان عن مباشرة النجاسة، وملاقاة الأماكن القذرة، تكريما لها وتشريفا، فلأن يصان الفم الذي هو أفضل وأشرف من اليمين، لأنه موضع الذكر من التسبيح والتهليل والتحميد وغيرها، وهو الذي جاء في الخبر الصحيح أنه ينبغي أن لا يزال رطبا من ذكر الله تعالى (صحيح الجامع الصغير (رقم 7700)، لأن يصان هذا اللسان من القاذورات والنجاسات والمستخبثات أولى من صيانة اليمين منها.
وهذا النوع من الدلالة متفق على حجيته، سواء قلنا إنه دلالة لفظية صريحة كما هو قول ابن حزم ومن سار على طريقته، أو قلنا إنه من باب مفهوم الموافقة، ومن أقوى نوعيه الذي هو الأولى كما هو قول أكثر الأصوليين، أو قلنا : إنه من باب القياس الجلي كما هو مذهب الشافعي وغيره، فهو حجة على كل الوجوه، فصح بذلك والحمد لله قوة هذا الوجه، ودلالته على التحريم على الرجل والمرأة، وهو كاف في تحريم هذه الفعلة لو لم يكن في ذلك غيره، فكيف وقد تضافرت الأدلة(*).

يؤيده: أن هذا النهي وهذا الخلاف الذي حكيناه عن العلماء، وجواز استعمال اليسرى للاستنجاء ونحوها إنما هو في حالة مباشرة هذه النجاسة بآلة، أما بدون آلة بل باليد فقط فحرام يستوي فيها اليمين واليسرى، وملابسة النجاسة محرم كما يأتي في الوجه الرابع إن شاء الله تعالى.
اعتراض مردود

فإن قيل: غاية ما في هذا الوجه هو تحريم مس الذكر، وليس فيه تحريم لحس الرجل فرج المرأة .
أجيب: بأنه لا فرق في صيانة الفم عن الأقذار وأولويته بذلك من اليمين بين الرجل والمرأة كما أنه لا فرق بينهما في تحريم مس الفرج باليمين عند البول، وكل ما يقال في فم الرجل وصيانته عن الأقذار و مواضع النجاسة يقال مثله في المرأة.
هوامش:
(1) حديث حسن
رواه أحمد (3/5) وأبو داود رقم (2144) والطبراني في الكبير (19/رقم999-1002) وغيرهم من طرق عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده به.
وهذا سند حسن، وقد حسنه الألباني في إرواء الغليل (7/98) والشيخ مقبل الوادعي في تحقيق تفسير ابن كثير (1/ 480) على تشدده، وهو كذلك.
(2) صحيح
رواه أحمد (6/305 ، 310) والترمذي (رقم 2979) وغيرهما من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم عن عبد الله بن سابط عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق عن أم سلمة به.
وهذا سند صحيح على شرط مسلم كما قال الألباني رحمه الله تعالى في آداب الزفاف (102-103 ) وهو الصواب . وأما قول الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى في تحقيق تفسير ابن كثير (1/481) في حفصة:لم يوثقها غير ابن حبان والعجلي وهما متساهلان وتضعيفه السند بذلك، فسهو منه عن توثيق الإمام مسلم لحفصة باعتماده على حديثها وإيراد أحاديث لها في صحيحه، وقال الحافظ في التقريب عنها: ثقة، وهو الصواب. على أن الحديث يتقوى بما بعده من الأحاديث، ولهذا حسنه الشيخ مقبل الوادعي لغيره والله أعلم.
(3) صحيح
وهذا سند صحيح رجاله ثقات أئمة، ولم يتفرد به ابن المنكدر بل تابعه عليه الزهري في رواية النعمان بن راشد عنه بلفظ " إن شاء مجبية، وإن شاء غير مجبية غير أن ذلك في صمام واحد" رواه الإمام مسلم في صحيحه (رقم 1435/119 ). وهذا سند صحيح رجاله ثقات أئمة، ولم يتفرد به ابن المنكدر بل تابعه عليه الزهري في رواية النعمان بن راشد عنه بلفظ " إن شاء مجبية، وإن شاء غير مجبية غير أن ذلك في صمام واحد" رواه الإمام مسلم في صحيحه (رقم 1435/119 ).
(4) حسن وسنده ضعيف
وهذا سند ضعيف من أجل رشدين بن سعد وهو ضعيف ، وبقية السند حسن .
لكنه -أي رشدين -لم يتفرد به بل تابعه عليه عبد الله بن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عامر بن يحيى به. رواه الطبري في تفسيره (2/335) من طريق أبي صالح الحراني، وابن أبي حاتم (ابن كثير 1/247) من طريق عبد الله بن وهب، والطبراني في الكبير (12/ رقم 1298 ) من طريق عبد الله بن يوسف ثلاثتهم عن ابن لهيعة به .
وفي رواية الطبراني " ائتها مقبلة ومدبرة إذا كان ذلك في الفرج ".
وهذا سند حسن ، وهو من صحيح حديث ابن لهيعة ، لما عرف من أن رواية ابن وهب وعبد الله بن يوسف عنه هي قبل احتراق كتبه. وعليه فالحديث حسن بهذا السند وهو صحيح بالطريق الثاني وشواهده.
(5) حديث حسن
رواه أحمد (6/287 ) والطبراني في الكبير (13/ 346 ، 347) وأبو يعلى في مسنده (رقم 7042، 7060 ) وابن حبان (رقم 5227 ) والحاكم (4/109 ) وعبد بن حميد (رقم 1545 ) والبيهقي في الشعب (رقم 2786) من طرق عن عاصم بن بهدلة عن المسيب بن رافع ومعبد بن حارث عن حارثة بن وهب الخزاعي عن حفصة به .
وهذا سند حسن ، وصحح الحاكم إسناده ، وقال الذهبي : في سنده مجهول ، وقال الهيثمي في المجمع (5/26 ) وعزاه لأحمد : رجاله ثقات أهـ وحسنه الأرناؤط في تحقيق الإحسان ، وما ذكره الذهبي من الجهالة لم يفصح عنها.
وللحديث شاهد من حديث عائشة بنحوه عند أحمد (6/ 126) وابن أبي شيبة (1/140و 5/224) من طريق الأعمش عن بعض أصحابه عن مسروق عن عائشة به. وهذا سند ضعيف للشخص المبهم ، لكنه حسن في الشواهد وهو كذلك هنا . ورواه أبو داود (رقم 33 ) من طريق أبي معشر عن إبراهيم عن عائشة قالت : "كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه ، وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى ".
تنبيه : وقع في سند الحاكم لهذا الحديث (حارثة بنت وهب الخزاعي ) وهو خطأ مطبعي ، صوابه ما تقدم .
(*) ممن ذكر تسمية هذا النوع من الدلالة أنها لفظية ، وأنها تسمى قياسا جليا ، وقياسا في معنى الأصل الحافظ ابن القيم كما في دقائق التفسير (2/169 ) .
__________________
يا نفس إن الحق ديني
فتذللي ثم استكيني
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26-04-05, 07:45 PM
محمد رشيد محمد رشيد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 27-12-02
المشاركات: 1,151
افتراضي

هذه أخي استدراكات و مباحثات حول ما ذكرت من دلالاتك على الحكم الذي ذكرت ، والذي أظن ـ مجرد ظن ـ أنه لم يوافقك عليه أحد من المعاصرين .

حول دلالة القرآن :

* أخي أبا عبد الباري .. دلالتك من القرآن أصوليا لا تستقيم ، و أقرب ما يقال فيها : لو صحت لكانت دلالة على تحريم إتيان المرأة بين فخذيها و ثدييها وفي إبطها. فهل تقول بذلك ؟

* وتقول أخي الحبيب : (( فانظر رحمك الله كيف استدل مالك بلفظ (الحرث ) على تحريم الدبر لأنه ليس موضع حرث، أفترى فم المرأة موضع حرث للذرية ؟! ))

و هنا أسأل : و هل بين ثديي المرأة موضع حرث للذرية ؟ و هل بين فخذيها كذلك ؟ و هل إبطها ذلك ؟
لو رأيت أن ما ذكرت يطابق الفم في الحكم فننتقل إلى محور نقاش مختلف ، أما لو كان ما ذكرت غير مطابق للحكم ، فأطالبكم بما أخرجها من الدلالة التي أوردتموها .

* ما نقلته عن السندي من أنها لا دلالة لها على نفي التفخيذ لكونه تابع للإتيان في موضع الحرث ، لو كان المراد بالتبعية هو إثارة الشهوة ، فالعملية الفمية عند البعض ، بل الكثيرين كذلك ، و إن كان المقصود من التبعية أي أنها تحدث غير مقصودة فهو غير صواب بداهة ، و إلا ففسر لي معنى للتبعية .
و أود تنبيهكم إلى أن كثيرا من الناس يمارسون التفخيذ لمجرد إثارة الشهوة دون أن يكون تابعا للإتيان في موضع الحرث ، و لا أدل على ذلك ممن يفعلون ذلك لتفريغ الشهوة و لا يبغون الولد . تأمل

***************
* و ما ذكرته في دلالة السنة على الحكم ، فيقال فيه ما قيل في دلالة القرآن .
***************
حول دلالة القياس :
هل ترى تحريم مس الفرج باليمين وفاقا للظاهرية ؟

لو أنك فصلت لعلمت أن القول بمنع ذلك حالة البول فقط ، و أنه نهي آداب و استحباب و ليس نهي تحريم ، لعلمت أن الجمهور على التقييد بحالة البول ، و على أنه نهي استحباب ، و القول بخلاف ذلك يكاد ـ أقول يكاد ـ يكون قول الظاهرية .

لو أجرينا نفس التعليل على حالة الجماع لمنعنا المجامع أن يمس ( منيه ) مطلقا ، و لا يخفاكم
ما فيه من الحرج .

لو أجرينا إكرام اليمين وصيانتها عن الأقذار في كل حالة الجماع لمنعنا الرجل من مداعبة فرج زوجته بيمينه ، و هذه مسألة أخرى ، فهل تقول بذلك ؟
__________________
شبكة الشريعة التخصصية
www.sharee3a.net
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 26-04-05, 08:36 PM
أبو الزهراء الشافعي أبو الزهراء الشافعي غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 14-03-04
المشاركات: 531
افتراضي

واصولوا بوركتم.
__________________
يأيها العلم العدل الذي كملت *** له الخصال مروات وايمانا
إني أحبك والرحمن يعلمه *** حب احتساب إلى ذي الطول قربانا
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 26-04-05, 08:44 PM
أبو عبد الباري أبو عبد الباري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-07-04
المشاركات: 752
افتراضي

شكرا لأخينا وشيخنا محمد رشيد على هذه المشاركة الطيبة والمباحثات العلمية، وسأعود لهذه المناقشة بعد استكمال ما في جعبتي ، وأنا أعلم أنني كغيري أصيب وأخطئ، وقد أشرت في المقدمة أن بعض الوجوه قد يكون في دلالته خفاء.
وعلى كل حال فسأواصل في الحلقة القادمة ثم أعود لمناقشة تعليقاتكم النافعة إن شاء الله تعالى، فآمل أن لا تغضب علينا ( ابسامة )، ولكم كأحناف يركزون على المدركات العقلية سنستفيد من مناهجكم إن شاء الله تعالى.
__________________
يا نفس إن الحق ديني
فتذللي ثم استكيني
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 27-04-05, 12:52 PM
أبو عبد الباري أبو عبد الباري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-07-04
المشاركات: 752
افتراضي الحلقة الثانية: تكملة الوجه الثالث، وبقية وجوه التحريم

يؤيده: أن هذا النهي وهذا الخلاف الذي حكيناه عن العلماء، وجواز استعمال اليسرى للاستنجاء ونحوها إنما هو في حالة مباشرة هذه النجاسة بآلة، أما بدون آلة بل باليد فقط فحرام يستوي فيها اليمين واليسرى، وملابسة النجاسة محرم كما يأتي في الوجه الرابع إن شاء الله تعالى.

اعتراض مردود

فإن قيل: غاية ما في هذا الوجه هو تحريم مس الذكر، وليس فيه تحريم لحس الرجل فرج المرأة .
أجيب: بأنه لا فرق في صيانة الفم عن الأقذار وأولويته بذلك من اليمين بين الرجل والمرأة كما أنه لا فرق بينهما في تحريم مس الفرج باليمين عند البول، وكل ما يقال في فم الرجل وصيانته عن الأقذار و مواضع النجاسة يقال مثله في المرأة.

الوجه الرابع: دلالة مباشرة النجاسة على التحريم

بيانه: أن الرجل والمرأة يخرج منهما عند الملاعبة والمباشرة وثوران الشهوة الماء المعروف بالمذي، وهو ماء نجس بالنص، وقد نقل الإجماع على ذلك .
أما النص ففي حديث علي رضي الله عنه أنه أرسل المقداد بن الأسود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقال : " يغسل ذكره ويتوضأ " رواه البخاري (رقم132،178) ومسلم(رقم303) وغير ذلك من الأحاديث.

الإجماع على نجاسة المذي

وأما الإجماع فقد نقله غير واحد كما قال النووي في المجموع (2/228 مختصر الرافعي ): أجمعت الأمة على نجاسة المذي والودي اهـ .
وقال الشوكاني في نيل الأوطار (1/52): واتفق العلماء على أن المذي نجس، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الإمامية اهـ .
وذكرها الدكتور وهبة الزحيلي في الفقه الإسلامي وأدلته (1/151-152) مما اتفق الفقهاء على نجاسته، وقال في فقه السنة (1/18): وهو نجس باتفاق العلماء .

ويتضح الاستدلال بهذا الوجه وقوته بأن يقال: قد ثبت بالنص والإجماع نجاسة المذي، وقد ثبت بالإجماع أيضا أن كل نجس حرام أكله ومباشرته، ويلزم من الامتصاص واللحس مباشرة النجاسة بالفم لأن هذا الماء النجس يخرج في هذه الحالة، فدل على تحريم ذلك على الرجل والمرأة معا وهو المطلوب .

الإجماع على تحريم أكل النجاسات و لزومه لها

وهذا كما ترى ينبني على مقدمات كلها صحيحة، ومقتضى النظر الصحيح أن النتيجة إذا كانت مبنية على مقدمات صحيحة كانت النتيجة أيضا صححة، وهذا بيان صحة المقدمات المذكورة:
المقدمة الأولى وصحتها
- أما نجاسة المذي فقد تقدم البيان قريبا .
المقدمة الثانية وصحتها
- وأما تحريم أكل النجاسة ومباشرتها فهو قول العلماء - و نقل الإجماع عليه.
قال ابن حزم في مراتب الإجماع (ص 39 ) واتفقوا على أن أكل النجاسة وشربها حرام حاشا النبيذ المسكر اهـ .
وقال ابن تيمية في المجموع (21/542 ) في كلام: وطرد ذلك أن كل ما حرم مباشرته وملابسته حرم مخالطته وممازجته، ولا ينعكس، فكل نجس محرم الأكل، وليس كل محرم الأكل نجسا، وهذا غاية في التحقيق اهـ. وهذا الكلام في الفتاوى الكبرى أيضا (2/121 ) .
وقال ابن قدامة في عمدة الفقه (ص 241 ) : فأما غير الحيوان فكله مباح إلا ما كان نجسا أو مضرا كالسموم اهـ.
وقال الصنعاني في سبل السلام (1/76) :والحق أن الأصل في الأعيان الطهارة، وأن التحريم لا يلازم النجاسة، فإن الحشيشة محرمة طاهرة، وكل المخدرات والسمومات القاتلة لا دليل على نجاستها، وأما النجاسة فيلازمها التحريم، فكل نجس محرم ولا عكس، وذلك لأن الحكم في النجاسة هو المنع من ملابستها على كل حال، فالحكم بنجاسة العين حكم بتحريمها اهـ المراد منه.
وقال الزحيلي في الفقه الإسلامي (3/506) : أما النبات المأكول فكله حلال إلا النجس والضار والمسكر اهـ.
وأوضح الحافظ في الفتح (1/305): أن الخلاف في مس الذكر باليمين وهل هو محرم أم لا ليس على كل الأحوال فقال: ومحل هذا الاختلاف حيث كانت اليد تباشر ذلك بآلة غيرها كالماء وغيره، أما بغير آلة فحرام غير مجزئ بلا خلاف، واليسرى في ذلك كاليمنى اهـ
ويتضح من كلام الحافظ أن مباشرة النجاسة بالفم - وهو الحاصل في الامتصاص واللحس -بغير آلة محرم من باب أولى وأحرى.
المقدمة الثالثة وصحتها
- وأما أن المذي يخرج عند الملاعبة والمباشرة فلا نعلم في ذلك خلافا، وهو المستفاد من تعريف المذي .
قال في الفتح (1/451) : وهو - أي المذي - ماء أبيض رقيق لزج يخرج عند الملاعبة، أو تذكر الجماع أو إرادته، وقد لا يحس بخروجه اهـ
وقال في نيل الأوطار (1/52 ) : والمذي ماء رقيق أبيض لزج يخرج عند الشهوة بلا شهوة ولا تدفق ولا يعقبه فتور، وربما لا يحس بخروجه، ذكره النووي ومثله في الفتح اهـ .
وقال ابن دقيق العيد في الأحكام (1/115): هو الماء الذي يخرج من الذكر عند الانعاظ اهـ.
وقال في مغني المحتاج (1/179): ماء أبيض رقيق يخرج بلا شهوة قوية عند ثورانها اهـ .
إذا تقرر ذلك وهو: أن المذي نجس أولا، وأنه يخرج عند الملاعبة والمباشرة من الرجل والمرأة ثانيا، وأنه يحرم أكل النجاسة ومباشرته ثالثا، وأنه يلزم من تجويز الامتصاص واللحس مباشرة النجاسة بالفم وهو محرم، تبين تحريم هذه الفعلة وقوة هذا الوجه، وأنه يكفي في القول بالتحريم لو لم يكن في الباب إلا هذا الوجه، فكيف وقد تقدم لنا دلالة الكتاب والسنة الصحيحة وقياس الأولى ؟.

اعتراض مردود
فإن قيل: قد لا يعم ذلك كل الرجال والنساء، فلا يلزم مباشرة النجاسة حينئذ؟
أجيب: بأن العبرة بالغالب الأعم، وقد تقرر أن الغالب على الرجال فضلا عن النساء عند المباشرة خروج المذي، فإن وجد من لا يمذي من الرجال أو النساء، فهو من النادر الذي لا حكم له، وإنما تبنى الأحكام على الغالب كما تقرر في موضعه، ولأن الأحكام تشرع لعامة الناس .
وإن وجد من يمذي في وقت دون وقت: فالحكم القول بالتحريم لعدم القدرة على التمييز وقد يخرج المذي من غير إحساس بخروجها كما تقدم وهو شبيه باختلاط الماء بالبول مع الاستعناء وعدم الضرورة .
قال ابن قدامة في المغني (1/82 ) فيمن اشتبه عليه نجس وطاهر ما نصه:
" إنما خص حالة السفر - أي صاحب المتن – بهذه المسألة لأنها الحالة التي يجوز التيمم فيها ويعدم فيها الماء غالبا، وأراد – يعني صاحب المتن – إذا لم يجد ماء غير الإناءين المشتبهين، فإنه متى وجد ماء طهورا غيرهما توضأ به، ولم يجز التحري بغير خلاف اهـ
فمن أجاز الاجتهاد بين الإناءين – على ضعفه - فقياس قوله جواز ذلك لمن هذه صفته لا لكل الناس، ومن قال بالمنع من ذلك فقياس قوله التحريم.

اعتراض آخر مردود
وإن قيل: غاية ما في هذا الوجه تحريم الامتصاص بناء على التعريفات التي ذكرتموها إذ لم يرد فيها ذكر لمذي المرأة، وليس فيه تحريم اللحس؟
أجيب: بأن المرأة تمذي كذلك، وأن ما ذكر من النجاسة يستوي فيها مذي الرجال والنساء . قال النووي في المجموع (2/161 ) بعد تعريف المذي : ويشترك الرجل والمرأة فيه قال إمام الحرمين: وإذا هاجت المرأة خرج منها المذي، قال: وهو أغلب فيهن منه في الرجال اهـ.
وقال النفراوي المالكي في الفواكه الداني (1/112 ): وأما مذي المرأة فيكفيها غسل محل الأذى فقط اهـ .
وفي حاشية العدوي على كفاية الطالب (1/165 ) (تنبيه ): عرفت حال الرجل، وأما المرأة إذا أمذت فإنها تغسل محل الأذى فقط اهـ.
وجاء في لسان العرب ما يدل على أن للمرأة مذيا حيث قال (15/173 مادة" قذى "): قذت المرأة تقذي إذا أرادت الفحل فألقت من مائها، يقال : كل فحل يمذي، وكل أنثى تقذي اهـ .
وذكر للأخطل في اللسان (15/274 مادة" مذى " ):
تمذي إذا سخنت في قبل أذرعها وتدرئم إذا ما بلها المطر
وعلى ذلك جرى العلماء منهم: محمد كامل عويضة في جامع فقه النساء (ص15) وصاحب الوجيز في فقه السنة والكتاب العزيز (ص 18) والسيد سابق في فقه السنة (1/18) وغيرهم.

الوجه الخامس: ما قيل من نجاسة رطوبة فرج المرأة ودلالته على التحريم

وذلك أن جمعا غفيرا من العلماء المتقدمين منهم والمتأخرين ذهبوا إلى أن إفرازات فرج المرأة ورطوبته نجس، إما كلها أو بعضها، ومفاد ذلك أنهم يقولون بتحريم لحس الرجل فرج المرأة تخريجا على قولهم في تحريم أكل النجاسة ومباشرتها على ما تقدم قريبا .

أقوال العلماء في حكم رطوبة فرج المرأة
قال الشيخ ابن عثيمين في الشرح الممتع (1/390) : واختلف في هذه المسالة، فقال بعض العلماء: إنها نجسة، وتنجس الثياب إذا أصابتها، وعللوا : بأن جميع ما خرج من السبيل فالأصل فيه النجاسة إلا ما قام الدليل على طهارته.
وفي هذا القول من الحرج والمشقة ما لا يعلمه إلا الله تعالى، خصوصا من ابتلي به من النساء، لأن هذه الرطوبة ليست لكل امرأة، فبعض النساء عندها رطوبة بالغة تخرج وتسيل، وبعض النساء تكون عندها في أيام الحمل، ولا سيما الشهور الأخيرة، وبعض النساء لا تكون عندها أبدا.
وقال بعض العلماء: إنها طاهرة وهو المذهب، وعللوا: بأن الرجل يجامع أهله، ولا شك أن هذه الرطوبة سوف تعلق به، ومع ذلك لا يجب عليه أن يغسل ذكره، وهذا كالمجمع عليه من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا عند الناس، ولا يقال: بأنها نجسة ويعفى عنها، لأننا إذا قلنا ذلك احتجنا إلى دليل على ذلك .
فإن قيل: إن الدليل المشقة، وربما يكون ذلك وتكون هي نجسة، ولكن للمشقة من التحرز عنها يعفى عن يسيرها كالدم وشبهه مما يشق التحرز منه.
ونحن نقول: للفرج مجريان :
الأول : مجرى مسلك الذكر، وهذا يتصل بالرحم، ولا علاقة له بمجاري البول، ولا بالمثاني، ويخرج من أسفل مجرى البول.
الثاني: مجرى البول، وهذا يتصل بالمثاني، ويخرج من أعلى الفرج .
فإذا كانت هذه الرطوبة ناتجة عن استرخاء المثاني من مجرى البول فهي نجسة، وحكمها حكم سلس البول، وإذا كانت من مسلك الذكر فهي طاهرة، لأنها ليست من فضلات الطعام والشراب، فليست بولا، والأصل عدم النجاسة حتى يقوم الدليل على ذلك، ولأنه لا يلزم إذا جامع أهله أن يغسل ذكره، ولا ثيابه إذا تلوثت به، ولو كانت نجسة للزم من ذلك أن ينجس المني، لأنه يتلوث بها اهـ المراد منه.
كذا قال الشيخ أنه لا دليل على النجاسة غير التعليلات التي ذكرها عن الفقهاء، لكن قال غيره من العلماء ما يدل على أن للنجاسة دليلا ظاهرا.
قال النووي في المجموع (2/224 مختصر الرافعي ): رطوبة الفرج ماء أبيض متردد بين المذي والعرق، ولهذا اختلف فيها، وللشافعي في هذه المسألة قولان: أحدهما: ذكره المصنف - أي الشيرازي صاحب المتن - وهو نجاسته، والآخر : هو القول بالطهارة، نقله صاحب الحاوي عنه وهو الأصح (1).
قال رحمه الله: ويستدل للنجاسة بحديث زيد بن خالد رضي الله عنه أنه سأل عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: أرأيت إذا جامع الرجل امرأته ولم يمن؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ويغسل ذكره قال عثمان: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه البخاري (رقم 179،292) ومسلم (رقم 347)
وعن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله : إذا جامع الرجل المرأة فلم ينزل ؟ قال: " يغسل ما مس المرأة منه، ثم يتوضأ ويصلي" رواه البخاري (رقم 293 ) ومسلم (رقم 346 ) .
وهذان الحديثان في جواز الصلاة بالوضوء بلا غسل منسوخان، وأما الأمر بغسل الذكر وما أصابه منها فثابت غير منسوخ، وهو ظاهر في الحكم بنجاسة رطوبة الفرج، والقائل الآخر يحمله على الاستحباب، لكن مطلق الأمر للوجوب عند جمهور الفقهاء والله أعلم اهـ
وقد سبقه إلى دلالة حديث أبي بن كعب على وجوب الغسل الحافظ ابن المنذر في الأوسط (2/76 ) فقال " ذكر إسقاط الاعتسال عمن جامع إذا لم ينزل، وإيجاب غسل ما مس المرأة منه اهـ ثم أورد حديث أبي بن كعب
وقد بوب البيهقي في سننه (2/411 ) لرطوبة فرج المرأة في كتاب الصلاة، باب الأنجاس فقال (باب رطوبة فرج المرأة) ثم أسند حديث أبي بن كعب المتقدم ثم قال عقيبه : فإنما نسخ منه ترك الغسل، فأما غسل ما أصابه من المرأة فلا نعلم شيئا نسخه اهـ .
وقال في عون المعبود (2/20) في باب الصلاة بالثوب الذي يصيب أهله فيه، عند ما روى الإمام أبو داود حديث أم حبيبة وكذا النسائي وجاء فيه ( إذا لم ير فيه أذى ) [رواه أبو داود (366 ) النسائي (1/155 ) وهو في صحيح أبي داود (رقم 352 ] قال: أي مستقذرا أو نجاسة، أي إذا لم ير في الثوب أثر المني أو المذي أو رطوبة فرج المرأة، ويستدل بهذا الحديث على نجاسة المني، قال الحافظ تحت حديث ميمونة في غسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة وفيه (وغسل فرجه وما أصابه من أذى) : وقوله- أي الحافظ - (وما أصابه من أذى ) ليس بظاهر في النجاسة، وأبعد من استدل به على نجاسة المني، أو على رطوبة الفرج، لأن الغسل ليس مقصورا على إزالة النجاسة اهـ .
قلت – القائل صاحب العون- : قولها (من أذى ) ظاهر في النجاسة لا غير، وما قال الحافظ ففيه ما لا يخفى اهـ.
قال أبو عبد الباري: ويؤيده أن استعمال لفظة (الأذى ) قد جاء في غير موضع من الكتاب والسنة استعماله للأشياء النجسة، من ذلك :
- قوله تعالى  وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ  فسمى الله تعالى الحيض أذى وهو نجس بالنص والإجماع.
- وما رواه أبو داود في سننه من حديث عائشة وأبي هريرة بلفظ " إذا وطئ الأذى أحدكم بنعله فإن التراب له طهور " (وهو في صحيح أبي داود (رقم 409، 413 ) وصحيح الجامع (رقم 833 ).
وفي لفظ للحاكم وأبي داود " إذا وطئ الأذى بخفيه فطهورهما التراب " (وهو في صحيح الجامع (رقم 834 ) وصحيح أبي داود (410 ).
وهذا الحديث بروايتيه دليل على أن الأذى يستعمل في النجاسة فلا وجه لقول الحافظ أن من استدل بلفظ الأذى على النجاسة أنه قد أبعد .

فتوى اللجنة الدائمة بنجاسة هذه الرطوبة
وقد أفتت اللجنة الدائمة بنجاسة هذه الرطوبة فهاك السؤال والجواب:
السؤال: ما حكم ما يخرج من النساء من إفرازات من الفرج، هل حكمه كحكم البول ؟
الجواب: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ،، وبعد:
حكمه حكم البول، عليها الاستنجاء منه والوضوء الشرعي، وغسل ما أصاب بدنها وملابسها اهـ .
وقَّع على هذه الفتوى كل من الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ عبد الرزاق عفيفي، والشيخ عبد الله بن قعود، وعبد الله بن غديان .
انظر: الفتوى (رقم 5866 ج 5/ص 384 ).
ومما يؤيد القول بالنجاسة أن هذه الرطوبة الفرجية بقسميها الخارجي والداخلي تتحد مع المذي النجس نصا وإجماعا في منشئها حيث هذه الرطوبة تخرج هي والمذي من مكان واحد كما تقرر طبيا وإنما يختلفان في السبب لا كما قال العلامة الشيخ ابن عثيمين احتمالا فيما تقدم عنه.


من أين يخرج المذي؟ تحقيق الطب الحديث
قال الدكتور محمود ناظم في الطب النبوي والعلم الحديث (1/197-198 ) وهو يتحدث عن الرطوبة الداخلية للفرج – أعني فرج المرأة – " تشترك غدد سكن وبارتولان في إفراز مادة شفافة خالصة رقيقة مخاطية لزجة لا تفرزها الغدد بغزارة إلا عند التهييج الجنسي، وفي الغالب يكفي القدر العادي من هذه المادة المخاطية اللزجة لتشحيم ثغر الفرج وتليينه.
وأحب أن أشير هنا إلى أن هذا المفرز المخاطي القليل هو الذي يؤلف رطوبة الفرج الخارجي بالتعبير الفقهي، وأنه عند ما يزداد في التهيج الجنسي يسمى مذيا ما لم يرافقه رعشة جنسية كما سترى " انتهى كلامه بحروفه .
وقال في الكتاب أيضا (1/203 ) في وصف مذي المرأة " أما صفاته فهي صفات رطوبة الفرج الخارجي، لأنه يتألف أيضا من مفرزات غدتي سكن وغدتي بارتولان التي تفرغ مفرزاتها في الطبقة العميقة من الفرج، ثم يخرج من الدهليز إلى ظاهر الفرج قرب العويكشة، فهو كرطوبة الفرج الخارجي مفرز مخاطي رقيق لزج شفاف، وما يميزه عن تلك الرطوبة طبا وشرعا هو أن إفرازه ناتج عن تهيج الشهوة الجنسية، ذلك التهيج الذي يزيد من إفراز تلك الغدد " انتهى كلامه بنصه.

فأنت ترى أن هذا الكلام الطبي يوضح اتحاد مخرج المذي النجس بالنص والإجماع ومخرج الرطوبة المتنازع على نجاستها وطهارتها، فكان مما يقوي القول بالنجاسة والله أعلم.
وعلى كل حال فهذا الوجه يدل على التحريم من باب الإلزام لمن يقول بنجاسة هذه الرطوبة، وقد رأيت قوة دليلها، فيلزم كل من قال بالنجاسة أن يقول بتحريم لحس فرج المرأة من طرف رجل أو امرأة للإجماع على تحريم أكل النجاسة، وهو لازم فتوى اللجنة الدائمة المتقدمة فيكون قولهم تخريجا.
لا يقال: يعفى عنه لمشقة التحرز كما في حالة الجماع، لأننا نقول: إنما قيل بالعفو عن يسير النجاسة مع تعذر التوقي أو مشقته فيما لا بد للناس منه، واللحس ليس من الضرورة في شيء بل من الخبائث التي لا ترتادها إلا النفوس الضعيفة كما سيأتي توضيحه إن شاء الله في الوجه السابع .
ولهذه المسألة نظائر في الفقه مدارها عند من يتردد في نجاستها كما تقدم للشيخ ابن عثيمين على اختلاط النجس بالطاهر مثل اشتباه الماء الطاهر بالنجس، والثوب الطاهر أيضا بالنجس، والحرام بالحلال ونحو لك.
وإنما قال من قال بالتحري مع قيام الضرورة، وأما مع الاستغناء بما يتيقن طهارته وحله عن المشتبه فيه فلا يكون سائغا .
( تنبيه): في الاستدلال بأثر عائشة بين البيهقي والحافظ
قال الحافظ في التلخيص الحبير (1/34 ):
( فائدة ):
لم يذكر الرافعي الدليل على طهارة رطوبة فرج المرأة، وقد روى ابن خزيمة في صحيحه من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة قالت " تتخذ المرأة الخرقة فإذا فرغ زوجها ناولته فمسح عنه الأذى، ومسحت عنها ثم صليا في ثوبيهما " موقوف .
ومن طريق يحيى بن سعيد عن القاسم سئلت عائشة عن الرجل يأتي أهله ثم يلبس الثوب فيعرق فيه ؟ قالت : "كانت المرأة تعد خرقة، فإذا كان مسح بها الرجل الأذى عنه، ولم ير أن ذلك ينجسه " اهـ
قال أبو عبد الباري: هذا الذي قاله الحافظ من الاستدلال بأثر عائشة على الطهارة قال بعكسه البيهقي من قبل في سننه الكبرى (2/411 ) فاستدل بهذا الأثر على نجاسة رطوبة فرج المرأة، حيث أسند الأثر في باب رطوبة فرج المرأة من كتاب الصلاة، باب الأنجاس، أسنده من طريق الأوزاعي عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة بلفظ " ينبغي للمرأة إذا كانت عاقلة أن تتخذ خرقة، فإذا جامعها زوجها ناولته، فيمسح بها عنه ثم تمسح عنها فيصليان في ثوبهما ذلك ما لم تصبه جنابة " .
وأسنده من طريق يحيى بن سعيد عن القاسم عن عائشة بلفظ " إن المرأة تعد لزوجها خرقة فامتسح بها الأذى حتى لا يصيب الثوب فإذا فعل ذلك فليصل فيه اهـ .
قال أبو عبد الباري: محل النزاع بين الحافظ رحمه الله وغيره هنا هو: أن لفظ (الأذى ) لا يدل على النجاسة عند الحافظ، وفي رواية ابن خزيمة التي أوردها الحافظ ما يدل على رفع الخبر وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير أن ذلك ينجسه، فهو صريح في عدم النجاسة .
أما الأول : وهو أن لفظ الأذى لا يدل على النجاسة فقد قدمنا قوله في حديث أم حبيبة قريبا مع رد العلامة شمس الحق الآبادي عليه في عون المعبود، وقدمنا هناك أن الصواب مع صاحب العون والله أعلم.
وأما الثاني: وهو ما رواه ابن خزيمة في صحيحه (رقم 279 ) عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عن سقيان عن يحيى بن سعيد به .
فالجواب عنه من وجهين :
الوجه الأول : أنه لا يصح أن يكون مرجع الضمير في لفظة " ولم ير " إلى النبي صلى الله عليه وسلم بدلالة الروايات الأخرى للأثر، وبيان ذلك كما يلي :
فقد روي الأثر عن القاسم بن عبد الرحمن عن عائشة من طريقين :
أولهما: عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه به باللفظ المتقدم .
رواه ابن خزيمة والبيهقي من طريق الأوزاعي عن عبد الرحمن بن القاسم به . وسنده صحيح وليس فيه ذكر النجاسة .
ورواه الطحاوي في المعاني من طرق عن شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة أنها قالت في المني يصيب إذا أصاب الثوب: إذا رأيته فاغسله وإن لم تره فانضحه " اهـ (2).
ثانيهما : يحيى بن سعيد عن القاسم به .
وله عنه طريقان :
الأول : الليث بن سعد.
رواه البيهقي أن عائشة سئلت عن الثوب يجامع الرجل أهله هل يصلي فيه ؟ قالت :" إن المرأة تعد لزوجها خرقة فامتسح بها الأذى حتى لا يصيب الثوب، فإذا فعل ذلك فليصل فيه " اهـ (رواه البيهقي (2/411 ).
الثاني : ابن عيينة .
واختلف عليه رحمه الله تعالى في لفظ الأثر فرواه عنه ابن أبي شيبة في مصنفه(1/191) بلفظ" أنها كانت لا ترى بعرق الجنب والحائض بأسا".
ورواه عمرو بن عون عند الدارمي(5/242رقم1119 مع فتح المنان ) بلفظ " سئلت عن الرجل يصيب المرأة ثم يلبس الثوب فيعرق فيه فلم تر به بأسا ".
ورواه ابن المنذر في الأوسط (2/178 رقم 750 ) من طريق الحجاج بن المنهال عنه به بلفظ " سئلت عن الجنب يعرق في الثوب أينجسه ذلك ؟ قالت : لا ".
ورواه عنه عبد الرزاق في المصنف (1/366رقم1431) بلفظ "قد كانت المرأة إذا كان ذلك تعد خرقة أو الخرق فتمسح به ويمسح به يعني تصلي فيه".
ورواه عنه سعيد بن عبد الرحمن المخزومي عند ابن خزيمة (رقم279 ) باللفظ المتقدم.

تحقيق القول في أثر عائشة : رواية ودراية
هذه هي الروايات التي وقفت عليها وطرقها، وعند المقارنة فيما بينها يتضح أن الرفع غير صحيح وإنما هو موقوف، وهي رواية عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه وهي أيضا رواية الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد، وإنما الاختلاف في رواية ابن عيينة عن يحيى بن سعيد، وأكثر الرواة عنه وهم ابن أبي شيبة في مصنفه والحجاج بن المنهال عند ابن المنذر وعمرو بن عون عند الدارمي.
وخالفهم سعيد بن عبد الرحمن المخزومي وعبد الرزاق فقالا عن ابن عيينة بما يوهم الرفع، ولا شك أن رواية الثلاثة الموافقة لرواية الليث بن سعد المتابع لابن عيينة، ورواية ابن القاسم المتابع ليحيى بن سعيد أولى من رواية عبد الرزاق والمخزومي عن ابن عيينة، فالصواب في هذا الأثر الوقف والله أعلم .
الوجه الثاني : أن كلام عائشة ينصب في غالب الروايات على عرق الجنب، وأنه لا ينجس بسبب اختلاطه بما قد يكون تبقى في المحل الممسوح منه أثر ما فاض بين الزوجين من المني وغيره، وهذا هو الذي فهم منه معظم من رواه من الأئمة، وعليها تبويباتهم :
فقال ابن أبي شيبة في مصنفه (في الجنب يعرق في الثوب).
وقال عبد الرزاق في مصنفه (باب الصلاة في الثوب الذي يجامع فيه ويعرق فيه الجنب ).
وقال ابن المنذر في الأوسط (2/177) " ذكر عرق الجنب والحائض "
وقال الدارمي (باب في عرق الجنب والحائض )
وقال ابن خزيمة (باب الرخصة في غسل الثوب من عرق الجنب والدليل على أن عرق الجنب طاهر غير نجس ).
وخلاصة القول: أن هذا الأثر من كلام عائشة وفتواها رضي الله عنها لا من الحديث المرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم الأثر أقرب إلى دلالته على النجاسة منه إلى الطهارة لما هو واضح في أكثر ألفاظ الأثر من اشتراط المسح والتنظيف .

أثر جابر بن سمرة في نجاسة هذه الرطوبة
وعلى كل حال فليس أثر عائشة هو الوحيد في الباب بل روى الطحاوي في المعاني (1/51 ) من طريق أبي عوانة عن عبد الملك بن عمير قال: سئل جابر بن سمرة وأنا عنده عن الرجل يصلي في الثوب الذي يجامع فيه أهله؟ قال : صل فيه إلا أن ترى فيه شيئا فتغسله ولا تنضحه، فإن النضح لا يزيده إلا شرا ".

الوجه السادس: القول بنجاسة المني يدل على التحريم
وهذا الوجه السادس كالذي قبله من باب الإلزام لمن يقول بنجاسة المني من الأحناف وغيرهم .
بيانه : أن بعض العلماء من الأحناف وغيرهم ذهبوا إلى نجاسة مني الرجل والمرأة، محتجين بحديث غسل عائشة رضي الله عنها المني من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان رطبا، وفركه منه إذا كان يابسا، وأن كلا منهما يصح به تطهير نجاستها بدلالة السنة.
والكلام على ذلك معروف في موضعه من كتاب الطهارة ليس هنا موضع تفصيله، وهي رواية عن أحمد واختيار غير واحد من المحققين كالشوكاني رحمه الله تعالى في نيل الأوطار والسيل الجرار وغيرهما من كتبه.
ومعلوم أن المباشرة بين الزوجين تسبب خروج المني منهما أو من أحدهما، فإذا قيل بنجاسة المني، وقد علم تحريم مباشرة النجاسة بالفم وأكلها كما سبق، لزم من ذلك تحريم اللحس والمص خشية مباشرة الفم بالنجاسة وهو واضح .

وهذا الوجه هو مرة إلزام لمن يتمذهب هذا المذهب ويتدين به أن يقول بالتحريم وتخريج لقول أصحاب أبي حنيفة ومن على مذهبهم في نجاسة مني الرجل والمرأة، وأنه يقتضي تحريم هذه الفعلة .
لا يقال: يعفى عن ذلك كما يعفى عن مباشرتها عند الجماع، لأن ذلك قياس مع الفارق من وجهين:
أولهما: أن قياس مباشرة الفم للفرج على مباشرة الفرج للفرج قياس مع الفارق، فلا يصح أبدا قياس الفم على الفرج في الشريعة بحال من الأحوال، ولا يصان الفرج من مباشرة الأقذار مثل ما يصان الفم.
أليس الفرج مخرج النجاسات التي يحؤم مسهاباليد بدون آلة كما تقدم ؟ أليس الفرج مخرج البول والغائط، أترىه كالفم في الصيانة والذكر والطاعة، فما أفسد القياس بينهما.
ثانيهما: أن العفو عن ذلك إنما هو في محل الضرورة وهي قائمة في مباشرة الفرجين للتناسل وقضاء الشهوة، ولا ضرورة في الفم مطلقا، لأنه لا يتصف بشيء مما ذكر فافترقا.

إذا اشتبه الحلال بالحرام
قال ابن قدامة (1/82 ) فيمن اشتبه عليه نجس وطاهر ما نصه:
" إنما خص حالة السفر - أي صاحب المتن – بهذه المسألة لأنها الحالة التي يجوز التيمم فيها ويعدم فيها الماء غالبا، وأراد – يعني صاحب المتن – إذا لم يجد ماء غير الإناءين المشتبهين، فإنه متى وجد ماء طهورا غيرهما توضأ به، ولم يجز التحري بغير خلاف اهـ
وقال (1/83) في معرض الرد على من قال بالتحري عند عدم ماء آخر " ولنا أنه اشتبه المباح بالمحظور فيما لا تبيحه الضرورة فلم يجز التحري ".
والمقصود من هذا النقل التدليل على أن التحري والعفو إنما محله فيما لا بد للناس منه، ولم يمكنهم فعله إلا بارتكاب محرم، أما والحال غير ذلك فلا يجوز ذلك.

إذا تبين لك هذا علمت أن من ينتمي لمذهب أبي حنيفة يلزمه القول بالتحريم لما يترتب على ذلك من مباشرة النجاسة كما تقدم، فإن أفتى بالجواز فقد خالف مذهبه ومذهب إمامه الذي ينتمي إليه، فعليه بالدليل الناقل له عن ذلك، وقد علم أن من كان على مذهب إمام ويرى أنه حق وصواب لا يجوز له ترك ذلك المذهب إلا لدليل راجح وإلا كان متبعا للهوى، تاركا لما يراه حقا بدون دليل يقتضي تركه وهو على هذا الفعل مذموم .

و فصله شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (20/220) فكان مما جاء فيه: وسئل شيخ الإسلام أن يشرح ما ذكره نجم الدين ابن حمدان: من التزم مذهبا أنكر عليه مخالفته بغير دليل ولا تقليد أو عذر شرعي.

فأجاب: هذا يراد شيئان:

أحدهما: أن من التزم مذهبا معينا ثم فعل خلافه من غير تقليد لعالم آخر أفتاه، ولا استدلال بدليل يقضي خلاف ذلك، ومن غير عذر شرعي يبيح له ما فعله فإنه يكون متبعا لهواه وعاملا بغير اجتهاد ولا تقليد فاعلا للمحرم بغير عذر شرعي، فهذا منكر، وهذا المعنى هو الذي أورده الشيخ ابن حمدان اهـ


الوجه السابع: قذارة إفرازات الفرجين ودلالته على التحريم

التلازم بين الخبث والتحريم
قد جاء فيما سبق من حديث أم حبيبة رضي الله عنها تسمية ما يفيض بين الزوجين بالأذى وأنه يدخل فيه المني والمذي ورطوبة فرج المرأة سواء قلنا بدلالته على النجاسة كما هو قول بعض العلماء، أو قلنا بعدم دلالته على النجاسة كما هو قول الحافظ رحمه الله تعالى، ومعنى الأذى هو الشيء المستقذر من نجاسة أو غيرها، ولا شك أن المستقذر معدود من الخبائث التي جاءت الشريعة بتحريمها كما قال تعالى في كتابه في وصف نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم  وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ 

قال ابن كثير في تفسيره (2/338): احتج بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن المرجع في حل المآكل التي لم ينص على تحليلها أو تحريمها إلى ما استطابته العرب في حال رفاهيتها، وكذا في جانب التحريم إلى ما استخبثته العرب وفيه كلام طويل اهـ.

وقال العلامة صديق خان في فتح البيان (5/35 ) في هذه الآية: أي المستخبثات كالحشرات والخنازير والربا والرشوة، وقال ابن عباس: يريد الميتة والدم ولحم الخنزير، وقيل: هو كل ما يستخبثه الطبع أو تستقذره النفس، فإن الأصل في المضار الحرمة إلا ما له دليل متصل بالحل اهـ
وحكى القرطبي في تفسيره (7/300 ) عن الشافعي أنه يرى أن لفظ الخبائث في الآية عام في المحرمات بالشرع وفي المتقذرات فيحرم العقارب والخنافس والوزغ وما جرى هذا المجرى اهـ.

وهذا الذي حكاه القرطبي عن الشافعي حكاه أيضا النووي في روضة الطالبين فقال (3/275): الأصل الرابع : المستخبثات من الأصول المعتبرة في الباب في التحليل والتحريم للاستطابة والاستخباث ورآه الشافعي رحمه الله تعالى الأصل الأعظم والأعم، ولذلك افتتح به الباب ... اهـ .

وقال الشوكاني في السيل الجرار (4/99 ): الاستدلال على تحريم ما تستخبثه النفس بقوله تعالى  كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ  وبقوله تعالى  كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ  غاية ذلك الأمر بأكل ما طاب من دون تعرض للمنع من أكل ما لم يطب وهو المستخبث إلا على القول بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده وهو هنا بعيد، ولكن إذا ضم إلى ذلك قوله تعالى  وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ  أفاد المطلوب من تحريم الخبائث اهـٍ.

ضابط الاستخباث والاستطياب
قال النووي في المجموع (9/25) في ضابط ذلك: المراد بالطيبات ما يستطيبه العرب، وبالخبائث ما تستخبثه، قال أصحابنا: ولا يرجع في ذلك إلى طبقات الناس، وينزل كل قوم على ما يستطيبونه أو يستخبثونه لأنه يؤدي إلى اختلاف الأحكام في الحلال والحرام واضطرابها، وذلك يخالف قواعد الشرع، قالوا: فيجب اعتبار العرب فهو أولى الأمم بأن يؤخذ باستطيابهم واستخباثهم، لأنهم المخاطبون أولا، وهو جيل معتدل لا يغلب فيهم الانهماك على المستقذرات، ولا العفافة المتولدة من التنعم فيضيقوا المطاعم على الناس، قالوا: وإنما يرجع إلى العرب الذين هم سكان القرى والريف دون أجلاف البوادي الذين يأكلون مادب ودرج ... إلى أخر كلامه رحمه الله تعالى .

وقال ابن قدامة في المغني (13/316 ): وما استخبثته العرب فهو محرم لقوله تعالى  وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ ، والذين يعتبر استطابتهم واستخباثهم هم أهل الحجاز من أهل الأمصار، لأنهم الذين نزل عليهم الكتاب وخوطبوا به وبالسنة، فرجع في مطلق ألفاظهما إلى عرفهم دون غيرهم، ولم يعتبر أهل البوادي لأنهم للضرورة والمجاعة يأكلون ما وجدوا ولهذا سئل بعضهم عما يأكلون: فقال: ما دب ودرج إلا أم حبين، فقال: ليهن أم حبين العافية (3) .
وما وجد في أمصار المسلمين مما لا يعرفه أهل الحجاز رد إلى أقرب ما يشبهه في الحجاز، فإن لم يشبهه شيء منها فهو مباح لدخوله في عموم قوله تعالى  قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً ، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " وما سكت عنه فهو مما عفا عنه "اهـ المراد منه حديث حسن من حديث أبي الدرداء (غاية المرام رقم 2 ).
وبهذه الآية استدل ابن حزم رحمه الله على تحريم أكل العذرة وشرب البول ونحوها فقال في المحلى (7/398 ): أما العذرة والبول فلما ذكرنا في كتاب الصلاة من قول النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن الصلاة وهو يدافع الأخبثين البول والغائط، ولقوله تعالى  وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ  فكل خبيث فهو محرم بالنص، ولا خبث إلا ما سماه الله تعالى ورسوله خبيثا اهـ.
ونقل ابن عابدين رحمه الله في حاشيته الإجماع فقال (6/305 ): قال في معراج الدراية: أجمع العلماء على أن المستخبثات حرام بالنص وهو قوله تعالى  وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ أهـ المراد منه.
وقال ابن تيمية (مجموع الفتاوى 11/609 ) :أكل الخبائث وأكل الحيات والعقارب حرام بإجماع المسلمين اهـ.
وقال أيضا فيه (20/10 ): ولما كان الله سبحانه وتعالى إنما حرم الخبائث لما فيها من الفساد، إما في العقول أو الأخلاق أو غيرها: ظهر على الذين استحلوا بعض المحرمات من الأطعمة أو الأشربة من النقص بقدر ما فيها من المفسدة، ولولا التأويل لاستحقوا العقوبة اهـ.
وقال فيه أيضا (27/499): فمن أكل الخبائث كانت أحواله شيطانية، فإن الأحوال نتائج الأعمال، فالأكل من الطيبات والعمل الصالح يورث الأحوال الرحمانية من المكاشفات والتأثيرات التي يحبها الله ورسوله، وأكل الخبائث وعمل المنكرات يورث الأحوال الشيطانية التي يبغضها الله ورسوله اهـ.
وقال فيه أيضا (21/83 ): وباب الخبائث بالعكس، فإنه يرخص في استعمال ذلك فيما ينفصل عن بدن الإنسان ما لا يباح إذا كان متصلا به اهـ.
وقال النووي في المجموع (2/513 فرع) : هل يجوز أكل المني الطاهر ؟ فيه وجهان، الصحيح المشهور أنه لا يحل، لأنه مستخبث، قال تعالى
 وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ ، والثاني: يجوز، وهو قول الشيخ أبي زيد المروزي لأنه طاهر لا ضرر فيه اهـ.
فانظر كيف احتج النووي بهذه الآية وصار هو المشهور عند السادة الشافعية، والشيخ المروزي لم ينكر أنه مستخبث، وإنما ادعى أنه طاهر لا ضرر فيه، وليس في الآية اشتراط الضرر في تحريم الخبائث ولا نجاستها، فهما وصفان لا يستلزمان الحل كما تقدم عن ابن تيمية والصنعاني، فدل ذلك على ضعف قول المروزي وقد ضعفه النووي.
قال في المجموع أيضا (9/34 ): الثانية : كل طاهر لا ضرر فيه فهو حلال إلا ثلاثة أنواع ... وأما الأنواع الثلاثة المستثناة فأحدها: المستقذرات كالمخاط والمني ونحوهما على الصحيح المشهور وفيه وجه ضعيف حكاه إمام الحرمين وغيره أنها حلال، وممن قال به في المني أبو زيد المروزي، وحكم العرق حكم المني والمخاط، وقد جزم الشيخ أبو حامد في تعليقه عقب كتاب السلم في مسألة بيع لبن الآدميات بأنه يحرم شرب العرق اهـ.
وقال النووي أيضا في روضة الطالبين (3/91 ): وكل طاهر لا ضرر فيه يحل أكله إلا المني والمخاط ونحوهما على الصحيح اهـ.
وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (21/83) وهو يتكلم على النزاع في طهارة بول ما يؤكل لحمه: وفيه عن أحمد روايتان منصوصتان فذاك لما فيها من القذارة الملحق لها بالمخاط والبصاق والمني ونحو ذلك من المستقذرات التي ليست بنجسة التي يشرع النظافة منها كما يشرع نتف الإبط وحلق العانة وتقليم الأظافر وإحفاء الشارب، ولهذا أيضا كان هذا الضرب محرما اهـ.
وقال الشاطبي في الموافقات (2/11 ) وأما التحسينيات فمعناها الأخذ بما يليق من محاسن العادات، وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات، ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق، وهي جارية فيما جرت فيه الأوليان (يعني الضروريات والحاجيات ) ... وفي العادات: كآداب الأكل والشرب، ومجانبة المآكل النجاسات والمشارب المستخبثات ... إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى .

قال أبو عبد الباري: لا شك أن الخبث دليل على التحريم لهذه الآية لكن بضوابطه، وللفقهاء تفصيلات فيها من الغلو ما لا يخفى، لكن الشيء الخبيث والمستقذر بالاتفاق ينبغي أن يكون محرما بالاتفاق، وما جرى اختلاف في خبثه عدا ذلك إلى الاختلاف في حله وحرمته ما لم يرد في الباب ما يرجح أحد الطرفين.
وقد تقدم ما يدل على أن الفضلات الخارجة من السبيلين لشهوة وغيرها من الخبائث ألا وهو تسميتها بلفظ النبي صلى الله عليه وسلم " أذى " أي قذرا وأوساخا أو نجاسة، ومفاد ذلك القول بتحريم مباشرتها لا سيما بالفم الذي هو أفضل الأعضاء الظاهرة، وأعظمها شرفا، وأولاها بالصيانة من الخبث والأذى، والذي هو محل الذكر والنطق بالشهادة.

قال أبو عبد الباري: أضف إلى ذلك أن هذه الفعلة كانت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مسبة قبيحة وعيبا شنيعا كما يدل عليه قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه لعروة بن مسعود بحضرة النبي  يوم الحديبية عند ما وصف عروة المسلمين أوباشا لا يثبتون بل سرعان ما يتفرقون عن النبي  قال أبو بكر والنبي  يسمع" أمصص بظر اللات أنحن نفر من رسول الله  وندعه " (رواه البخاري رقم2731 ) ولم يكن النبي  يسكت على أبي بكر وهو يعيب رجلا بما يحل ويجوز فعله، هذا أمر لا يجوز اعتقاده، كما يدل صنيع أبي بكر وغضب عروة بن مسعود أن هذه الفعلة كانت من الرذائل التي تأنف منها الفطر السليمة ولا تبيحها القيم المستقيمة، فتأمل هذا فإنه مفيد لتحريم هذه الفعلة الشنيعة.
قال الحافظ في الفتح (5/401 ): كانت عادة العرب الشتم بذلك لكن بلفظ الأم فأراد أبو بكر المبالغة في سب عروة بإقامة ما كان يعبد مقام أمه وحمله على ذلك ما أغضبه به من نسبة المسلمين إلى الفرار، وفيه جواز النطق بما يستبشع من الألفاظ لإرادة زجر من بدا منه ما يستحق به ذلك.

قال أبو عبد الباري: وليعلم أن مثل هذه الفعلة القبيحة لم تكن من فعل أهل المروءة، ولا مما ينقله ويحكيه أهل الديانة، وإنما كان من فعل المجانين، ومن صنيع المغفلين المخذولين، وكان يحكيها ويتفكه بها من هو رقيق الديانة، قليل الحياء، حتى صارت عليهم عارا، وعيب عليهم التهاون بحكاية مثل هذه.

ما حكاه الراغب الأصبهاني في الأغاني والرد عليه
ذكر الرافضي أبو الفرج الأصبهاني في كتابه الغث الرديء (الأغاني 13/326) حكاية سخيفة في ذلك فقال:" اجتمع يحيى بن زياد ومطيع بن إياس وجميع أصحابهم فشربوا أياما تباعا، فقال لهم يحيى ليلة من الليالي: ويحكم ما صلينا منذ ثلاثة أيام، فقوموا نصل، فقالوا: نعم، فقام مطيع فأذن وأقام، ثم قالوا: من يتقدم ؟ فتدافعوا ذلك، فقال مطيع للمغنية: تقدمي فصلي بنا، فتقدمت تصلي بهم عليها غلالة رقيقة مطيبة بلا سراويل، فلما سجدت بان فرجها، فوثب مطيع وهي ساجدة، فكشف عنه وقبله، وقطع صلاته ثم قال:
ولما بدا فرجها جاثما كرأس حليق ولم يعتمد
سجدت إليه وقبلته كما يفعل الساجد المجتهد
فقطعوا صلاتهم وضحكوا ثم عادوا إلى شربهم " والله أعلم.

هذا نص كلامه في الأغاني وهو يدل على أن هذا فعل المجانين والسكارى المخذولين، فهم الذين تركوا الصلاة أياما تباعا، واجتمعوا لشرب الخمر والسكر، ومع امرأة عارية خليعة، تغني لهم ويفعلون بها ما لا يسمح به الشرع الحنيف، ولا الخلق الرصين، ثم تتقدمهم في الصلاة تصلي بهم، ثم يقطعون صلاتهم يضحكون، وهم مع ذلك يستحسنون قبلة الفروج، وقطع الصلاة، فهذه مصائب متراكمة، وقبائح متعددة، ومنكرات وكبائر متنوعة اجتمعت في هؤلاء، فحري بمثلهم ألا يستحوا من هذه الفاحشة الرذيلة.
ثم إن حكايتها على سبيل الفكاهة والطرفة فعل من ضعف عنده وازع الديانة، وقل في قلبه الحياء والخشية، لا سيما وهو يقتضي الاستهزاء بأعظم الشعائر الإسلامية بعد النطق بالشهادة، فهل يفعل مثل ذلك إلا من لا يتقي الله جل وعلا.

نقد الدكتور حسين آيت سعيد للراغب
قال الدكتور حسين آيت سعيد في رسالته في الغناء بالمعازف (ص 28) بعد نقله لهذه الحكاية: فهل سمعت أخي القارئ استهزاء أقبح من هذا بشعيرة من شعائر الدين، وهي الصلاة، وهل يوجد عباد الفروج إلا في المجوس الذين ينحدر منهم أبو الفرج، وهل من يحترم عقله وعلمه يكتب مثل هذا الهراء وينقله باسم الطرفة والفكاهة ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم اهـ .

كلام ابن الجوزي في الراغب لهذه الحكاية ونحوها
قال أبو عبد الباري: ومن هنا كانت كلمة ابن الجوزي في أبي الفرج الأصبهاني دقيقة ألا وهو قوله في المنتظم (7/40-41 ): " ومثله لا يوثق بروايته، يصرح في كتبه بما يوجب عليه الفسق، ويهون من شرب الخمر، وربما حكى ذلك عن نفسه، ومن تأمل كتاب الأغاني رأى كل قبيح ومنكر" اهـ.

حكايات سخيفة من بعض المفتونين تشبه ما حكاه في الأغاني
ويشبه ما حكاه الرافضي في الأغاني ما قاله أحد المفتونين بمتابعة الغربيين تحت عنوان (فن القبلة .. طريق للانسجام الجنسي ) فجاء في كلامه " وكثير من الأزواج يفشلون في توصيل زوجاتهم للنشوة القصوى بالاقتصار على الجماع والإيلاج فقط دون الاهتمام بالمداعبة والملاطفة والقبلات السطحية العميقة، سواء قبلات الشفاه للشفاه ومص اللسان وقبلات النهود والبظر والشفران، ويؤكد خبراء السعادة الزوجية في الغرب على أهمية القبلات في الحياة الزوجية فهي ضرورية في بداية الجماع، ولقد جاء في كناب الزواج المثالي لفان دان فيلد أن الرجل الذي يهمل الملاعبة والقبلات الزوجية مجرم أثيم يتصرف بالخشونة والأنانية والوقاحة الحيوانية، لأن إهمال الملاعبة والمداعبة والتقبيل يضايق المرأة ويثير اشمئزازها ويؤذي مشاعرها، وهو دليل الغباء والحماقة في الرجل بنظرها.. وبعض النساء قد يصلن للهزة بالقبلة وحدها، والبعض الآخر يحلم بها ويحن إليها كدليل صادق على الحب والرغبة للوصال والملاعبة والقبلات فن غزير اللذات ولا تقل عن لذة الملامسة، وتشمل القبلات التقبيل السطحي والتقبيل العميق وتقبيل الصدر والعنق وتقبيل النهدين ومداعبة البظر بفم الرجل ومداعبة المرأة للرجل بفمها اهـ .
فانظر رحمك الله تعالى ما يقوله هؤلاء المفتونون الجاهلون بدينهم، وكيف صار مرجعهم في ذلك (خبراء السعادة الزوجية في الغرب) ومتى عرف الغرب السعادة الزوجية ؟ أليست هذه أسرهم قد تفككت إلى ما لا نهاية؟ وهل في العالم زواج أكثر تعاسة وانحلالا من الزواج الغربي؟ ليت كاتب هذا المقال عرف حقيقة حياة الزواج الغربي وحياة أسره؟ إنهم يعيشون في حالة من الاضطراب والتفكك الأسري لا يعرف له مثيل في تاريخ البشرية؟ أيكون مثل هؤلاء قدوة في السعادة الزوجية؟ إن فاقد الشيء لا يعطيه.
إننا نقول: ينبغي لكل كاتب أن يعي ما يقول، وأن يتأنى فيما يكتب، ومن أعياه نيل السعادة الزوجية عن طريق ما أبيح أو حرم في الشرع الحنيف فلا أسعد الله زواجه، وقد علم القاصي والداني، واعترف به الغرب بلا استثناء أنهم فاشلون حتى في إشباع الرغبات الجنسية لزوجاتهم، ولهذا انتشر الزنا واتخاذ الأصدقاء والأخدان لكلا الجنسين في المجتمع، حتى أصبح مما لا يعاب عليه، واضطرت القوانين بسماحها والاعتراف بها.
أما ما حكاه هذا المفتون ويحيكه أمثالهم عنهم فهو من الكلام الذي لا حقيقة له، فلا لديهم خبرة ولاهم بالخبراء، وإنما الخبراء في ذلك علماء الإسلام وحملة شريعة الرحمن، فهم المرجع فيما يصلح الأسرة، ويشفي غليل الزوجين في العلاقات الجنسية، وعمدتهم في ذلك هدي الله تعالى وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم ولا سعادة أبدا إلا في ذلك، فمن شرق عنها أو غرب فلن يأتي بسعادة، ولن يعود بدينه سالما، والتوبة معروضة لكل أحد(4).
ويشبه هذا الذي حكينا كلامه الغث الرديء ما كتبه آخر من أضرابه والطير على أشكالها تقع مع ما في كلامه من الاعتراف ضمنا بخبث هذه الفعلة التي ينصح بها، قال هذا الكاتب حكاية عن طبيب أمريكي عمل إحصائيات عن بلده فقال: "إن 87% من النساء تهوي التقبيل بعد الجماع مباشرة، ولأن الانعاظ في النساء بظري وليس مهبليا في غالبية الأحوال، لهذا ننصح بتقيبل ومداعبة البظر " ومع ذلك يقول " وتقول الموسوعة الجنسية: أن تكرار لحس الفرج أو مص القضيب دليل لواطة كامنة بالزوجين معا، والمرأة التي تطلب لعق فرجها على الدوام بها ميول ذكرية، وقد تطلب بعض الزوجات الطلاق بسبب استحيائها من طلب زوجها أن تمص قضيبه وقد تضطرب إذا لعق فرجها بسبب الهياج الجنسي الذي يصيبها من الملامسة باللسان والفم".

فانظر رحمك الله تعالى كيف يعترفون بما فيه من لواطة كامنة بالزوجين معا؟ وذلك يعني أن هذا ليس هو الطريق الفطري العادي في البشر، بل هو نوع انحراف لكنه لا يهمهم لأنهم لا يقفون عند مقتضيات الفطرة، ولا تمنعهم شريعة ربانية فكان حريا بهم أن يتمادوا فيما عرفوا أنه انحراف عن الفطرة، فهل يجوز لمسلم على دين الفطرة أن يتابعهم على هذا الانحراف؟ هذا أمر ينبغي التفطن له. وما حكته هذه الموسوعة عن بعض النساء من طلب الطلاق استحياء من هذه الفعلة قد يكون بسبب احتقارها لذلك الرجل الذي أنزل نفسه لهذا الحضيض ورضي لها بهذه المنزلة كما قال أحد الكتاب الفضلاء " إنه من خلال دراستي تبين لي أن هناك علاقة بين هذه العادة السيئة والطلاق، لأنه باختصار الأزواج بعد فترة الزواج يفقدون المتعة الحقيقية من هذه العملية بسبب الاعتياد ومع الوقت يستحقر كل منهم الآخر كيف أنزل نفسه لهذا العضو النجس على الرغم مما يمر من خلاله من قذرات، لذا بعد فترة ما يلبثوا إلا وتتغير الأنفس وتصبح العملية الجنسية أكثر حساسية من غيرها "والله أعلم .

الوجه الثامن: الضرر الصحي لهذه الفعلة ودلالته على التحريم
ومما يدل على حرمة هذه الفعلة الشنيعة ما لها من الأضرار الصحية على مرتكبيها ومن يمارسها من الرجال والنساء، فقد أثبتت آخر الدراسات التي أجراها متخصصون في أمراض سرطان الفم أن هذه الفعلة قد تكون سببا فيه أو في زيادته كما نشرته شبكة " إسلام أون لاين "، وهذا نص الخبر:
" وحدة الاستماع والمتابعة - إسلام أون لاين.نت/ 26-2-2004
أثبتت نتائج دراسة فرنسية حديثة وجود صلة بين ممارسة الجنس بالفم وإصابته بأورام سرطانية، وكشفت الدراسة عن دليل دامغ يثبت الصلة التي طالما راودت العلماء شكوك حول وجودها بين نمو خلايا سرطانية بالفم والممارسة التي يراها البعض انتكاسة في الفطرة الإنسانية.
وراود العلماء شكوك منذ زمن طويل حول وجود علاقة تربط انتقال الفيروس المسبب لسرطان عنق الرحم والمعروف باسم "إتش بي في"، وسرطانات أخرى مرتبطة بممارسات جنسية مستهجنة بالفطرة مثل الجنس الفموي أو محرمة بالدين كالجنس الشرجي.
ونقلت مجلة "نيوسينتيست" العلمية المتخصصة عن الدراسة إحدى أبرز نتائجها التي كان مفادها "أن الجنس الفموي يمكن أن يؤدي إلى سرطان الفم"، مشيرة إلى أن الدراسة أجريت على حوالي 1600 مريض مصابين بسرطان الفم في أوربا وكندا وأستراليا وكوبا والسودان، كما عقدت مقارنة بينهم وبين 1700 شخصًا من الأصحاء، حسب ما نشرت المجلة الأربعاء 25-2-2003.
واكتشف الباحثون في الوكالة الدولية لبحوث السرطان بمدينة ليون الفرنسية أن نسبة وجود أحد فصائل الفيروس الحليمي البشري والمعروف اختصار بـ"HPV" لدى المرضى الذين يعانون من سرطان الفم الذين يمارسون الجنس الفموي، تفوق بثلاثة أضعاف نسبة وجودها لدى غيرهم من الذين لا يمارسون نفس الممارسة أثناء الجنس.
ونقلت المجلة العلمية المرموقة عن الدراسة أن هذا الفصيل ويدعى "HPV16" غير موجود عند الأصحاء.
وبحسب المجلة البريطانية فإن الباحثين "يعتقدون أن مص القضيب ولحس الفرج يمكن أن يصيب الممارسين بأورام في الفم".
ويقول رافييل فيسيدي المتخصص في الفيروسات وأحد الباحثين المشاركين في الدراسة: إن زملاءه أصبحوا على قناعة أن الدراسة التي وصفها بـ"كبيرة الحجم" سوف تقنع الناس بنتائجها لأهميتها .
قال أبو عبد الباري: هذا التقرير والبحث صادر من الوكالة الولية لبحوث السرطان، وهو متوفر باللغتين " الإنجليزية والفرنسية " وتجده على الرابط التالي: http://www.iarc.fr
وقال الأستاذ مسعود صبري حسب ما نشرته شبكة " مجانين " تعليقا على هذه الدراسة ودلالاتها:
" وفي هذا التقرير المشار إليه أن سرطان الفم إما أن يكون ناجما عن الجنس الفموي، أو الجنس الشرجي ، وهو جماع الرجل زوجته في دبرها، وهذا يؤكد القول بالتحريم لثبوت الضرر بل تشير بعض الدراسات أن من أهم الأسباب التي تساعد على انتشار فيروس الإيدز الجنس الشرجي، وإن لم يكن هناك مانع من أن يستمتع الزوج مع زوجته خلال عملية الجماع، فهناك كما يشير خبراء العلاقة الزوجية ما يقرب من (150) مائة وخمسون وضعا، يمكن للزوجين أن يستمتعا بهذه الأوضاع، والتي تصب في جماع الرجل زوجته في قبلها، وساعتها يكون الإتيان في الدبر، كتحريم الأكل من شجرة واحدة، في الوقت الذي يباح فيه الأكل من عشرات الأشجار اهـ.
وإذ قد تقرر أن هذه الفعلة ذات أضرار صحية بعد دراسة متخصصة حديثة، وتبين بها عدم صحة دعوى عدم الضرر فيها، فيجب أن يعلم أن الشرع الحنيف قد حرم كل ما هو خطر على الصحة، وتطابقت أقوال العلماء على ذلك حتى كأنه لا خلاف في الجملة على ذلك، وإنما قد يوجد الخلاف في تحقق ضرر شيء معين أو عدم تحققه، وأما شيء حصل الاتفاق على ضرره أو أقرَّ بضرره العالم فلا يتصور القول بجوازه وحله في عامة مذاهب العلماء، وقد حكى الحافظ ابن حزم في مراتب الإجماع تحريم أكل السموم القاتلة.
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية التلازم بين الضرر والتحريم، فقال ( مجموع الفتاوى 21/540 ) : وأما مسالك الاعتبار بالأشباه والنظائر واجتهاد الرأي في الأصول الجوامع فمن وجوه كثيرة ننبه على بعضها فذكر الوجه الأول ثم قال:
وثانيها: أنها منفعة خالية عن مضرة فكانت مباحة كسائر ما نص على تحليله، وهذا الوصف قد دل على تعلق الحكم به النص وهو قوله  وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ ، فكل ما نفع فهو طيب، وكل ما ضر فهو خبيث، والمناسبة الواضحة لكل ذي لب أن النفع يناسب التحليل، والضرر يناسب التحريم والدوران، فإن التحريم يدور مع المضار وجودا في الميتة والدم ولحم الخنزير وذوات الأنياب والمخالب والخمر وغيرها مما يضر بأنفس الناس، وعدما في الأنعام والألبان وغيرها اهـ.
وقال ابن حزم في المحلى ( 6/95-96 مسألة رقم 1014 ): ولا يحل أكل السمّ القاتل ببطء أو تعجيل، ولا ما يؤذي من الأطعمة ولا الإكثار منه لقول الله تعالى  وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ، روينا من طريق سفيان بن عيينة عن زياد بن علاقة قال: سمعت أسامة بن شريك قال: شهدت رسول الله  " تداووا عباد الله، فإن الله لم ينزل داء إلا أنزل به دواء إلا الهرم " (5). ثم قال في بيان وجه الاستدلال: وأمره بالتداوي نهي عن تركه، وأكل المضر ترك للتداوي فهو منهي عنه اهـ.
وأقوال أهل العلم في أمثال ذلك معروفة مشهورة فلا نطيل بها المقام، بل فيما ذكرنا كفاية لوضوح المسألة.
هذا آخر ما حضرنا من وجوه التحريم وبه ينتهي الفصل الأول.
----------------------------------------------------------------------------------------------------
هوامش:
(1) كذا قال النووي رحمه الله تعالى، والذي في الحاوي حكاية ذلك عن بعض كتب الشافعي بصيغة التمريص، قال الماوردي في الحاوي (1/212 ): وهل يلزمه غسل ما حصل على الذكر من بلل الفرج ؟ على وجهين من اختلافهم هل هو طاهر أو نجس :
أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج أنه نجس يجب غسله كالبول.
والوجه الثاني: وقد حكى نصا عن الشافعي في بعض كتبه لأنه طاهر لا يجب غسله كالمني اهـ.
قال أبو عبد الباري: سياق الكلام يفيد أن الماوردي لم يقف على كلام الشافعي ولا نقل إليه من يوثق بنقله فحكاه بصيغة التمريض فينظر في ثبوت ذلك عن الشافعي قبل نسبة القول إليه.
ويؤيد نسبة القول بالنجاسة إلى الشافعي ما قاله العلامة العمراني اليمني الشافعي في كتابة البيان في مذهب الإمام الشافعي (1/426 ): واختلف أصحابنا في رطوبة فرج المرأة، فمنهم من قال: إنها طاهرة ، ومنهم من قال: إنها نجسة وهو المنصوص، لأنها متولدة في محل النجاسة اهـ والله أعلم.
(2) انظر: صحيح ابن خزيمة ( رقم 280 ) وسنن البيهقي (2/411 ) ومعاني الآثار للطحاوي (1/51 ).
(3) فائدة في أم حبين و ما قيل فيها
أم حبين تعيش في الصحاري الحارة الرملية والصخرية في مناطق الشرق الأوسط لغاية حدود الصين. وتتميز أم حبين برأسها الشبيه برأس الضفدع وأصابعها الطويلة التي تساعدها في المشي على الرمال وذيلها الملتف عند فزعها، وهي تقف دائماً مرفوعة الرأس، بحيث يرى بطنها مرفوعاً ومنتفخاً قليلاً، تبحث عن فرائسها وإذا رأت الطيور الجارحة تحوم في السماء تخفض جسمها ليلاصق الأرض فلا ترى ولا يرى ظلها في الأرض حيث يساعدها لون جسمها في الاختفاء عن أنظار الطيور. ودائماً ترفع ذيلها عمودياً (تشول بذيلها) عندما تجري سريعاً ثم تقف فجأة منتصبة تلتفت يميناً وشمالاً باحثة عن فرائسها.
ومعروف عنها أنها تستطيع أن تدفن نفسها في الرمال في أقل من خمس ثوان.
وهي نوع مختلف عن الحِرباء مزرقة الصدر التي تستقبل الشمس على أغصان النباتات، وتعتبر نوعا من أنواع الحِرباء لصفات توجد في جميع أنواع الحرباء كالتفاف العين والرأس ثابت والتلون. ولقد سماها العرب بأم حبين لكبر بطنها وظنوها أنثى الحِرباء زرقاء الحنجرة التي تصعد على الأغصان مستقبلة الشمس، لكنها في الواقع نوع آخر مختلف.
وقد وصفها ابن السكيت وقال: هي أَعْرَضُ من العَظاء وفي رأْسِها عِرَضٌ، انتهي. وعرض البطن والرأس هو ما يميزها عن الحِرباء زرقاء الحنجرة. يكون لون ظهرها وذيلها بيجي ببقع بنية مستطيلة، أما البطن فلونه أبيض. تحفر جحورها بنفسها وتقبع فيها خلال الشتاء البارد وهي من الزواحف النهارية كالورل والضب والسحالي. تخرج نهاراً لاصطياد فرائسها من الحشرات والخنافس والعناكب والديدان.
وورد في مسند الشافعي(الأم 2/194) ومن طريقه البيهقي في الكبرى (5/185):
أخبرنا: سُفْيانُ، عن مُطْرّف بنِ طَرِيفٍ، عن أبي السَّفر(سعيد بن يُحمَد ولم يدرك عثمان ولعله بهذا ضعف النووي الأثر في المجموع 7/427 وابن الملقن في خلاصة البدر المنير 2/43 ثم رأيت الحافظ أعله بالانقطاع كما في التخيص الحبير 2/284 : أنَّ عُثمان بن عفَّانَ رضي اللَّهُ عنهُ قَضَى في أُمِّ حُبيْن بِحُلاّن من الغنم (أم حبين بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة: دوبية مثل ابن عرس وابن آوى وربما دخلتها آل من الحبن وهو كبر البطن وهو على خلقة الحرباء ما عدا الصدر وقيل هي أنثى الحرابي وهي على قدر الكف تشبه الضب غالباً وقال ابن قتيبة أم حبين تستقبل الشمس وتدور معها كيف دارت وهذه صفة الحرباء. وفي اللسان (6/367 مادة: هيش ): والهَيْشَةُ: أُمُّ حُبَيْنٍ؛ قال بِشْر بن المعتمر:

وهَيْشَة تأْكلها سُرْفةٌ وسِمْعُ ذِئبٍ هَمُّه الحُضْرُ
وقال:
أَشْكُو إِليك زَماناً قد تَعَرّقَنا كما تَعرَّقَ رأْسَ الهَيْشةِ الذِّيبُ
يعني: أُمَّ حُبَين، واللَّه أَعلم.
وورد أيضاً في اللسان(13/104-106 مادة: حبن): وأُمُّ حُبَيْنٍ: دُوَيْبَّة على خِلْقةِ الحِرْباء عريضةُ الصدر عظيمةُ البطن، وقيل: هي أُنثى الحِرْباء. ويقال لها أَيضاً: حُبَيْنة؛ وأَنْشد ابن بري:
طَلَعْتُ على الحَرْبِيّ يَكْوي حُبَيْنةً بسَبْعةِ أَعْوادٍ من الشُّبُهانِ
وقال ابن السكيت: هي أَعْرَضُ من العَظاء وفي رأْسِها عِرَضٌ؛ وقال ابن زياد: هي دابَّة غَبْراء لها قوائمُ أَربعٌ وهي بقدر الضِّفْدَعة التي ليست بضَخْمة، فإذا طَرَدها الصِّبْيان قالوا لها:
أُمَّ الحُبَيْنِ، انْشُرِي بُرْدَيكِ إن الأَميرَ ناظرٌ إليكِ
قال ابن الأَثير(في النهاية 1/335 ): هي دُوَيْبة كالحِرْباء عظيمةُ البطنِ، إذا مَشَتْ تُطَأْطِئ رأْسَها كثيراً وترفعُه لعِظَم بطنها، فهي تقعُ على رأْسها وتقومُ، فشبَّه بها صلاتَهم في السجود مثل الحديث الآخر: "في نَقْرة الغراب".
ومن الأشعار التي قيلت في أم حبين شعر الطرماح في قصيدة يهجو فيها الفرزدق:
لنَا سابقاتُ العزِّ والشِّعرِ والحصَى وربعـيَّةُ المجدِ المقدَّمِ والحـمدِ
فقلْ مثلَها يا قينُ، إنْ كنتَ صادقاً وإلاَّ فمنْ أنَّى تنيرُ ولاَ تسدي
رأسنا، وجالدْنا الملوكَ، وأعطيتْ أوائلُنـا في الوفدِ مكرمةَ الوفدِ
فأيُّ ثنايـا المجـدِ لمْ نطّلـعْ بهَا علَى رغمِ منْ لمْ يطّلعْ منبتَ المجدِ
وإنَّ تميماً وافتخـاراً بسـعدِها بمَا لا يُرَى منهَا بغورٍ ولا نجـدِ
كأمِّ حبينٍ، لمْ يرَ النَّاسُ غيرَها، وغابَ حبينُ حيثُ غابَتْ بنُو سعدِ



( 4 ) ونذكر هذا الكاتب وأمثاله ما يصدر دائما من الإحصائيات التي تتحدث عن حالة المرأة والأسرة في الغرب والتي تدل على انهيارها الكامل، ومن ذلك هذا الخبر العجيب الدال على الحالة التي يعيشها البيت الغربي:
واقع المرأة الغربية بالأرقام
( نقلا عن حصاد الأرقام لشبكة مفكرة الإسلام )
المرأة :إحصائيات عالمية :السبت 25 ربيع الأول 1425هـ - 15مايو2004 م
مفكرة الإسلام: نشرت بعض وسائل الإعلام عددًا من الإحصائيات المتعلقة بواقع المرأة الغربية وفيما يلي ننشر ما ورد من حقائق وأرقام نشرته مجلة المستقبل في عددها 154 ـ صفر 1425هـ إبريل 2004م جاء فيها:
- يغتصب يوميًا في أمريكا 1900 فتاة، 20% منهن يغتصبن من قبل آبائهن.
- يقتل سنويًا في أمريكا مليون طفل بين إجهاض متعمد أو قتل فور الولادة.
- بلغت نسبة الطلاق في أمريكا 60% من عدد عقود الزواج.
- 170 شابة في بريطانيا تحمل سفاحا كل أسبوع.
- سجلت الشرطة في إسبانيا أكثر من 500 ألف بلاغ اعتداء جسدي على المرأة في عام واحد وأكثر من حالة قتل واحدة كل يوم.

كما كشف عدد من مراكز دراسات وبحوث أمريكية تفاصيل الإحصائية المثيرة التالية:
- 80% من المتزوجات منذ 15 سنة أصبحن مطلقات في سنة 1982.
- ألف جريمة اغتصاب منها 80% وقعت في محيط الأسرة والأصدقاء.
- 27% من الرجال يعيشون على نفقة النساء في سنة 1986.
- أجريت عمليات تعقيم جنسي في الفترة من 1979م إلى 1985م على النساء المنحدرات من أصول الهنود الحمر، وذلك من دون علمهن.

وتؤكد آخر الإحصائيات عن أحوال المرأة في العالم الغربي أنها تعيش أتعس فترات حياتها المعنوية على رغم البهرجة المحيطة بحياة المرأة الغربية التي يعتقد بعض الناس أنها نالت حريتها، والمقصود من ذلك هو النجاح الذي حققه الرجل في دفعها إلى مهاوي ممارسة الجنس معه من دون عقد زواج يتوج مشاعرها ببناء أسرة فاضلة.
ونذكره أيضا بهذه الإحصائيات الأخرى في السويد:
(( بعد أن أعطوها حريتها : 60% من مواليد السويد الجدد أبناء زنا!! ))

المرأة :إحصائيات عالمية :السبت 2 ربيع الآخر 1425هـ - 22 مايو 2004 م
بعد فتح المجال أمام المرأة السويدية في كل المجالات: من قيادة الشاحنات على الطرق السريعة إلى الانضمام لوحدات القوات الخاصة في الجيوش فرارا من تهمة التمييز ضد المرأة ؛فقد أفادت آخر إحصائية نشرتها مجلة الأسرة ـ عدد 131 ـ صفر 1425هـ أن 60% من المواليد الجدد في السويد أبناء زنا لا يرتبط آباؤهم وأمهاتهم بعلاقة زواج!!.
(5) صحيح
رواه ابن ماجه ( رقم 3436 ) والحاكم (4/198-199 ) وابن حبان ( رقم 6061 ) من هذا الوجه وسنده صحيح، ولم يتفرد به سفيان بل تابعه آخرون كما تجده مفصلا في تخريج أحاديث ابن حبان للشيخ شعيب الأرناؤوط (3/426) وذكره الألباني في صحيح ابن ماجه (رقم 2772) وهو في غاية المرام له تحت رقم (292 ).
__________________
يا نفس إن الحق ديني
فتذللي ثم استكيني
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 28-04-05, 08:04 PM
أبو عبد الباري أبو عبد الباري غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 04-07-04
المشاركات: 752
افتراضي الحلقة الثالثة: شبهات المبيحين والرد عليها

هذه هي الحلقة الثالثة والأخيرة إن شاء الله تعالى وأعتذر إن كنت أطلت وأثقلت عليكم.

الفـصل الثـاني:

في الرد على شبهات المبيحين


لماذا سميناها شبهات
القول بالإباحة ذهب إليه بعض المشايخ والدعاة منهم الشيخ محمد كنعان في كتابه " العشرة الزوجية "، ورأيت في صفحة الانترنيت (عالم الحياة الزوجية ) من يفتي بجواز ذلك بدون تسميتها على الخصوص، ورأيت في عام 1415 للهجرة النبوية في مدينة جدة أحد أئمة المساجد يخطب بجوازها من على المنبر، وغيرهم كثير.

وهذا الفصل الثاني من هذه الرسالة المباركة بإذن الله تعالى نعرض فيه ما وقفنا عليه من الشبه التي يوردها أو يحتج بها من قال بإباحة هذه الفعلة الذميمة ليتضح أن ما استدل به البعض على الإباحة لا ينهض على المراد، وذلك إما لأنه خارج عن محل النزاع، وإما لأنه ليس بدليل إما مطلقا وإما في مثل هذه المسألة.
وبعد النظر في الشبهات الأصلية للقول بالإباحة تحصَّل أنها كالتالي:
الشبهة الأولى: الاستدلال بالبراءة الأصلية والإباحة العقلية.
الشبهة الثانية: الاستدلال بالقياس على النظائر المباحة اتفاقا أو على الراجح.
الشبهة الثالثة: الاستدلال بمفهوم المباشرة المباحة.
الشبهة الرابعة: إيراد حلول لتجنب النجاسة ومباشرتها.
الشبهة الخامسة: قول بعض الفقهاء
تنبيه: إنما سميتها شبها لأنها لا ترقى إلى منزلة الدليل المعتبر مع ما تقدم من وجوه الدلالات المختلفة من كتاب وسنة وقياس وأنواع أخرى من الاستدلال المعتبر، وإنما هي في الحقيقة شبه علقت في أذهان بعض العلماء أو غيرهم إما لعدم استحصار ما ذكر من الأدلة، وإما لهوى في النفس وميل للتساهل والله أعلم

والله أسأل التوفيق، وبه أستعين على دحض هذه الشبه الواهية، فأقول :
الشبهة الأولى: الاستدلال بالبراءة الأصلية
وعمدة ما احتج من ذهب هذا المذهب هو الاعتماد على أصل الإباحة.
وذلك: أن الأصل في الأشياء الإباحة، ولا شك أن المعاشرة الزوجية من هذا الباب، فالأصل فيها الإباحة، ولا يحرم منها إلا ما دل الدليل الصحيح على تحريمه، وحيث لا دليل على تخصيص موضع بالتحريم فالبقاء على أصل الإباحة هو المتعين.
بيانه: أن الأدلة المتكاثرة في الكتاب والسنة قد دلت دلالة لا يمتري فيها من له معرفة بالعلم أن الأحكام الشرعية فيما عدا العبادات التوقيفية والعقائد الغيبية مبناها الإباحة، وأن الحرج مرفوع عن الفعل والترك حتى يرد ما يدل على خلاف ذلك. وقد جاءت نصوص الشريعة في بيان ما يحرم من العشرة الزوجية والعلاقات الجنسية، فثبت في الأحاديث تحريم إتيان المرأة في دبرها، ولم يرد ما يمنع المص ولا ما يمنع اللحس في ظاهر النصوص فلزم البقاء على أصل الإباحة.
ومن قال بالتحريم فعليه بالدليل الصحيح نقلا، والسليم فهما، المقتضي للتحريم، وهو ما لم نجده في نصوص الشريعة، وقد زعم اليهود تحريم إتيان المرأة في قبلها من ظهرها، وقالوا: إن الولد يأتي أحول، فنزل النص القرآني في تكذيب مقالتهم، ووردت الأحاديث الصحيحة في نقض دعواهم، فمن قال بالتحريم ولم يأت بالدليل فحاله كحال هؤلاء القوم، ودعواه مردودة عليه.
وممن احتج بهذه البراءة وعدم الدليل المقتضي للتحريم جمع من العلماء المعاصرين، منهم القرضاوي وغيره، وفيما يلي بعض أقوالهم وفتاويهم من شبكة ( إسلام أون لاين ) التي يشرف عليها الشيخ القرضاوي.

قال القرضاوي بعد كلام مفاده جواز هذه الفعلة وهو يستدل لجوازها:
" وقد أجاز الفقهاء تقبيل الزوجة فرج زوجها ولو قبَّل الزوج فرج زوجته هذا لا حرج فيه، أما إذا كان القصد منه الإنزال فهذا الذي يمكن أن يكون فيه شيء من الكراهة، ولا أستطيع أن أقول الحرمة لأنه لا يوجد دليل على التحريم القاطع، فهذا ليس موضع قذر مثل الدبر، ولم يجئ فيه نص معين إنما هذا شيء يستقذره الإنسان، إذا كان الإنسان يستمتع عن طريق الفم فهو تصرف غير سوي، إنما لا نستطيع أن نحرمه خصوصاً إذا كان برضا المرأة وتلذذ المرأة (والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، فإنهم غير ملومين * فمن ابتغي وراء ذلك فأولئك هم العادون) فهذا هو الأصل" انتهى.

ومن هؤلاء البوطي حيث قال كما في الشبكة المذكورة:
" إن الحقَّ المتبادل بين الزوجين ليس خصوص ‏(‏الجماع‏)‏ بل عموم ما سمّاه القرآن ‏(‏الاستمتاع‏)‏‏ وهذا يعني أن لكلٍّ من الزوجين أن يذهب في الاستمتاع بزوجه المذهب الذي يريد‏،‏ من جماع وغيره‏، ولا يستثنى من ذلك إلا ثلاثة أمور‏:
1ـ الجماع أيام الطَّمث‏.
2ـ الجماع في الدبر‏،‏ أي الإيلاج في الشرج‏.‏‏
3ـ المداعبات التي ثبت أنها تضرُّ أحد الزوجين أو كليهما‏،‏ بشهادة أصحاب الاختصاص أي الأطباء‏
أما ما وراء هذه الأمور الثلاثة المحرَّمة‏،‏ فباقٍ على أصل الإباحة الشرعية‏.
ثم إن الاستمتاعات الفطرية التي تهفو إليها الغريزة الإنسانية بالطبع‏،‏ كالجماع ومقدِّماته‏ حقّ لكلٍّ من الزوجين على الآخر‏‏ ولا يجوز الامتناع أو التّأبِّي إلاّ عند وجود عذر مانع‏. وأما الاستمتاعات الأخرى التي يتفاوت الناس ذكوراً وإناثاً في تقبُّلها‏،‏ ما بين مشمئزّ منها وراغب فيها‏،‏ فلا سبيل إليها إلا عن طريق التَّراضي‏،‏ أي فليس لأحد الزوجين أن يُكره الآخر على ما قد تعافه نفسه منها‏.

و قال الدكتور علي جمعة محمد مفتي مصر:
" قال تعالى "نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم " [سورة البقرة] وفي التفسير أن التقدمة هي القبلة وفي الحديث اجعل بينك وبين امرأتك رسول والرسول القبلة ويجوز للرجل والمرأة الاستمتاع بكل أنواع التلذذ فيما عدا الإيلاج في الدبر؛ فإنه محرم أما ما ورد في السؤال من المص واللعق والتقبيل وما لم يرد من اللمس وما يسمى بالجنس الشفوي بالكلام فكله مباح فعل أغلبه السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين وعلى المسلم أن يكتفي بزوجته وحلاله، وأن يجعل هذا مانعا له من الوقوع في الحرام، ومن النظر الحرام، وعليه أن يعلم أن الجنس إنما هو غريزة تشبع بوسائلها الشرعية وليس الجنس ضرورة كالأكل والشرب كما يراه الفكر الغربي المنحل " اهـ.
قال أبو عبد الباري:
ما ذكره الدكتور علي بن جمعة محمد المفتي في الديار المصرية لم يقم عليه دليلا، أعني فيما زعم من أن أغلب ما ذكر فعله السلف الصالح، وكم كنت أحب أن يفصح عن واحد من هؤلاء السلف والمصادر التي وردت الرواية عنهم فيها، ثم ما المراد بالسلف الصالح من الناحية الزمنية ؟.
وذلك أن كثيرا من المعاصرين جرت عادتهم في إطلاق هذه التسمية على كثير من العلماء ممن عاشوا عصورا متأخرة عن العصور المفضلة الثلاثة، فلا تكاد تستطيع الجزم بمراد المتكلم منهم إلا بصريح عبارة منه أو بمعرفة عادته في هذا الزمان.
ثم قد مر بك ما يدل على التحريم من ثمانية أوجه معتبرة، ولست أحسب أنه يصح الاستدلال بغير البراءة الأصلية للجواز، وسيأتيك الجواب على ذلك في صلب الرسالة.
والجواب على هذا
أن الاحتجاج بالأصل على النحو المتقدم صحيح لو كان الأمر كما ذكروه من عدم الدليل المعتبر، ولكن الأمر على خلاف ما قالوا.
فقد تقدم في الوجوه الثمانية المتقدمة أن الكتاب والسنة وقياس الأولى قد دل كل واحد منها على تحريم هذه الفعلة، ودل النظر الصحيح على تحريم ذلك أيضا على ما تقدم بيانه في الوجوه المتقدمة.
و بناء على ذلك فلا يصح التمسك بهذا الأصل هنا، والاستدلال به متوقف على عدم وجود الدليل المخصص، وقد علمت مما تقدم أن الدليل قد قام على تحريم ذلك ورفع البراءة الأصلية، ولا يعتبر ذلك من باب التعارض بين الأدلة كما لا يعتبر نسخا وإنما رفعا للإباحة العقلية كما علم من مواضعه.

الكلام على البراءة الأصلية ومتى يصح الاستدلال بها
والعلماء مجمعون من حيث الجملة على أنه إذا ورد الدليل المعتبر شرعا على خلاف البراءة الأصلية فالواجب اتباع الدليل، ولا يجوز معارضته بمجرد مخالفته لهذه البراءة، إذ البراءة ليست دليلا لإثبات الحكم ولا لنفيه، وإنما هي نفي وجود ما يثبت حكما شرعيا فمتى ورد الدليل المعتبر فلا معنى لإيراد البراءة، ولهذا سميت بالبراءة العقلية وبالاستصحاب.
قال الشنقيطي في أضواء البيان (7/745 ): اعلم أن علماء الأصول يقولون: إن الإنسان لا يحرم عليه فعل شيء إلا بدليل من الشرع، ويقولون: إن الدليل على ذلك عقلي وهو البراءة الأصلية المعروفة بالإباحة العقلية وهي الاستصحاب حتى يرد دليل ناقل عنه اهـ المراد منه.
وقد علم يقينا أن العقل ليس له سلطان في إثبات الحكم الشرعي ولا في نفيه، وهو من أضعف الأدلة، ولا يصار إليه إلا في آخر المطاف حيث لا يوجد دليل.
الاستصحاب ضعيف، والقياس مقدم عليها عند الجماهير
قال ابن تيمية في الفتاوى (13/112 ): فالاستصحاب في كثير من المواضع من أضعف الأدلة اهـ.

وقال الشيخ الأمين الشنقيطي في نثر الورود (2/568): واستصحاب العدم هذا هو الإباحة العقلية المتقدمة، ولا يحتج به إلا بعد قصارى البحث أي غايته عن دليل فلم يوجد اهـ.

والتمسك بالبراءة الأصلية هذه مع ما تقدم من الوجوه الدالة على التحريم يشبه ما ذكره ابن القيم في الإعلام (1/339 ) في معرض رده على بعض الطوائف فقال: الخطأ الثالث: تحميل الاستصحاب فوق ما يستحقه، وجزمهم بموجبه لعدم علمهم بالناقل، وليس عدم العلم علما بالعدم اهـ.
وقال ابن تيمية في الفتاوى (29/166 ): إذا كان المدرك الاستصحاب ونفي الدليل الشرعي فقد أجمع المسلمون وعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز أن يعتقد ويفتي بموجب هذا الاستصحاب والنفي إلا بعد البحث عن الأدلة الخاصة إذا كان من أهل ذلك، فإن جميع ما أوجبه الله ورسوله وحرمه الله ورسوله مغير لهذا الاستصحاب، فلا يوثق به إلا بعد النظر في أدلة الشرع لمن هو من أهل ذلك اهـ.

إذا تقرر ذلك، وأن الاستصحاب ليس دليلا إلا عند الضرورة حين لا يوجد دليل، وأنه مع ذلك من أضعف الأدلة، وتقرر أيضا أنه قد يحمله البعض ما لا يحتمل، ثبت أنه لا يصح معارضته بما سبق من الوجوه الدالة على التحريم.

وقد تقدم لنا أنه لو لم يكن في الباب إلا الوجه الثالث من دلالة القياس على التحريم لكفى، ونزيد هنا أنه وحده أقوى من هذا الاستصحاب للبراءة الأصلية أو العدم الأصلي، فكيف وقد عضدته الوجوه الأخرى.
قال ابن تيمية في الفتاوى (6/447 ): ولو فرضنا أنه يجوز الحكم باستصحاب الحال في مثل هذا – مسألة كان في صدد الكلام عليها – فإن العموم والقياس حجتان مقدمتان على الاستصحاب، أما العموم فبإجماع الفقهاء، وأما القياس فعند جماهيرهم اهـ.

رفع الإباحة العقلية _ البراءة الأصلية – ليس نسخا
وقد قدمنا أيضا أن هذا الرفع للبراءة الأصلية لا يسمى نسخا كما قال الحافظ ابن القيم في حاشيته على سنن أبي داود (11/125 مع عون المعبود ) أثناء كلامه على الجلود: ولا يعارض ذلك نهيه عن جلود السباع، فإنه نهي عن ملابستها باللبس والافتراش كما نهى عن أكل لحومها، لما في أكلها ولبس جلودها من المفسدة، وهذا حكم ليس بمنسوخ ولا ناسخ أيضا، وإنما هو حكم ابتدائي رافع لحكم الاستصحاب الأصلي ...اهـ .
وبعد هذه الجولة المفيدة يتضح للقارئ أنه ليس للمبيحين متمسَّك بالبراءة الأصلية في معارضة الأدلة المتقدمة الدالة على التحريم والله أعلم.
الشبهة الثانية: الاستدلال بالقياس على النظائر المباحة
قد تقرر عند العلماء بناء على أصل البراءة العقلية إباحة كثير من أنواع العشرة الزوجية، مما هو من باب المباشرة، مثل المفاخذة والمباضعة، واستخراج الماء بيد الزوجة المستثنى من تحريم الاستمناء عند من قال بالتحريم ولا مانع من استحداث أنواع أخرى من الاستمتاع بين الزوجين، طالما الأصل في ذلك الإباحة.

إن النظائر المذكورة من المفاخذة والعكن ونحوها لا يصح الاستدلال بها في إباحة لعق الأعضاء التناسلية لكلا الجنسين لوجهين:
الوجه الأول : أن هذا من القياس مع الفارق، إذ لا يوجد فيها من المحظورات الشرعية ما يوجد في مسألة المص واللحس، وذلك:
أولا: أن الوجه الثالث في قياس الفم على اليمين في تحريم مس الفرج وكونه أولى بالمنع من ذلك، لا يوجد في التفخيذ ونحوه، إذ ليس للفخذ من الحرمة والتكريم وصيانته من النجاسات ما للفم من ذلك، وهو واضح جدا، فلا يصح إلحاق الفخذ والعكن بالفم واللسان الذي هو موضع الذكر والتسبيح والتهليل، ولا يوجد في الفخذ ومواضع المباشرة المباحة ما يشبه ويكون أولى بالمنع من اليمين مثل الفم واللسان.
ثانيا: ليس في التفخيذ ونحوه من مباشرة النجاسة على وجه الأكل بالفم مثل ما في لعق الأعضاء التناسلية ومصها، وقد علم مما تقدم تحريم مباشرتها بالفم وذلك لا يصدق على مباشرتها بغيره مما لا يشبه الفم واللسان فافترقا، وعليه فلا يصح إلحاق الفم بمواضع المباشرة.
ثالثا: إن الذي تقدم من تحريم الخبائث يقع أصله على أكلها، وقد سبق أن هذه الإفرازات من المستقذرات والخبائث التي تقتضي التحريم وليس التفخيذ ونحوه كذلك فدل على أن لعق الأعضاء التناسلية يختلف عن مواضع المباشرة المباحة.
فهذه فروق ثلاثة بين الفم واللسان وبين ما يدعى أنه من نظائرهما، وبذلك يتضح أن هذه النظائر المذكورة وقياس الفم عليها من القياس مع الفارق.
الوجه الثاني: يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا، والتفخيذ تابع المأتي بخلاف الفم كما تقدم عن السندي أنه قال في كلامه على معنى الحرث الوارد في الآية: " ولا دلالة له على نفي التفخيذ، لأن ذلك تابع للإتيان في موضع الحرث بخلاف الإتيان في موضع آخر غير موضع الحرث لأنه غير تابع فلا يجوز أصلا" نقله الأرناؤط في تحقيق المسند (4/238 ).

وبناء عليه يحرم الاستمتاع بالمرأة في أذنها وأنفها بالإتيان كما لا يجوز ذلك في الفم واللسان، لأن هذه مواضع التكريم، وليست مما يجوز تبعا.

الشبهة الثالثة: الاستدلال بمفهوم المباشرة المباحة
هذا الوجه أورده بعضهم على وجه الاحتجاج أخذا من قول بعض العلماء في تعريف المباشرة، وهو ما ذكره الشيخ ناصر الدين الألباني في آداب الزفاف (ص 124) هامش (1 ): في "النهاية": " أراد بالمباشرة الملامسة، وأصله من لمس بشرة الرجل بشرة المرأة، وقد ترد بمعنى الوطء في الفرج وخارجا منه".
قلت – أي الألباني -: والثاني هو المراد منه هنا كما لا يخفى، وبه قالت السيدة عائشة رضي الله عنها.
قالت الصهباء بنت كريم: قلت لعائشة: ما للرجل من امرأته إن كانت حائضا ؟ قالت: كل شيء إلا الجماع اهـ.
فقال من استدل به: إن قوله أن المباشرة تقع على الوطء خارج الفرج، وأن هذا هو المراد في هذا الحديث يدل على أن الوطء خارج الفرج ومنه الفم وغيره من الأمور المباحة، وأنه داخل تحت المباشرة بين الزوجين ... إلخ كلامه.

الوجه الأول: أن المراد بها المفاخذة ونحوها
تحرير مراد الشيخ رحمه الله تعالى: لا يشك عاقل منصف أن هذا من الافتراء على محدث العصر والعلامة الثقة، فإنه قال الكلام المنقول في حديث عائشة رضي الله عنها " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر إحدانا إذا كانت حائضا أن تتزر، ثم يضاجعها زوجها، وقالت مرة: يباشرها ".
فقال الشيخ نقلا عن ابن الأثير في النهاية الكلام المذكور، فكان مراده من ذلك أن هذه المباشرة إنما هي في المفاخذة ونحوها مما يجوز تبعا لا استقلالا كما تقدم عن السندي، وأنه إن كانت المباشرة تطلق على الوطء في الفرج وخارجا منه، وقد دل الحديث الصحيح أن الوطء في الفرج للحائض حرام من حديث عائشة نفسها، دل ذلك على تعيُّن المعنى الثاني، هذا مراد الشيخ، وهو مفهوم واضح، وهو الصحيح.

الوجه الثاني: أن لازم الأخذ بالعموم المزعوم من شأنه القول بجواز إتيان المرأة في دبرها، وأن الشيخ يقول بهذا العموم !
وهذا باطل فقد ذكر في كتابه الممتع هذا فصلا في تحريم إتيان المرأة في دبرها، ورد على غير واحد ممن ضعف أحاديث التحريم: كقوله في رده على جمال الدين القاسمي (ص 106 ):
قلت – أي الألباني -: فلا يغتر بعد هذا بقول الشيخ جمال الدين القاسمي في تفسيره (3/572 ): إنها ضعيفة ! لأنها دعوى من غير مختص بهذا العلم أولا، وخلاف ما يقتضيه البحث العلمي، وشهادة الأئمة بصحة بعضها وحسن بعضها، وجزم الأمام الذهبي بالتحريم الذي اجتمعت عليه مفردات أحاديث الباب، وفي مقدمة المصححين الإمام إسحاق بن راهويه، ثم تتابعت أقوال الأئمة من بعده من المتقدمين والمتأخرين كالترمذي وابن حبان وابن حزم والضياء والمنذري وابن الملقن وابن دقيق العيد وابن حجر وغيرهم ممن ذكروا في غير هذا الموضع فانظر مثلا " الإرواء " (7/65-70 ) اهـ.
هذا نص كلامه رحمه الله تعالى، فلو كان فهم من الكلمة " وخارجا منه " العموم المزعوم لما أطلق، ولكان من أسرع الناس في تقييدها أو تخصيصها، فلما لم يعلق عليها دل أنه لم يفهم من هذه الكلمة التي نقلها وقال بمعناها العموم المزعوم.
فإن قيل: إن إتيان المرأة مستثنى من هذا العموم لما ورد فيه من النصوص الخاصة ؟
أجيب: بأن تحريم لعق الأعضاء التناسلية أو مصها مستثنى من العموم كما استثني تحريم الدبر منها إن صحت دعوى العموم هنا إذ ليس أقوى من أصل الإباحة، وقد بينا أن الدليل قام على تحريم هذه الفعلة الذميمة.

وعلى كل حال، فهذه الشبهة لا تقوى على معارضة ما تقدم ذكره من وجوه التحريم، بل لولا أن البعض يتمسك بكل شيء وإن كان أوهى من بيت العنكبوت ويبني عليها علالي وقصورا لما ذكرتها لوهائها، ولكن كما قيل: لكل ساقطة لاقطة، فآثرت إيرادها لمنع التذرع بها.

الشبهة الرابعة: إيراد حلول لتجنب النجاسة ومباشرتها .

قال بعضهم: إذا كان لا يجوز مباشرة النجاسة ويكون لعق الأعضاء التناسلية حراما بهذا ألا يمكن تجنب ملاقاة النجاسة للفم واللسان، وذلك باستعمال الوقايات المعدة لذلك، ولف الأعضاء التناسلية بها أو بغيرها مما لا تتسرب منه النجاسة، مع قضاء هذه المتعة بين الزوجين ؟!

والجواب على ذلك من وجوه:
الأول: هذا اعتراف بقوة دليل مباشرة النجاسة ودلالته على التحريم، ثم بدل التسليم للدليل بدأ صاحب هذه الفكرة يبحث عن الحيل للوصول إلى ما قام الدليل على تحريمه.
ولو كان الدليل عنده غير صحيح ما احتاج إلى اللف ولا غيره، ولو كان مباحا مطلقا لما تكلف المشاق وحمل الهم للبحث عن المخرج من الحرج والإثم، ولكنه لما رأى دليل مباشرة النجاسة صريحا على التحريم، وقد مالت نفسه الأمارة بالسوء إلى هذا الفعل صار ينظر في الحيل الممكنة، فكانت هذه الحيلة مما انقدح في ذهنه.
والأصل في المسلم أن يكون كما أمره الله سبحانه و تعالى بقوله في سورة الأحزاب  وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً ، فلا يلف ولا يدور بل يسمع ويطيع. وقد ذم النبي  اليهود بالتحايل على ما حرم الله تعالى فقال " لعن الله اليهود والنصارى، إن الله لما حرم عليهم شحوم الميتة جملوها فأذابوها فباعوها وأكلوا ثمنها " رواه البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
الوجه الثاني: أن هذه الحيلة لو نفعت في منع وصول النجاسة إلى الفم واللسان، وأورثت شبهة لدى البعض بدلالة مباشرة النجاسة على التحريم، فلا تؤثر في دلالة الوجه الثالث على التحريم، ذلك لأن قياس الفم واللسان على اليمين قائم على التكريم، والنهي الوارد في مباشرة اليمين للفرج عام فيما إذا كانت هناك آلة أو لم تكن، وقد تقدم أن إباحة لمس اليسار بالفرج إنما هو إذا كان ذلك بآلة، وأما إذا كان ذلك بدون آلة فهي واليمين سواء، فدل ذلك أن الفرق بين اليمين والشمال إنما هو إذا كان اللمس بآلة، ومقتضى قياس الفم واللسان على اليمين المنع من اللمس ولو بآلة، فدل على أن لف الأعضاء التناسلية لا يؤثر في دلالة القياس على التحريم، ومن ثم بطلت هذه الحيلة.

وأمر آخر هو: أن قياس الفم واللسان على اليمين معلل بالتكريم والصيانة مما يهين كما تقدم، ولف الأعضاء المذكور لا يرفع هذه الإهانة فدل على عدم تأثير هذه الحيلة أيضا.

الوجه الثالث: أن القذارة والخبث في المكان أمر لازم له سواء للمرأة أو للرجل، ولا يزول هذا الخبث باللف ونحوه، وقد تقدم أن الخبث من وجوه التحريم وتكلمنا هناك بما لا مزيد عليه، فيلزم من مباشرة هذا المحل ولو كان ملفوفا مباشرة الخبائث والمواضع القذرة، فلا تنفع هذه الحيلة في دفع دلالة هذا الوجه على التحريم. وبهذه الوجوه الثلاثة يتضح وهاء هذه الحيلة الباردة، ويزول إشكالها الذي قد يعلق في النفوس المريضة التي تتعلق بما تتوهم فيه الحيلة والله أعلم.

الشبهة الخامسة: قول بعض الفقهاء والرد عليه

ومما استدل به من ذهب هذا المذهب ما نقله القرطبي في تفسيره (12\232 ) عند قوله تعالى  وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ  أنه قال: وقد قال أصبغ من علمائنا يجوز أن يلحسه _ أي فرج المرأة -بلسانه اهـ.
وقد أشار الشيخ القاضي محمد كنعان إلى هذا القول في كتابه أصول المعاشرة (ص 99 ).
وقال زين الدين بن عبد العزيز الليباري في كتابه فتح المعين لشرح قرة العين بمهمات الدين (3/340):(تتمة ): يجوز للرجل كل تمتع منها بما سوى حلقة دبرها و لو بمص بظرها أو استنماء بيدها لا بيده اهـ.
و ذكر أبو بكر المشهور بالسيد البكري في حاشية إعانة الطالبين (3/340) شارحاً قوله: (ولو بمص بظرها): أي و لو كان التمتع بمص بظرها فإنه جائز اهـ.
ونقل عن غير هؤلاء من العلماء أقوال مشابهة لهذه التي نقلناها.

والجواب على هذه الشبهة من وجهين:
الأول: أن هذا قول مجرد عن الدليل
بل الدليل على خلافه كما تقدم، فلا يعارض بقول لا دليل عليه بالأدلة الثابتة من أجل أن فلانا من العلماء قاله، وحسبنا أن نعلم أن أقوال العلماء يستدل لها ولا يستدل بها.
وذلك أنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن كل قول مهما كان قدر قائله يحتاج إلى دليل معتبر، ومتى لم يقم على صحة قوله دليل لا يجوز لمن عرف ذلك الاعتماد عليه، وهو هنا كذلك.
وهذا هو الذي عليه علماء الإسلام، وقد صحت وصية الأئمة الأربعة في النهي عن اتباع قولهم من غير معرفة دليلهم كما صح عنهم الأمر بضرب قولهم عرض الحائط إن كان مخالفا للدليل الصحيح المعتبر.
ومن عنده دليل معتبر ينقض ما بيناه من الحجج والدلائل فليتحفنا به فليس بين الحق وبين أحد عداوة.

وقد بينا فيما سبق من مباحث الرسالة عدم صحة الاحتجاج بالبراءة العقلية، وأنها لا تصلح دليلا في هذه المسألة وهي عمدة القائلين بالإباحة فيما نعلم.

الوجه الثاني: أن هذا من تتبع زلات العلماء، وقد جاءنا التحذير من ذلك على لسان العلماء، وهذه جملة من أقوالهم:
• قال سليمان التيمي: " لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله " رواه علي بن الجعد في مسنده (1/595 رقم 1359 )، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/91-92 )، والذهبي في السير (6/198 ) والتذكرة (1/151 )، قال ابن عبد البر عقبه:" هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا "أهـ.
• وقال الأوزاعي: "من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام" رواه البيهقي في السنن (10/211) وذكره الذهبي في السير
(7/125 )، والتذكرة (1/180 )، وروى الحاكم في معرفة علوم الحديث(ص65 ) و البيهقي من طريقه (10/ 211 ) عن الأوزاعي أنه قال: " يجتنب من قول أهل العراق خمس، ومن قول أهل الحجاز خمس …"ونقله الذهبي في السير (7/131 ).
• وقال إبراهيم بن أبي عبلة:"من حمل شاذ العلماء حمل شرا كثيرا "ذكره ابن رجب في شرح علل الترمذي (1/410 ).
• وقال معاوية بن قرة: " إياك والشاذ من العلم " ذكره ابن رجب في الموضع السابق.
• وقال القاضي إسماعيل بن إسحاق المالكي للمعتضد – وكان عنده كتاب جمع له البعض في الرخص والشذوذ -: " يا أمير المؤمنين مصنف هذا الكتاب زنديق، فقال المعتضد: لم تصح هذه الأحاديث ؟ قلت _ أي إسماعيل- الأحاديث على ما رويت، ولكن من أباح المسكر – يريد النبيذ- لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر، وما من عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه، فأمر المعتضد فأحرق ذلك الكتاب " / رواه البيهقي في السنن (10/ 211 ).
• وقال يحيى بن سعيد القطان: " لو أن رجلا عمل بكل رخصة، بقول أهل المدينة في السماع، وبقول أهل الكوفة في النبيذ، وبقول أهل مكة في المتعة، لكان فاسقا" / ذكره ابن تيميه في المسودة (ص 518 ) من رواية أحمد عنه.
• وقال معمر بن راشد: " لو أن رجلا أخذ بقول أهل المدينة في استماع الغناء، وإتيان النساء في أدبارهن، وبقول أهل مكة في المتعة والصرف، وبقول أهل الكوفة في المسكر: كان شر عباد الله " / رواه عبد الرزاق في المصنف … كما قال الحافظ في التلخيص الحبير (3/ 187 ).
• وقال الحافظ الآجري في تحريم النرد والشطرنج والملاهي (ص 170): " فإن احتج محتج في الرخصة في اللعب بالشطرنج فقال: قد لعب بها قوم ممن يشار إليهم بالعلم؟ قيل له: هذا – أي هذا الاحتجاج – قول من يتبع هواه ويترك العلم، فليس ينبغي إذا زل بعض من يشار إليهم زلة أن يتبع على زلته، هذا قد نهينا عنه، وقد خيف علينا من زلل العلماء " أهـ.
• وقال الحافظ ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم (ص 70): ومن أنواع النصح لله تعالى وكتابه ورسوله وهو مما يختص به العلماء رد الأهواء المضلة بالكتاب والسنة، وبيان دلالتهما على ما يخالف الأهواء كلها، وكذلك رد الأقوال الضعيفة من زلات العلماء، وبيان دلالة الكتاب والسنة على ردها " أهـ.
*- والكلام في هذا يطول وصفه، وفي الختام أنقل للقاري فصلا مطولا من كلام الشاطبي في الموافقات لأهميته فيما نحن بصدده، فقال رحمه الله تعالى في (4/170-173 ): " فصل … إن زلة العالم لا يصح اعتمادها من جهة، ولا الأخذ بها تقليدا له، وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع، ولذلك عدت زلة، وإلا فلو كانت معتدا بها لم يجعل لها هذه الرتبة، ولا نسب إلى صاحبها الزلل فيها، كما أنه لا ينبغي أن ينسب صاحبها إلى التقصير، ولا أن يشنع عليه بها، ولا ينتقص من أجلها، أو يعتقد فيه الإقدام على المخالفة بحتا، فإن هذا كله خلاف ما تقتضي رتبته في الدين.
ثم قال الشاطبي:
• فصل: ولا يصح اعتمادها (يعني الزلة ) خلافا في المسائل الشرعية، لأنها لم تصدر في الحقيقة عن اجتهاد، ولا هي من مسائل الاجتهاد، وإن حصل من صاحبها فهو لم يصادف فيها محلا، فصارت في نسبتها إلى الشرع كأقوال غير المجتهدين، وإنما يعد في الخلاف الأقوال الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة، كانت مما يقوى أو يضعف … إلى أن قال: فإن قيل: فهل لغير المجتهد من المتفقهين في ذلك ضابط يعتمده أم لا ؟ فالجواب: أن له ضابطا تقريبيا، وهو أن ما كان معدودا في الأقوال غلطا وزللا قليل جدا في الشريعة، وغالب الأمر أن أصحابها منفردون بها، قلما يساعدهم عليها مجتهد آخر، فإذا انفرد صاحب قول عن عامة الأمة فليكن اعتقادك أن الحق مع السواد الأعظم من المجتهدين، لا من المقلدين " أهـ.
وقريب من هذا عند ابن القيم في إعلام الموقعين (3/294).

خاتمة: تلخيص الرسالة

وبعد أن استكملنا في مباحث هذه الرسالة جولة طويلة حول هذه النازلة ما بين دليل التحريم والجواب عن شبه المخالفين نلخص مباحثها لمن قد تطول عليه قراءتها أو يريد استحضار ما قرأ فيها باختصار.
فأقول: خلاصة هذه الرسالة في مباحثها ومناقشاتها على النحو التالي:

أولا: الوجوه الدالة على التحريم
دل على تحريم هذه الفعلة التي هي موضع البحث (لعق الأعضاء التناسلية ) وجوه متعددة خلاصتها:
الوجه الأول: دلالة الكتاب على التحريم
وهو قوله تعالى في سورة البقرة  نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ.
ووجه الدلالة منها: أن الله سبحانه سمى المرأة حرثا تشبيها لها بالحرث الذي هو الزرع، وذلك للإشارة إلى محل الحرث هو الذي وقعت عليه الإباحة فقط لا غير، ومن هذا المنطلق صح الاستدلال بهذه الآية الكريمة في تحريم الحشوش (أي إتيان المرأة في دبرها )، وكاد العلماء يطبقون على إفادة الآية تخصيص الإباحة بموضع الحرث، وقد علم يقينا أن الفم ليس من الحرث في شيء فاقتضى معنى الآية تحريمه.
الوجه الثاني: دلالة السنة على التحريم
وذلك في عدة أحاديث تتعلق بتفسير الآية السابقة، وتفيد المعنى الذي أفادته الآية وزيادة، وذلك بمقتضى الشرط الذي تضمنته الأحاديث الصحيحة مما أفاد حصر الإباحة في موضع الزرع، ويقال في دلالتها مثل ما قيل في دلالة الآية، وقد تقدم التفصيل.

الوجه الثالث: دلالة القياس الجلي على التحريم
وذلك بقياس الفم واللسان على اليمين التي ورد في النصوص الصحيحة الصريحة النهي عن لمسها إما مطلقا وإما مقيدا على ما تقدم بيانه وتفصيله، وهو من أقوى الوجوه الدالة على التحريم.
ووجه القياس: أن النهي الوارد في لمس الفرج باليمين معلل بصيانة اليمين عن الأماكن القذرة، وقد علم أن الفم واللسان أولى بهذه الصيانة من اليمين، لأنهما موضع الذكر والتهليل والتسبيح.

الوجه الرابع: دلالة مباشرة النجاسة على التحريم
وهو من أقوى الأدلة أيضا، وذلك لما بيناه من لزوم مباشرة الفم واللسان للنجاسة، حيث يتلاقى مع المذي الخارج عند الملاعبة وثوران الشهوة، وهو سائل نجس بالنص والإجماع، وقد علم بالإجماع تحريم أكل النجاسة ومخالطتها فيما يتصل ببدن الإنسان كما تقدم بيانه.
وحاصل ذلك: أن المذي نجس، وأنه يخرج عند الملاعبة وثوران الشهوة، وأن مباشرة ذلك بالفم واللسان محرم، وهو قوي جدا.

الوجه الخامس: طوبة فرج المرأة ودلالتها على التحريم
وهذا الوجه من باب الإلزام لمن قال بنجاسة هذه الرطوبة، وهو قول طائفة غير قليلة من العلماء تقدم ذكر بعضهم ودليلهم على النجاسة، فلازم قول من قال بنجاسة هذه الرطوبة هو القول بتحريم لعق الأعضاء التناسلية للمرأة لما تقدم من الإجماع على تحريم مباشرة النجاسة بالفم واللسان، وقد تقدم أن ممن قال بالنجاسة الشيخ ابن باز وعبد الرزاق عفيفي وابن غديان من علماء هذا العصر.

الوجه السادس: ما قيل من نجاسة المني ودلالته على التحريم
وهذا الوجه كسابقه من باب الإلزام لمن يقول بنجاسة مني الآدمي وهو مذهب الحنفية واختاره بعض المحققين كالشوكاني، ولازم ذلك هو القول بتحريم لعق الأعضاء التناسلية للجنسين كما تقدم بيانه.

الوجه السابع: قذارة إفرازات الفرجين ودلالتها على التحريم
وهو وجه قوي في الدلالة على التحريم، لنص القرآن على تحريم الخبائث، واتفاق المعتبرين ممن أهل العلم على أن الخبث دليل على التحريم، وقد بينا هناك أن ما يجري بين الزوجين من الإفرازات قد صح بالنص تسميته أذى واستدل بذلك على النجاسة فدل على تحريم هذه الفعلة الشنيعة.

الوجه الثامن: الضرر الصحي لهذه الفعلة ودلالته على التحريم
وهو وجه من القوة بمكان، وقد تقرر عن طريق دراسة طبية حديثة أن ممارسة هذه الفعلة ينجم عنها سرطان الفم ويزيد بسببه إن كان الشخص مصابا به قبل ذلك، وقد تقرر أن من علم حجة على من لم يعلم، وأن من قال بعدم وجود الضرر فيه إنما بناه على معلومات غير صحيحة، وفي القواعدة الفقهية أنه" لا عبرة بالخطأ البن خطؤه "، كما تقرر فيما سبق الترابط والمناسبة بين التحريم والضرر من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
وعليه فهذا الوجه قوي جدا في الدلالة على التحريم لما علم من تحريم ذوات الأضرار على النفس في الشريعة الإسلامية، وهو يدل على تحريم هذا النوع من العشرة على الجنسين ( الذكور والإناث ).


ثانيا: في الرد على شبهات المبيحين
وقد تم العثور على خمس شبهات مما احتج به من ذهب إلى الإباحة، وهي:

الشبهة الأولى: الاستدلال بالبراءة الأصلية والإباحة العقلية
وفي الرد على هذه الشبهة بينا أن الاستدلال بالبراءة الأصلية من أضعف الأدلة، وأنه لا يصار إليها إلا عند عدم الدليل المعتبر، وأن الأمر هنا ليس كذلك، كما بينا أن رفع الاستصحاب لا يعتبر نسخا، فلا يكون هناك ناسخ ومنسوخ، إذ لا تعارض بين الدليل الرافع للبراءة العقلية (الأصلية) وبين البراءة نفسها.
وبينا أيضا أن القياس بجميع أنواعه أقوى من البراءة الأصلية، فلا يبقى فيها متمسك للقول بالإباحة، لعدم قوة هذه البراءة في معارضة الأدلة المتعددة.

الشبهة الثانية: الاستدلال بالقياس على النظائر المباحة
وفي الرد على هذه الشبهة بينا أن هذا القياس المزعوم غير صحيح لوجهين:
أولهما: أنه من القياس مع الفارق، وبينا أن الفارق بين المقيس والمقيس عليه من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أنه لا يوجد في هذه النظائر المذكورة مثل ما يوجد في الفم واللسان من الحرمة والتكريم عن النجاسات، فقياسه على هذه النظائر التي لا تشاركه في هذا التكريم والصيانة من النجاسات من باب القياس مع الفارق.
الوجه الثاني: أنه ليس في هذه النظائر من حرمة أكل النجاسة المستلزم لمباشرتها مثل ما في الفم واللسان، وذلك لأن الفم هو موضع الأكل وتناول الطعام، وليس التفخيذ ونحوه مما ذكر كذلك فافترقا.
الوجه الثالث: أن تحريم الخبائث ينطبق لزوما على الفم واللسان بخلاف الفخذ وما ذكر معها من النظائر، فلا يصح إلحاقهما بها، وهذا وجه ثالث للفرق بينهما.
ثانيهما: أنه يجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا، وكل النظائر المذكورة من باب التابع، وليس الفم واللسان كذلك، فدل على عدم صحة القياس على هذه النظائر المذكورة.

الشبهة الثالثة: الاستدلال بمفهوم المباشرة المباحة
وفي الرد على هذه الشبهة الواهية ذكرنا أنها باطلة من وجهين:
الوجه الأول: أن المراد بقوله " خارجا منه " المفاخذة ونحوها مما يجوز تبعا لا استقلالا كما تقدم في موضعه، وأن هذا هو مراد الشيخ الألباني رحمه الله تعالى وهو الصواب، بدليل أنه صح من حديث عائشة نفسها تحريم الوطء في الفرج مدة الحيض.
الوجه الثاني: أن لازم هذا الفهم الافتراء على المحدث الألباني في أنه يجيز إتيان المرأة في دبرها لأنه لم يستثن هنا، والدبر داخلة في العموم المزعوم، وهذا غير صحيح لأن الشيخ بين في فصول هذا الكتاب المبارك تحريم ذلك، ورد على القاسمي في تضعيفه لأحاديث التحريم، وهذا يدل على أن الشيخ لم يفهم من هذه العبارة العموم وإلا لاستثنى من العموم تحريم الدبر.
فإن قيل: ذلك مخصوص من عموم المباشرة المباحة للدليل الخاص ؟ قلنا: كذلك لعق الأعضاء التناسلية ومصها مخصوص من هذا العموم – إن صحت الدعوى – للدليل الخاص المتقدم .

الشبهة الرابعة: إيراد حلول لتجنب النجاسة ومباشرتها
وفي الرد على هذه الشبهة ذكرنا أنها باطلة لثلاثة أمور:
الأول: أن هذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على قوة هذا الدليل، وصحة دلالته على التحريم وإلا لما لجأ صاحبها إلى الحيل، وذكرنا أن الحيل على المحرمات ممنوعة شرعا.
الثاني: أن هذه الحيلة لو نفعت مع مباشرة النجاسة فلا تنفع مع قياس الفم على اليمين كنا بينا أن لمس اليمين بالفرج بآلة مع وجود النجاسة هو المقصود بالنهي.
الثالث: أن تعليل النهي المذكور بالكرامة والصيانة يقتضي تحريم هذه الفعلة ولو بعد اللف المذكور، لأنه لا يرفع الإهانة، ولا يزال موضعا مهينا مستقذرا.

يؤيده: أن القذارة المذكورة في الوجه السابع ووجوب صيانة الفم واللسان عن الأماكن القذرة لا ترتفع بلف الأعضاء التناسلية فلزم بقاء التحريم .

الشبهة الخامسة: أقوال بعض العلماء
وهو أن بعض العلماء أباح لحس فرج النساء وعدوها من باب التمتع المباح بين الزوجين، وقالوا: قد أباح الشرع للرجل من زوجته ما هو أبعد من ذلك وهو المجامعة.
وفي الرد على هذه الشبهة بينا أن هذا قول لا يصح الاعتماد عليه لوجهين:
الأول: أن هذه أقوال لا دليل عليها، وقد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن أي أحد من أفراد الأمة وعلمائها لا بد لقوله من دليل، وصح عن الأئمة المتبوعين النهي عن أخذ قولهم ما لم يعرف دليل ذلك القول، كما صح عنهم ضرب قولهم عرض الحائط إذا خالف الدليل المعتبر، وقد قام الدليل على خلاف قول من أباح ذلك رحمهم الله تعالى، وقد تقرر أن أقوال العلماء يستدل لها ولا يستدل بها، ومن كان عنده دليل معتبر في ذلك فليتحفنا به.
الثاني: أن هذا من تتبع زلات العلماء، وقد جاء التحذير عن غير واحد من العلماء ونقلنا جملة طيبة منها في هذه الرسالة، يعرف من مراجعتها عدم صحة الاعتماد على مثل هذه الهفوات والله أعلم.
__________________
يا نفس إن الحق ديني
فتذللي ثم استكيني
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 30-04-05, 10:12 PM
نايف حمد علي نايف حمد علي غير متصل حالياً
 
تاريخ التسجيل: 11-04-05
الدولة: الكويت.
المشاركات: 31
افتراضي

السلامُ عليْكم ورحمَة الله وبركاته .
أخي الفاضل :
قلتَ :{ فهذه رسالة مختصرة في مسألة من نوازل الزمان} .
أقولُ : كيْف تكونُ هذِهِ المَسْألَة مِنْ نوازِل الزّمَان وَقدْ تكلّم فيْها العُلمَاءُ مِنْ قبْل مئاتِ السّنين في مُصنّفاتِهم الفقهيَّة ؟؟
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 01-05-05, 01:14 AM
محمد رشيد محمد رشيد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 27-12-02
المشاركات: 1,151
افتراضي

أخي نايف حفظه الله كلامه في محله .. و قد تعجبت مما عجب منه .. و أداعب أخي أبا عبد الباري و أقول : فعلك هذا يشبه أن يكون مصادرة على المطلوب .. فكأنك تقرر قبل طرح الأجلة أن هذه نازلة قابلة للنقاش .. و ليست أمرا غريزيا وقوده الرغبة بين الزوجين
__________________
شبكة الشريعة التخصصية
www.sharee3a.net
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 03-05-05, 03:42 PM
أبو عبدالرحمن بن أحمد أبو عبدالرحمن بن أحمد غير متصل حالياً
وفقه الله
 
تاريخ التسجيل: 03-08-04
المشاركات: 853
افتراضي

جمهور الفقهاء على الجواز ، نقلته باحثة في رسالة ماجستير لها من أم القرى ، والكراهة عند الحنابلة بعد الجماع لا قبله ، نقل ابن القطان وابن العربي والقرطبي عن مالك أنه سُأل عن جواز النظر الرجل إلى فرج زوجته فقال ( وله أن يلحسه بلسانه) ، والمعاصرين أذكر منهم الشيخ ابن جبرين في فتاوى له عن النساء ، ومشهور بن حسن في المروءة

وقد أحسن الأخوين نايف ورشيد في أنها ليست بنازلة ، بل لا علاقة لها بالغرب ، لأن مالك قاله قبل أكتشاف أمريكا
__________________
أسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:57 AM.


vBulletin الإصدار 3.8.11

حَيَّاكُمُ اللهُ فِيْ مُلْتَقَى أَهْلِ الْحَدِيْثِ

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.